مشرف1
10-08-2006, 04:22 PM
ماذا تعلمت إسرائيل سياسياً من حرب "المصائد"؟
شاكر النابلسي
لا بأس أن نعرف الدروس المبدئية التي تعلمتها إسرائيل من حربها مع حزب الله،كما تعترف بها النخب الإسرائيلية المختلفة. فمن المبكر جدا،ً أن نقرر كافة الدروس التي وعتها وتعلمتها إسرائيل من حرب "المصائد" الدائرة الآن في لبنان. وقد سبق وأطلقنا على هذه الحرب، حرب "المصائد"، أو حرب "الأفخاخ"، لأن حزب الله نصب فخاً لإسرائيل لاستدراجها إلى مواجهة معه لاعتبارات محلية سياسية لبنانية تتعلق بتموضع حزب الله في لبنان، ولاعتبارات إقليمية تتعلق بوضع إيران وسوريا في المنطقة، ولاعتبارات دولية تتعلق بوضع أمريكا عامة في منطقة الشرق الأوسط. وكل هذه الاعتبارات أصبحت واضحة ومعروفة للعيان ولا مجال لتكرارها. كما أن إسرائيل كانت تنتظر هذه المناسبة لكي تصفي حسابها مع حزب الله بالوكالة ومع إيران وحلفائها في المنطقة بالأصالة، وبالتالي مع كافة المنظمات الدينية الفلسطينية المسلحة. وهذه الاعتبارات جميعها أصبحت معروفة ومفهومة لدى معظم المراقبين والمحللين السياسيين المبصرين في المنطقة، وإن أنكرها المنكرون، وعمي عنها الغافلون، وتغاضى عنها المجحفون.
-2-
يُعرف عن اليهود بأنهم بطيئو التعلّم، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بأمنهم القومي، الذي ما زالوا يخشون عليه خشية كبيرة، رغم مضي أكثر من نصف قرن على إقامة دولة إسرائيل، واعتراف دولتين عربيتين بها رسمياً، واعتراف أكثر من دولة عربية بها ضمنياً، ولقاء أكثر من مسؤول عربي بمسؤولين إسرائيليين. ولكن الإسرائيليين بدؤوا سريعاً هذه المرة، ومن خلال حرب "المصائد" في تعلم الشيء الكثير من هذه الحرب على المستوى السياسي والعسكري.
-3-
لقد تعلّم الإسرائيليون من حرب "المصائد" هذه دروساً سياسية كثيرة، منها:
1- أن الإسرائيليين قد أخطأوا، عندما أهملوا في الماضي والحاضر، "حركة أمل" المعتدلة في لبنان. فكان هناك أمام إسرائيل خيار آخر للتعامل مع الشيعة اللبنانيين غير حزب الله، وهو استعمال الأكثرية الشيعية غير المتشددة كحركة أمل لتناهض حزب الله. فيما لو علمنا أن أمل وحزب الله يتنافسان منذ 1982 (تاريخ إنشاء حزب الله) وحتى الآن على كسب الأغلبية الشيعية في لبنان، رغم كل هذا الائتلاف السياسي الظاهري بينهما الآن. ووقعت بينهما مذابح كبيرة، كان أشهرها مذبحة "إقليم التفاح" التي راح ضحيتها عام 1985، أكثر من خمسمئة عنصر من حركة أمل ذبحوا بالسكاكين، من قبل عناصر من حزب الله. وفي لبنان يوجد من يطمح إلى تطوير الطائفة الشيعية وتقدمها، والحفاظ على لبنان في نظامه الحالي الطائفي، مع العيش باتساق ووفاق مع سائر الطوائف. فحركة أمل ما تزال قوة لا يُستهان بها، حتى بعد أن خيّبت آمال شيعة كثيرين في السنين الأخيرة بسبب مظاهر الفساد التي ظهرت فيها، بحيث انصرف التأييد الشيعي لحزب الله، الذي أدى خدمات اجتماعية وثقافية وصحية كبيرة لمنطقة الجنوب. ولكن إذا ما أظهرت حركة أمل جدية في إعادة البناء، وغوثاً مخلصاً لسكان الجنوب الذين يلقون المعاناة، والذين سيعودون إلى بيوتهم المهدمة في أعقاب مغامرة حزب الله، فسيكون لها جميع الاحتمالات بأن تحظى بتأييدهم. وسوف يصد سكان الجنوب اللبناني عن تمكين حزب الله من إعادة بناء نفسه بينهم، بعد أن شهدوا الدمار الذي جلبه لهم حزب الله، خاصة إذا أصبحت لهم راية أخرى شريفة ومخلصة ينضوون تحتها. وهذا ما تأمله إسرائيل كما جاء على لسان إسحق بيلي، المستشار السابق في شؤون الشيعة في وزارة الدفاع الإسرائيلية (يديعوت أحرونوت،30/7/2006).
2- لقد تعلمت إسرائيل أن مزيداً من الحروب مع جيرانها - حتى ولو كسبت هذه الحروب - يعني مزيداً من الكراهية، ومزيداً من الابتعاد عن فرص السلام الدائم والشامل في المنطقة. ويقول حتى المؤمنون بأسلوب القوة العسكرية الإسرائيلية، إنه كلما ازدادت حروب إسرائيل مع جيرانها، فقدت إسرائيل قدرة ردعها العسكري، ولهذا أصابتها النوائب. لكن إسرائيل - كما يرى المراقبون من داخل إسرائيل نفسها - فقدت قوة أكثر من فقدها لقوة الردع. لقد فقدت قدرتها على الإصغاء للآخرين. فالقدرة على الإصغاء فقط، رغم الكوارث، هي التي تُفضي في نهاية الأمر إلى المباحثات السلمية. ويرى بعض المراقبين الإسرائيليين ومنهم تسفيا فلدان، المحاضر في علوم اللغة في معهد بيت بيرل، أنه ما دام لا يوجد أمام إسرائيل غير التفاوض لإحلال السلام في المنطقة، وأن الجميع سيجلسون على مائدة المفاوضات في النهاية، فإن من الأفضل لإسرائيل أن تكون المبادرة إلى الجلوس على مائدة المفاوضات بغير شروط (هآرتس، 30/7/2006). ويضيف فلدان بقوله: علينا ألا نطمح إلى العيش بجانب جيران يكرهوننا، بل بقرب دول تعترف بنا. علينا أن نُخلّص أنفسنا من الإحساس بالمطاردة. وأن ندرك أن للعرب أيضاً مصلحة في أن يقيموا معنا علاقات طبيعية، كما تشهد أمثلة تعاون دول مجاورة في مجالات الزراعة والسياحة. فمن الواضح - كما يقول فلدان - أن هناك الكثيرين من الفلسطينيين والعرب الذين يعيشون حولنا يعارضون سياسة المنظمات الإرهابية، لكنهم في الوقت نفسه، لن يصفحوا لنا عن محاولاتنا لسحقها من أجل ضمان وجودنا.
3- تقرُّ بعض النخب الإسرائيلية، وخاصة النخب الأكاديمية منها، ومنهم - مثالاً لا حصراً - يورام ميتال أستاذ العلوم السياسية بجامعة بن جوريون بالنقب، ومؤلف كتابين مهمين: "صراع مصر مع السلام"، و"السلام الممزق"، بأن على إسرائيل أن تتخلّى عن لغة الغطرسة التي يستعملها المسؤولون وكبار الضباط العسكريين. فاللغة المتغطرسة التي تستعملها إسرائيل الآن تُبين التغيرات التي طرأت عليها خلال السنوات الماضية. فإسرائيل - وقد ركبها الغرور - لم تعد تتحدث عن معركة وجهاً لوجه، ولم يعد هؤلاء العسكريون يقولون بالتغلّب على العدو، بل أيضاً بالقضاء عليه، واستئصاله.
إن أسلوب الكلام الحماسي المليء بالعجرفة، والتصريحات المثيرة لعواطف الآخرين من جيراننا، لا يلائم جميع مواطني إسرائيل. علينا أن نبحث عن سبيل للسماع وللإصغاء قبل العمل. علينا أن نصغي وأن نجعل الآخرين يتحدثون. علينا أن نرى بؤبؤ عيونهم لا بياضها فقط، كما قال أيضاً تسفيا فلدان.
وهناك الكثير من الدروس السياسية الأخرى التي تعلمتها إسرائيل من هذه الحرب، والتي ستتكشف بعد انتهاء هذه الحرب، آجلاً أم عاجلاً.
* كاتب وناقد أردني
شاكر النابلسي
لا بأس أن نعرف الدروس المبدئية التي تعلمتها إسرائيل من حربها مع حزب الله،كما تعترف بها النخب الإسرائيلية المختلفة. فمن المبكر جدا،ً أن نقرر كافة الدروس التي وعتها وتعلمتها إسرائيل من حرب "المصائد" الدائرة الآن في لبنان. وقد سبق وأطلقنا على هذه الحرب، حرب "المصائد"، أو حرب "الأفخاخ"، لأن حزب الله نصب فخاً لإسرائيل لاستدراجها إلى مواجهة معه لاعتبارات محلية سياسية لبنانية تتعلق بتموضع حزب الله في لبنان، ولاعتبارات إقليمية تتعلق بوضع إيران وسوريا في المنطقة، ولاعتبارات دولية تتعلق بوضع أمريكا عامة في منطقة الشرق الأوسط. وكل هذه الاعتبارات أصبحت واضحة ومعروفة للعيان ولا مجال لتكرارها. كما أن إسرائيل كانت تنتظر هذه المناسبة لكي تصفي حسابها مع حزب الله بالوكالة ومع إيران وحلفائها في المنطقة بالأصالة، وبالتالي مع كافة المنظمات الدينية الفلسطينية المسلحة. وهذه الاعتبارات جميعها أصبحت معروفة ومفهومة لدى معظم المراقبين والمحللين السياسيين المبصرين في المنطقة، وإن أنكرها المنكرون، وعمي عنها الغافلون، وتغاضى عنها المجحفون.
-2-
يُعرف عن اليهود بأنهم بطيئو التعلّم، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بأمنهم القومي، الذي ما زالوا يخشون عليه خشية كبيرة، رغم مضي أكثر من نصف قرن على إقامة دولة إسرائيل، واعتراف دولتين عربيتين بها رسمياً، واعتراف أكثر من دولة عربية بها ضمنياً، ولقاء أكثر من مسؤول عربي بمسؤولين إسرائيليين. ولكن الإسرائيليين بدؤوا سريعاً هذه المرة، ومن خلال حرب "المصائد" في تعلم الشيء الكثير من هذه الحرب على المستوى السياسي والعسكري.
-3-
لقد تعلّم الإسرائيليون من حرب "المصائد" هذه دروساً سياسية كثيرة، منها:
1- أن الإسرائيليين قد أخطأوا، عندما أهملوا في الماضي والحاضر، "حركة أمل" المعتدلة في لبنان. فكان هناك أمام إسرائيل خيار آخر للتعامل مع الشيعة اللبنانيين غير حزب الله، وهو استعمال الأكثرية الشيعية غير المتشددة كحركة أمل لتناهض حزب الله. فيما لو علمنا أن أمل وحزب الله يتنافسان منذ 1982 (تاريخ إنشاء حزب الله) وحتى الآن على كسب الأغلبية الشيعية في لبنان، رغم كل هذا الائتلاف السياسي الظاهري بينهما الآن. ووقعت بينهما مذابح كبيرة، كان أشهرها مذبحة "إقليم التفاح" التي راح ضحيتها عام 1985، أكثر من خمسمئة عنصر من حركة أمل ذبحوا بالسكاكين، من قبل عناصر من حزب الله. وفي لبنان يوجد من يطمح إلى تطوير الطائفة الشيعية وتقدمها، والحفاظ على لبنان في نظامه الحالي الطائفي، مع العيش باتساق ووفاق مع سائر الطوائف. فحركة أمل ما تزال قوة لا يُستهان بها، حتى بعد أن خيّبت آمال شيعة كثيرين في السنين الأخيرة بسبب مظاهر الفساد التي ظهرت فيها، بحيث انصرف التأييد الشيعي لحزب الله، الذي أدى خدمات اجتماعية وثقافية وصحية كبيرة لمنطقة الجنوب. ولكن إذا ما أظهرت حركة أمل جدية في إعادة البناء، وغوثاً مخلصاً لسكان الجنوب الذين يلقون المعاناة، والذين سيعودون إلى بيوتهم المهدمة في أعقاب مغامرة حزب الله، فسيكون لها جميع الاحتمالات بأن تحظى بتأييدهم. وسوف يصد سكان الجنوب اللبناني عن تمكين حزب الله من إعادة بناء نفسه بينهم، بعد أن شهدوا الدمار الذي جلبه لهم حزب الله، خاصة إذا أصبحت لهم راية أخرى شريفة ومخلصة ينضوون تحتها. وهذا ما تأمله إسرائيل كما جاء على لسان إسحق بيلي، المستشار السابق في شؤون الشيعة في وزارة الدفاع الإسرائيلية (يديعوت أحرونوت،30/7/2006).
2- لقد تعلمت إسرائيل أن مزيداً من الحروب مع جيرانها - حتى ولو كسبت هذه الحروب - يعني مزيداً من الكراهية، ومزيداً من الابتعاد عن فرص السلام الدائم والشامل في المنطقة. ويقول حتى المؤمنون بأسلوب القوة العسكرية الإسرائيلية، إنه كلما ازدادت حروب إسرائيل مع جيرانها، فقدت إسرائيل قدرة ردعها العسكري، ولهذا أصابتها النوائب. لكن إسرائيل - كما يرى المراقبون من داخل إسرائيل نفسها - فقدت قوة أكثر من فقدها لقوة الردع. لقد فقدت قدرتها على الإصغاء للآخرين. فالقدرة على الإصغاء فقط، رغم الكوارث، هي التي تُفضي في نهاية الأمر إلى المباحثات السلمية. ويرى بعض المراقبين الإسرائيليين ومنهم تسفيا فلدان، المحاضر في علوم اللغة في معهد بيت بيرل، أنه ما دام لا يوجد أمام إسرائيل غير التفاوض لإحلال السلام في المنطقة، وأن الجميع سيجلسون على مائدة المفاوضات في النهاية، فإن من الأفضل لإسرائيل أن تكون المبادرة إلى الجلوس على مائدة المفاوضات بغير شروط (هآرتس، 30/7/2006). ويضيف فلدان بقوله: علينا ألا نطمح إلى العيش بجانب جيران يكرهوننا، بل بقرب دول تعترف بنا. علينا أن نُخلّص أنفسنا من الإحساس بالمطاردة. وأن ندرك أن للعرب أيضاً مصلحة في أن يقيموا معنا علاقات طبيعية، كما تشهد أمثلة تعاون دول مجاورة في مجالات الزراعة والسياحة. فمن الواضح - كما يقول فلدان - أن هناك الكثيرين من الفلسطينيين والعرب الذين يعيشون حولنا يعارضون سياسة المنظمات الإرهابية، لكنهم في الوقت نفسه، لن يصفحوا لنا عن محاولاتنا لسحقها من أجل ضمان وجودنا.
3- تقرُّ بعض النخب الإسرائيلية، وخاصة النخب الأكاديمية منها، ومنهم - مثالاً لا حصراً - يورام ميتال أستاذ العلوم السياسية بجامعة بن جوريون بالنقب، ومؤلف كتابين مهمين: "صراع مصر مع السلام"، و"السلام الممزق"، بأن على إسرائيل أن تتخلّى عن لغة الغطرسة التي يستعملها المسؤولون وكبار الضباط العسكريين. فاللغة المتغطرسة التي تستعملها إسرائيل الآن تُبين التغيرات التي طرأت عليها خلال السنوات الماضية. فإسرائيل - وقد ركبها الغرور - لم تعد تتحدث عن معركة وجهاً لوجه، ولم يعد هؤلاء العسكريون يقولون بالتغلّب على العدو، بل أيضاً بالقضاء عليه، واستئصاله.
إن أسلوب الكلام الحماسي المليء بالعجرفة، والتصريحات المثيرة لعواطف الآخرين من جيراننا، لا يلائم جميع مواطني إسرائيل. علينا أن نبحث عن سبيل للسماع وللإصغاء قبل العمل. علينا أن نصغي وأن نجعل الآخرين يتحدثون. علينا أن نرى بؤبؤ عيونهم لا بياضها فقط، كما قال أيضاً تسفيا فلدان.
وهناك الكثير من الدروس السياسية الأخرى التي تعلمتها إسرائيل من هذه الحرب، والتي ستتكشف بعد انتهاء هذه الحرب، آجلاً أم عاجلاً.
* كاتب وناقد أردني