المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عندما تكتشف هوليوود إفريقيا


محررة الرياض
04-06-2007, 07:42 AM
عندما تكتشف هوليوود إفريقيا

أفلام سياسية ملتبسة نوعاً ما

ميشال غالي

"وداعاً بافانا"... :نلسون منديلا، أحد آخر الرموز التوافقية في العالم، من وجهة نظر رجل أبيض، هو حارسه في جزيرة "روبّن" حيث أمضى الزعيم المناهض للتمييز العنصري ثلاثين عاماً من حياته. لكن هل تكفي المبالغة لإطلاق نضال سياسي، وهل تصنع النوايا الطيبة سينما جيّدة؟ خصوصاً إذا كانت الشهادة مشكوكاً فيها.

وماذا لو كان ازدهار الأفلام الغربية حول إفريقيا، "الماس الدموي" أو "آخر ملوك اسكوتلندا " ، يساهم، وسط الالتباس والتأثّر المشترك، في إعادة الاكتشاف العالمية للقارة السوداء وكذلك في استتباعها الرمزي؟ يفترض بنا للوهلة الأولى الترحيب بالسينما المناضلة، كما يعرّف عنها، التي تتناول المسائل السياسية الحقيقية: الديكتاتوريات والنضالات ضد التمييز العنصري! فلنقارنها بـ"الأفلام الذرائعية" السابقة، سواء أسعت وراء الجمالية مثل "خارج إفريقيا" أم كانت كاريكاتورية بمفعول رجعي مثل "ملكة إفريقيا": مغامرات خائبة أو تشرّدية يقوم بها غربيون هامشيون، فيما تُستخدم إفريقيا وسكانها مجرد خلفية أو ديكور!

هل خرجنا فعلاً من هذا النمط؟ في الأفلام الحديثة العهد، ما يزال الأبيض الذي يقوم بصلة الوصل كليّ الحضور، أكان وقحاً أم لطيفاً، وما يزال المشاهد الغربي مدعواً للتماهي معه. هذه الشخصيات المأخوذة من روايات تحمل العناوين نفسها تدلّ بالطبع على موقعٍ ما للبيض في القارة السوداء، قبالة الأفارقة أنفسهم. لكن ألا يدّعي هؤلاء أيضاً الهوية الأفريقية، في التباس عزيز على قلب الاستعماريين المعاصرين، أمثال المرتزق الذي يلعب دوره الممثل ليوناردو دي كابريو؟ أو يسعون، مهما كان الثمن، لتبنّي هذه الهويّة الأفريقية، على غرار الطبيب الاسكتلندي الشاب والذي يجد نفسه مقرّباً من عيدي أمين دادا؟ أو نوع من "أخ صغير" لمانديلا فيما يخص حارس سجنه في جزيرة "روبّن" والذي يسترجع بالمناسبة طفولته الأفريقية؟ مرتزقة، حرّاس سجون، عاملين في الحقل الإنساني... صورة بيضاء غريبة تعكسها هذه الأفلام، في مطلق الأحوال...

إفريقيا قارة جديدة في مجال تمثيل الأحداث، وهي باب مغرٍ بهذا المعنى. ويؤدي بعض التساهل في تصوير مشاهد الحرب والعنف إلى خطر إظهار أسوأ الصور النمطية أمام المشاهد، على غرار "في قلب الغياهب الإفريقية" (لكونراد، فيلم كوبولا "القيامة الآن"): أذرع مبتورة من فعل "الجبهة الثورية الموحّدة" في سيراليون، أو تقطيع الأعداء العديدين للديكتاتور الأوغندي. وفي ما يتجاوز الوقائع المشئومة، قد لا يكون ذلك كله سوى تصوير لفكرة جورج بوش التي تحوّل كل متمرّد على "النظام العالمي" إلى وحش أو مجرم. لكننا ننسى أن أسوأ الديكتاتوريات هي حكومات الدمى في سيراليون أو ليبيريا والتي تتاجر أيضاً بالماس والخشب، وتطول الثورات المسلّحة فيها بحيث تبقى هذه الحكومات بفضل المساعدات و"قوات حفظ السلام" التابعة للنظام الدولي.

ومع ذلك... إذا كان الإنتاج "فاحشاً" في بعض جوانبه - كأن تبلغ تكاليف "الماس الدموي" مئة مليون دولار في الوقت الذي تبلغ فيه موازنة سيراليون 700 مليون دولار - فإن السيناريوهات هي غالباً أكثر مهارةً من بعض المشاهد التي تتوخى الصدمة. ففي "الماس الدموي"، يهاجر القروي الأفريقي إلى لندن مع عائلته حيث يصبح مليارديراً (عملاً بمبدأ النهايات السعيدة...). وما انتصاره أمام نخبة غربية تُطلق "مسار كيمبرلي" ضد تهريب الماس "الدموي"، سوى نوع من الاعتراف، أخيراً، ببطل أفريقي في صفة "الفاعل".

نلحظ في "وداعاً بافانا" تأثير المشاعر الإنسانية، على صورة علاقة منديلا مع سجّانه. لكن أليس علينا أيضاً، ومن منظور أقل شاعرية، أن نلحظ تأثير اللوبي الأفرو-أميركي؟ إذ يمكننا أن نفترض بين السطور أن هذه الأفلام تحدّثنا أيضاً عن مجتمعاتنا الغربية، عن المخاطرة - ربما خارج أوانها - برؤية "مجتمع قوس القزح" الذي ليس حكراً بالضرورة على إفريقيا الجنوبية...