المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حول أسطورية تنظيم «القاعدة»


ابو ماجد التميمي
15-08-2005, 11:24 AM
حول أسطورية تنظيم «القاعدة»








د. محمد الغزي

alguzzy@maktoob.com
14/8/2005



تركز وسائل الإعلام الغربية والعربية بشكل مكثف على نقل ونشر تهديدات تنظيم «القاعدة» ، وتقوم أجهزة المخابرات والشرطة في الولايات المتحدة وبريطانيا بإصدار تحذيرات مستمرة حول شن «القاعدة» هجمات جديدة، ما يجعل «القاعدة» حاضرة في المجتمعات الغربية تلازم الناس في كل أحوالهم، فهي تمثل تهديدا مستمرا لهم يستحوذ على جزء كبير من اهتمامهم.

ولقد صنعت الولايات المتحدة وحلفاؤها من «القاعدة» أسطورة لدوافع سياسية، ورغم أن التهديدات التي وجهتها «القاعدة» للولايات المتحدة منذ أحداث سبتمبر 2001م وحتى هذه اللحظة لم تتحقق فإن صورة «القاعدة» الأسطورية مازالت ماثلة في الأذهان والقلوب. وهناك تضليل كبير من قبل المخابرات الأمريكية حول «القاعدة» ، فقد ثبت أن عشرات الإنذارات التي أطلقتها الحكومة الأمريكية بخصوص هجمات وشيكة للقاعدة على الأمريكيين هي محض إفك وافتراء، فلم تدمر «القاعدة» أي من جسور الولايات المتحدة ولم تشن أي هجوم كيميائي أو بيولوجي أو نووي على أي مدينة من مدنها.

فما حقيقة هذه الصورة الأسطورية؟ وما هي العوامل التي تساعد على تكوين هذه الصورة؟ وهل عجزت الولايات المتحدة عن محاصرة «القاعدة» والحد من قدرتها على الحركة والاتصال والتجنيد وتنفيذ تهديداتها؟ ليس من السهل الإجابة على هذه الأسئلة لتعلقها بدعاية مقصودة وتضخيم للقاعدة والمحافظة على استمرار تصويرها على أنها خطر محدق بالناس، ومع كل هذه الصعوبة فيمكن تسليط بعض الضوء على حقائق تساعد في كشف وتجسيد الحقيقة.

ليس خافيا على أحد أن الولايات المتحدة تدير حربا عالمية على الإسلام بطريقة ملتوية مضلِلة، منهج هذه الحرب هو النظريات والدراسات التي وضعها أساتذة جامعات وسياسيين يدعمون المشروع الصهيوني ولا يكفون عن توجيه الاتهام للمسلمين والإسلام باستخدام العنف والإرهاب والادعاء بتهديد الإسلام للحضارة والثقافة الغربية والهوية القومية الأمريكية.

وهؤلاء المنظرون لصدام الحضارات يضعون نظرياتهم لتبرير سياسة بلادهم ومنهجهم في الاعتداء على الأمة العربية والإسلامية واحتلال بلادها ونهب ثرواتها، لذلك فهم يعمدون إلى الابتعاد عن الحقائق وتشويهها وتلفيق التهم للمسلمين والمنهج الإسلام في التربية والأخلاق وللقيم والثقافة الإسلامية. وصناعة الولايات المتحدة لأسطورة مهولة من «القاعدة» هي أحدى هذه الوسائل التي تجعلها وحلفاءها يصبون جحيم حقدهم وكراهيتهم على الإسلام والمسلمين، وهي ذريعتهم لغزو البلاد العربية والإسلامية واحتلالها وقتل مئات الأبرياء وتدمير المدن وبث الخراب.

ويعمل "محور الإرهاب العالمي" بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على توسيع دائرة الاتهام للمسلمين شيئا فشيئا، ويصدر هذا المحور مصطلحات وأسماء تتناسب مع مراحل توسيع هذه الدائرة، فالخلايا النائمة، والجيوب المعزولة، والجاليات الغير مندمجة بشكل جيد، والمسلمين الساخطين، والجهاديين العائدين من العراق، والعرب الأفغان، وغير ذلك من التعبيرات التي يقصدون بكل منها فئات من المسلمين يتميزون بمجموعة صفات وخصائص سواء في العالم العربي أو دول غرب أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك للبدء في استهدافهم وجعلهم في مركز اهتمام الحكومات الغربية الجائرة.

ويقوم البنتاجون من حين لآخر منذ عام 2001م بالتدريب على صد هجمات إرهابية محتملة قد يستخدم المهاجمون فيها أسلحة غير تقليدية كيماوية وبيولوجية ونووية! وكل ذلك يأتي من قبيل خلق رعب مستمر في نفوس الأمريكيين يمكن الإدارة الأمريكية من تمرير سياساتها العدوانية تجاه العرب والمسلمين، ويشير استفتاء قامت به CNN ومعهد غالوب إلى أن ثلثي الأمريكيين يؤيدون استخدام إجراءات طوارئ للوقاية من هذه الهجمات المحتملة، وهذه إشارة واضحة إلى مدى نجاح الحكومة الأمريكية في نشر الذعر والخوف والاستحواذ على قلوب وعقول الأمريكيين.

ولقد أظهر استفتاء مماثل قامت به جامعة كينيبياك أن 85% من الناخبين المسجلين في الكشوف الانتخابية في مختلف أنحاء البلاد توقعوا هجوما يؤدي إلى سقوط عدد كبير من القتلى، وهناك معلومات تفيد أن نسبة كبيرة من الأمريكيين يؤمنون بقدرة «القاعدة» على شن هجوم نووي على المدن الأمريكية!، بل أن الأمريكيين بدءوا في تغيير حياتهم بما يتلاءم مع توقعاتهم بخصوص هجمات محتملة للقاعدة.

ومن الإجراءات التي تتخذها الحكومة الأمريكية للتأثير على عقول وقلوب الأمريكيين اضطرار طائرات لتحويل مسارها أو الهبوط الاضطراري، وتحذير من هجمات وشيكة على مدن كبيرة مثل نيويورك ولوس أنجلوس وشيكاغو وغيرها بشاحنات محملة بالوقود، وتشديد إجراءات التفتيش والأمن في محطات قطارات الأنفاق في واشنطن، وتحذير الرعايا الأمريكيين في البلاد العربية ودول شرق أسيا من عمليات إرهابية تنالهم وتنال المصالح الأمريكية، وإغلاق السفارات الأمريكية في تلك المناطق، والإجراءات الأمنية الغير عادية التي تتخذها السلطات الأمريكية في المطارات ومحطات القطارات.

كل ذلك أدى إلى التأثير على الرأي الأمريكي العام وجعل الإرهاب شيئا جوهريا في حياتهم، حتى أنه أصبح لهذه التحذيرات والإجراءات تأثيرا على عملية توزيع الأموال الاتحادية المخصصة للأمن، ولقد شكا بعض المسئولين الأمريكيين بعدم العدل في توزيع الأموال، وبضرورة توزيعها حسب احتمال التعرض لهجمات إرهابية، بمعنى أن الشعب الأمريكي سوف يرضخ لخطط حكومته بشن حربا طويلة المدى على الإسلام والمسلمين.

والملفت للانتباه أن الجهة الوحيدة التي تتهمها الولايات المتحدة بشن هجمات إرهابية هي «القاعدة» ، وهي قد تعرضت إلى السحق العنيف في أفغانستان وإلى المطاردة المستمرة في الباكستان وفي الجزيرة العربية، فهل تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها كل هذا التحسب من «القاعدة»؟ في الحقيقة أن هذه الإجراءات مقصودة بحد ذاتها لخلق أجواء ومبررات شن الحرب العالمية على الإسلام والمسلمين التي أعلن –ومازال يعلن– عنها بوش الذي صرح الشهر الماضي أن هناك طريقة وحيدة لعزم الإرهاب وهي "سياسة نقل المعركة إلى أرض العدو وقتاله إلى أن يهزم ".

إن حجم وقوة «القاعدة» وقدرتها على الاتصال والتخطيط للهجمات في مناطق متشتتة في العالم كله هو مثار جدل كبير في الأوساط الغربية خاصة بين المختصين بدراسة الإرهاب والحركات الإسلامية، وأصبح كل ما يتعلق بـ «القاعدة» مادة إعلامية يستخدمها اليهود والصهاينة لبث دعاياتهم وأفكارهم المسمومة ونعت الإسلام بما هو بريء منه من تطرف وعنف عشوائي وإرهاب وكراهية.

لكن الحقيقة مغايرة لكل ما يدعيه السياسيون الصهاينة وخبراء الإرهاب والباحثين في مجاله، وهي مغايرة أيضا لأكاذيب وافتراءات الحكومة الأمريكية وحلفاؤها، فقد تعرضت «القاعدة» في أفغانستان للسحق من قبل طائرات B-52، وقد فر معظم من بقي إلى المناطق الباكستانية المجاورة لأفغانستان، وقد أعلن الرئيس الباكستاني مشرف أنه قضى على معظم أفراد «القاعدة» في الباكستان، ومن المعلوم أن القوات الباكستانية تنشر عشرات الآلاف من جنودها في منطقة وزيرستان لمحاصرة «القاعدة» وطالبان.

وأعلن مشرف أيضا أنه قضى على قدرة «القاعدة» على الاتصالات وذلك بعد أن ألقى القبض على خبير الاتصالات فيها، ومعنى ذلك أنه لم يعد للقاعدة إلا عدد محدود جدا من وسائل الاتصالات التي غالبا ما تعتمد على الهواتف والانترنت، ومع هذا تعجز أجهزة المخابرات الغربية التي تمتلك التكنولوجيا الأكثر تطورا على التقاط المحادثات التي تدور بين منتمين للقاعدة! فمن يصدق هذا؟

وبهذا الخصوص، فقد ذكرت مجلة Newsweek أن قائدا في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "Gary Berntsen" وجه اتهاما لرامسفيلد بخصوص عدم تمكينه من شن هجوم على من تبقى من طالبان وقادة وأفراد «القاعدة» الذين تعرضوا للاعتداء في طورا بورا، وأنه لم يقدم دعما كافيا لوكالة المخابرات الأمريكية المركزية والقوات الخاصة للبنتاغون للقضاء على أسامة بن لادن ومن فر من أتباعه إلى طورا بورا. وإن صح هذا فهو يدلل بما لا شك فيه على أن الولايات المتحدة تريد أن تستمر «القاعدة» وقادتها وأعمالها، فكما أن الأمريكيون يعتقدون أن جيش بلادهم وحلفائها قد قدم هدية للقاعدة بغزوه للعراق، فإن الأعمال المنسوبة للقاعدة هي هدية لبوش وبلير لتنفيذ مخططاتهما الشريرة.

ومن جهة أخرى يدعي خبراء الإرهاب أن الإنترنت هي أكبر وسط لقيام أفراد «القاعدة» بالاتصال والتواصل فيما بينهم، بل إنهم يدعون أيضا أن «القاعدة» تقوم بتنظيم وتجنيد مسلمين لها عن طريق مقابلتهم online، وتقوم أيضا بوضع مواد معلوماتية لصناعة الأسلحة والتدريب على شن الهجمات والعمليات، وهذا يناقض الحقيقة التي تقول أن معظم مواقع الانترنت للقاعدة مستضافة من مزودات severs موجودة في الولايات المتحدة ودول غرب أوروبا، بل إن الصحف الأمريكية ذكرت أن أحد المواقع الذي يرقد في هيوستن هو أول من أعلن مسؤولية «القاعدة» عن تفجيرات لندن.

وخلاصة الأمر أن الولايات المتحدة وحلفائها لا يستطيعون المضي في حربهم على الإسلام والمسلمين بدون وجود «القاعدة» والأعمال التي تنسب إليها، ومن حين لآخر –كلما لزم الأمر– يخرج شريط مرئي أو سمعي مسجل لأيمن الظواهري أو لأسامة بن لادن يؤكد المخاوف والتحذيرات التي تطلقها الحكومات الأمريكية والبريطانية والغربية الأخرى، ويؤكد وجود «القاعدة» في شتى أنحاء العالم، وهذا يعطي مبررا للانتقال إلى خطوة أعمق في شن الحرب على المسلمين خاصة الجاليات الإسلامية والعربية في الغرب.

لقد آن الأوان لأن يقف مثقفو وعلماء الأمة لحظة تأمل للتفكير في الوسائل التي يمكن أن تنقذ الأمة العربية والإسلامية من هذه الورطة، وفضح المحافظين الجدد والصهاينة وأعداء الإنسانية.