تركي فيصل الرشيد
02-07-2009, 07:19 PM
مجلس الأمن الوطني... متى يُؤتي أُكله؟
يظل مجلس الأمن الوطني السعودي لأكثر من ربع قرن دون أي ذكر أو نشاط حتى إن أغلب السعوديين لا يعرفون بوجوده على رغم انه يوجد في هذا الجهاز الكثير من الموظفين يتمتعون بكامل المميزات والانتدابات
بقلم تركي فيصل الرشيد
قبل سنوات عدة كان العاهل السعودي أعلن إعادة تنظيم مجلس الأمن الوطني السعودي كخطوة جديدة وجيدة في الطريق الصحيح ضمن سعي القيادة بالمملكة إلى تحسين آلية صناعة القرار الأمني والسياسي في الدولة. وجاءت هذه الخطوة كذلك في سياق إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتطويرها استجابة للتغيرات الجذرية التي تشهدها البيئة الداخلية والإقليمية والدولية المحيطة بالمملكة، وذلك على النحو الذي يجعلها قادرة على التعامل بفاعلية مع التحولات الخطيرة والسريعة التي تشهدها المنطقة، وعَيّن الملك عبدالله بن عبدالعزيز الأمير بندر بن سلطان أميناً عاماً لمجلس الأمن الوطني السعودي بمرتبة وزير، خلفاً لسعد الناصر السديري الذي كان أميناً عاماً للمجلس وعين رحاب بن محمد إبراهيم مسعود نائباً مساعداً للأمين العام لمجلس الأمن الوطني بالمرتبة الممتازة.
يشبه هذا المجلس في مهامه مهام مستشار الأمن القومي الأميركي، إذ إن الرئيس ورغم إدارته الكاملة لشؤون البلاد هناك إلا أنه ليس دائمًا على صواب، وذلك ما أكدته خبرات العديد من الإدارات الأمريكية. فالرئيس لا يعلم كل شيء وهو بحاجة لمستشارين أكفاء يحمونه من نفسه.
إضافة إلى ذلك، فإنه من الضروري أن يقوم مستشار الأمن القومي بإدارة القرارات التي تخص قضايا الأمن الخارجي والداخلي، وأن يُسهم في خلق خيارات حقيقية وواقعية، إلى جانب قيامه بالإشراف على القرارات التي يتخذها الرئيس، فنحن نعيش في عالم يحتاج الرئيس فيه إلى مجموعةٍ من الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاستخباراتية من أجل عمل الخيارات، وهذه وظيفة مجلس الأمن القومي.
وبناء على ذلك فإن مجلس الأمن الوطني السعودي يعتبر هيئة استشارية تقوم بإعداد الدراسات الإستراتيجية للشؤون السياسية والاقتصادية والأمنية، ويتم إثر ذلك رفع توصياتها مباشرة للملك، وهو المجلس المسؤول عن وضع سياسات الدفاع بالمملكة، وأعضاؤه يمثلون كل مفاصل الدولة المحورية.
ومن مهام هذا المجلس التخطيط للسياسة الأمنية على الصعيدين الداخلي والخارجي ودراسة وتقويم الأحداث والتطورات داخل المملكة وخارجها، مما له تأثير مباشر على أمن المملكة ومصالحها، وتحديد اختصاصات ومسؤوليات كافة أجهزة الأمن والتنسيق بينها، والتحقيق والتفتيش على كافة الأجهزة الأمنية بتوجيه من رئيس المجلس وذلك في حالات هي: الخروج بالجهاز عن مسؤولياته، الإهمال والمخالفات الخطرة، العبث بالإمكانات، نشوء أو اكتشاف حالة داخل أحد الأجهزة الأمنية تهدد الأمن العام والمصالح العليا للوطن لتحديد المسؤولية، وتحديد هيئات الاستخبارات الأجنبية الصديقة التي يمكن للأجهزة الوطنية المماثلة التعاون معها في مجالات تبادل المعلومات والخبرات، ودراسة المعلومات المتوافرة عن نوايا العدو تجاه المملكة، وتحليلها لتقرير مدى تأثيرها على أمن المملكة وسلامة شعبها وصيانة مصالحها ووحدة أراضيها، وغيرها من المهام الشائكة المتعلقة بالأمن الوطني بمفهومه الشامل.
وبهذا المجلس حديث التنظيم تُعدُّ السعودية الأولى، عربياً على الأقل، التي تبني تنظيماً حديثاً يؤطر عملية التنسيق بين أجهزتها المختلفة.
وبالنظر إلى دور مجلس الأمن الوطني السعودي بتنظيمه الذي أعلنته الحكومة السعودية، فإنه يصبح من خلال هذه الآلية محور ارتكاز حيوي للسياسات الكُبرى التي ترتكز عليها الدولة السعودية، والتي يطالُ هذا المجلس كل مفاصلها المهمة، كما أنه سيكون غرفة العمليات الأكثر ديناميكية والخاصة بأركان الحكومة السعودية إزاء المستجدات على الصُعد كافة، خصوصاً في المناحي ذات الصلة بشؤون الأمن والدفاع، وهو بذلك يستمدُّ قوة لا محدودة على اعتبار أنه ذو صلة مباشرة بالملك عبدالله بن عبدالعزيز، الهرم الأعلى في سلسلة تراتبية الحكم في السعودية.
وقد صرح الأمين العام السابق لمجلس الأمن الوطني السعودي سعد الناصر السديري بأن المسؤولين السعوديين قد وفقوا في اختيار الأمير بندر بن سلطان خليفةً له في تولي الأمانة العامّة للمجلس الوطني، معتبراً أن خلَفَه الأمير بندر يمتلك خلفيات كثيرة وتجارب دولية ستعود بالنفع الوفير على المجلس، وخصوصاً أن المجلس له نشاطات عدة تتعلق بالشؤون الدولية. وتوقع الكثيرون أن المنصب سيعززه الأمير بندر بخبرته الطويلة في واشنطن ليكون منصباً ذا فعالية أكبر ليشابه إلى حد كبير المهام التي يضطلع بها مستشارو الأمن القومي في العالم.
ولكن مع الأسف ظل مجلس الأمن الوطني السعودي لأكثر من ربع قرن دون أي ذكر، حتى إن أغلب السعوديين لا يعرفون بوجوده منذ تأسس في فترة سابقة، على رغم انه يوجد في هذا الجهاز الكثير من الموظفين يتمتعون بكامل المميزات والانتدابات ورغم ذلك لم نسمع له أي نشاط.
ويتساءل الكثير عن دور المجلس بالنسبة للمواطن العادي وهل توجد لدى المجلس إستراتيجية واضحة؟ وعن نفسي بكل أسف لم أجد الجواب الشافي.
أخيراً
إعادة تنظيم أو تفعيل مجلس الأمن الوطني تعتبر مسألة في منتهى الأهمية بالنسبة لدولة كبيرة ومهمة كالمملكة. فسياسة المملكة الأمنية والدبلوماسية تدور في دوائر وحلقات عدة متشابكة، جميعها ذو أهمية قصوى وذو تأثيرات خطيرة بالنسبة للاستقرار والأمن الإقليمي والدولي. والمملكة لم تكن في يوم من الأيام ومنذ تأسيسها دولة هامشية، ولن تكون كذلك، وهذا قدرها. ومن الواجب والحكمة ملء هذا الدور بشكل فعال ومؤثر. فدورها القيادي في العالم الإسلامي لا يمكن أن يجعل منها دولة هامشية مهما حاولت أو تمنت الأطراف الأخرى.
وعلى ضوء التحديات الأمنية والسياسية الخطيرة التي تواجهها اليوم المملكة والمنطقة برمتها، نجد أن قرار إعادة تنظيم وتفعيل مجلس الأمن الوطني كانت خطوة مباركة حيث إن خارطة المنطقة تواجه اليوم تحدياً يهدف إلى إحداث تغيرات جذرية وحاسمة في التوازنات الإستراتيجية الإقليمية والدولية التي حكمت المنطقة لعقود عدة مضت، لذا فإن المهمة التي تواجه مجلس الأمن الوطني ستكون كبيرة وخطيرة في حماية مصالح المملكة الحيوية ومصالح الأمتين الإسلامية والعربية في خضم بحر التغيير الجاري والقادم مستقبلاً.
ختاماً
على رغم كل ما ذكر أعلاه وصلاحيات لا محدودة على الورق لم يقم هذا المجلس بأي عمل يذكر خلال ربع قرن والآن مرت السنوات ولم يقم المجلس بأي نشاط، وهو ما يجعله أمام خيارين أما التفعيل وأما الإلغاء.
كاتب سعودي
يظل مجلس الأمن الوطني السعودي لأكثر من ربع قرن دون أي ذكر أو نشاط حتى إن أغلب السعوديين لا يعرفون بوجوده على رغم انه يوجد في هذا الجهاز الكثير من الموظفين يتمتعون بكامل المميزات والانتدابات
بقلم تركي فيصل الرشيد
قبل سنوات عدة كان العاهل السعودي أعلن إعادة تنظيم مجلس الأمن الوطني السعودي كخطوة جديدة وجيدة في الطريق الصحيح ضمن سعي القيادة بالمملكة إلى تحسين آلية صناعة القرار الأمني والسياسي في الدولة. وجاءت هذه الخطوة كذلك في سياق إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتطويرها استجابة للتغيرات الجذرية التي تشهدها البيئة الداخلية والإقليمية والدولية المحيطة بالمملكة، وذلك على النحو الذي يجعلها قادرة على التعامل بفاعلية مع التحولات الخطيرة والسريعة التي تشهدها المنطقة، وعَيّن الملك عبدالله بن عبدالعزيز الأمير بندر بن سلطان أميناً عاماً لمجلس الأمن الوطني السعودي بمرتبة وزير، خلفاً لسعد الناصر السديري الذي كان أميناً عاماً للمجلس وعين رحاب بن محمد إبراهيم مسعود نائباً مساعداً للأمين العام لمجلس الأمن الوطني بالمرتبة الممتازة.
يشبه هذا المجلس في مهامه مهام مستشار الأمن القومي الأميركي، إذ إن الرئيس ورغم إدارته الكاملة لشؤون البلاد هناك إلا أنه ليس دائمًا على صواب، وذلك ما أكدته خبرات العديد من الإدارات الأمريكية. فالرئيس لا يعلم كل شيء وهو بحاجة لمستشارين أكفاء يحمونه من نفسه.
إضافة إلى ذلك، فإنه من الضروري أن يقوم مستشار الأمن القومي بإدارة القرارات التي تخص قضايا الأمن الخارجي والداخلي، وأن يُسهم في خلق خيارات حقيقية وواقعية، إلى جانب قيامه بالإشراف على القرارات التي يتخذها الرئيس، فنحن نعيش في عالم يحتاج الرئيس فيه إلى مجموعةٍ من الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاستخباراتية من أجل عمل الخيارات، وهذه وظيفة مجلس الأمن القومي.
وبناء على ذلك فإن مجلس الأمن الوطني السعودي يعتبر هيئة استشارية تقوم بإعداد الدراسات الإستراتيجية للشؤون السياسية والاقتصادية والأمنية، ويتم إثر ذلك رفع توصياتها مباشرة للملك، وهو المجلس المسؤول عن وضع سياسات الدفاع بالمملكة، وأعضاؤه يمثلون كل مفاصل الدولة المحورية.
ومن مهام هذا المجلس التخطيط للسياسة الأمنية على الصعيدين الداخلي والخارجي ودراسة وتقويم الأحداث والتطورات داخل المملكة وخارجها، مما له تأثير مباشر على أمن المملكة ومصالحها، وتحديد اختصاصات ومسؤوليات كافة أجهزة الأمن والتنسيق بينها، والتحقيق والتفتيش على كافة الأجهزة الأمنية بتوجيه من رئيس المجلس وذلك في حالات هي: الخروج بالجهاز عن مسؤولياته، الإهمال والمخالفات الخطرة، العبث بالإمكانات، نشوء أو اكتشاف حالة داخل أحد الأجهزة الأمنية تهدد الأمن العام والمصالح العليا للوطن لتحديد المسؤولية، وتحديد هيئات الاستخبارات الأجنبية الصديقة التي يمكن للأجهزة الوطنية المماثلة التعاون معها في مجالات تبادل المعلومات والخبرات، ودراسة المعلومات المتوافرة عن نوايا العدو تجاه المملكة، وتحليلها لتقرير مدى تأثيرها على أمن المملكة وسلامة شعبها وصيانة مصالحها ووحدة أراضيها، وغيرها من المهام الشائكة المتعلقة بالأمن الوطني بمفهومه الشامل.
وبهذا المجلس حديث التنظيم تُعدُّ السعودية الأولى، عربياً على الأقل، التي تبني تنظيماً حديثاً يؤطر عملية التنسيق بين أجهزتها المختلفة.
وبالنظر إلى دور مجلس الأمن الوطني السعودي بتنظيمه الذي أعلنته الحكومة السعودية، فإنه يصبح من خلال هذه الآلية محور ارتكاز حيوي للسياسات الكُبرى التي ترتكز عليها الدولة السعودية، والتي يطالُ هذا المجلس كل مفاصلها المهمة، كما أنه سيكون غرفة العمليات الأكثر ديناميكية والخاصة بأركان الحكومة السعودية إزاء المستجدات على الصُعد كافة، خصوصاً في المناحي ذات الصلة بشؤون الأمن والدفاع، وهو بذلك يستمدُّ قوة لا محدودة على اعتبار أنه ذو صلة مباشرة بالملك عبدالله بن عبدالعزيز، الهرم الأعلى في سلسلة تراتبية الحكم في السعودية.
وقد صرح الأمين العام السابق لمجلس الأمن الوطني السعودي سعد الناصر السديري بأن المسؤولين السعوديين قد وفقوا في اختيار الأمير بندر بن سلطان خليفةً له في تولي الأمانة العامّة للمجلس الوطني، معتبراً أن خلَفَه الأمير بندر يمتلك خلفيات كثيرة وتجارب دولية ستعود بالنفع الوفير على المجلس، وخصوصاً أن المجلس له نشاطات عدة تتعلق بالشؤون الدولية. وتوقع الكثيرون أن المنصب سيعززه الأمير بندر بخبرته الطويلة في واشنطن ليكون منصباً ذا فعالية أكبر ليشابه إلى حد كبير المهام التي يضطلع بها مستشارو الأمن القومي في العالم.
ولكن مع الأسف ظل مجلس الأمن الوطني السعودي لأكثر من ربع قرن دون أي ذكر، حتى إن أغلب السعوديين لا يعرفون بوجوده منذ تأسس في فترة سابقة، على رغم انه يوجد في هذا الجهاز الكثير من الموظفين يتمتعون بكامل المميزات والانتدابات ورغم ذلك لم نسمع له أي نشاط.
ويتساءل الكثير عن دور المجلس بالنسبة للمواطن العادي وهل توجد لدى المجلس إستراتيجية واضحة؟ وعن نفسي بكل أسف لم أجد الجواب الشافي.
أخيراً
إعادة تنظيم أو تفعيل مجلس الأمن الوطني تعتبر مسألة في منتهى الأهمية بالنسبة لدولة كبيرة ومهمة كالمملكة. فسياسة المملكة الأمنية والدبلوماسية تدور في دوائر وحلقات عدة متشابكة، جميعها ذو أهمية قصوى وذو تأثيرات خطيرة بالنسبة للاستقرار والأمن الإقليمي والدولي. والمملكة لم تكن في يوم من الأيام ومنذ تأسيسها دولة هامشية، ولن تكون كذلك، وهذا قدرها. ومن الواجب والحكمة ملء هذا الدور بشكل فعال ومؤثر. فدورها القيادي في العالم الإسلامي لا يمكن أن يجعل منها دولة هامشية مهما حاولت أو تمنت الأطراف الأخرى.
وعلى ضوء التحديات الأمنية والسياسية الخطيرة التي تواجهها اليوم المملكة والمنطقة برمتها، نجد أن قرار إعادة تنظيم وتفعيل مجلس الأمن الوطني كانت خطوة مباركة حيث إن خارطة المنطقة تواجه اليوم تحدياً يهدف إلى إحداث تغيرات جذرية وحاسمة في التوازنات الإستراتيجية الإقليمية والدولية التي حكمت المنطقة لعقود عدة مضت، لذا فإن المهمة التي تواجه مجلس الأمن الوطني ستكون كبيرة وخطيرة في حماية مصالح المملكة الحيوية ومصالح الأمتين الإسلامية والعربية في خضم بحر التغيير الجاري والقادم مستقبلاً.
ختاماً
على رغم كل ما ذكر أعلاه وصلاحيات لا محدودة على الورق لم يقم هذا المجلس بأي عمل يذكر خلال ربع قرن والآن مرت السنوات ولم يقم المجلس بأي نشاط، وهو ما يجعله أمام خيارين أما التفعيل وأما الإلغاء.
كاتب سعودي