استثمار الوقت: مهارة التنظيم أولاً


حمد عبدالرحمن الراشد - المدينة


مهما حققنا من استغلال للوقت في المجال المعرفي والثقافي نبقى بحاجة لمهارة تنظيم متجددة لتحقيق أعلى استثمار ممكن لأوقاتنا نظراً للدور الذي يلعبه المستوى المعرفي في تشكل مسارات الحياة..

يتداخل الوقت كعنصر أساسي في كل نشاط يمارسه الإنسان في حياته ، وكذلك فإن الوقت يعد أداة لقياس كل حركة في الكون ، فالوقت هو الآلية المتاحة حاليا لتحديد مفهوم الزمن من أجل التحكم في متغيرات شتى تواجهنا في حياتنا بشكل عام ، كما أننا نجد تلك المتغيرات في العلوم والتقنية ، بالإضافة إلى أن تلك المتغيرات تعتبر إشكالات في ميادين الإدارة وتنظيم العمل وتطور المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية . لهذا فإن فاعلية الحياة والكون تتعلق بهذا العامل المؤثر وهو الوقت ، وإذا أمعنا النظر في كثير من الحالات والظواهر نجد أن تلك الفاعلية تزيد أحيانا أو تنقص أحيانا أخرى تبعا لمدى الاهتمام بالوقت .

والحياة بكل تفاصيلها تحتاج إلى اهتمام أكبر بعامل الوقت إذا أريد لها أن تكون حياة ايجابية ومنتجة ، وتتوزع حياة الأفراد في مجالات واتجاهات عدة ، أولها ما هو متعلق بمتطلبات الحياة العادية من معيشة وسلوك فردي خاص وتعامل مع بيئات وظروف وعلاقات اجتماعية ، كما نجد في الحياة مجالا ثانيا يخص العمل الوظيفي أو الحر وما يرافقه من سعي اقتصادي ، وثالثا صلة الإنسان بكل ماله علاقة بالنشاط الثقافي والمعرفي والذي على اختلاف مستوياته يتنامى يوما بعد يوم ، ورغم تفاوت الأفراد بشأن الاهتمام بمجال أكثر من الآخر نتيجة لاختلاف ميولهم وتفكيرهم وقناعاتهم وأهدافهم حيث نلاحظ لديهم اتجاها يطغى على اتجاه بفعل هذه العوامل المختلفة ،

وعلى سبيل المقارنة بين تلك الاختلافات يمكن قياس تلك الاتجاهات باستخدام الوقت ، فكلما طغى اتجاه على آخر عند إنسان ما خصص له وقتا أكثر من غيره يدل على اهتمام أكبر ، إلا أن جميع تلك المجالات برغم تفاوت ما يخصص لها من وقت بناء على الفروقات الفردية فهي تتطلب تنظيما لهذا الوقت وإدارة له ، وأيضا فإن مدى نجاح تنظيم وإدارة الوقت يتناسب مع اهتمام الفرد من جهة وقدرته من جانب آخر ، وكلما أحس الفرد بأهمية وقيمة الوقت سعى إلى إدراك مدى تأثيره مما يؤدي إلى محاولته الاستفادة منه عن طريق إتقان مهارة تنظيم الوقت والتحكم به ، وبالتالي يستطيع الفرد أن يوازن بين أهداف متعددة في ظروف حياته ومسار عمله وتحقيق ذاته . في تأمين المعيشة وممارسة الحياة العادية والسلوك الشخصي والتعامل مع المحيط الاجتماعي يحتاج الإنسان لتقدير الوقت المناسب حتى تكون الحياة متعادلة بين الترفيه والمتعة من جهة وبين الجد والتصرف في مواجهة الظروف المستجدة لكي لا يطغى جانب على آخر ، وأيضا من أجل أن لا يضيع كل الوقت في حياة نمطية على حساب إمكانيات لدى الإنسان يستطيع من خلالها تحقيق حياة راقية وحافلة بالتنوع المثمر ، وأما ما يخص عمل الإنسان سواء كان مرتبطا بجهة رسمية أو عمل حر فإن الحاجة لمهارة تنظيم الوقت وإدارته تعتبر ركيزة أساسية في تقدم هذا العمل ونجاحه وأيضا في تحقيق عائد اقتصادي .

وتحقيق أقصى ما تطلبه الذات من وعي وفهم لتجليات الحياة ومجريات الكون يتم عن طريق ميول الإنسان الثقافية والفكرية وتطلعه إلى زيادة الشغف المعرفي ، ولا يمكن الوصول إلى ما ترتضيه ذات الإنسان في هذا المجال إلا بقدرة عالية على استثمار الوقت في اهتمام متواز ومتنوع من القراءات واستغلال لمصادر المعرفة ، ومواكبة العصر الحالي للاستفادة من المستجدات مع انفتاح على العالم بنظرة موضوعية وناقدة ، ومهما تحقق من استغلال للوقت في هذا المجال فهو بحاجة لمهارة تنظيم تتجدد باستمرار حتى يتحقق أعلى استثمار ممكن للوقت وذلك نظرا للدور الذي يسهم به المستوى المعرفي للفرد في تشكل مسارات حياته واهتماماته على وجه العموم