قد لا يصدق من يدخل منطقة خشم العان العسكرية شرقي الرياض، أنه سيجد قبل وصوله إلى الجبل الذي سميت المنطقة باسمه، وبعد مروره بمعسكرات الحرس الوطني، سكاناً مدنيين نساهم زمن «الطفرة» الذي مرت به السعودية في نهاية سبعينات القرن الماضي، وجعل مواطنيها يوازون نظراءهم في الدول المتقدمة، في مستوى دخل الفرد. ويتضح جلياً العوز الذي يعيشه هؤلاء السكان من خلال ما تنطق به صنادقهم (بيوت من الخشب والصفيح) وحال أطفالهم الذين يلهون أمام منازلهم بملابسهم المتسخة، فيما يسكن قلة منهم من منسوبي الحرس الوطني (الفوج) في بيوت شعبية.
ويشتكي سكان منطقة الصنادق في خشم العان من قيام مسؤولين في الحرس الوطني بقطع التيار الكهربائي عنهم، ويطالبون وزارة الشؤون الاجتماعية بإيجاد مساكن بديلة.
وقال رب عائلة مكونة من 12 فرداً: «إننا نعيش مأساة بسبب قطع الكهرباء، ولو كنت قادراً على دفع إيجار منزل، لتركت هذا المكان فوراً».
يذكر أن خشم العان أرض عسكرية أقيمت عليها معسكرات الحرس الوطني، وبدأ السكن فيها من جانب مواطنين مدنيين قبل أكثر من 25 عاماً، وكانوا يتنقلون في المنطقة ذاتها حتى استقروا في مكانهم الحالي بالقرب من جبل خشم العان الذي سمي المكان باسمه.
وقال سكان في المنطقة لـ «الحياة» إنهم اختاروا السكن فيها لارتفاع الإيجارات في المناطق الأخرى، من ناحية ولكون خشم العان «منطقة عسكرية وليس للبلدية حق إخراجنا منها»، موضحين أن «عدد الصنادق في ازدياد لهجرة الكثير إليها، بعضهم من العسكريين المتقاعدين».
ويزيد عدد المساكن في الصنادق على 500 مسكن أقيمت في شكل عشوائي، وبحسب السكان فإنه تنقصهم خدمات ضرورية، أبرزها عدم توافر الماء، ما دعاهم إلى الاستعانة بصهاريج المياه في مقابل مبالغ مالية، بعد فراغ الخزان الذي كان يغذي المنطقة. أما مشكلة الكهرباء فكانوا يتغلبون عليها عبر أسلاك من المولدات الخاصة بالحرس.
وقال رجل يؤم الناس في الصلاة: «إن الجمعية الخيرية في حي الربوة تقوم بدور جيد في سد احتياجات بعض السكان من الغذاء واللباس».
وأشار شاب عاطل عن العمل يدعى فاضل إلى أنه قدم من شمال المملكة قبل ثلاثة أعوام بصحبة والده (67 عاماً) الذي يعاني من فشل كلوي ويحتاج إلى عمليتي غسل في الأسبوع، «اخترنا السكن هنا، لرخص ثمن الإقامة في المكان والذي يتلاءم مع ظروفنا المعيشية، ولأن أحد أقاربنا يسكن هنا».
ويقول فرحان. ع إنه اشترى منزله منذ عام بسبعة آلاف ريال، مشيراً إلى أن سبب انتقاله إلى هذه المنطقة هو عدم قدرته على تحمل الإيجارات، «هناك تعيش أكثر من 500 أسرة (بحسب سكان المنطقة ذاتها) في وضع معيشي صعب بين أكوام من النفايات، إذ لا يسمح لسيارات جمع القمامة بالدخول لأن المنطقة عسكرية وليست مخططاً بلدياً».
وأوجز مواطن مسن يعول أسرته المكونة من عدد من البنات وابن وحيد لم يتجاوز عمره ثلاثة أعوام، أحواله المعيشية بقوله: «لن يكون الكلام أبلغ من النظر فالحال تعبر عن نفسها». ويعيش هذا المسن وأسرته من بيع علب المشروبات الغازية التي يجمعها من النفايات التي تحيط بصندقته.
ويقول محمد وهو في العقد الثالث من عمره ويعيش في الصنادق مع عائلته: «إن أبناءنا يتعرضون لمضايقات كثيرة في مدارسهم، فزملاؤهم يعايرونهم بسكنهم في الصنادق». ويتوزع طلاب الصنادق على مدارس النسيم والنظيم وإسكان الحرس الوطني، ويذهبون إليها في سيارات نقل صغيرة، في مقابل 150 ريالاً عن الطالب الواحد. وأمام هذه «الكلفة العالية» سرعان ما يتوقف معظم هؤلاء الطلاب عن الدراسة عند نهاية المرحلة المتوسطة وينضمون إلى الباحثين عن عمل لن يتجاوز راتبه 2200 ريال.
وعلى رغم ما يواجهه طلاب الحي من زملائهم في مدارسهم من نعتهم «بسكان الصنادق الفقراء»، إلا أن محمد يؤكد «أن غالبيتهم متفوقون في دراستهم، مع أنهم يلجأون أحياناً إلى مذاكرة دروسهم تحت ضوء السراج بسبب انقطاع التيار الكهربائي في شكل متكرر خصوصاً في الصيف».
وعلى عكس معظم الناس في السعودية يتضايق سكان الصنادق من هطول المطر، بسبب تسرب المياه من أسقف منازلهم، ما يجبر كثيرين منهم على وضع غطاء من البلاستيك على الأثاث وملابسهم، ويقضون ليلتهم في أركان بيوتهم التي لم ينفذ منها الماء - كما يقول الشاب ف. ع. أما الزواج فهو حلم مزعج لشبان الصنادق، «لأنه ليست هناك فتاة سترضى بالعيش معي في منازلنا الخشبية المتهالكة»، يقول فهد. ويقول صديقه ماجد إن الظروف المادية هي العائق الأساسي أمام زواج الكثير من شبان الصنادق. ويبدو ماجد غير متفائل بتحقيق ذلك الحلم، «فنسبة البطالة كبيرة بين شبان الحي فالذين يعملون منهم التحقوا بمهن موقتة بمرتبات متدنية لسد احتياجات أسرهم».
مسؤول في الحرس الوطني: الإخلاء يستند إلى أمر سام



من جهته, قال مدير الإدارة العامة للعلاقات والمراسم في الحرس الوطني العقيد ركن دماك عبدالعزيز دعبش لـ «الحياة»: إنه ضمن خطط التطوير والتحديث في الحرس الوطني تم إنشاء معسكر جديد للفوج 36 في ديراب، بدلاً من معسكر خشم العان الذي هو معسكر لمنسوبي الفوج، وليس سكناً، وصدرت التوجيهات بنقل أفراد الفوج إلى الموقع الجديد.
وأوضح أن نقل أفراد الفوج 36 إلى معسكرهم الجديد في ديراب، هو إجراء خاص بالحرس الوطني، لأن المعسكر القديم أصبح غير صالح للاستخدام، وأوقفت كل الخدمات التي كانت تتوافر للمعسكر مثل الماء والكهرباء.
وأشار إلى أن منطقة السكن العشوائي المجاورة لمعسكر الفوج 36 أخليت تنفيذاً للأمر السامي الكريم رقم 7949 وتاريخ 2-7-1417هـ الذي ينص في الفقرة رقم 1 على ما يلي: «يمنع منعاً باتاً إقامة الصنادق، وما شابهها في المدن وتقوم البلدية بالاشتراك مع إمارة المنطقة وشرطتها بوضع هذا القرار موضع التنفيذ اعتباراً من تاريخ صدور هذا الأمر».
وذكر أن الحرس الوطني قام بتنفيذ المطلوب منه وذلك وفق ما أقرته اللجنة المكلفة تنفيذ الأمر السامي المشار إليه في الفقرة رقم 3 علماً بأن هذه اللجنة ممثلة من العديد من الجهات، ومن ضمنها وزارة الشؤون الاجتماعية التي كلفت إعداد قائمة بالأسر المحتاجة ودرس حال كل أسرة، والعمل على مساعدتهم من طريق الجمعيات والمؤسسات الخيرية.
وأضاف أن الساكنين في المنطقة العشوائية المقامة حول المعسكر أعطوا العديد من الفرص للإخلاء، وذلك قبل قطع الخدمات عن الموقع وكان آخرها في 15-8-1425هـ، ثم مددت حتى 1-1-1426هـ، لتكون الفرصة الأخيرة. وأكد أن المنطقة التي أقيمت عليها الصنادق والمباني الموقتة حول معسكر الفوج تعتبر منطقة عسكرية ولا يمتلك أصحاب هذه الصنادق وثائق تسمح لهم بإقامة هذه المنشآت، كما أنها أصبحت ملجأ لبعض الظواهر السلبية، وللمخالفين لنظام الإقامة من الوافدين.
واختتم تصريحه بقوله :» أود أن أحيطكم علماً بأن الحرس الوطني ممثلاً في الجهات المعنية تعامل مع هذا الموضوع واضعاً في الاعتبار كل الجوانب الإنسانية لمعالجة هذه المشكلة».
المصدر:صحيفة الحياة