بسام البدارين

الإقصاء والتهميش في العالم العربي بالأطنان وقد يكون السبب المركزي لكل الإحتقانات النفسية والداخلية التي هزمت روح المواطن العربي خلافا لكونه-اي الإقصاء- لا زال المتهم الرئيسي في إنتاج الإرهاب والتشدد والتطرف.
الحديث عن الإقصاء لا يعجب الكثير من المعلقين والمثقفين وتحديدا الذين يدورون في فلك السلطة والأنظمة التي إستخدمت بدورها عمليات الاقصاء المنهجية لتكريس ثنائية الفساد والإستبداد أو لتطبيق قواعد أخبث وأعمق لعبة إستعمارية قديمة وهي لعبة «فرق تسد».
الشخصيات المستبدة غير المنتخبة ديمقراطيا التي تختطف تمثيل الأنظمة والناس وتسطو على السلطة بذريعة تمثيلها تدعم الممارسة المنهجية لتكريس الإقصاء حتى تبقى في مواقع النفوذ وعلى اساس إقناع أصحاب القرار في العالم العربي بأن الإقصاء يخدمهم.
في بلدي الأردن كانت دوما حجة المعطلين للإصلاح الديمقراطي أنه يقود للوطن البديل أو لتفوق وصدارة التيار الإسلامي وأعلم شخصيا ان كهنة السياسة من الحرس القديم لطالما حذروا في الإجتماعات الداخلية النظام من الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي.
على اساس مثل هذه الحجة مورس الإقصاء ضد الإسلاميين وضد بعض المكونات الإجتماعية فتكرس الخلل والفصام في المجتمع وتوسعت مساحات التباين ولولا وعي المواطن الأردني وقدرات الأجهزة المختصة على حماية الأمن والإستقرار وتصرفاتها المحترفة في السياق لتمكنت الذهنيات المريضة المعادية للإصلاح والإنصاف لا سمح الله من إيذاء النظام قبل المجتمع.
بكل الأحوال يوجد دوما مؤامرات وألعاب نفوذ وقوى طماعة وإستعمارية وتوسعية ويوجد دوما أجندات تستهدف ثروات العرب ومناطقهم في جنوب أوروبا لكن كل هذه الإتجاهات لا تستطيع بالقوة الجبرية وحدها تغيير الموازين وتفتيت الناس كما يحصل اليوم فهي تستفيد حصريا من الهوامش المستقرة في وجدان مكونات إجتماعية مورس الإقصاء ضدها أوتعرضت له فيما يعزز نظريات الإقصاء دوما جنرالات وسياسيون إنتهازيون يتسلقون على أكتاف المؤسسات والأنظمة فيمارسون لمصالحهم الشخصية أبشع وأسوأ أنواع التثقيف والحقن السلبي في المجتمع.
الأدلة على دور الإقصاء المركزي في حال الأمة المريع هذه الأيام متعددة وبـ «الكوم».
لولا الإقصاء في عهد حزب البعث الحاكم في العراق لما وجد المحتل الأمريكي عراقيين يمتطون دباباته ويقبلون بأمريكي يحتل بعضهم للتخلص من التعسف والحكم الأوتوقراطي الفردي بصرف النظرعن المنجزات الحضارية والعسكرية والعلمية في عهد ذلك الحزب وبصرف النظر عن النوايا الخبيثة التي أدت لإحتلال العراق سواء من قبل الصهيونية العالمية أو من قبل الإدارة الأمريكية.
المهم في الموضوع أن الدبابة الأمريكية ركبت على الإقصاء والتهميش الذي طال قطاعا واسعا من العراقيين وهي تبرر تعسفها وظلمها وإحتلالها لواحد من أهم البلدان العربية.
لاحقا حكم الذين تم إقصاؤهم بترتيب مع الحاكم بريمر فتورطوا مجددا في نفس المنهجية الإجرامية التي قبلوا بالتعاون مع الأمريكي بسببها فمارسوا جريمة الإقصاء بحق مكونات ومحافظات كاملة في العراق وبصورة بشعة وقاسية خلخلت التوازن الإجتماعي في مناطق شاسعة.
حضرت طبعا تلك القوى الظلامية الشريرة المتطرفة التي تدعي انها تتحدث بإسم السماء وإستغلت هوامش الإقصاء وولدت في أحضان المهمشين الذين إنتظروا معنا بلا فائدة العراق الجديد ولم يأت.


معنى الكلام ان من بين الأسباب الرئيسية لولادة داعش وشقيقاتها الإقصاء الذي مورس وانتج كميات كبيرة من الإحباط. طبعا لا يمكن تبرير الإرهاب ولا ينبغي ان يتحول الإقصاء إلى مسوغ يبرر جرائم التشدد والتطرف لكن بالمقابل لا يمكن معالجة الإرهاب وحواضنه الإجتماعية بالعمل العسكري والأمني فقط وبدون تجفيف منابعه ومعالجة الظروف التي تؤدي لإنتاجه
.
الإقصاء الكوني الإرهابي الذي مارسته دولة الإحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل الذي تركه العالم وحيدا في مواجهة المجرم الإسرائيلي إنتهى بذريعة يستخدمها كل متشدد أو إرهابي في الكرة الأرضية.
الإقصاء في سيناء المصرية وتهميش اولاد سيناء وإبعادهم والتقصير في مشاريع التنمية بينهم من الأسباب الرئيسية التي تدفع بإتجاه ولادة إحباط في تلك المنطقة وشيوع الجهل والسلبية وبالتالي توفير تربة خصبة لإنتاج التطرف لكن لا تريد السلطة المصرية الإعتراف بذلك لأن «الأسهل» لها ولغيرها هو القول دائما بمؤامرة خارجية وأجندات ودول ومجموعات تمول العمل التخريبي داخل مصر.
المصريون كغيرهم في النظام الرسمي العربي يختارون الطرق الأسهل بدلا من الإنشغال فعلا في معالجة أسباب الإرهاب أو بدلا من الإعتراف بالتقصير.
في ليبيا ايضا أسقط حكم القذافي وتعرض جميع ابناء قبيلته بلا ذنب لعمليات إقصاء وتهميش وإستهداف فكان الخيار الوحيد امامهم نسخة تمثلهم من داعش وفي اليمن حصل إبعاد وإقصاء للحوثيين فتحولوا لعصابات إجرامية مارست بدورها أبشع جرام التسلط الإقصائي..حصلت مواقف مماثلة في سوريا ولبنان وقد تحصل في دول عربية اخرى لأن الأسهل من إعلان الفشل والإخفاق في تحقيق مشروع تنموي وطني يعتمد على «المواطنة والعدالة» في بعض دول الخليج هو ركوب فرية دعم إيران لبعض الفئات في دول الخليج.
الإقصاء هوالمتهم الرئيسي..ومن عنده تبدأ المعالجة.
٭ مدير مكتب «القدس العربي» في الاردن
بسام البدارين