Announcement

Collapse
No announcement yet.

شعراء قولهم خالد

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • شعراء قولهم خالد

    الفرزدق

    اسمه : همام بن غالب ، وهو من أشرف بيوت تميم
    بن مجاشع بن دارم
    فقد عُرف جَدُّه صَعصَعة بن مجاشع بأنه محيي الموءودات ؛
    لأنه كان في الجاهلية يفتدي كل فتاة يَهُمُّ أبوها
    بأن يئدها ، أما أبوه غالب ، فكان بدوياً صاحب
    إبل وأنعام ، ثم نزل البصرة وسكنها واشتهر بكرمه .
    ولد الفرزدق بكاظمة ، وهي التي تسمى حالياً الجهرة
    شرق مدينة الكويت ، وكانت ولادته في خلافة
    عمر – رضي الله عنه - ، ونشأ نشأة بدوية ،
    وقد غلب عليه لقب الفرزدق لقبح وجهه ،
    لأن الفرزدق معناها الرغيف .
    ولما بدأ ينظم الشعر حمله أبوه وهو في الخامسة عشرة
    من عمره إلى علي – رضي الله عنه – وهو في البصرة
    وجعله ينشد أمامه شيئاً من شعره فنصحه
    علي – رضي الله عنه – بحفظ القرآن فحفظه ،
    وقد توفي الفرزدق سنة 110 هـ .
    وقد نشأ بين شعراء الهجاء فَنُّ النقائض ،
    وهذه القصيدة يفتخر فيها الفرزدق ببني
    مجاشع بن دارم ، ويهجو قوم جرير :

    إن الذي سمك السماء بنى لنا
    بيتاً دعائمه أعز وأطول
    بيتاً بناه لنا المليك وما بنى
    حكم السماء فإنه لا ينقل
    بيتاً زُرارة محتَب بفنائه
    ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
    الأكثرون إذا يُعدُّ حصاهم
    والأكرمون إذا يُعدُّ الأول
    لا يحتبي بفناء بيتك مثلُه
    أبداً إذا عُد الفعال الأفضل
    حُلل الملوك لباسنا في أرضنا
    والسابغاتِ لدى الوغى نتسربل
    أحلامنا تزن الجبال رزانة
    وتخالنا جناً إذا ما نجهل
    إنا لنضرب رأس كل قبيلة
    وأبو ك خلف أتانه يتقمل
    ضربت عليك العنكبوت بنسجها
    وقضى عليك به الكتاب المنْزَل
    وشُغلتَ عن حسب الكرام وما بنوا
    إن اللئيم عن المكارم يُشغل
    --------------------------------------------------------------------------------------



    امرؤ القيس



    نبذة من حياته امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي. شاعر جاهلي، أشهر شعراء العرب على الإطلاق،
    يماني الأصل، مولده بنجد، كان
    أبوه ملك أسد وغطفان وأمه أخت المهلهل الشاعر.
    قال الشعروهو غلام، وجعل يشبب ويلهو ويعاشر صعاليك العرب، فبلغ ذلك أباه، فنهاه عن سيرته فلم ينته،
    فأبعده إلى حضرموت، موطن أبيه وعشيرته، وهو في نحو العشرين من عمره. أقام زهاء خمس سنين، ثم جعل ينتقل
    مع أصحابه في أحياء العرب، يشرب ويطرب ويغزو ويلهو،
    إلى أن ثار بنو أسد على أبيه فقتلوه، فبلغه ذلك
    وهو جالس للشراب
    فقال: رحم الله أبي! ضيعني صغيراً وحملني دمه كبيراً،
    لا صحو اليوم
    ولا سكر غداً، اليوم خمر وغداً أمر. ونهض من غده
    فلم يزل حتى ثأر لأبيه من بني أسد، وقال في ذلك
    شعراً كثيراً كانت حكومة فارس ساخطة على بني آكل
    المرار (آباء امرؤ القيس) فأوعزت إلى المنذر
    ملك العراق بطلب امرئ القيس، فطلبه فابتعد
    وتفرق عنه أنصاره، فطاف قبائل العرب حتى
    انتهى إلى السموأل، فأجاره ومكث عنده مدة.
    ثم قصد الحارث بن أبي شمر الغساني والي بادية
    الشام لكي يستعين بالروم على الفرس فسيره الحارث
    إلى قيصر الروم يوستينيانس في القسطنطينية فوعده وماطله ثم ولاه إمارة فلسطين،
    فرحل إليها، ولما كان بأنقرة ظهرت في جسمه قروح،
    فأقام فيها
    إلى أن مات.
    ---------------------------------------------------------------------------------------



    أبو الطيب المتنبي
    ولد سنة 915م \ 303ه

    هو أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبي ، من كبار شعراء العرب ، ولد في الكوفة و اشتهر بحدة الذكاء ، تجول في الشام و العراق ، احترف الشعر فمدح رجال الكوفة و بغداد ، دخل البادية فخالط الأعراب ، و تنقل بين مدن الشام يمدح شيوخ البدو و الأمراء و الأدباء ، سجنه عامل الاخشيد و لما أطلق سراحه عاد اللى حياة التنقل و المدح و صار شاعر سيف الدولة ثم عضد الدولة البويهي ، و لما وقف الحساد في طريقه اتصل بكافور الاخشيدي ، فمدحه ثم هجاه ، و هرب الى العراق . كان متكبرا شجاعا طموحا محبا للمغامرات . في شعره تعصب للعروبة ، و تشاؤم و افتخار بنفسه ، أفضل شعره في الحكمة و فلسفة الحياة ووصف المعارك على صياغة قوية محكمة . له ديوان شرحه طائفة من كبار الأدباء كابن جني ، و أبي العلاء المعري و الواحدي و العكبري و الشيخ ابراهيم اليازجي .



    من شعر المتنبي يمدح سيف الدولة:



    على قدر أهل العزم تأتي العزائم و تأتي على قدر الكرام المكارم



    و تعظم في عين الصغير صغارها و تصغر في عين العظيم العظائم



    يكلف سيف الدولة الجيش همه و قد عجزت عنه الجيوش الخضارم



    و قال المتنبي عن نفسه



    أنا الذي نظر الأعمى اللى أدبي و أسمعت كلماتي من به صمم



    الخيل و الليل و البيداء تعرفني و السيف و الرمح و القرطاس و القلم



    قتل في طريقه الى بغداد سنة 965م \ 354ه


    - - - - - - - - - - - - - -( الخيل والليل والبيداء تعرفني )- - - - - - - - - - - - - -

    واحـر قلــــباه ممــن قلبــه شبــم **** ومن بجسمـي وحـالي عنده سقـم

    مـــا لـي أكتم حبا قد برى جسدي **** وتدعي حب سيف الدولة الأمم

    إن كــــان يجمعــنا حب لغرتــه **** فليت أنا بقدر الحــــب نقتســـم

    قد زرته و سيوف الهند مغمـــدة **** وقد نظرت إليه و السيـوف دم

    فكان أحسن خلــــق الله كلهـــم **** وكـان أحسن مافي الأحسن الشيم

    فوت العــدو الذي يممـــته ظفر **** في طــيه أسف في طـــيه نعــــم

    قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت **** لك المهابــــــة مالا تصنع البهم

    ألزمت نفسك شيــــئا ليس يلزمها ****أن لا يواريـهم بحر و لا علم

    أكلــما رمت جــيشا فانثنى هربا **** تصرفت بك في آثاره الهمــم

    عليك هــــزمهم في كل معتـرك **** و ما عليــك بهم عار إذا انهزموا

    أما ترى ظفرا حلوا سوى ظفر**** تصافحت فيه بيض الهندو اللمم

    يا أعدل الناس إلا في معــاملتي **** فيك الخصام و أنت الخصم والحكم

    أعيذها نظـــرات منك صادقـــة **** أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

    وما انتفاع اخي الدنيا بناظـــره ****إذا استـــوت عنده الأنوار و الظلم

    سيعلـم الجمع ممن ضم مجلسنا **** باننــي خير من تسعى به قـــــدم

    انا الذي نظر العمى إلى ادبــي **** و أسمعـت كلماتي من به صمــم

    انام ملء جفوني عن شواردها **** ويسهر الخلق جراها و يختصم

    و جـــاهل مده في جهله ضحكي **** حتى اتتــــه يــد فراســة و فم

    إذا رايـــت نيوب الليــث بارزة **** فلا تظنـــن ان الليــث يبتســم

    و مهجـة مهجتي من هم صاحبها **** أدركتـــه بجواد ظهره حـــرم

    رجلاه في الركض رجل و اليدان يد **** وفعلـــه ماتريد الكف والقدم

    ومرهف سرت بين الجحفليـــن به **** حتى ضربت و موج الموت يلتطم

    الخيل والليل والبيــداء تعرفنــــي **** والسيف والرمح والقرطاس و القلم

    صحبـت في الفلوات الوحش منفردا ****حتى تعجـــب مني القور و الأكــم

    يــــا من يعز عليـــنا ان نفارقهـــم **** وجداننـا كل شيء بعدكم عــدم

    مــا كان أخلقــنا منكم بتكـــرمة **** لـو ان أمــركم من أمرنـا أمــم

    إن كــان سركـم ما قال حاسدنا **** فما لجـــرح إذا أرضاكـــم ألــم

    و بينــنا لو رعيتم ذاك معرفــة **** غن المعـارف في اهل النهـى ذمم

    كم تطلبـــون لنا عيبـا فيعجزكم **** و يكره الله ما تأتون والكــرم

    ما أبعد العيب و النقصان عن شرفي **** أنا الثـــريا و ذان الشيب و الهرم

    ليـت الغمام الذي عندي صواعقه **** يزيلهـن إلى من عنـده الديــم

    أرى النوى تقتضينني كل مرحلة **** لا تستقـل بها الوخادة الرسـم

    لئن تركـن ضميرا عن ميامننا **** ليحدثن لمـن ودعتهــم نـدم

    إذا ترحلت عن قـوم و قد قـدروا **** أن لا تفارقهم فالـراحلون هــم

    شــر البلاد مكان لا صــديق بــه **** و شر ما يكسب الإنسان ما يصم

    و شـر ما قنصته راحتي قنص **** شبه البزاة سواء فيه و الرخم

    بأي لفظ تقـول الشعــر زعنفة **** تجـوز عندك لا عــرب ولا عجم

    هذا عـتابـك إلا أنـه مقـة **** قـد ضمـن الدر إلا أنه كلم
    ---------------------------------------------------------------------------------------


    الامام الشاعر الامام الشافعى


    هو أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي،

    وُلِدَ بالاتفاق عام 150 هجرية أي في العام الذي توفي

    فيه أبو حنيفة في غزة بفلسطين، والده قرشي ويلتقي

    نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف

    جده صلى الله عليه وسلم، أما أمه فمــــن قبيلة

    أســــد وهي قبيلة عربية أصيلة، ولِدَ الشـــــافعي

    في أسرة فقيرة جداً، وبعـــد ولادتــــه بعامين

    توفـــي أبوه فقررت أمه العودة بابنــــها محمـد

    إلى مكة لأنه قـــرشي حتى لا يضــــيع نسبه ولأن له

    سهم من ذوي القربى.


    حفظ الشافعي القرآن الكريم وهو دون العاشرة من عمره، ومنهم من قال وهو ابن سبع سنين، وعُرِفَ بشجو صوته في القراءة، قال ابن نصر: كنا إذا أردنا أن نبكي قال
    بعضنا لبعض: قوموا إلى هذا الفتى المطلبي يقرأ
    القرآن، فإذا أتيناه يصلي في الحرم، استفتح القرآن
    حتى يتساقط الناس ويكثر عجيجهم بالبكاء من حُسن
    صوته، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة.


    أمّا الشافعي الشاعر فقد تفرقت أشعاره في كتب التـــــراث، ويتميز شعره بأنه يصدر تلقائياً عنه،

    معبراً عما يدور في ذهنه، لذلك انتشر بين النـــــاس وأصبح كثير منه من الأمثال السائرة التي يتداولها
    الناس ولا يعرف معظمهم أنها من شعره، ومن أمثـل

    ة ذلك قوله:

    مَا حَكَّ جِلْدَكَ مِثْلُ ظُفْرِكَ فَتَوَلَّ أنتَ جميعَ أَمْرِكَ

    وقوله:

    مَـا طَـارَ طَيرٌ وَارتَفَع إلاَّ كَمَـا طَـارَ وَقَـع

    وقوله:

    ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا فرَجَتْ وكُنْتُ أَظُنُّهَا لا تُفْرَجُ

    وقوله:

    نَعيـبُ زَمَانَنَا وَالعَيبُ فينَا وَمـَا لِزَمَانِنَا عَيبٌ سِـوَانَا

    وقوله:

    عَينُ الرِّضَا عنْ كُلِّ عيبٍ كَلِيْلَةٌ كما أن عينَ السُّخْطِ تُبدِي المَسَاوِيَا

    وقوله:

    تَغَرَّبْ عَنِ الأوطانِ في طَلَبِ العُلا وَسَافِرْ فَفِي الأسفارِ خمسُ فَوَائِد

    وغير ذلك الكثير.

    ويُعتبر معظم شعر الإمام الشافعي من شعر التأمل، والسمات الغالبة على هذا الضرب من الشعر هي التجريد والتعميم وضغط التعبير، وهى سمات كلاسيكية
    إذ أن مادتها فكرية في المقام الأول، وتجلياتها الفنية هي المقابلات والمفارقات التي تجعل من الكلام ما يشبه الأمثال السائرة أو الحِكَم التي يتداولها الناس،
    وإذا كان شعر التأمل ينزع إلى التجريد والتعميم
    فليس معنى ذلك أنه خالٍ تماماً من الصور والتشبيهات الكلاسيكية، ولكنها تشـبيهات عـــــامة لا تنم عن
    تجربة شعرية خاصة، فشـــــعر التـــأمل ينفر
    من الصور الشعرية ذات الدلالة الفردية ويفضل
    الصور التي يستجيب لها الجمـــــــيع، فالإمام الشـــــــافعي يقدم لنا أقوالاً نصفها اليوم بأنها تقريرية، وسنعرض فيما يلي لبعض مــــن نماذج شعره
    التي قالها في مواقف وأغراض مختلفة ليتعرف القارئ الكريم بنفسه على هذا الكنز من الحكم والمواعظ والأمثال.

    نماذج من أشعاره

    إن شئت أَنْ تَحيـَا سليمًا مِن الأذى

    ودَيِنُكَ مَوفُورٌ وَعِرْضُكَ صيّنُ

    لسـانك لا تذكـر به عورة امرئ

    فَكلـكَ عـوراتٌ وللنَّاسِ أَلْسُنُ

    وَعَيْنَاكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيْـكَ مَعَايبًــا

    فَصنهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ للنَّاسِ أَعْيُنُ

    وَعَاشِرْ بِمَعْرُوفٍ وَسَامِحْ مَنِ اعْتَدَى

    وَدَافِـعْ وَلَكِنْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ

    *********

    كـَمْ ضَاحِكٍ والمَنَايَا فَوْقَ هَامَتِهِ

    لَوْ كَانَ يَعْلَمُ غَيبًا مَاتَ مِنْ كَمَدِ

    مَنْ كَانَ لَمْ يُؤْتَ عِلْمًا فِي بَقَاءِ غَدٍ

    مَـاذَا تَفَكُّـرُهُ في رزق بعد غَدِ.

    *********
    عفُّوا تَعِف نساؤكم في المحرم

    وتجنبوا مـــالا يليق بمسلم

    إن الزنــا دَيْن فإن أقرضته

    كان الوفا من أهل بيتك فاعلم

    يا هاتكاً حُرَمَ الرجال وقاطعاً

    سُبُلَ المَوَدَّةِ عِشْتَ غَيْرَ مكرمِ

    لو كنتَ حرًّا من سُلالَة مَاجدٍ

    مَـا كنتَ هتّاكًا لِحُرْمَةِ مُسْلِمِ

    مَن يَزْنِ يُزن به ولو بِجِدَارِهِ

    إِنْ كُنْتَ يَــا هَذا لبيبًا فَافْهَم

    كتمان الأسرار

    إذا المـرء أفشى سـره بلســانه

    ولام عليـه غيـره فهـو أحمق

    إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه

    فصدر الذي يستودع السر أضيق

    حمل النفس على ما يزينها

    صن النفس واحملها على ما يزينهـا

    تعش سالمـاً والقـول فيـك جميـل

    ولا توليـن الـنـاس إلا تجـمـلاً

    نبـا بـك دهـر أو جفـاك خليـل

    وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غدٍ

    عسى نكبات الدهـر عنـك تـزول

    ولا خيـر فـي ود امـرئٍ متلـونٍ

    إذا الريح مالت، مـال حيـث تميـل

    وما أكثـر الإخـوان حيـن تعدهـم

    ولكنهـم فــي النائـبـات قلـيـل

    الحض على السفر والترحال


    تغرب عن الأوطان في طلب العلى

    وسافر ففي الأسفار خمـس فوائـد

    تفريـج هـم واكتسـاب معيشـةٍ

    وعلـمٍ وآدابٍ وصحبـة مـاجـد

    وقوله أيضاً:

    ارحل بنفسك من أرضٍ تضام بهـا

    ولا تكن من فراق الأهل في حرق

    فالعنبر الخام روث فـي مواطنـه

    وفي التغرب محمولُ على العنـق

    والكحل نـوع من الأحجار تنظـره

    في أرضه وهو مرمي على الطرق

    لما تغرب حـاز الفضـل أجمعـه

    فصار يحمل بين الجفـن والحـدق

    *********
    وقال في حال الغريب:

    إن الغريـب لـه مخافـة سـارقٍ

    وخضـوع مديـونٍ وذلـة موثـق

    فـإذا تـذكـر أهلــه وبــلاده

    ففـؤاده كجنـاح طيـرٍ خـافــق

    وقوله أيضاً:

    ما في المقام لـذي عقـلٍ وذي أدب

    ٍمن راحة فـدع الأوطـان واغتـرب

    سافر تجـد عوضـاً عمن تفـارقـه

    وانصب فإن لذيذ العيش في النصـب

    إني رأيـت وقـوف المـاء يفسـده

    إن ساح طاب وإن لم يجـر لم يطـب

    والأسد لولا فراق الأرض ما افترست

    والسهم لولا فراق القـوس لم يصـب

    والشمس لو وقفت في الفلك دائمـة ً

    لملها الناس من عجـم ومـن عـرب

    والتبر كالترب ملقـى فـي أماكنـه

    والعـود في أرضه نوع من الحطـب

    فـإن تغرب هـذا عـز مطلـبـه

    وإن تغـرب ذاك عــز كالـذهـب

    الدهر يومان

    الدهر يومان ذا أمن وذا خطـر

    والعيش عيشان ذا صفو وذا كدر

    أما ترى البحر تعلو فوقه جيف

    وتسـتقر بأقصى قاعـه الـدرر

    وفي السماء نجوم لا عداد لهـا

    وليس يكسـف إلا الشمس والقمر

    *********
    وقال في اليقظة والحذر:

    تاه الأعيرج واستعلى بـه الخطر

    فقل له خير ما اسـتعملته الحذر

    أحسنت ظنك بالأيـام إذ أحسنت

    ولم تخف سوء ما يأتي بها القدر

    وسالمتك الليالي فاغتررت بهـا

    وعنـد صفو الليالي يحدث الكدر

    *********

    وقال في الرضا بالقدر:

    وما كنت راضٍ من زماني بما ترى

    ولكنني راضٍ بمـا حكـم الدهـر

    فإن كانت الأيـام خانـت عهودنـا

    فإنـي بهـا راضٍ ولكنهـا قهـر

    *********

    وقال في الحظوظ:

    تموت الأسد في الغابات جوعاً

    ولحم الضأن تأكلـه الكـلاب

    وعبد قد ينـام علـى حريـرٍ

    وذو نسبٍ مفارشـه التـراب

    *********

    وقال في الذي يعظ الناس وينسى نفسه


    يا واعظ الناس عما أنـت فاعلـه

    يا من يعد عليـه العمـر بالنفـس

    احفظ لشيبك مـن عيـب يدنسـه

    إن البياض قليـل الحمـل للدنـس

    كحامـل لثيـاب النـاس يغسلهـا

    وثوبه غارق في الرجـس والنجس

    تبغي النجاة ولم تملـك طريقتهـا

    إن السـفينة لا تجري على اليبـس

    ركوبك النعش ينسيك الركوب على

    ما كنت تركب من بغـلٍ ومن فرسٍ

    يـوم القيامـة لا مـال ولا ولـد

    وضمة القبـر تنسي ليلـة العـرس

    وقال في العلم والتقوى:

    اصبر على مر الجفا من معلمٍ

    فإن رسوب العلم في نفراتـه

    ومن لم يذق مر التعلم ساعـة

    تجرع ذل الجهل طول حياتـه

    ومن فاته التعلم وقت شبابـه

    فكبـر عليـه أربعـاً لوفاتـه

    وذات الفتى والله بالعلم والتقى

    إذا لم يكونا، لا اعتبار لذاتـه

    *********
    وقال أيضاً:

    أخي لـن تنال العلمَ إلا بستةٍ

    سَأُنْبيكَ عـن تفصيلها ببيان

    ذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبَلْغَةٍ

    وصحبةُ أستـاذٍٍ وطولُ زمانِ

    *********
    وقال أيضاً:

    رأيت العلم صاحبـه كريـم

    ولـو ولدتـه آبـاء لـئـام

    وليس يزال يرفعـه إلـى أن

    يعظم أمـره القـوم الكـرام

    ويتبعونـه فـي كـل حـالٍ

    كراعي الضأن تتبعه السـوام

    فلولا العلم ما سعدت رجـال

    ولا عرف الحلال ولا الحرام

    *********
    المرء بما يعلمه

    تعلم فليـس المرء يولد عالمـاً

    وليـس أخو علم كمن هو جاهل

    وإن كبير القوم، لا علـم عنده،

    صغير، إذا التفت عليه الجحافل

    وإن صغير القوم إن كان عالماً،

    كبير، إذا ردت إليـه المحافـل

    وحدث الربيع بن سليمان قال: كُنَّا عند الشافعي إذا جاءه رجل برقعة فنظر فيها وتبسم،
    ثم كتب فيها ودفعها إليه، قال: فقُلْنَا يسأل الشافعيَّ
    عن مسألة لا ننظر فيها وفي جوابها؟ فلحقنا الرجل
    وأخذنا الرقعة فقرأناها، وإذا فيها:

    سـل المفتي المكي هل في تزاور

    وضمةِ مشتاقِ الفؤادِ جُنَاَحُ؟


    قال: وإذا إجابة أسفل من ذلك:

    معــاذ اللهِ أن يُذهبَ التُقـى

    تلاصـقُ أكبـادٍٍ بهنَّ جراحُ

    قال الربيع: فأنكرتُ على الشافعي أن يفتي لحَدَثٍ بمثل
    هذا، فقلتُ: يـــــا أبا عبد الله تفتي بهـــــذا شاباً؟ فقال لي: يا أبا محمد، هذا رجل هاشمي قد عرس هذا
    الشهر (يعنى شــــهر رمضـــان) وهو حدث الســــن، فســـأل هل عليه جناح أن يُقـــــبِّل
    أو يضم من غير وطء؟ فأفتيته بهذه الفتيا.

    قال الربيع: فتبعت الشاب فسألته عن حاله فذكر لي
    أنه مثل ما قال الشافعي، فما رأيت فراسةً أحسن منها.

    وروى ياقوت الحموي فقال: بَلَغَنِي أن رجلاً جاء الشافعي برقعة فيها:

    سَلِ المفتي المكي من آلِ هاشمٍ

    إذا اشتَدَّ وَجْدٌ بامرئٍ مَاذَا يَصْنَعُ

    قال: فكتب الشافعي تحته:

    يُـــدَاوي هَوَاهُ ثم يَكتُمُ وَجْدَهُ

    ويَصْبِرُ في كُلِّ الأمورِ وَيَخْضَعُ

    فأخذها صاحبها وذهب بها، ثم جاء وقد كتب:

    فكيفَ يُدَاوِي والهَوَى قَاتِلُ الفتى

    وفـي كُلِّ يـومٍ غُصَّةً يتجـرعُ

    فكتب الشافعي رحمه الله تعالى:

    فإنْ هُوَ لم يَصبِرْ عَلَى مَا أَصَابَهُ

    فَلَيْسَ لَهُ شَيءٌ سِوَى المَوْتِ أنْفَعُ

    مرضه ووفاته:


    كان الشافعي من الأئمة العاملين، فرابط فترة في مصر
    في الثغور وهي المواضع التي يُخشى هجوم العدو منها
    على بلد مسلم، وفي آخر حياته ألحَّ عليه المرض وأذابه السقم ووقف الموت ببابه ينتظر انتهاء الأجل، وفي
    هذه الحال، عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده
    بالآخرة، دخـــــل عليه تلمــيذه المزني فقال:
    كيف أصبحت؟ قال: أصــــبحتُ من الدنيا راحلاً، وللإخـــــوان مفارقاً، ولكـــــأس المنيَّة شارباً،
    وعلى الله جلَّ ذكره وارداً، ولا والله ما أدري روحي تصير
    إلى الجنة فأهنِّئها، أو إلى النار فأعزِّيها! ثم بكى وأنشأ يقول:


    ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي

    جعلتُ الرَّجا مني لعفوك سلَّما

    تعاظمنـي ذنبـي فلمـا قرنتـه

    بعفوك ربي كان عفوك أعظما

    وما زلتَ ذا عفوٍ عن الذنب لم تزل

    تجود وتعفو مِنَّةً وتكرُّمـــا


    ودُفِنَ الشافعي رحمة الله تعالى عليه يوم الجمعة
    أول شعبان سنة 204 هجرية عن عمر يناهز
    الأربعة والخمسين عاماً ودفن في القاهرة.

    اقتباس
    aljoaaal
Working...
X