إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

نحو ثورة لغوية ..بقلم أنس زاهد*

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • نحو ثورة لغوية ..بقلم أنس زاهد*

    لن نتمكن من تحقيق أي تغيير على واقعنا ما لم نعمل على تغيير أساليبب تفكيرنا بالكامل.

    أساليب أو قوالب التفكير تنبع من طريقة استخدام الناس للغة، وهذا يعني أنك إذا استخدمت اللغة بشكل غير عقلاني فان ذلك سيؤدي بك إلى استخدام عقلك بشكل غير عقلاني أيضا.

    على سبيل المثال نحن نتقبل صدور عنوان رئيس لأي من جرائدنا يصف قراراً ما اتخذه الحاكم بالرشد، في حين أننا لا نمتلك دلالة محددة وواضحة وقاطعة لمفردة الرشد هذه!

    هل تعني كلمة الرشد هذه انعدام القابلية للوقوع في الخطأ؟ أم أنها تعني الذكاء والحصافة؟ أم أنها تعني الحرص على إقرار العدل بين المواطنين؟ أم أنها تعني النضج؟

    كل هذه الاحتمالات تظل واردة لكن أحدا لا يستطيع ترجيح كفة احتمال واحد على حساب الاحتمالات الأخرى، مما يعني أننا نستخدم مفردات لغوية لا تتضمن دلالات واضحة، أي أننا نفكر بشكل مشوش وغير منظم وغير عملي.


    أيضا نحن نستخدم كلمة الوطن كثيرا، بل إن مدارسنا تقدم ضمن مناهجها موادا دراسية تحت عنوان (التربية الوطنية)، لكن المفارقة هي أننا لا نمتلك دلالة قاطعة ومحددة ومتفق عليها لكلمة الوطن هذه!

    هل الوطن مجرد رقعة جغرافية يحصل كل من يشغلها على صفة المواطنة؟ وإذا كان هذا الأمر صحيحا فكيف يتم التمييز على ارض الواقع بين المواطنين بناءا على أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم وقناعاتهم الفكرية؟

    من جهة أخرى فهل يعني الوطن أنه كيان يكفل جميع حقوق المواطنة للمنتسبين إليه بغض النظر عن الاعتبارات العرقية والعقائدية، وإذا كان ذلك صحيحا فما هي طبيعة هذه الحقوق التي يجب توفيرها للمواطن وما هي طبيعة الواجبات المفروضة عليه ؟

    إذا كنا لا نمتلك دلالة أو دلالات موحدة وعملية وواضحة لكلمة الوطن، فكيف ندعي أننا نستخدم اللغة بشكل عقلاني، وكيف ندعي أننا نفكر بشكل عقلاني أيضا؟!


    بالتأكيد هناك خلل ما يعتري طرق استخدامنا للغة، وهذا الخلل أدى إلى إصابتنا بخلل في طرق التفكير ومن ثم بقصور في وظائف العقل نفسه. وهو خلل لا يمكن إصلاحه ما لم يتم إصلاح الخلل اللغوي الذي أدى إلى إصابتنا باختلال عقلي.

    هذا الاختلال يمتد بآثاره ليصيب الدساتير نفسها، ومن المعلوم أن الدستور هو القانون الأم الذي لا يحتمل عند كتابته الوقوع في الغموض أو التشويش أو الخلط أو اللبس.


    على سبيل المثال هناك بند في معظم دساتير الدول العربية يقر بأن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، وأن جميع المعاملات القانونية تخضع لمبادئ الإسلام وتستلهمها. لكن أيا من هذه الدساتير لم يحدد نوعية الإسلام المشار إليه عبر ذالك البند. هل الإسلام المشار اليه يقتصر على ما ورد في الأصل الرباني أم أن المشاريع البشرية التي أنجزها الفقهاء تتضمنه هي الأخرى؟ هل هذا الإسلام سني أم شيعي؟ وإذا كان الإسلام سنيا فهل هو اعتزالي أم صوفي أم سلفي أم وهابي أم أشعري أم رشدي _ نسبة إلى ابن رشد _ ؟ وإذا كان شيعيا فهل هو إمامي أم زيدي أم اسماعيلي؟

    وفي حالة تحديد المقصود بكلمة الإسلام بدقة، فهل يعني هذا أن الأقليات التي لا تؤمن بالإسلام الوارد في الدستور، تعتبر بالنتيجة خارج دائرة الإسلام؟ وإذا كان هذا صحيحا فهل تسقط عنهم بعض أو كل حقوق المواطنة بناءا على ذلك؟ وفي حال وجود أقليات غير مسلمة فهل يعني هذا أنهم مجرد مواطنين من الدرجة الثانية؟


    هذه الأسئلة الحيوية ليست لها إجابة في دساتير الدول التي اعتمدت الإسلام دينا رسميا للدولة وأساسا للتشريع والمعاملات، وهذا يعني أننا لا نعرف كيف نستخدم اللغة بشكل واضح مما أدى إلى وجود عقل جمعي يفتقر إلى أهم خصائص ووظائف العقل، وأعني بذلك: النقد.

    لقد ثبت من خلال التربية اللغوية التي تلقيناها منذ أن بدأ وعينا في التفتح، عدم وجود وسيلة قادرة على تجريد العقل من أهم خصائصه –النقد-مثل تربية الإنسان على التسامح مع المفردات اللغوية العائمة التي لا تحتمل دلالات صريحة وواضحة ومحددة ولا تمتلك القابلية للتحول من عالم المجرّدات النظرية إلى عالم التطبيقات العملية .


    إننا لن نتمكن من تحقيق نهضة عقلية حقيقية ما لم نعمل عل تحقيق انقلاب لغوي يحرر العربية من أسر الغموض والتشويش والبلبلة واللبس. وعندما يروج بعض رجال الدين أن أحد حلول أزمة العقل في حياتنا هي الاهتمام بنقل العلوم التطبيقية من الغرب مع التحفظ الشديد في التعامل مع مناهجه الفكرية والفلسفية، فهذا يعني أننا مستعدون لتبني النتائج التي وصل إليها الغرب في العلوم والتكنولوجيا دون أن نتبنّى الأسباب التي أدت إليها. ولا أعتقد أن هناك محاولة للتدليس على الناس أكبر من هذه المحاولات التي تعمل على فصل النتائج عن الأسباب.


    إن كل ما نشاهده من نهضة علمية وثقافية وحضارية في الغرب لم يكن ليتحقق لولا اعتماد المنهج العلمي في التفكير. وهو المنهج الذي لم يكن ليحقق هذه السطوة على العقول ومن ثم الواقع، لولا الثورة اللغوية التي وضع بذورها فلاسفة عصر النهضة والتنوير في أوروبا. ذلك أن الفلسفة في الأساس هي محاولة لإعادة عقلنة اللغة وتحريرها من أية شائبة عاطفية أو غرائزية.


    المسألة اذن ليست بهذه البساطة التي يروج لها الاسلاميون ومن قبلهم أنظمة الحكم، والتي يتقبلها العقل الجمعي دون فحص وتدقيق. فالحضارة لا يمكن التعامل معها وفق هذه الذهنية الاستهلاكية حيث نقبل ما نشاء ونرفض ما نشاء ونضع شروطا وكأنا بصدد ابتياع سلعة ما من سوق للجملة أو القطاعي. هذه رؤية تسطيحية للأزمة الحضارية التي نعيشها، فالهوّة بيننا وبين الغرب ليست هوّة علمية أو تكنولوجية، ولكنها هوّة حضارية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وما لم نتخل عن أساليبنا غير العقلانية في التفكير فاننا لن نتمكن من ردم هذه الهوّة الواسعة التي تفصلنا عنهم. وكما قلت سابقا فاننا لن نستطيع تغيير أساليب وقوالب تفكيرنا الذي لا يستند الى المنهج العملي، ما لم نغير أسلوب استخدامنا للغتنا.


    بدون تهيئة الأجواء لخلق ثورة لغوية لن نتمكن من تحقيق أية خطوة في اتجاه المستقبل.


    *كاتب سعودي
    " انني استودع الله سبحانه وتعالى ,هذا البلد الحبيب لبنان ,وشعبه الطيب ,وأعبر من كل جوارحي,عن شكري وامتناني لكل الذين تعاونوا معي في الفترة الماضية"
    رفيق الحريري
    21 اكتوبر 2004
يعمل...
X