إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الرأي العام في السعودية.. صناعته والتعرُّف عليه

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الرأي العام في السعودية.. صناعته والتعرُّف عليه

    الرأي العام في السعودية.. صناعته والتعرُّف عليه
    أعد الملف: أسرة تحرير «المجلة»
    11/05/2005



    *في 17 يوليو «تموز» المقبل سيتذكر السعوديون مرور أربعين عاما على بداية البث التلفزيوني الذي افتتح في عام 1965م.وما يمثله كنقطة تحول تاريخية في تشكيل الرأي العام.كان اتصال المجتمع السعودي بالعالم الخارجي محدودا.وكانت البدايات البسيطة لنشوء الاذاعة قبل ذلك الحدث بأكثر من عقد تمثل نقلة تاريخية كبرى في تشكيل وعي الفرد بالعالم من حوله واتخاذه الموقف في الشأن المحلي والعالمي.ومع ان المجتمع السعودي يشترك مع العالم العربي في خصائص كبرى ثقافية واجتماعية وحضارية,إلا أن تشكله الحضاري السريع وتداخل الأجيال الأولى التي عاشت مرحلة القرية الصغيرة في البدايات مع الجيل الحالي، سيفرضان شيئا من الاختلاف والتنوع.إن معرفة الرأي العام وتشكله مع الأحداث يمثلان محورا مهما في تصور الحراك الاجتماعي والتغيير الفكري وتصور المستقبل.

    *جاءت طفرة السبعينات بأجيال جديدة مع مسيرة التنمية المتسارعة وزيادة الاتصال بالخارج عبر البعثات العملية والتعليمية والسياحة مع ارتفاع متوسط الدخل.لكن مع ضخامة تلك التغيرات التي يتذكرها أبناء هذا الجيل إلا ان المجتمع حافظ على كثير من خصائصه، وأعاد تشكيل الكثير من المفاهيم والعلاقات الاجتماعية، محتفظا بمضامينها الأساسية.وقد كانت الكثير من العوامل المؤثرة على الرأي العام تحت السيطرة الاجتماعية والدينية والسياسية، فالكتب الصادرة والصحافة الداخلية والخارجية والاذاعة والتلفزيون جميعها تحت هذه المظلة.وكان يمكن التنبؤ بما ستخلقه هذه المؤثرات من رأي اجتماعي.وكان مثل صوت «هنا لندن أو مونت كارلو»..للفئة الباحثة عن رأي آخر تتميز به في احاديثها الاجتماعية وجلسات السمر، وصباح الغد في مقر العمل.وجاء في منتصف الثمانينات صوت آخر لم تشعر بعض الجهات والنخب الثقافية بقوته في تغيير الرأي العام إلا بعد سنوات، حيث كانت هذه الفترة إلى منتصف التسعينات هي الفترة الذهبية لهذا الصوت الذي بدل الكثير من قوانين صناعة الرأي العام في حينها.
    كانت بداية التسعينات الماضية وغزو الكويت مرحلة انقلابية في مسار الرأي العام وتحولاته.ودشنت قناة السي إن إن بدايات تلك الحقبة في تغطيتها التاريخية لذلك الحدث السياسي الكبير.ومنذ ذلك الحين أصبح البث الفضائي في متناول الكثيرين وانتشر بصورة لم يتوقعها المتشائمون أو المتفائلون، حيث تزحزحت قيم وأفكار في سنوات قليلة، وتفتت الرأي العام السعودي في كثير من القضايا والمسائل وحتى الصوت الديني تزحزحت بعض قوته وتضاءل تأثيره الموجه في آراء محددة إلى آراء متعددة.ولم ينته ذلك العقد إلا وكانت الانترنت تختطف يوميا المئات ثم مئات الآلاف والملايين..ثم تحولت إلى أهم أداة تتحكم في الرأي العام، ومصدرا لأهم الحقائق وأخطر الاشاعات الكاذبة.

    الأغلبية الصامتة والأقلية الناطقة
    يظهر الحديث عن الأغلبية الصامتة حينما تبرز الخلافات حول بعض القضايا والمشكلات المستديمة حول موضوعات اجتماعية.ونتيجة غياب المعلومة واستطلاعات الرأي الموثقة، تزداد الجرأة بالحديث باسم المجتمع.ويتكلم باسمه كل تيار وجهات ذات مصالح.لقد ابتكر المتلاعبون في عالم السياسة والإعلام مصطلح الأغلبية الصامتة بعد أي هزيمة أو شعور بتضاؤل الصوت الذي ينتمون له.لكن مفهوم الصمت سواء كان أغلبية أو أقلية يختلف من بيئة إلى أخرى.هل الصمت هنا خوف أم حياد أم لا مبالاة أم جهل؟ ام مجاملات اجتماعية واحتمالات مفتوحة ومتعددة لا يمكن التأكد من حقيقتها عند كل حادثة وقضية؟ وتأتي هنا مسألة الشرائح والطبقات الاجتماعية، ففي أي مجتمع تتعدد هذه الشرائح وتتنوع التيارات الفكرية والاهتمامات والهويات كالفن والرياضة، فقد يكون هناك رأي عام عند شريحة كبيرة لكن لا تملك قوة تأثير شريحة أقل منها كرجال الأعمال.فتصور مثل هذه التقسيمات يقلل من مساحة التضليل.قد تكون الحالة السعودية مشكلتها ليست في الأغلبية الصامتة.وإنما في الأقلية الناطقة التي تتكلم باسمها في كل رأي ومناسبة.ومع حضور تقنية الاتصال وتملك الأفراد لها تمكن الهواة والمحترفون الصغار من اللعب على هذا المجال، وإمكانية خلق شعور عام زائف حول العديد من القضايا.

    الإنترنت وعالمها الافتراضي
    هل أسهمت الانترنت في كشف الرأي العام السعودي كما هو أم انها هدمت القوانين وخلقت فوضى جديدة تضيف غموضا آخر لغموض قديم؟ مؤشرات كثيرة توحي بأنها كشفت عالما آخر للسعوديين، فقد حدثت تحولات وتشكلات جديدة، لكنها ظلت مع كل صخبها العنيف تحت تأثير طبيعة المجتمع، فما تقوله الأشباح في المنتديات قد لا يظهر في العلن.وكل هذه الأرقام المخيفة التي تصرخ حول رأي متطرف هنا أو هناك قد تكون لعبة يمارسها ناشطون أشباح.إن استفادة هؤلاء من عدم وجود تنظيمات علنية، اتاحت لهم مساحات شاغرة يمكن التلاعب بالرأي العام حولها.
    ولا يمكن أن يتجاهل المتابع دور بعض المنتديات والساحات الإنترنتية في صناعة الرأي العام وتوجيهه، حتى أصبح تأثير بعض الأسماء الشبحية في إدارة قضايا ومسائل وطنية يفوق أحيانا قدرات صحف ومنابر اعلامية رسمية.قوة التأثير الخاصة للمنتديات الانترنتية السعودية يعزوها الكثيرون إلى ضعف المنابر الأخرى وضيق الحركة المتاحة وبيروقراطية التجاوب مع المتغيرات.

    إكسسوارات الرأي العام
    رسائل الجوال كانت لاعبا رئيسا في حسم بعض نتائج الانتخابات عبر القوائم المزكاة.ويتبادل السعوديون آلاف النكت اليومية والطرائف والتعليقات السياسية والدينية والحكم والمواعظ.وأصبح جيب السعودي الحامل للجوال مخترقا برسائل يومية تشكل رأيه وتصنع مواقفه.وأرقام جوالات للإنكار والاحتساب، وأخرى للتأييد والحشد..كيف ستدرس مثل هذه الظواهر وقوة تأثيرها في تحريك الرأي العام وتوجيهه؟ وكيف نتعرف على مضمون كل رسالة وعدد قرائها ومدى خطورتها أو فائدتها؟ وجاء البلوتوث حاملا معه صداعا آخر للمربين والفضلاء.وشاشة مفتوحة لكل ما هو غير متوقع.إنه اتصال جديد أضاف متعة أخرى للتسوق في البحث عن رأي آخر..والاطلاع على الجديد من أناس لا يعرفهم تحت مظلة سوق أو متنزه عام.
    هناك عشرات المؤثرات التي يصعب حصرها.فقد استطاعت مثلا الصالونات الثقافية وأماكن تجمع النخب أن تشكل حضورا في إدارة العالم عند النخب الثقافية والدينية.ويمكن اعتبارها في أحيان كثيرة المطبخ الذي يصنع الرأي العام عند القيادات وتوزيعه على الأتباع لنشره.وفي مجتمع مترابط تبدو فيه المناسبات الاجتماعية الصغيرة والكبيرة حدثا اسبوعيا، واللقاء في الاستراحات جزءا من برامجهم الأسرية، كلها مؤثرات قادرة على زحزحة وتكون آراء عامة.

    الدينامية والحركة
    إن ما يتفق عليه الكثيرون أن الرأي العام يتصف بالدينامية والحركة.يتغير مع الأحداث والأزمنة.هناك رأي عام يومي، وآخر صامت باطني، وثالث مؤقت غير مستقر.
    مع وجود اختلاف في تعريف وتحديد مفهوم الرأي العام وطرق قياسه واهم الجوانب المؤثرة عليه، إلا أنها اختلافات وصفية غير مؤثرة على حقيقته في الواقع وقوة تأثيره في الحياة العامة وتوجيه القرار.الرأي العام..هو ما يشغل بال الجماهير حول مصالحها الخاصة، أو رأيها حول قضية من القضايا المحلية والعالمية.ويمثل اتجاه الأغلبية وليس الكل.إن من النادر أن يكون الرأي العام مجمعا عليه، فهو محصلة لصراع الأفكار والتفاعل بين الآراء من خلال حوارات الأفراد مباشرة، أو عبر وسائل الاتصال المتعددة.
    الرأي العام قوة وغيابه يعني أن هناك خللاً ما، وفي المجتمع السعودي تتنازع الرأي العام قوى متعددة من مسجد وقنوات فضائية وتلفزيون رسمي وصحافة، بالإضافة إلى المجالس الخاصة والحوارات الشخصية ، جميعها تؤثر في رجل الشارع ورأيه تجاه قضاياه المحلية، أوالدولية التي تمس شأنه الداخلي.
    بعض هذه القوى لها القدرة علي تشكيل الرأي العام والتحكم فيه ومن ثم إمكانية تحريكه، إلا أن جميع هذه القوى تمارس هذا الدور بدون منهجية علمية وتخطيط مسبق، مما يجعل الرأي العام في كثير من الأحيان عرضة لنيران الإشاعات أو حمي التضليل.وفي ظل غياب مراكز متخصصة تقوم بإعداد قياسات صادقة للرأي العام تفجرت العديد من الإشكاليات، وأصبح خبر لجهة مجهولة ينتشر مثل النار في الهشيم عبر رسائل الجوال ومواقع النت، من الممكن أن يثير بلبلة في المجتمع ويتسبب في حدوث أزمة.
    التيارات الفكرية والشعبية يكون لها تأثير أيضا عبر منابر متعددة مثل الصالونات والمنتديات وحتى على مستوى حوارات رجل الشارع، مرورا بالقوة الروحية المتمثلة في المسجد وبالقوة التأثيرية المتمثلة في الفضائيات ، هذا بالرغم من أن الكثير من المنابر تخضع لحملات انتخابية طويلة الأمد، يروج فيها لأجندة فكرية لا علاقة لها بالشأن العام أو بالمشاكل المحلية، إلا انها تشكل رافداً رئيسياً من روافد الرأي العام قد يتوازى أو يتخلف عن القنوات الرسمية في التحكم في سريان الرأي.
    علي الصعيد ذاته لم تعد المطبوعات الصحفية أو اللافتات العريضة التي يرفعها المتظاهرون في التظاهرات السليمة أو غير السلمية هي الوسائل الوحيدة المنفردة بالتعبير عن الرأي العام.فقد دخل الإنترنت، بكل ثقله التقني والمعلوماتي، إلى المضمار ليعلن عن انعطافة حساسة وفاصلة في تشكيل الرأي العام، فضلاً عن تعبئته والتعبير عنه، وفي بعض الأحيان تضليله.

    عدم تسييس المجتمع
    بداية يؤكد الدكتور عبد الله بن فهد اللحيدان أستاذ العلوم السياسية ووكيل وزارة الشئون الإسلامية والدعوة والإرشاد المساعد في السعودية أن من أهم خصائص المجتمع السعودي التي تجعله مختلفا عن بقية المجتمعات العربية هي عدم تسييس المجتمع ، والدرجة العالية من التسييس ليست جيدة، في نظر بعض علماء السياسة ، لأنها تؤدي إلى درجة من عدم الاستقرار السياسي ، وتعكس أن المجتمع يعيش مشاكل عميقة، في حين أن أي مشكلة لها جوانب اجتماعية واقتصادية وثقافية.
    ويلخص اللحيدان العوامل التي استجدت في العقد الأخير وجعلت المجتمع السعودي يهتم أكثر فأكثر بالسياسة بأربعة عوامل هي:الغزو العراقي للكويت سنة 1990، والانفتاح الإعلامي مع ظهور القنوات الفضائية، وأحداث 11 سبتمبر وما تلاها من أحداث إرهابية في المملكة، والانفتاح السياسي في البلاد مع تأسيس مجلس الشورى وتعديل نظام مجلس الوزراء ليتم إعادة نشاطه كل أربع سنوات، ثم الانتخابات البلدية والحوار الوطني.
    ويرى اللحيدان أن الشائعة من أهم الأشياء التي تؤثر في صناعة الرأي العام السعودي، والتي اكتسبت بعداً جديداً بإمكان انتقالها بسرعة أكبر ولعدد أكبر عبر الإنترنت.ويقول إن الرأي العام في السعودية محافظ وبطيء في التغير، فعلى الرغم من التغير الكبير في نسبة الأمية من حوالي 60 بالمائة سنة 1960 إلى أقل من 20 بالمائة سنة 2000 إلا أن الرأي العام مستقر ولم يسجل تغيرات جذرية في القضايا الأساسية.

    إنشاء مركز لقياسات الرأي
    ويقف الدكتور اللحيدان عند نقطة جوهرية وهي أنه حان الوقت لإنشاء مركز لقياسات الرأي العام يستخدم الأساليب العلمية المتطورة والعينات الكبيرة التي يتم انتقاؤها وفق أساليب علمية تعكس تنوع المجتمع عمرياً وجغرافياً واقتصادياً وتعليمياً.ثم الوصول إلى المواقف الحقيقية من خلال أسئلة ذكية تطرح القضايا بطريقة مباشرة وغير مباشرة وصولاً إلى اتجاهات الرأي العام التي تساعد العلماء والمثقفين على التدخل لتوجيهه الوجهة السليمة ، أو تعين متخذ القرار على اتخاذ القرار الذي يتماشى مع اتجاهات الرأي العام.

    كلنا في الهم شرق
    لا تختلف أدوات قياس الرأي العام في السعودية، من وجهة نظر المستشار الإعلامي سلطان البازعي، عن غيرها من مجتمعات العالم من حيث إنه لابد من استخدام أدوات القياس العلمية والاعتماد على البحوث الميدانية، إضافة لما يمكن استقراؤه بالوسائل المعتادة من خلال وسائل الإعلام.واعتبر البازعي أن استخدام القياس بالوسائل العلمية يقي المجتمع من التضليل، وهذا يرجع إلى أن كثيرا ممن يدعون المعرفة بالرأي يعتمدون على وجود الأغلبية الصامتة التي تشكل الرأي العام الحقيقي، الذي يدعي الكثيرون الحديث بالنيابة عنهم.ولا يرى البازعي أن هناك فوارق حقيقية بين السعودية وغيرها من المجتمعات العربية في تحديد إشكاليات قياس الرأي العام أو التحكم فيه، فالمجتمع السعودي له نفس خصائص المجتمعات العربية الأخرى، لكننا?والكلام للبازعي - في العالم العربي إجمالا نفتقد القدرة على الاعتماد على الوسائل العلمية في قياس الرأي العام.ليس هذا فقط بل لا توجد في كثير من المجتمعات العربية مؤسسات بحثية مستقلة تستطيع أن تقدم لنا صورة حقيقية عن الرأي العام.
    ويرى البازعي أن إطلاق صفة التيارات الشعبية والفكرية بشكل عام يفتقد إلى التحديد العلمي ولا يعتمد على تحديد واضح يستند إلى جهد بحثي، ولا يمكن القول إنه يستند إلي تيار معين بدون أن يستند إلى بحث واضح ودقيق، ولا يمكن أن ننفي تأثير القنوات الرسمية في تشكيل الرأي العام لكنها ليست المؤثر الوحيد. ويشير إلى أن المسجد في المملكة العربية السعودية له دوره الأساسي في توجيه الرأي العام لأن المجتمع السعودي مجتمع متدين بطبيعة تركيبته، ومن هنا لم يتأثر دور المسجد بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية لكن لا يمكن الإطلاق بأنه مؤثر رئيسي في كل القضايا التي تهم المجتمع.وبشكل عام فإن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية التي حدثت مؤخراً زادت من القنوات المؤثرة في تشكيل الرأي العام، وتعددت هذه القنوات بحيث مكنت المواطن من الحصول على المعلومات من عدة أبواب وأصبح المجتمع يطلع بكثافة على تجارب المجتمعات الأخرى.

    مصادر الرأي العام
    أما الدكتور زين العابدين الركابي فيرى أن الرأي العام الحقيقي يتكون في باطن حياة الأمة، تكونه عناصر سياسية ودينية واجتماعية، وهذا هو مفهوم بسمارك للرأي العام، وهو تعريف قديم، لكن فيه نسبة من الصواب، وهي أن السياسة والدين والنمط الاجتماعي، مصادر واسعة ومهمة لتكوين الرأي العام ، أمس واليوم وغداً..ومع التسليم بـ (المشترك الإنسانبين الأمم مثل مناهضة الحروب، وتلويث البيئة ، والتطلع إلى العدالة والأمن ، وزيادة الدخل، ففي كل دولة (رأي عا داخلي، أو وطني له مصادره وهمومه وقضاياه الخاصة.ولئن كان المشترك الإنساني يترجم الخطوط الجامعة التي تلتقي عليها البشرية، فالرأي العام الوطني يعبر عن (التنوع الإنسان في القيم والثقافات والمعتقدات ومعايير الرفض والقبول.
    ويضيف الركابي:على المستوى الوطني يتأثر الرأي العام السعودي بمؤثرات عديدة منها الطرح الفكري والثقافي العام، وخطب الجمعة، وما يبث في الإذاعة والتلفزيون..أما تحديد نسبة تأثير ما هو رسمي وما هو شعبي عام فتتطلب دراسة علمية ميدانية موسعة..ويمكن الاستفادة ـــ في ما للرأي العام السعودي ـــ من الأدوات(الفنيالقياسية التي استنبطها التقدم الإنساني، مع الاجتهاد الخاص الضروري في تحصين القياس من كل ثغرة يتسلل منها التضليل والتدليس، سواء تمثل التضليل في اختيار المعيار، أو استقراء المعلومة، أو في التحيز والاستنتاج.فليس كل معلومة صحيحة تظفر بتحليل علمي صحيح وأمين..وينبغي أن يكون لقياس الرأي العام فلسفة أو هدف.فهو يقاس بما هو عليه (مجرد تصوير وتعرف على الاتجا.وبما ينبغي أن يكون (تعديل أو تغيي . ويقاس بمقياس مختلط (تصوير من أجل التعدي.
    ولسنا من الذين يقولون: إن الرأي العام مطلق خرافة، بل إننا نعدّ الرأي العام (شيئاً موجودا له اعتباره ووزنه، بشرط ألا يؤله، وألا يُــتملق، وهو يصطدم بسنن الكون، وثوابت الدين، وحقائق العلم. وبشرط ألا يسحق (الفردية الإنساني سحقاً يجعل الإنسان الفرد مجرد رقم في قطيع، فالإنسان خلقه الله فرداً ليس نسخة مكررة للآخرين، وكلفه فرداً ليس من خلال رأي عام، وسيسأل فرداً لا عبر جمهور.

    الاستخبارات والمباحث
    وفي رأي الدكتور عبد العزيز بن سلمة، استاذ الاعلام بجامعة الملك سعود، فإن ادوات قياس الرأي العام في السعودية تختلف عن الدول الغربية، فحتى هذه اللحظة لا توجد مراكز لاستطلاع الآراء، كالتي في فرنسا وامريكا وغيرهما من الدول الصناعية انما توجد لدينا جهات رسمية يهمها متابعة التطور والتغيرات بشكل عام في الرأي العام، فالدولة بأجهزتها المختلفة مهتمة بالبحث عن ماذا يشعر المجتمع وبماذا يفكر، ولذلك نجد أن اجهزة واضحة في الدولة تمارس عملها بشكل علني ويمكن للمواطن ان يعرف نشاطها مثل الاذاعة والتلفزيون التي تستطلع آراء المواطنين حول قضايا معينة، وان كان هذا الامر في المملكة العربية السعودية يتم بشكل محدود جدا.وهناك اجهزة اخرى قد لا يشعر بها المواطن، وهي في كل دول العالم، كالاستخبارات والمباحث التي توفر لصانع القرار رصدا يوميا او دوريا لحالة الرأي العام.ويرى الدكتور بن سلمة، انه اذا تركنا وسائل الاعلام الرسمية، وذهبنا الى الصحافة المكتوبة المستقلة او شبكات الاذاعة والتلفزيون الخاصة، فإنها لا شك تعكس بشكل ربما عشوائي وليس بشكل مقنن ـــ عفوي الى حد ما ـــ حالة الرأي العام، لكنها تمارس الى حد ما انتقائية في ابراز بعض الآراء واغفال اخرى حسب ما يراه المسؤول عن الوسيلة الاعلامية، فيما يرى ما هو مقبول وما هو غير مقبول??وقليل منهم يدرك اهمية التجرد والحيادية والابتعاد عن عقلية الوصايا.

    لا يوجد تدريب
    ويقف الدكتور بن سلمة عند جزئية التدريب على طرق الاستقصاء ويقول:حتى الآن لا يوجد تدريب على طريقة الاستقصاء السليمة والتحقق منها، فمشكلة وسائل الاعلام انها تجنح الى مادة صحافية بها نوع من الاثارة وهذا موجود ليس في السعودية فقط، بل في دول الغرب ايضا لكن بشكل عام لا شك ان وسائل الاعلام تطورت، خاصة بعد حرب الخليج الثانية وظهور البث الفضائي المباشر، وظهور الانترنت والهاتف الجوال، ومن ثم اصبح لدى المجتمع بافراده منافذ متعددة لابداء آرائهم بنوع من الراحة والعفوية.

    تقلص قدرة الحكومات
    ويرى ان قدرة الحكومات واجهزتها المختلفة تقلصت على التحكم فيما يصل الى الناس من معلومات، والتحكم في قدرتهم على ارسال المعلومات، ليس هذا فقط، بل اصبح كل فرد مع التقنية الحديثة تقريبا وبامكانياتها الجبارة وسيلة اعلامية بحد ذاتها سهلة الانتشار?حيث يمكن ارسال واستقبال الرسائل من اي مكان بالتقنية الحديثة، وقد أعطى ذلك الفرد امكانات كبيرة لا يحد منها إلا طاقته الجسمانية ومستوى ثقافته وتعليمه.
    اما من ناحية الفوارق بين المجتمع السعودي ومجتمعات مقاربة عربية، فيرى انه من الصعب الاجابة عن ذلك، فليس في كل الدول هامش كبير من حرية التعبير، وما زال هناك في بعضها من يتحكم في منافذ وصول المعلومة والتواصل مع العالم، وايضا توجد دول تسمي نفسها تقدمية، لكنها تمارس اقصى انواع الرقابة على التقنية الحديثة حتى الفاكس والانترنت.

    إمكانيات المجتمع المدني
    ويضيف الدكتور بن سلمة ان القنوات الرسمية لديها امكانيات ضخمة جدا لا تقارن بالامكانيات الخاصة بالمجتمع المدني، لكن هذا لا يعني الكفاءة في التحكم في الرأي العام، ويرجع ذلك الى مستوى المهارات لدى المسؤولين عن الاجهزة الرسمية.
    وبالنسبة للتيارات والجهات الشعبية، يرى ابن سلمة، ان بعض الاصوات تعبر عن رأيها بصخب كبير وهي غير مؤثرة بالفعل، فالمجتمعات العربية، ومنها المجتمع السعودي اصبح لديه قدر كبير من النضج للفرز بحيث لا يسيره من يتحدث بصوت اعلى او نيابة عن الاغلبية غير الصاخبة? ويقول ابن سلمة:المجتمع السعودي مجتمع محافظ وبه روابط اسرية واجتماعية ممتدة، ويمكن للمرء من خلال المجالس العامة ان يقيس حالة الرأي العام.

    دور المسجد
    وفي رأيه أن المسجد، له دور يكبر ويتلاشى تبعا لقدرات الخطيب ومستوى ثقافته ومعرفته ومستوى احساسه بمشاعر الناس واحتياجاتهم وطموحاتهم، فالخطيب كلما كان على مستوى من العلم والمتابعة بالشأن العام مع معرفته بنفسية الناس وكيفية التعامل معهم، وتكثيف مستوى الخطاب تبعا لمستوى الذين امامه، ملامسا ذهن واحساس كل الاطياف، سيكون له تأثير قوي ويتنقل عبر الناس الى دائرة اخرى تتسع او تنكمش نتيجة لقناعته بالوصول بمعلومته بشكل ومقدرة اقناعية كبيرة. ويؤكد ابن سلمة، على انه لا يمكن لاحد ان ينكر تأثير الاعلام الخارجي في ظل الانفتاح، فهناك تأثير وتأثر بالرأي العام العالمي، فكل ينعكس على الآخر، ولكن لا يمكن مقارنة تأثير دول لديها وسائل اعلام عملاقة، وموجودة في كل انحاء العالم وبلغات مختلفة وعلى مدار الساعة، بوسائل اعلام محدودة الامكانيات وتتحدث بلغة او لغتين.

    طغيان التأثيرات المؤدلجة
    أما الدكتور محمد بن صنيتان رئيس مركز ساس الوطني لاستطلاعات الرأى العام والاستشارات فيقول:إن أدوات قياس الرأي العام العلمية هي نفسها سواء في السعودي أم في غير السعودية ، في الدول النامية أم في الدول المتقدمة.ولكن حساسية التأثير والتأثر والتفاعل مع مؤشرات الرأي العام تختلف من مكون ثقافي إلي آخر، كما أنها تختلف داخل المكون الثقافي نفسه حسب نوعية التحصيل المعرفي ودرجته لشرائح المكون الثقافي نفسه.أما اختلاف الجغرافيا فلا اعتقد ان العولمة وآلياتها جعلت حدوداً للجغرافيا.
    ويمكن تجنب التضليل أو تغرير المواطن بأن رأي شريحة أو تيار معين هو الرأي العام بالاعتماد علي بيوت الخبرة والمراكز المشهود لها بالحيادية والمصداقية، والتي تعتمد وسيلة حقيقية لرصد الرأي العام. كما يمكن تطوير ملكات المسئول أو المثقف لتقدير حقيقة الرأي العام من خلال تزويد معرفته بخصائص المجتمع السعودي وجهات التأثير فيه.وتتضح الفوارق جلية وواضحة بين المجتمع السعودي والمجتمعات العربية في طغيان التأثيرات المؤدلجة فيه، وحقيقة المجتمع السعودي أنه ينقاد انقيادا أعمي للتيارات الإسلاموية والشعبية والإشاعات، ولايصدق القنوات الرسمية فيه، كما يلعب المسجد دورا في توجيه الرأي العام لأغلبية المجتمع السعودي، دون التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية التي قد تتأثر بها الطبقة المثقفة وشريحة القطاع الخاص التي لها تعاملات خارجية وهي قليلة العدد والتأثير.

    صعوبة قياس الرأي العام
    الإعلامي الدكتور مالك الأحمد يقول إنه من الصعوبة بمكان قياس الرأي العام في أي مكان في العالم - فضلا عن السعودية - وما تقوم به مراكز البحث والإستطلاع والقياس هو معرفة توجه الرأي العام من خلال عينات عشوائية ـــ غالباً ـــ من المجتمع المستهدف.والوضع في السعودية أصعب لثلاثة أسباب:أولاً:عدم وجود مراكز متخصصة وذات خبرة في هذا المجال، وثانياً:عزوف الكثير من الناس عن الإجابة عن أسئلة لجهات ليست رسمية وأغراضهم غير واضحة، والأمر الثالث:هو ضعف المصداقية وعدم الدقة في إجابات العينة، وهذا الأمر بناء على تجارب شخصية في دراسات ميدانية إعلامية، كل ذلك ينعكس على النتيجة وما تمثله من استنتاجات.وقياس الرأي العام أسهل في المجتمعات العربية للخبرة في هذا المجال، وطبيعة المجتمعات، وانفتاح الناس، والأريحية في التجاوب.
    ويضيف الأحمد:في السعودية هناك تياران أساسيان يؤثران في الرأي العام، الأول التيار المتمثل في العلماء وطلبة العلم والدعاة والمفكرين والمثقفين.الثاني هو الإعلام بكافة وسائله، سواء المقروءة أو المسموعة أو المرئية واخيراً الإنترنت..والتيار الإسلامي ممثلا في الهيئات الدينية والشخصيات الإسلامية يؤثر بشكل معتدل في الرأي العام المحلي، لكن الغريب أن تأثيره يتفاوت بحسب القضية أو الحدث، ففي الشأن الديني البحت تأثيره ملموس جداً، أما في الشأن الإجتماعي والإعلامي فتأثيره محدود (برنامج ستار أكاديمي والفتاوى التي صدرت والمواعظ والتحذيرات التي ذكرت، ومع ذلك استمرت المشاركة فيه مرتفع.
    ولعل ـــ الارتباط ـــ أحياناً بالمؤسسة الرسمية يضعف من تأثير الهيئات الدينية في الرأي العام في القضايا العامة.لكن في الشأن الديني البحت، وفي كثير من قضايا الناس اليومية ومعاشهم فإن تأثير هذا التيار ملموس.
    أما القنوات الرسمية فتأثيرها محدود جداً، وغالباً ما يكون من خلال وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية ومن خلال شخصيات قد لا تكون محلّ قبول اجتماعي، أو ذات طرح مخالف لأصول المجتمع وقيمه.وبالنسبة للنخب الفكرية والثقافية ـــ من خلال وسائلها الشخصية ـــ فإن تأثيرها محدود جداً باستثناء ذات الخلفية الإسلامية والتي تتكئ على خطاب ديني يوافق قواعد المجتمع الثابتة. ولعل من الغرائب في المجتمع السعودي سهولة التأثير في الرأي العام وتوجيهه إذا امتلك موجهوه أدوات إعلامية قوية، وشخصيات ذات مصداقية عالية وخبرة اتصالية كبيرة مع استحضار كامل للبعد الديني والذي ـــ لايزال ـــ يمثل محور المجتمع.

    المسجد والانترنت
    يركز الدكتور حمزة بيت المال استاذ الاعلام بجامعة الملك سعود على مصادر الرأي العام متفقا مع الآراء التي تشير إلى أن هذه المصادر تختلف من مجتمع لاخر وبحسب الظروف الزمانية والمكانية، والمكون الثقافي لكل مجتمع.فعلى سبيل المثال في السعودية كان المسجد يعتبر من احد اهم مصادر تكوين الراي العام لكن مع تقدم و تعقد الحياة المدنية اصبحت تنافس المسجد كوسيلة لتلقي الراي وسائل الاعلام.
    وفي رأيه أن اسباب انحسار دور المسجد في المملكة يعود الى طبيعة الخطب (خطبة الجمع التي تلقى في المساجد فهي مرة واحدة في الاسبوع، والان يتلقى الفرد من الوسائل البديلة المعلومات على مدار الساعة.هذا من جانب و من جانب اخر ان موضوعات الخطب تميل للجانب الوعظي في الاغلب ولا تتعرض للمشاكل او القضايا الاجتماعية بشكل مباشر.

    تصنيع الرأي العام وتغليفه
    ويقول الدكتور عثمان العربي أستاذ الإعلام في جامعة الملك سعود:في ظل غياب مراكز وطنية عامة وخاصة تقوم باستقراء الرأي العام في المجتمع تجاه القضايا المختلفة، فمن الصعب القول بوجود رأي عام مؤيد أو معارض بشكل حاسم، ولذلك يلجأ كثير من المؤسسات والشرائح الاجتماعية المختلفة لاستقراء بعض المظاهر الاجتماعية على اعتبار أنها رأي عام «مستقر».و أهم هذه المظاهر هي قراءة التحليلات والتعليقات الإعلامية في الصحف، مضيفا أن كثيرا من المجموعات والتيارات الاجتماعية المختلفة تتحدث دوماً عن تمثيلها للرأي العام المحلي.
    وقال العربي إن كثيرا من التيارات تسعى بطرق مختلفة للتأثير في الرأي العام حيال القضايا المختلف عليها في المجتمع، بل إنه في بعض الأحيان تلجأ لتصنيع رأي محدد وتعبئته وتغليفه بشكل جذاب، وتقدمه وتطرحه على أنه يمثل توجه الرأي العام.و في كثير من الأحيان تعكس طبيعة الجدل حول قضايا الرأي العام في الوسائل الإعلامية المحلية عملية مبررة غير حقيقية لتوجهات الرأي العام حيال القضايا التي تهمه، ولو استقرأنا بشكل سريع سمات وخصائص الرأي العام المطروح في كثير من هذه الوسائل لوجدنا أنه يعكس توجهات نخبوية أحادية منقطعة الصلة بهموم واهتمامات رجل الشارع العادي، وتدعي في نفس الوقت أنها تمثله أي تمثل الرأي العام وترفع لواء قضاياه ومصالحه.ويرى العربي أننا نعيش في الآونة الأخيرة مجموعة من المتغيرات التقنية على مستوى الوسائط الإعلامية متمثلة في ظهور الإنترنت والجوال، وأخرى على المستوى المؤسسي المحلي والعالمي فتحت آفاقاً جديدة لخلافات الفكر والرأي المبنية على قناعات عمرية، وفئوية، واجتماعية وايديولوجية متباينة .

    الشارع السعودي:الفضائيات أكثر جاذبية وإثارة والمجالس الخاصة فرصة لصناعة الآراء
    *في مراكز التسوق ومقاهي (الكوفي شو والأماكن العامة تجولت «المجلة»لاستطلاع آراء السعوديين حول قضايا الشارع السعودي المحلية والدولية التي يتابعها المواطن وتمس شأنه الداخلي.وتمحور الاستطلاع حول أي من المؤثرات التالية (المسجد، التلفزيون الرسمي، القنوات الفضائية، الصحافة، المجالس الخاص له الأثر الأكبر في تشكيل وتوجيه الرأي حول قضية محلية أو عالمية.
    في البدء تحدث عبد الله الأسمري « 25 سنة»موظف بالقطاع الخاص قائلاً:بلا شك بعض القنوات الفضائية المحترمة في طرحها تؤثر في تشكيل وجهة نظري حول أي قضية عامة تتم مناقشتها في أحد برامجها الحوارية أو من خلال طرحها لتلك القضية، وعن قصده بالمحترمة أوضح الأسمري أن بعض القنوات تجنح لصياغة أحداث القضية بما يخدم توجهها الإعلامي غير المعلن ويشير للأعمال الإرهابية التي شهدتها السعودية في الآونة الأخيرة، وكيف تعاملت معها احدى القنوات الفضائية العربية بطريقة أظهرت عجز الحكومة السعودية وتورط الجهات الدينية الرسمية في تلك الأحداث وكأنها المحرك الرئيسي لها.
    محمود الغريبي «23 سنة»طالب جامعي يرى أن الحوارات والنقاشات على عدد من الفضائيات أصبحت مشكلاً رئيسياً للرأي العام في السعودية، في ظل الطبيعة المحافظة لطرح الإعلام الرسمي، ولا يزال التلفزيون والإذاعة السعودية يقدمان المعلومة بتحفظ ورسمية زائدة إلا أن «القناة الإخبارية السعودية»بدأت بشكل مغاير لما تعوده المجتمع في طريقة تلقيه للخبر الرسمي حول قضية محلية معينة.
    أما بخيت الدوسري «30سنة»موظف حكومي فيرى أن التلفزيون السعودي يعتبر المصدر الأكثر تأثيراً في تشكيل وجهة نظره ورأيه حول أي قضية داخلية، وعبر عن عدم ثقته في الإعلام الخارجي والفضائي على وجه الخصوص، حيث يرى في ما تطرحه بعض القنوات الفضائية حول بعض القضايا المحلية محاولة لقراءة الشأن الداخلي من الخارج دون معرفة المحركات الحقيقية لتلك القضية.
    من جهته قال:سعود المرزوقي «30سنة» معلم أن رأيه طرأ عليه التغيير بسبب متابعته لأكثر من جهة تحليلية لأحداث داخلية وعالمية، إلا أنه يلمح لكون تنوع قاعدة المعلومات المستقاة من أكثر من مصدر تجعل الرأي متشتتاً حول قناعة معينة، وهو يشير في حديثه إلى أن كثرة مصادر الأخبار في السنوات الأخيرة لم تسهم في ثبات الرأي ولكن يؤدي الى التشتت وعدم معرفة الحقيقة كاملة.
    لم يعد الأمر كما كان ـ بهذه العبارة ـ بدأ خالد العتيبي «42 سنة»موظف حكومي حديثه حيث أردف قائلاً:في ما مضى كان المصدر الوحيد لتلقي الأخبار والمعلومات التلفزيون والإذاعة السعوديين فقط ولكن الآن الأمر مختلف تماماً فكثير منا يعمد لتلقي المعلومات من قنوات فضائية وإذاعات الأجنبية، مشيراً إلى توجس البعض من صحة ما تورده المصادر الحكومية من أخبار ظناً منهم ـ حسب قوله ـ أن الأخبار في المصادر الاعلامية الحكومية تتوافق ووجهة نظر الحكومة، ويؤكد العتيبي على أن الحكومة تلجأ دائما لصياغة الأخبار بما يتفق والشأن الداخلي ومن منطلق حرصها على الشأن العام.

    المكاشفة والشفافية
    ويضيف:العديد من الأحداث والقضايا الداخلية تنقصها المكاشفة والشفافية في طرحها على الوسائل الإعلامية الداخلية مما يحدو بالبعض لاستقائها من الخارج بحثاً عن الحقيقة والإثارة في كثير من الأحيان.
    بينما يرى فالح الصغير «37 سنة»موظف بالقطاع الخاص، ان رأيه يتأثر تبعاً لطبيعة القضية ذاتها فالقضايا الدينية يكون للمسجد والهيئات الدينية الرسمية التأثير الأكبر في تكوين رأيه حولها، ويؤكد على تجنبه للمؤثرات الإعلامية في هذا الشأن، ويضيف:أما القضايا الاجتماعية الداخلية فإن الصحافة السعودية تشكل الرأي العام حولها باقتدار، لكن العديد من القضايا يجب النظر إليها من خلال أقرب المصادر لها، وهو هنا يشير إلى تفضيله استقاء معلوماته من مصادر رسمية موثوق بها كون الكثير من تلك الأحداث يتم تشويهها واساءة فهمها في المجتمع لكثرة المصادر الخارجية التي لا تملك الحقيقة ـ كما هي ـ حسب وصفه.
    أما فهيد العنزي «29 سنة» معلم فيؤكد على أن المجالس الخاصة التي تجمع الأصدقاء تشكل الرأي لدى العديد منا ـ حسب رأيه ـ وأن بعض القضايا العامة يتم مناقشتها في إطار الأصدقاء في جلساتهم الخاصة، وعدد من أصدقائه تطول بينهم المناقشات في استعراض أحداث وملابسات قضية اجتماعية ما، وإن كان البعض منهم يصر على وجهة نظره ودقة معلوماته.
    عبد العزيز العياش «24 سنة»طالب جامعي يرى أن تشكيل رأيه حول قضية داخلية يرتكز على مزيج من المصادر فهو يطلع على كافة المصادر الإعلامية الداخلية والخارجية للخروج برأيه الخاص في تلك القضية.
    فواز المطيري «36 سنة»صاحب محل تجاري، يرى أن الصحافة المقروءة تقدم التفاصيل اللازمة لتشكيل رأيه في أي قضية، ويرى أن كتاب الصحافة السعودية يسهمون بشكل جيد في بلورة تلك الآراء في المجتمع.وبشيء من الحماسة يرى محمد الحنايا «38 سنة»معلم أنه من الضروري على الفرد في المجتمع إرجاع رأيه إلى الأدلة الشرعية ورأي أهل العلم الديني في أي قضية، ويشدد على كون القول في أمر ما بغير علم هو من اللغو المنهي عنه شرعاً ـ حسب وصفه ـ ويرى فيه بلبلة قد لا تحمد عقباها على المجتمع.
    أما حمود العلي «45 سنة»موظف حكومي فيشدد على أن الكثير ينجر خلف آراء غير حقيقية ويستمع لمصادر ليست لها مصداقية، ويلمح العلي إلى ترديد البعض آراء غريبة حول قضايا داخلية لا تمت للقضية وطبيعتها بصلة سوى أنها قلب لحقائق مشاهدة للعيان، ويدعو العلي لضرورة استقاء الخبر والمعلومة الصحيحة من مصادرها الرسمية والبعد عن المواطن المشبوهة.

    طلاب التعليم والفضائيات
    من جهة أخرى كان لعدد من طلاب التعليم العام بمدينة الرياض رأيهم حول تلك القضية.
    في البدء تحدث صلاح العمري «16 سنة» طالب بالمرحلة الثانوية موضحاً أن الفضائيات وما تقدمه من برامج إخبارية متنوعة تشكل رأيه في كثير من الأحيان حول قضايا داخلية.بينما يرى سعد الزهراني «17 سنة» طالب بالمرحلة الثانوية أن منتديات الإنترنت تشكل رأيه في عدد من القضايا، ولكنه يشير إلى أن معلمه كثيراً ما ينصحه بتجنب ذلك في النقاشات التي تجري بينه وبين معلمه.
    علي الدوسري «14سنة»طالب بالمرحلة المتوسطة يرى أن معلمه في الصف يستطيع التأثير في رأيه أكثر من غيره، وألمح إلى أن معلم الصف لديه يقوم بنقاش الطلاب في بعض الأحيان حول بعض القضايا التي تهم الطلاب ويرى الدوسري أن معلمه يستطيع تكوين قناعة لدينا نحن الطلاب في تلك القضية.أما إبراهيم المحيسن «16 سنة»طالب بالمرحلة الثانوية فيرى صعوبة تحديد ذلك المؤثر في تشكيل رأيه، ويرى أن عددا من القضايا تغيرت قناعاته حولها بعد استماعه أو مشاهدته للتلفزيون أو سماعه رأيا لبعض أصدقائه الطلاب.


    مجلة 11/05/2005


  • #2
    مشاركة: الرأي العام في السعودية.. صناعته والتعرُّف عليه

    يتبع


    سباق السرعة

    في أحد المراكز التجارية النسائية بمدينة الرياض كان للمرأة السعودية رأيها في تلك المؤثرات، تقول نوف الخرجي «31 سنة»معلمة أن الفضائيات أصبحت تشكل رأي العديد من أفراد المجتمع حول قضاياهم الداخلية والأحداث الخارجية، وتعلل ذلك بأن الفضائيات أصبحت تتسابق فيما بينها في صياغة الخبر والمعلومة حول قضية ما، وبذلك أصبحت أكثر توافقاً في طرحها وتوجهاتها الاعلامية.
    أما أم خالد «34 سنة»موظفة فترى أن ضرورة التيقن في تناول القضايا وعدم الانجراف وراء ما كل ما يبث في القنوات الفضائية وعدم ترديد كل ما يسمع أو يشاهد واعتباره حقيقة لأن ذلك ربما يعود بالأذى على المجتمع في بعض الأحيان.
    وتعتبر عائشة الهملان «24 سنة»طالبة جامعية، التلفزيون السعودي مصدرها الرئيسي في تكوين رأيها حول الشأن الداخلي، وبعض الفضائيات تعد مصدراً جيداً في تشكيل الرأي حول القضايا الخارجية، وتؤكد المتحدثة أن الانفجار الفضائي للإعلام المرئي يقف خلف اختلاف الآراء وتشتتها في بعض الأحيان حول أي قضية.
    أما حصة الرشيد « 29سنة»موظفة حكومية فترى في الصحافة مصدرا لتكوين رأيها، وتبدي تحفظها على بعض الكتاب الصحافيين السعوديين حين يتناولون قضية ما برأيهم الصحافي، حيث تبدي استغرابها لبعض الأفكار المطروحة من قبلهم.
    هيا الحصين «28 سنة»ممرضة بمركز صحي ترى أن رأي صديقاتها في مجال العمل يحدث لديها نوعاً من تكوين رأي عام في أي قضية، وتشير الحصين إلى ان بعض صديقاتها يتمتعن بسعة الاطلاع والمتابعة شبه المستمرة للقنوات الفضائية وما تطرحه من نقاشات وجدال حول القضايا المحلية والخارجية.
    وترى أم فهد الشهراني «32 سنة»معلمة أن القضايا تختلف وجهة النظر حولها وترى في تعدد مصادر متابعتها أساس اختلاف وجهات النظر، وتوضح الشهراني أن القنوات الفضائية وغزوها لكل منزل أصبحت هي المشكل الأساسي لتكوين الرأي العام لدى العديد من أفراد المجتمع، وتلمح إلى ضرورة عدم الانسياق خلف آراء بعض تلك القنوات الفضائية.أما ليلى الحسون «23 سنة» طالبة جامعية فتؤكد على ضرورة التحصين الأسري للفرد وترجع ذلك لخوفها من تعدد مصادر تكوين الرأي العام في المجتمع في ظل توفر تلك المصادر واتساع قاعدتها، وتشير الحسون إلى ان الفضائيات وما تقدمه من برامج تعد في الصف الأول لتشكيل الرأي العام في السعودية .

    استطلاعات الرأي... علامة استفهام ؟

    *الرأي العام قوة هائلة تتجسد في مظاهر التعبير العلني، وقد تكون قوة كامنة لا يعرفها أحد..فتظهر في وقت معين بسبب حدث مؤثر..ولهذا فإن الرأي العام موجود في أي مجتمع من المجتمعات البشرية..ولن يلغي عدم وجود استطلاعات رأي عام في أي مجتمع وجود رأي عام في ذلك المجتمع...السعودية تحمل رأياً عاماً تجاه القضايا المحلية والدولية، ولكن للأسف لم يتم توظيف هذه القدرات الجماهيرية في أحداث أو مناسبات وطنية ودولية، بما يدعم السياسة السعودية الداخلية والخارجية..وإن ما نقرأ عنه أو نسمع به لا يتعدى محاولات على استحياء للتعبير عن اتجاهات الرأي العام السعودي..وعادة ما تتم هذه الجهود من خلال شركات ومؤسسات خارجية تتعاون مع جهات قد لا تكون قادرة على تنفيذ إجراءات استطلاعات الرأي العام بالشكل العلمي المناسب..ولهذا فإن هذه الاستطلاعات نضعها عادة تحت علامة استفهام كبيرة.إن المرحلة التي تمر بها المملكة من وجود إصلاحات سياسية كبيرة، ومن تطور في الوعي السياسي، ونمو اهتمام المواطن السعودي بالقضايا والمشاكل الدولية تتطلب أن تنشأ في بلادنا مؤسسات قياس رأي عام، اسوة بباقي المجتمعات الأخرى..وتكون هذه المؤسسات محلية وتعمل من خلال كوادر بشرية سعودية متمكنة قادرة بالمعرفة العلمية والعلاقات الاجتماعية على أخذ هذه الاستطلاعات بمقدرة وتمكن يعطي مصداقية للنتائج، ويعكس تعبيراً حقيقياً عن اتجاهات الرأي العام في مجتمعنا.
    وبطبيعة الحال، لا يمكن أن ندعي أننا في مجال الإعلام والاتصال نعبر عن حالة الرأي العام، ولكن توجد بالونات اختبار، قد تعبر عن اتجاهات معينة في الرأي العام، وهذه متبعة في كثير من وسائل الإعلام في الوطن العربي، فمثلا البرامج الحوارية التي تتيح فرصة لأخذ اتصالات من جماهير المشاهدين، ينظر إليها الإعلاميون أنها تعكس اتجاهات الرأي العام، ولكني شخصياً لا أتفق مع مثل هذا القول، لأن هؤلاء الذين يتابعون برنامجاً معيناً لا يمثلون سوى شريحة واحدة وضيقة من شرائح الرأي العام، ولأوضح هذه النقطة دعني أشير إلى الخطأ المنهجي الذي قد يقع فيه هؤلاء، فمن يرى أن برنامجاً مفتوحاً للمشاهدين للتعبير عن قضية يمثل رأياً عاماً عربياً، تعوزه الدقة والمعرفة، فليس كل الرأي العام العربي هو جمهور مشاهد، هناك شرائح لا تشاهد التلفزيون، لأسباب مادية او فكرية أو لظروف عمل أو سفر أو غير ذلك، وهذا يعني أن شرائح كبيرة من جماهير الرأي العام مستبعدة، وليس كل من يشاهد التلفزيون يريد أن يشاهد تلك المحطة الفضائية، فهناك شرائح من المشاهدين لا ترغب في متابعة تلك المحطة.وليس كل من يشاهد تلك المحطة بالضرورة يشاهد ذلك البرنامج، فللمحطة شرائح متنوعة من المشاهدين.أيضا ليس كل من يتابع هذا البرنامج لديه الرغبة والتحفز للاتصال بالبرنامج والتعبير عن رأيه.وليس كل من يرغب المشاركة من الجمهور يستطيع أن يصل إلى خطوط الهاتف للمحطة التلفزيونية.

    وهكذا فإن الاستبعاد المنتظم لمختلف شرائح المجتمع يؤدي إلى التعبير الجزئي عن اتجاهات رأي عام أفراد أكثر منها اتجاهات رأي عام جمعي..ولهذا فنحن ـ المتخصصين ـ ننظر إلى هذه الاتصالات على أنها لا تمثل الرأي العام بأي شكل من الأشكال..ولكن يجب أن أضيف في نفس الوقت أن هذه الاتصالات الهاتفية لا يعني أنها لا تتفق مع اتجاهات الرأي العام..فقد تكون متفقة معها، ولكن أيضاً قد تكون مختلفة عنها..والمؤكد أنها لا تعكس الرأي العام في المجتمع المحلي أو العربي بطريقة علمية ومنهجية دقيقة .

    رئيس الجمعية السعودية للإعلام والاتصال

    الرأي العام في الحوار ومجالس الزملاء

    *يتحدث أسامة الغامدي عن العامل الأكثر تأثيراً على الرأي العام في السعودية مستبعداً الإنترنت رغم شيوعه وتعويل الكثير عليه في استقاء المعرفة واستطلاع الآراء على حدّ سواء، ومؤكداً على ان الحوار هو النموذج الأمثل للثقافة، لأنه يوفر سمات التواصل والتفاعل بين المستقبل للمعرفة والمرسل لها، ويتيح إمكانية تبادل الأدوار بحيث تنساب المعلومة من والى المتحدث، وهذا ما لم تراعه التلفزيونات العربية الرسمية التي ربت مشاهديها ـــ ولا أقول متابعيها ـــ طويلاً على التلقي السلبي من طرف واحد من دون أن يأخذ مساراً راجعاً.وربما سايرت موجة البرامج الحوارية والتفاعلية، والتي تبدو في القنوات الإخبارية المحترفة (عربية أو أجنبي أكثر إتقاناً، لكن فرق المهارات وهامش الحرية والاهتمام بتلبية حاجات المشاهد وإشباع نهمه للمعرفة والتواصل

    أولاً بأول تميل بشدة لصالح الإعلام غير الرسمي.

    وبالدرجة نفسها يرى ـ الغامدي ـ المنتديات والمجالس والديوانيات فرصة لاكتساب وإنضاج معرفة حديثة بقدر يتناسب وجدية الحوارات التي تدار، لأن التفاعل المستمر يهيئ مناخاً ملائماً للتثاقف إذا ما توفرت إدارة جيدة للحوار، وروح علمية لدى المتحاورين تبحث عن الحقائق لا الانطباعات التي تنتشر في مجالسنا الاجتماعية من قبيل «الدردشة»وتزجية الوقت.

    ويتفق مع هذه الرؤية ياسر اليحيى حيث يقول:إن الأكثر تأثيراً في تشكيل أفكاري وصياغة آرائي هي مجالس الزملاء الفكرية، شعوري بالحرية في التعبير عن رأيي يمنحني المزيد من الثقة والاطمئنان بأن الآراء ستخضع لمستويين من الفلترة، فلترة جماعية وفلترة فردية، فعقل الانسان يبني طوابق أفكاره إذا تحرر من الضغوط الداخلية والخارجية، من هنا فإن مجالس الأصحاب ترفع مستوى الوعي، وتسمح بتلاقح طبيعي للأفكار، وتمنح الفكرة ـــ أي فكرة ـــ فرصة حياة، وتسمح للجاهل أن يعترف بجهله من دون خجل، تفصل بين الفكرة وقائلها، إنها مجالس ثرية تستحق أن توثق، هي برلمانات طبيعية جميع أعضائها صانعو قرار، لذلك ترى العديد من المنعطفات التاريخية كان وراءها أفكار خرجت من رحم دواوين ومجالس فكرية حرة، لكن لا بد من التنويه بأن هناك من يحاول القبض على هذه المجالس، وتكبيل حريتها ضمن إطار المشروع الإقصائي الكبير الذي تعدنا به الأيديولوجيات المنتشرة هنا وهناك.

    ويبدي ياسر الغصن إعجابه بدور مجالس الزملاء قائلاً: نعم كان لها تأثير على تفكيري وآرئي، منها ما كان بحكم ردود الفعل ومنها ما كان من قبيل التماحك الفكري الجدلي المتداول في الأطروحات الفكرية والسياسية والدينية.

    فقد كانت نشأتي التربوية في بيئة متدينة منغلقة على ذاتها لا تفتح نوافذها للآخرين ولا تنفتح عليهم، حيث كان الزملاء بالنسبة لي هم زملاء حلقة تحفيظ القرآن قبل دخولي للجامعـة، وبعــد دخولي للجامعة انضممت إلى حلق المرحلة الجامعية في جامع الراجحي في بريدة وكان هذا عام 1419 هـ وهنا كان الصدام مع بعض الزملاء حيث إنهم يحملون الفكر المتطرف بمعناه الجهادي التكفيري، وكنا في تلك الحلقة منقسمين إلى فئتين، فئة تنظر إلى الإسلام كدين رحمة وسلم وتعايش، وفئة لا ترى إلا أن الإسلام ذروة سنامه الجهاد وأن الإسلام بدون جهاد هو إسلام يشوبه النقص والانهزام..وأن الوقت قد حان لرفع راية الجهاد فمعسكرات الفاروق هناك في أفغانستان مجهزة لاستقبال المجاهدين، ومنادي الجهاد ابن لادن قد نادى إلى فرضية الجهاد على كل من هو قادر من الشباب، وفي هذه الأثناء قبل حادث سبتمبر انتشر بين الشباب القريبين مني، والذين كثيراً ما أتجادل أنا وإياهم، انتشرت أشرطة فيديو وكاسيت تحرض على الجهاد وتكفير الحكام والدولة السعودية وكانت هذه النقطة تشكل لدي أزمة مع أصدقائي الذين أحبهم كثيراً ويحبونني وكثيراً ما ذهبنا إلى رحلات ومخيمات كانت حامية في مناقشة مثل هذه المواضيع، وقبل سبتمبر تركت هؤلاء لاستحالة التفاهم معهم، وقد ذهب عدد منهم إلى أفغانستان وكان آخرهم في ما أذكره وهو الآن في معتقلات جوانتنامو يقول لي سنعود منتصرين ونريك الحق حقاً وندعوك إلى اتباعه.

    ويضيف: في منتصف الدراسة الجامعية تعرفت على مجموعة طيبة هادئة جادة تهتم كثيراً بالأمور الفكرية والعلمية والتربوية وكانت تشكل فترة انتقالية بالنسبة لي، وكان هؤلاء الزملاء يرفضون الفكر المتطرف ولا يقحمون أنفسهم مع المتطرفين بل يسعون إلى سحب الشرعية منهم والرد على استدلالاتهم الفقهية، وكنت منسجماً معهم..ومستقلا في قراءاتي الفكرية والشرعية..حتى أحسست أني بحاجة إلى زملاء أكثر فاعلية من الناحية المعرفية وأكثر شعوراً بالفكر والفلسفة والمعرفة..ولم أشعر بالأمن الفكري والحرية في الرأي والسعة المطلقة في التفكير إلا في الوحدة واقتصار التثاقف على واحد أو اثنين من زملائي.

    الخطوط الحمراء وحرية التعبير

    ويلتقط ياسر اليحيى أطراف الحديث قائلاً «عدة أسباب تدفعني لاستبعاد التلفزيون السعودي الرسمي من دائرة التأثير (فضلاً عن صياغة الأفكار، أو تشكيل الآرا ، أولها المهنية الاعلامية الضعيفة الواضحة، وثانيها وجود شبكة من الخطوط الحمراء أمام الاعلام الرسمي، وثالثها البيروقراطية المتورمة خلف كواليس التلفاز، بالاضافة إلى أن القنوات التلفزيونية السعودية الرسمية لا تختلف عن أي قناة رسمية أخرى، فالشأن في غالبية القنوات الرسمية واحد، كون القناة متصلة بشكل مباشر بصانع قرار سياسي فهي اتوماتيكيا ستحد من أهم عامل نجاح إعلامي وهو «حرية التعبير». أما بالنسبة للقنوات الفضائية، فهي على فئتين، إذا أردنا التحدث عن القنوات الفضائية الإخبارية والوثائقية كفئة أولى، فهي بالتأكيد تساهم في زيادة المعلومات، لكن مساهمتها في تشكيل الرأي وصياغة الأفكار ليست مباشرة، فعملية تبلور الأفكار عملية عقلية داخلية، العقل يستفيد من المعلومات الواردة نعم، لكنها لا تعني بالضرورة إحلال هذه المعلومات مكان المعلومات السابقة، عملية صياغة الأفكار عملية تستدعي تحليل، واختبار، وتأكد، ووقت، وكل ما سوى القنوات الفضائية الإخبارية والوثائقية (الفئة الثاني اعتبرها ترفيهاً وتسلية لا أكثر، لا أستطيع أن أسمح لمغن ابن 30 سنة، لا يحمل مؤهلا جامعياً، أو لم يقرأ كتاباً، أن يقترب من عالم أفكاري، بالتأكيد لن أفعل.

    من سرق المسجد ؟

    أما المسجد في نظري ـــ والكلام لليحيى فقد الكثير من نشاطه، المسجد ـــ في ظل وجوده كمكان ـــ لأداء الصلاة، ومع بقاء حالة اختلاف الرأي بينك وبين من (سرق نشاط المسج عليك أن تلزم الصمت بشكل دائم، إذن فعملية التداول الفكري ـــ الوسيلة الأفضل لتشكيل الأفكار ـ في المسجد شبه معدومة، أما منابر الجمعة فالكثير منها خضع لحملات انتخابية طويلة الأمد، يروج فيها الخطباء لاجندات فكرية لا علاقة لها بالشأن العام أو بمشاكل الحضور من أفراد الحي، لذلك ترى بعض أفراد الحي يعرفون عن القضية الفلسطينية أو مشروع الشرق الأوسط الكبير أضعاف ما يعرفونه عن جيرانهم الملاصقين لمنازلهم، لا توجد خطة عامة للخطباء من الدولة، وفي ذات الوقت أرفض الوصاية على الخطباء من قبل أي جهة، لكن لا بد من إعادة قراءة دور خطبة الجمعة في الاسلام، ذلك الدور الذي كان أحدى وسائل التعبير الحرة عن الرأي العام، كان خطيب الجمعة ممثلاً عن الحي، يتلمس مشاكلهم، يرفعها الى صانع القرار، يصلح بين المتخاصمين من أفراد الحي، من هنا أعتقد أن المسجد لا يسهم في تشكيل آرائي.

    من ناحيته يرى أسامة الغامدي إنه وفي مجتمع متدين بالجملة ـــ كمجتمعنا السعودي ـــ أرى أن خطبة الجمعة كانت تمتلك فرصة تاريخية لتبقى أداة فاعلة لبث رأي عام، كون حضورها والاستماع إليها أسبوعياً فريضة دينية واجبة، لكن رغم الجهود والنداءات لأجل رفع كفاءة كثير من الخطباء وترقية الأداء، أرى ـــ في تقديري ـــ أن الخطبة تأخرت كثيراً عن المنافسة، إذ كثير من الخطباء يسقط في مزالق «التسييس»و «الإنشائية»و «القصصية»، كما أن مهارات الخطابة الناجحة تتعدى مجرد «رفع الصوت»طوال الخطبة والذي يعود ربما لاعتياد التهييج العاطفي بدل الموضوعية والإقناع، حيث ينتظر المصلون من خطيبهم تثقيفاً وتفقيهاً يشبع حاجاتهم من الخطبة.من هنا فالخطيب مطالب بأن يدرك مدى تعقد المستوى اللغوي والعلمي والنفسي لجمهوره، حتى لا يكون رجع صدى له ـ إذا أراد لخطبته أن تكون أكثر كفاءة وأكثر تأثيراً.

    أما ياسر الغصن فيقول:حتى أكون صادقاًَ فإنني لم أشعر بالتأثر أو أي إضافة من قبل (الفضائيات أو التلفاز السعودي أو المسج وبالنسبة للمسجـد لا أفهم معنى تأثيره في هذا السياق على الرأي والتفكير، هل هو يعني التدين والصلاة فيه أم يقصد به ارتياد من أجل حضور الدروس العلمية والمحاضرات الدينية العامة أم شيء آخر، وفي جميع الأحوال لم يكن المسجـد بالنسبة لي مثيراً للرأي أو مثيرا للأفكار بقدر ما كانت العلاقة به هي علاقة تأدية واجب يفرضه ديني .

    ماذا يريد المجتمع؟ الرأي العام في السعودية

    *سؤال كبير وكبير جداً يطرحه أي مخطط أو مثقف أو مفكر أو داعية أو مسؤول في أي مجال من المجالات عن:
    ماذا يريد المجتمع السعودي، وما هي ميوله ورغباته وتوجهاته الفكرية؟ هل غالبية المجتمع السعودي تؤيد دمج تعليم البنات مع وزارة التربية والتعليم؟ هل غالبية المجتمع السعودي

    تؤيد تعليم اللغة الإنجليزية من المرحلة الابتدائية؟
    هل غالبية المجتمع السعودي تؤيد السفر للخارج؟
    هل غالبية المجتمع السعودي تؤيد فتح مجالات لعمل المرأة، وما هي هذه المجالات؟
    هل غالبية المجتمع السعودي ترى فتح المدن الترفيهية في مختلف مدن المملكة للعائلات أو أن ذلك يكون بتخصيص أيام للرجال وأيام للنساء؟
    هل غالبية المجتمع السعودي ترى أن المناسبات العلمية والمؤتمرات الأكاديمية والمهرجانات الثقافية تكون مفتوحة للجميع أو تخصص أياما معينة للرجال وأياما معينة للنساء؟
    هل غالبية المجتمع السعودي تؤيد قيادة المرأة السيارة أم لا؟
    هل يؤيد المجتمع السعودي فكرة مطاعم العائلات أو يرفضها؟
    هل غالبية المجتمع السعودي تؤيد فكرة الأسواق النسائية المغلقة أم يرفضها؟
    هل هناك تعاطف مع أعمال الفئة الضالة إن كان كذلك وما هي نسبة هذا التعاطف؟
    هل تؤيد غالبية المجتمع السعودي وجود النشيد الوطني بالمدارس بشكل يومي كما كان في السابق وكم نسبة الذين يرفضون ذلك وما تأثيرهم في الحياة اليومية لدينا؟
    أسئلة كثيرة تجد الحماس لدى البعض منا لتبنيها ثم نجد أنفسنا أسيري الأقلية ذات الصوت العالي، أما الأغلبية الصامتة فلا تبدي وجهة نظر حيال بعض القضايا المجتمعية إما تردداً من أن توصم بأوصاف نابية أو تصنف بأنها متحررة أو غربية الأفكار أو علمانية أو أي وصم قذر يأتي من متطرف جاهل يردده بعده متطرف غبي مقلد أو عن جهل ولهذا تبدي هذه الفئة اللامبالاة حيال الشأن العام.

    إن وجود مركز وطني ضخم لرصد توجهات الرأي العام، حيال أي قضية من قضايا المجتمع واستخدام أحدث الأساليب العلمية في عشوائية العينات وشموليتها لمختلف الفئات السكانية في المملكة، أصبح أمراً ملحاً ومطلوباً مع المتغيرات العالمية التي تحيط بنا.

    وبالتالي يكون لدى المسؤول والمخطط وضوح كامل في الرؤية عند اتخاذ القرار، ولا بد قبل ذلك من فتح قنوات للحوار لإعطاء الأطراف المختلفة فرصة لإبداء رأيها، وربما يكون ذلك من أهم أهداف قيام مركز الحوار الوطني..إلا أنني أرى أيضاً مواصلة فتح الحوار والنقاش حول مختلف القضايا المجتمعية لأن هذا يربي المجتمع وأفراده على قبول الرأي الآخر وهذا يبعد بعض السعوديين عن التطرف والغلو والتشدد الذي أوقع بعض أفراده في مجاهل الإرهاب والتكفير والتفجير..ويجب أن ننطلق من المسجد فهو وسيلة اتصالية جيدة في إتاحة المنبر للمعتدلين وللآراء المتسامحة وكذلك في المدرسة في أن تعود الحياة المعتدلة التي كنا نعيشها في المدرسة كما كانت من أنشطة طلابية وصيفية وقد ذكرت ذلك في سلسلة مقالات بدأتها في جريدة الرياضية في 2005/5/1م وما تقوم به جريدة الوطن من مناقشات مع المواطنين السعوديين حول مسألة الحجاب والخلاف فيه مثال على ذلك..كما أن التلفزيون وسيلة مهمة في فتح المجال لعلماء متعددين يقدمون الفتاوى وأذكر أنني استفتيت العلامة الشيخ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء فأنار طريقي حول موضوعات فيها مسائل مختلفة ويمكن أن يكون الشيخ أبو سليمان له مقالات متعددة وجيدة تنشر في «عكاظ» عن وسائل اجتماعية تستحق أن نشاهدها ويطلع عليها الجميع وأعرف أن سماحته عازف عن الإعلام والأضواء.. كما أحث الجامعات السعودية على أن تكون مصدر اشعاع فكريا وتنويريا في اتخاذ الوسائل السليمة لقياس الرأي العام السعودي حول مختلف الموضوعات ويجب أن تكون معنية لمتخذي القرار في وزارات الداخلية والاقتصاد والتخطيط والتربية والتعليم والتعليم العالي والعمل والخارجية والثقافة والإعلام وغيرها حتى لا يخضع الرأي العام في المملكة العربية السعودية للأقلية الصامتة وحتى تكون من منطلقاتنا الفكرية والاجتماعية معتمدة على أرضية صلبة من رأي الأغلبية ولكن بعد أن تتاح الفرصة للآراء المخلصة الصادقة حسنة النية للتداول والتلاقح والحوار وبهذا فقط نركز على الوحدة الوطنية للكيان بعيداً عن تغليب آراء متطرفة تنفر ولا تجمع وتعيش خارج إطار القرية الكونية وعصر التسامح والاعتدال والشمولية.

    سعود بن صالح المصيبيح

    إعلامي وأكاديمي سعودي

    الرأي العام.. صناعة أم تقنية؟

    *لم تعد مؤثرات الرأي العام محدودة، مع تنوع حجم وسائل نقل المعلومات ونشرها وحتى تسويقها.الصورة السابقة لوسائل الاتصال والمعلومات المحدودة ووسائل الاعلام المحلية والبسيطة لم تعد بذات الابعاد.فقد تغيرت الصورة الآن واصبحت اكثر اتساعا واكثر افقا واكثر كما ونوعا واسرع في الاداء.

    هناك وسائل جديدة وهنا جيل جديد لمن يهتم..، فالتنوع ضخم في الاهتمامات والادوات، وعملية صناعة او تشكيل الرأي العام كانت صناعة بسيطة اشبه بالاعمال اليدوية، لكنها اليوم تحولت لتصبح صناعة مرتبطة بتقنية المعلومات ووسائل الاتصال.

    واليوم تلعب التقنية دورا محوريا وهاما في عمليات التأثير على الرأي العام المحلي والدولي والاقليمي، بل تتولى التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال المتطورة دورا متزايدا في التاثير والتشكيل على الرأي العام .كما هو الحال مع تداخلها او التصاقها بالعملية لاعلامية المهنية المحترفية لكافة وسائل الاعلام.

    واذا كان مقال افتتاحي لصحيفة او مقال لكاتب قادر في فترات سابقة على اشغال الرأي العام المحلي ـــ مثلا ـــ كله وتوجيه مواقفه او التأثير فيها. فهو الان اصبح مجرد رأي في حقيبة معلومات دولية الكترونية متصلة على مدار الساعة وتتضخم باستمرار وتشهد تنوعا مذهلا في وسائل العرض والنقل.

    لم يعد الرأي العام محددا بقناة تلفزيونية محلية تقدم نشرة مطولة ومملة للاخبار يضطر الناس الى الاستماع اليها باعتبار انها المصدر الوحيد للمعلومة والموقف..!.الفضاء يتسع بشكل مذهل اليوم ورسالة نصية او صوتية عبر هاتف جوال مصاغة بشكل ذكي ومختلف قد تؤثر في مواقف الآلاف الذين يتناقلونها يوميا..سواء شعرنا بهذا التأثير او استمتعنا به دون ان نشعر!
    لم تعد الاذاعة التقليدية بنفس القوة التي كانت عليها مع جيل سابق، بل انها تتلاشى مع الجيل التالي واصبحت موجة البث القصيرة هي الاكثر تأثيرا في دول العالم التي تتاح فيها حرية المنافسة في انشاء اذاعات (الاف ا على المستوى المحلي الصغير (المنطقة، المدين وعلى المستوى الوطني.
    يضاف الى ما سبق عالم الانترنت الواسع بتجاربه وتطوراتها التقنية المتسارعة في طرق عرض المعلومات واسترجاعها.وتقنيات الوسائط المتعددة ونحوها من وسائل الاتصال بالشبكة العالمية التي تتقدم بشكل مذهل في تقنياتها.وسرعة الاتصال وامكانياته.ومع ما نشهده من تطورات متلاحقة ومتسارعة للجيل الثالث من الاتصالات والذي يسمح بارتباط على مدار اليوم بالانترنت وقنوات البث المختلفة عبر الهواتف المتنقلة في جيلها الثالث.

    حتى على مستوى مبتدئ في استخدامنا اليومي للانترنت لمتابعة التطورات واهتمامات المستخدمين والدخول في حوارات جانبية مع مستخدمي الشبكة العالمية على الصعيد المحلي والعربي، نجد تجربة المنتديات الالكترونية على صخبها وعبثيتها احيانا و تواريها خلف اسماء مستعارة وغير معروفة ـــ اقرب لعالم الاشباح ـــ كانت بحضورها القوي المتتبع للتطورات والاحداث المحلية والتعليقات المتكررة على مبادرات او مشاريع مرتقبة او من خلال الحوار المباشر داخلها حققت حضورا لا يمكن الاستهانة به فيما يتعلق بتأثيرها على خلق نقاش حول الكثير من الموضوعات والظواهر المحلية، وحتى فيما يتعلق بثقافة الاختلاف وقبولها. في تجارب متلاحقة بالغة الاهمية لهذا المجتمع الالكتروني المرتبط عبر شبكة الانترنت.

    النقلة التالية ستتمثل في تقنيات الوسائط المتعددة والاتصال وتحول هواتفنا المتنقلة او الملتصقة بنا الى مركز اتصالنا بالعالم الخارجي وبمصادر المعلومات والصحف وقنوات البث الفضائي، حيث ستصبح مركز اتصالنا بالعالم كل العالم بمحاذير وممنوعات اقل..وبسرعة وآليات لا تتوقف عن التطور.وهنا لا حدود للخيال البشري .

    ناصر صالح الصرامي

    كاتب وصحافي

    3044 فرصة لبلورة رأي عام سعودي «تخيلي»

    *لم تعد المطبوعات الصحافية أو اللافتات العريضة التي يرفعها المتظاهرون هي الوسائل الوحيدة المنفردة بالتعبير عن الرأي العام.فقد نزلت الإنترنت، بكل ثقلها لتعلن عن انعطافة حساسة وفاصلة في تشكيل الرأي العام، وتعبئته والتعبير عنه، وتضليله.
    وغيرت الإنترنت تفاصيل الحياة اليومية، ومنها التعبير عن الرأي، بمعناه الفردي والجماعي.ولأن الإنترنت، كفضاء تخيلي مفتوح لا تعرف حدوداً، و«لا يملكها أحد»، فقد غدت هدفاً ومصنعاً ومسرحاً للرأي العام.تتيح ما لا تتيحه وسائل التعبير الأخرى.فمن ناحية، يمكن للفرد، أو لشريحة اجتماعية أو لوبي اقتصادي أو حزب سياسي، أن يعبر عن كل توجهاته، بالمساحة التي يراها، وبالانفتاح الذي يرتئيه.وبقدر ما تتيح الإنترنت من حرية «تخيلية»للتعبير عن الرأي والرأي المضاد، فإنها تمنح نفسها بكل سهولة ويسر للجهات الرقابية كي تضع عليها نقاط التفتيش والمراقبة.

    خلفية تاريخية

    عام 1999، احتك المجتمع السعودي مع الفضاء التخيلي، وبات بمقدور المواطن الانتقال إلى هذا العالم، ليمارس أشكال التعبير عن الرأي وتبادل المعارف والخبرات.وفي سبتمبر من نفس العام، وصل عدد المشتركين في الإنترنت حوالي 45 ألف مشترك.وشجعت الحكومة على استخدامها وتطوير بنيتها التحتية.وارتفع عدد المستخدمين، حسب إحصاء نشره موقع جامعة هارفار في أبريل 2004، إلى 2 مليون مستخدم، وهناك دراسات تشير إلى احتمال زيادة هذا العدد ليصل إلى 5.4 مليون مستخدم بنهاية العام الجاري.تجارياً، تحوز السوق السعودية وحدها 40 في المائة من برمجيات ومعدات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات التي تضخها الشركات العالمية في المنطقة العربية.وتبلغ نسبة الزيادة السنوية حوالي 15 في المائة.
    بات المجتمع السعودي ومجتمع المعلومات، وجهاً لوجه، ما يعني أن ثمة تغيرات جذرية مرتقبة ستحل على مفردات الواقع الاجتماعي والاقتصادي، والسياسي بالطبع.من أبرز التحولات توظيف الإنترنت في تشكيل رأي عام، تخيلي، رحب بكل ألوان الطيف الفكري والسياسي، لا يبرح مكانه؛ لكن تطول أصداؤه كل أركان المجتمع السعودي.ما أن تضرب كلمة «منتديات سعودية»في مربع البحث داخل محرك «جوجل»google، وبعد أن تضرب أول رابط في صفحة النتائج، وهو رابط «سعودي لنكس»، ستجد نفسك داخل بوابة المنتديات «سعودي لنكس».وإليك هذه الأرقام الدالة:عدد منتديات حوار ودردشة 3044، تحوي 13620 موقعاً، منها 2635 موقعاً خاصاً بمنتديات الحوار، بلغ إجمالي التصانيف فيها 258 تصنيفاً.هذه الأرقام (وهي من رابط واحد فق ، إذا كانت تدل من جهة، على صعوبة حصر محتواها حصراً تفصيلياً دقيقاً، فإنها تؤكد بكل وضوح، من جهة ثانية، أن هناك 3044«فرصة»لبلورة رأي عام وتشكيله وتعبئته ونشره وتعميمه داخل المجتمع السعودي.

    إن الرأي العام السعودي، مثلما يمر بتغير نوعي من حيث الأداة، فإنه يعيش حالة ازدهار وانتعاش كبيرين.لكن الدراسة المتأنية للواقع التخيلي تدفعنا إلى شيء من الحذر والتحفظ، حتى تقينا، ولو مؤقتاً، الوقوع في فخ التفاؤل المشوب بالسذاجة.

    فكأي رأي عام، في أي مكان من عالم اليوم، تقليدياً كان أو تخيلياً، ما زال الرأي العام السعودي، في نسخته الإلكترونية، يعيش مرحلة المخاض، وهي مرحلة تحاول الفكاك من ثلاثة عوائق تقف دون ولادته ولادة طبيعية تجعله كائناً مكتمل النمو.

    ثلاثة عوائق

    أول العوائق «الفلاتر» filters، المرشحات التي تقف كنقاط تفتيش ومراقبة، فتقوم بتصفية المواقع التي تتعارض والاعتبارات السياسية والقيم الدينية والعادات الاجتماعية والنسق الأخلاقية، وهي مهمة لا يمكن أحد أن يدعي إمكانية الاستغناء عنها، إلا أن معايير الحظر والمنع ما زالت حتى الآن غائبة عن التحديد والترسيم، الأمر الذي يوقع بمواقع عديدة، رغم نفعها الفكري أو العلمي أو الاجتماعي، في مصيدة الفلاتر، فتبدو عملية حظر المواقع، كأنها تتم بصورة عشوائية ارتجالية، وإن كان واقع الأمر غير ذلك تماماً.

    ثاني العوائق يخص الأفراد المستخدمين للإنترنت، والساعين نحو تشكيل رأي عام ما، ويظهر في عدم التزام الأطراف المعنية بصناعة الرأي العام بأصول «اللعبة»وقواعدها.فمع أن الرأي العام التخيلي في المجتمع السعودي، ما زال يمر بمرحلة التكوين والتشكيل، فالنزال فيه عنيف، وإلى حد يجعل المتنافسين فيه، يلجأون إلى تبادل عملية إسقاط المواقع، وهي عملية لا تخلو من شبهة «الإرهاب الإلكتروني.

    إن الرأي العام، أياً كانت توجهاته المتشعبة حد التضارب، لا يضمن لنفسه متنفساً صحياً طالما كان مهدداً بالموت خنقاً من جانب مشكليه ومصنعيه.لا بد من الالتزام بقواعد اللعبة، حتى تتاح الفرصة كاملة لكل طرف من الأطراف المعنية، وبالتالي تصبح خبرة تبادل الرأي والرأي المضاد خبرة موضوعية، شفافة، نزيهة، بريئة من كل تعصب أو انعدام التسامح.وقد أبرزت المعركة التي دارت، مؤخراً، بين موقعي «دار الندوة»و«الساحة العربية»هذا الخلل بصورة واضحة.محدودية عدد الأفراد الذين يجيدون أساسيات التفاعل مع العالم الرقمي، العائق الثالث.والرأي العام الإلكتروني لا يقف عند حد الاتصال بالإنترنت، فهناك مهارات، ينبغي إجادتها، أولها إجادة آداب الكتابة على الإنترنت، خاصة إذا علمنا أن الرأي العام، المقنع المؤثر، لا يعني التلاسن أو الكيل بالشتائم والسباب مع الأطراف المنافسة أو المعارضة، وآخرها التحقق من صحة المعلومة والخبر اللذين يشكلان حجر الزاوية في تشكيل الرأي العام التخيلي.

    تبقى إشارة أخيرة، ولعلها فاصلة، تتعلق برصد حركة الرأي العام السعودي، ألا وهي ندرة الاهتمام (وربما انعدام برصد الرأي العام السعودي، وتحولاته، وتوجهاته، وانطلاقاته، من قبل الأكاديميين أو مؤسسات المجتمع.فهذا الرصد، هو العامل الذي سيحدد بشكل قاطع مدى ترحيب العالم التخيلي بالرأي العام السعودي أو الضيق به .

    المجلة 11/05/2005

    تعليق

    يعمل...
    X