إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

كيف يبني الرأي العام المجتمعات؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • كيف يبني الرأي العام المجتمعات؟

    كيف يبني الرأي العام المجتمعات؟

    17-3-1426 هـ

    محمدالحداد

    كانت الكتابة الصحافية منذ العصر المعروف بالنهضة وسيلة لتثوير الأفكار ونشر الوعي. واليوم تتراجع صحافة الرأي لفائدة القنوات الفضائية ومحدثات التكنولوجيا الجديدة. إن من السابق لأوانه تقييم تبعات هذا التحوّل الثاني، وهو يضاهي قيمة وأثرا التحوّل من ثقافة النسخ إلى ثقافة الطباعة



    كماحلّ في المجتمعات العربية منذ أقل منقرنينمن الآن. إلا أن بداية الصحافة في هذه المجتمعات كانت لا ريب بداية النهضة،وانحطاطهاكان علامة انحطاط العقل العربي وفشله في بناء وعي جديد يواجه به عصراجديدا.
    ليسالشكل عنصرا يضاف إلى المضمون، بل هما متكاملان يؤثر كل منهما فيالآخر. يوم كانت الكتابة شروحا وحواشي ومحسنات لفظية وبديعية، كان الوعي السائديعيدنفسه جيلا بعد جيل وهو مطمئن إلى إيمانه ويقينه، فصلابة الشكل كانت تحجب مواطنالخلل،وجاذبيته تمنع جمالية أخرى غير المألوف المستعاد، ومردوده الاجتماعي يغني عنالمراجعاتالتي لا تبدأ في العادة إلا مع اتساع الهوّة بين الخبرات الفردية والقيمالجماعية. كان الفقيه يكتب بأسلوب المقرّر والأديب يكتب بأسلوب المتحذلق، فيقتسمانالسيطرةعلى عالم جامع للمقدس والمدنس، دون معاندة عنيفة أو منازعة متطرفة، فقدتعوّدتمهنة القلم أن تتسع للصنفين. واستقر التوازن بين فاعلين اجتماعيين ثم تواصلالاستقرارقرونا، فأصبح الترديد سمة ثقافة لا ترى عن الأشكال المسيطرةبديلا.
    ظهرتالطباعة منذ القرن الخامس عشر وتسربت لدى الأقليات، لكن الأغلبية لمتكترثلهذا الوافد الجديد، ولم يكن الأمر عجزا أو جهلا أو تكاسلا، بل لأنها كانتأسيرةبلاغة تطرب لها وتنتشي لسماعها. ثم حدث الانقلاب الأعظم يوم زاحمت المقرراتوالشروحوالمقامات والأرجوزات شكل جديد هو الصحافة. استدعى الوافد الجديد كتابةمبدعة،ظلت تتلمس الطريق إلى أن استقام عودها وصلب. فأصبحت موجها رئيسا للوعي.وفتحتالصحافة أبواب الطباعة، لأنها لا تتطوّر بالنسخ أو الإلقاء أو الحفظ عن ظهرقلب. ظهرت «الوقائع» (القاهرة: 1828) و«الجوائب» (اسطنبول: 1860 ) و«الرائد» (تونس: 1860) و«البشير» (بيروت، 1870) و«المقتطف» (بيروت: 1876) و«العروة الوثقى» (باريس: 1884)، وظهر معها المثقف النهضوي فاعلا اجتماعيا جديدا. لم يكن للمضامين أن تتطوّرلولاهذا الانقلاب في الأشكال الحاضنة لفعل الكتابة وسجلات المكتوب. أصبحت القضاياالمطروحةقضايا المجموعة وهي تتطلع إلى المستقبل بعد أن كانت مقررات الماضي وقواعدههيالتي تنشئ للحاضر معانيه ودلالاته. وأصبح الكاتب فردا يبدع رأيا بعد أن كانضميراجمعيا يحرس الذاكرة. وتحوّلت مرجعية القول من الأمة الناجزة إلى المجتمعالمتلمسطريق الإنجاز. فكان للصحافة الدور الأكبر في ميلاد الرأي العام، أي ميلادالعنصرالرئيس الذي يمنح المجموعة دورا ورابطة غير تلاقي الأفراد عفوا على رقعةجغرافيةواحدة. وكان للرأي العام الناشئ الدور الأكبر في تحقيق الخطوات الأولىللنهضةقبل الاستعمار، ثم التعبئة للتحرّر الوطني بعده، إلى أن جاءت حكوماتالاستقلالأو مجالس الثورة تصادر الصحافة وتصادر معها الرأي العام، بل تصادر كل فرصالإبداعالحرّ والقول الخلاّق، إلا ما شذّ وندر من التجارب المقاومة التي دفعأصحابهاثمنا غاليا لعنادهم المحموم.
    لايستقيم المجتمع إلا بتطوّر الرأي العام،ولامجال لهذا التطوّر إلا فتح فضاء الحوار حرّا للراغبين في المساهمة في نحتالمصيرالجمعي. على أن عقودا من الاحتكار تمجيدا للزعامة أو تلقينا لأيديولوجياالثورةقد خنقت روح المبادرة العفوية للحوار والمساهمة الطوعية في الشأن العام،فانتشرالتطرف أو اللامبالاة ردين متعادلين على مأزق واحد عنوانه فرض النمطية ومنعحريةالتعبير.
    علىأن أقسى استلاب هو الذي يفرضه الفكر على نفسه بنفسه عندمايفقدالقدرة على الحركة خارج السائد من الآراء والمقولات والأطروحات. إن استفاقتنااليومعلى وقع عالم حولنا ينهار ويبنى من جديد لهي من صنف استفاقة أجدادنا على وقعالبوارجالغربية تدك الموانئ العربية. إنها استفاقة مؤلمة لأن الوعي يظل يلهث وراءأحداثتتعاقب وهو لم يستعدّ لها ولم يتوقعها، وما ذلك إلا لكونه قد غيّب عن متابعةالعالمحوله إلا من منظور خطاب مغلق مغالط. ولم يعد كافيا اليوم أن تفتح الصحفلتنشرالآراء والمواقف، بل الأكثر إلحاحا أن تفتح العقول لتتقبل التفكير الجديدوترضىبالحوار وتتعوّد على المحاجّة. ولم يعد يقتل الإبداع مصادرات الرقابة وحدها،بلالرأي العام وقد أعيته المحاصرة فاختنق وضمر وأصبح بادئ رأي وثقافة سائدة تمارسعلنفسها رقابة أمرّ وأدهى.
    بقيالسؤال عن الثورة التكنولوجية الجديدة، هل ستكونمعينالاسترجاع المبادرة أم أنها ستعمق الاستلاب؟ يبدو في أول وهلة أننا أمامتطورينرئيسيين: غلبة المرئي على المقروء ودمقرطة استجلاب المعلومة وبثها. القنواتالفضائيةهي العنصر الأكثر تمثيلا للظاهرة الأولى، وتحوّل المحاورات الفكرية إلىفرجةيبدو أمرا لا مناص منه في الوضع الحالي. كذلك تمثل شبكة الويب العنصر الأكثرتمثيلاللظاهرة الثانية، وقد انتشرت الآن تقنية «البلوغ» Blog التي تمكّن أي شخص منأنيصبح صاحب رأي يتداول عالميا، وقد يؤدي التراكم السهل للآراء إلى ضمور قيمتهاالنوعية،تماشيا مع قاعدة الاطراد العكسي بين الكم والكيف، وهي قاعدة مجتمعالاستهلاككله. قد يكون تبادل الرأي على القنوات الفضائية صورة معدلة لمبارياتالخطابةقديما أو تكون «البلوغ» صورة معدلة لنشاط توقيع العرائض وتوزيع البيانات،كلذلك دون أن يغادر الشخص كرسيه ليلتحق بفضاء مادي للتبادل وأناس حقيقيين يقتربمنهم. إلا أننا مازلنا في بداية الطريق، ويمكن أن نأمل أن تتوفر على عكس ذلك فرصجديدةلتدعيم الرأي العام رغما عن جلاديه وتوسيع فضاء التبادل المجتمعي ولو دونتماسحسّي بين أفراده.
    "
    صحيفة الحياة "



    الدكتور تركي فيصل الرشيد

    رجل أعمال . استاذ زائر كلية الزراعة في جامعة اريزونا توسان - مقيم في الرياض .
    يمكن متابعته على تويتر
    @TurkiFRasheed

يعمل...
X