إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

كارل شميث بين مفهومي «الصديق» و«العدو» في السياسة مصطفى الحسناوي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • كارل شميث بين مفهومي «الصديق» و«العدو» في السياسة مصطفى الحسناوي

    كارل شميث بين مفهومي «الصديق» و«العدو» في السياسة
    مصطفى الحسناوي


    يعتبر كارل سميث أحد أهم فلاسفة السياسة الألمان في القرن العشرين ومنظرا قانونيا مثيرا للجدل. تنهض نظريته السياسية على أساس التمييز بين الصديق والعدو، وهو التمييز الذي يعتبره العنصر الحاسم في تحديد السياسي «le politique»، والمعبّر عن الدرجة القصوى في الانشقاق الذي تكون أسبابه أو رهاناته متعددة المستويات، أي دينية واقتصادية واجتماعية أو إيديولوجية، تتعاظم لتبلغ درجة من الحدة والكثافة تؤدي، بالضرورة، إلى الفصل بين الصديق والعدو، أي حدة صراعية قوية جدا تقود إلى أفق القوة ورهانها وتطرح الإمكانية الوحيدة، كما هي مجسدة في الحرب.

    أثارت شخصية كارل شميث (1985- 1888) الكثير من الجدل حولها، بل إن مجرد ذكر اسمه كان يقود إلى الرفض في الأوساط الجامعية، تماما كما أثارت أعماله الفكرية الكثير من النقاش والسجال، لأنه صاحب نظرية العدو في السياسة. كان شميث موضوعا للجدل والرفض أحيانا، لأنه حاول القيام بتحليل ظاهراتي للسياسة، في استقلال تام عن كل مسبق أخلاقي، وكان عليه، تبعا لذلك، أن يجابه أيضا رفض وشكوك المدافعين عن سياسة مثالية أو إيديولوجية. انضاف إلى وضعه الحرج هذا موقفه من النظام النازي في مراحله الأولى وبعض المقالات التي كتبها في نقد اليهود في تلك الفترة. إن العدو، حسب سميث، ليس هو المنافس أو الخصم، لأنه يستمد معناه من علاقته الدائمة مع الإمكانية الحقيقية التي لا تمكن مداراتها، وهي المجابهة القاتلة. تنجم العداوة عن غيرية الفرقاء بشكل ملموس داخل صراع أو خطر ما وتنجم، أيضا، عن القرار السياسي الذي يحدد العدو ويقوم بتعيينه. إن الحرب، باعتبارها فعلا سياسيا، تفترض تحديد العدو، أي الآخر، الغريب المختلف معي على صعيد المصالح أو القيم دون إمكانية حل الصراع قانونيا أو عبر تحكيم طرف ثالث. ليس العدو هو العدو الخاص بل العام، ولا يستدعي كراهية شخصية، لأنه عدو الجماعة، سواء كانت عقيدة أو طبقة أو شعبا أو دولة، وهو بنفسه، أي العدو، يُجسّد جماعة أو ينتمي إليها.

    هناك العديد من التمايزات الجوهرية التي تنتمي إلى مستوى أخلاقي، مثل الخير والشر، أو إلى مستوى جمالي، مثل الجميل والبشِع، أو إلى مستوى اقتصادي، مثل النافع والضار، أو ما تكون له مردودية وما لا تكون له. لكن السؤال المطروح، كما يقول كارل شميث، في كتابه «اصطلاح السياسي»، هو البحث عن معيار داخل السياسي، يكون بسيطا، أي عن تمييز من نفس الطبيعة ومشابه سابقيه دون أن يتعلق بها، بل يجب أن يكون مستقلا ومسلَّماً به. إن التمييز الخاص بالسياسة، والذي ترجع إليه كل الأفعال والدوافع السياسية، هو التمييز بين الصديق والعدو، لأنه يعطينا مبدأ تحديد ذي قيمة معيارية، لا مجرد تعريف تقريبي أو معنوي. لا يمكن اختزال هذا التمييز السياسي في أي من الثنائيات المذكورة سابقا على المستويات الأخلاقية والجمالية والاقتصادية أو تشبيهه بها. إن التعارض بين الصديق والعدو تعارض مستقل ويكتسي معناه من تعبيره عن أقصى درجات الاتفاق أو الشقاق والتشارك أو الانفصال. ويمكن لهذا التعارض أن يوجد على صعيد النظرية والممارسة، أيضا، دون أن يتطلب وجود الثنائيات السابق ذكرها. إن العدو السياسي لا يكون، بالضرورة، حسب شميث، شريرا على مستوى الحياة الأخلاقية ولا بشعا على المستوى الجمالي، وقد لا يلعب، بالضرورة، دور المنافس أو الغريم، على المستوى الاقتصادي، بل قد يبدو، في بعض الحالات، نافعا وضروريا عقد صفقات تجارية معه. الأمر الوحيد الذي يميز هذا العدو ويحدد معيار عداوته هو أنه الأجنبي. ويكفي، لتحديد طبيعته، أن يكون في وجوده نفسه، ذلك الآخر الغريب، الذي تفرض غيريته نفسُها، أن تكون الصراعات والمجابهات معه ممكنة دائما، ولا يمكن حلها لا انطلاقا من مجموعة من المعايير العامة الكائنة سلفا ولا انطلاقا من تدخل طرف آخر يكون محايدا وغير معني.، يبدو كما لو أن كارل شميث يبني نظرية السياسة مجددا، أو يجهد نفسه لبناء موضوع لعلم السياسة كما يراه، أي أنه منخرط في جهد إبستمولوجي محض، تماما كما بنى ماركس نظريته على صراع الطبقات أو بنى هيغل فلسفته على العقل المجرد والمطلق في التاريخ. يقول سميث في هذا السياق: «كون تعارض متميز جدا مثل التعارض بين العدو والصديق، بالإمكان عزله بالنظر إلى تعارضات أخرى، واعتباره عنصرا مستقلا، يُبيّن لوحده الموضوعية المستقلة جوهريا للسياسي. (اصطلاح السياسي)

    وضع شميث العدو في قلب ما هو سياسي خلاقا للنظريات المثالية، لكن هذا التعارض صديق /عدو، المكون للسياسي، محكوم -حسب بعض الدارسين- بافتراض لاهوتي أساسي عبّر عنه في كتابه آنف الذكر قائلا: «يمكن تحليل النظريات حول الدولة وكل المذاهب السياسية حسب الأنثروبولوجيا الكامنة فيها وتصنيفها انطلاقا من طرحها فرضيةَ الإنسان ككائن فاسد أو ككائن طيب. إنه تمييز مختزَل جدا وبدون معنى أخلاقي خاص. إن العنصر المحدد، قبل كل اعتبار سياسي، هو تصور للإنسان: هل هو كائن إشكاليّ أم لا، والطريقة التي تحل بها المسألة هي معرفة هل هو خطير أم لا، هل يتضمن في ذاته المخاطر أم هو كائن مسالم»...

    ينتمي كارل شميث إلى سلالة المنظّرين السياسيين والفلاسفة والمتشائمين في ما يخص الشرطية الإنسانية، مثل هوبز وماكيافيلي وسبينوزا وغيرهم. بالإمكان القول، على مستوى الافتراض، إن السياسة الحقيقية عنده لا توجد إلا انطلاقا من تمثل للإنسان ككائن خطير وإشكالي، لأن كارل شميث أبعد التعارض صديق /عدو عن كل معنى أخلاقي، كما أشرنا إلى ذلك. إن قمم السياسة الكبرى هي تلك اللحظات التي يتم فيها إدراك العدو من حيث هو عدو بشكل واضح وملموس، والكلمة الأخيرة في اتخاذ قرار العداوة ترجع، بالفعل، إلى يقين لاهوتي أساسي، ناهض على تأكيد وجود الخطيئة في العالم، أكثر من التأكيد السياسي في حد ذاته. يشير شميث إلى صراع كرومْويل، السياسي البريطاني، مع إسبانيا، البابوية، وكيف وصف العدو الإسباني بكونه عدوا «طبيعيا» شبيهاً بهِبة من السماء، لا كمجرد عدو بالصدفة. إن افتراض أن العدو يتحكم في معنى السياسي والتأكيد على طابعه المطلق يتجاوز المحددات التاريخية التي تفسره ويقود إلى القول إن الفعل السياسي «الأصيل» لا يشتغل بفعالية إلا داخل حقل من الحقول التي أفرزها اللاهوت، حيث يبدو كما لو أن الفعل السياسي معلَّق بين طرفين متناقضين: الخطيئة التي ينهض عليها العالم، من جهة، والمعجزة التي تنقذ، من جهة أخرى.

    إن سياسة جديرة بأن تسمى كذلك هي التي تستثمر التعارض بين الصديق والعدو، وإلا فإنها تنفي نفسها وتُناقِضها، وهو النقص الرئيس في الليبرالية، كما يرى شميث. إن الحركة العامة للحداثة تنحو منحى القضاء على التناقضات عبر العقلنة العلمية والتقنية. هذا التحييد واللا تسييس، اللذان يميزان العصر التقني، هما الهدف الأساس للحداثة السياسية، أي لليبرالية، التي تقول إن المجتمع ينزع إلى إيجاد نظامه في ذاته، من خلال أطروحة السوق، أما السياسة (الدولة) فلا تصير سوى أداة للتنظيم الاجتماعي.
    تفرض الميتافيزيقا الليبرالية على السياسة إلزامات أخلاقية وأخرى اقتصادية، ويشتغل الفكر الليبرالي انطلاقا من هذه الإلزامات. يستمر الليبراليون، فعلا، في ممارسة السياسة، لكنْ لا وجود لسياسة ليبرالية قائمة بذاتها، بل هناك فقط نقد ليبرالي للسياسة. يقرر كارل شميث أن الليبرالية حاولت اختزال العدو في صورة المنافس الاقتصادي وفي الغريم الذي تتم مجابهته في النقاش الفكري، لكنْ لا وجود لأعداء في المجال الاقتصادي، بل هناك فقط منافسون. أما العالم الذي ستحكمه الأخلاق مطلقا فلن تكون فيه مجابهات إلا عبر حلقات النقاش. يتعلق الأمر بمجرد تخيُّلات سياسة لا تمُتُّ بصلة إلى الواقع الوجودي وإلى الإمكانية العملية المتمثلة في التعارض صديق /عدو، لأنها حقيقة ملموسة عبرَها تمارس الشعوب وجودها التاريخي والسياسي. يجب تناول مفهوم العدو، تماما كما مفهوم «صراع»، في معناهما الأصيل والوجودي، لأن الحياة الإنسانية كلها صراع وكل إنسان على حدة مصارع. يكتفي كارل شميث بالإشارة إلى نزعة اندثار السياسي وانمحائه، وهي النزعة التي تنكتب في منطق الأطروحة الليبرالية ذاتها، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار طابعها الفرداني، لذا يعتبر الليبرالية سياسة مضادة للسياسة، أي سياسة محوِ السياسة والقضاء عليها. إن عصب النقد الذي يوجهه شميث لليبرالية يتمثل في نفيها التمييز بين الصديق والعدو وإلغائها قرار العداوة، الذي يحدد الوجود السياسي ويؤسس وضعه الاعتباري.
    يلزم القول إن نظريات كارل شميث، رغم أبعادها الكبيرة، نبعت من سياق تاريخي محدد، حيث تبنى المنظر السياسي موقفا مضادا للسياسة الممارَسة في ألمانيا، عبر كتبه الفكرية حول السيادة والمذهب البرلماني... إلخ.

    لقد اتخذ نفس الموقف الذي تبناه أستاذه ماكس فيبر والعديد من المثقفين الألمان، من اليسار واليمين، تجاه معاهدة فرساي وتجاه جمهورية فيمار، التي قبلت بمختلف بنودها. انطلاقا من كارل شميث، تشكلت مدرسة تبنّتْ أطروحاته، وكأغلب المثقفين الألمان، أعلن ثقته في هتلر بعد وصول هذا الأخير إلى السلطة. غداة هزيمة ألمانيا، أهّلتْه شهرته الفكرية لأن يصير كبش فداء العديد من رجال القانون في ألمانيا، رغم أن لجنة البحث التي كونها الحلفاء انتهت إلى تبرئته، لينسحب للعيش في مسقط رأسه، مدينة يلتنبرغ إلى أن توفي.

    تكمن خصوصية كارل شميث في رفضه التام تحديد السياسة انطلاقا من المستوى القانوني أو المؤسساتي أو انطلاقا من ماهية أو محتوى أخلاقيٍّ متعال. إن هدفه كان محددا ومتواضعا في الأوان ذاته، وهو تحديد المعيار، أي العلامة التي تسمح بالتعرف على ما إذا ما كانت مشكلةٌ ما سياسيةً أم لا، أي تمييز ما هو سياسي بشكل خالص، في استقلال عن أي علاقة أخرى، وهذا التمييز هو بالذات التعارض بين الصديق والعدو، الذي هو المؤشر السياسي الأساس والمحدد. لنا، في النهاية، أن نتأمل قوله هذا أو صرخته النظرية التي قال فيها: «إن عالما بدون تمييز بين الصديق والعدو هو، بالتالي، عالم بلا سياسة»...
    وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

يعمل...
X