إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

العصر الأميركي في الشرق الأوسط

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • العصر الأميركي في الشرق الأوسط

    العصر الأميركي في الشرق الأوسط
    مراجعة د. عفيف رزق - المستقبل اللبنانية

    [ الكتاب: أوباما والشرق الأوسط نهاية العصر الأميركي

    [ الكاتب: د. فواز جرجس

    [ الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2015

    هل شارف العصر الأميركي في منطقة الشرق الاوسط على الانتهاء؟ وهل صحيح ما جاء على لسان أحد المسؤولين الأميركيين السابقين، ونُشر في صحيفة «لوس أنجلس تايمز» في 13/11/2013، قال المسؤول: «لا تبدو سياساتنا في المنطقة، المترنحة بين اعتراض من هذا الطرف أو ذاك على وشك التغيير مع الأسف(...). لقد تقلصت قدرتنا على النجاح في الحرب أو في صنع السلام، وهما المعيار الحقيقي للاحترام والإعجاب. نحن عاجزون عن حل المسألة الفلسطينية، وعن منع إيران من امتلاك قنبلتها النووية، أو تحقيق انتصارات في العراق وأفغانستان...».

    ضمن هذه المعطيات، وفي ظل هذه الوقائع، يُحاول الباحث الدكتور فواز جرجس، بكل جدية وموضوعية، تتبع مسار السياسة الخارجية الأميركية في منطقة الشرق الاوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الى يومنا هذا لمعرفة مدى صحة هذه التقديرات؛ علماً ان الولايات المتحدة لم تشترك بفعالية في سياسات الشرق الاوسط في مرحلة ما بين الحربين العالميتين، بل اقتصر دورها على الارتباط بأنشطة تعليمية وتبشيرية واستثمار تجاري في قطاع النفط؛ ومع ذلك لا بد من الإشارة الى ان هذا البلد كان قد دعم، بعد نهاية الحرب العالمية الاولى، على نحو محدود، حق تقرير المصير للشعوب المُستَعمرة بمن فيهم العرب الذين كانوا يتطلعون الى الحكم الذاتي والاستقلال عن الحكم التركي وذلك استناداً للنداء الذي أعلنه الرئيس الأميركي وودرو ويلسون في التاسع من كانون الثاني 1918، أمام جلسة مشتركة للكونغرس وتضمن النقاط «الاربع عشرة»، التي تمنح القوميات الاخرى والتي تخضع للحكم التركي، حقاً لا لبس فيه بالحياة الآمنة وفرصة التمتع بالتطور المستقل من دون تدخل خارجي.

    يرى المراقبون ان من يرسم السياسة الخارجية الأميركية هو الرئيس، وهو عرف اصبح تقليداً متبعاً من قبل جميع الرؤساء الأميركيين منذ الرئيس «هاري ترومان» (1945 ـ 1953، ألقيت في عهده أول قنبلة ذرية على اليابان في آب 1945، انهى الحرب العالمية الثانية، وأعد مشروع مارشال لمساعدة اوروبا بعد الحرب)، الذي حشد التأييد داخل الامم المتحدة عام 1948 لتقسيم فلسطين الى دولتين: يهودية وعربية، عارض هذا المشروع من الداخل الأميركي: وزارتا الخارجية والدفاع وأيضاً الاستخبارات المركزية، واتُهم رؤساء هذه الاجهزة بعرقلة مشروع الرئيس، مما حدا بـ»ترومان» الى القول بحسب ما جاء في مذكراته: «أردت ان يكون واضحاً ان الرئيس، وليس الصف الثاني او الثالث في وزارة الخارجية هو المسؤول عن رسم السياسة الخارجية الأميركية، وما من فرد في أية وزارة يستطيع التخريب على سياسة الرئيس...». وهكذا اصبح بالإمكان الاطلاع على الخطوط العريضة والرسمية للسياسة الخارجية الأميركية لمنطقة الشرق الاوسط من خلال العقيدة التي يتبناها كل رئيس، لأن، بحسب ما يقول الباحث، مصطلح عقائد الرؤساء يُستخدم لشرح نظرة أميركا الى العالم عبر الخطوط الاستراتيجية التي تتضمنها كل عقيدة؛ لقد مهدت، مواجهة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، الطريق لظهور عقيدة ترومان وعقيدة أيزنهاور، وكل منهما هدف، كل على طريقته الى محاصرة انتشار الشيوعية، وتالياً توسيع مدى الوصول والنفوذ العالميين لأميركا؛ تجدر الاشارة الى ان الرئيس أيزنهاور خاطب اجتماعاً مشتركاً للكونغرس في كانون الثاني 1957 محذراً من التهديدات التي جلبتها الشيوعية العالمية ضد الحكومات الحليفة للغرب في منطقة الشرق الاوسط مقترحاً الموافقة على قرار يسمح بنشر قوات أميركية مسلحة والدفاع عن الحلفاء المحليين ضد أية دولة خاضعة للنفوذ الشيوعي، وهكذا عمقت هذه العقيدة الجديدة من تورط واشنطن في الشرق الاوسط كأنها قوة شرق اوسطية.

    تحولت الساحة الإيرانية، عام 1953، الى ساحة مواجهة رئيسية للحرب الباردة في الشرق الاوسط حيث نفذت الـ»سي. أي. آي.« الأميركية بالتعاون مع «جهاز الاستخبارات السري« البريطاني عملية انقلابية أطاحت بالحكومة الدستورية لرئيس الوزراء «محمد مصدق» بسبب تأميمه الصناعة النفطية الإيرانية سنة 1951، الامر الذي وجه ضربة قوية الى الشركة «الانغلو-إيرانية»؛ ورغم طلب مصدق تكراراً مساعدة الولايات المتحدة بلاده لتخفيف الضغط البريطاني فإن ادارة ترومان المغادرة، وادارة أيزنهاور الجديدة رفضتا مد يد العون لمصدق وبقيتا على دعم الشاه بعد سقوط مصدق. يقول الكاتب ان أيزنهاور اعترف بأن الولايات المتحدة «فعلت كل ما بوسعها لدعم الشاه» حيث حلت لاحقاً سياسياً ومالياً محل بريطانيا لتصبح الراعي الاكبر للشاه حتى سقوطه سنة 1979. يُقدم نمط علاقة الولايات المتحدة بالزعيم المصري القوي جمال عبدالناصر القومي العربي الشعبوي مثالاً على الإرث المر للحرب الباردة وديمومته؛ والطريف في هذا الوضع ان عبدالناصر ومجموعته من ضباط الجيش الشباب وقبيل انقلابهم ضد نظام الحكم القديم المدعوم من البريطانيين في تموز 1952 لم يخبروا غير السفارة الأميركية في القاهرة بخطتهم التي كانت على وشك ان تبدأ. وبحسب الوثائق الأميركية للمرحلة ما بين سنتي 1952 و1954، ان عبدالناصر ورفاقه شددوا أمام المسؤولين الأميركيين على انهم يريدون علاقة وثيقة مع القوة العظمى الجديدة، وانهم عبروا عن معارضتهم للشيوعية، رغم ذلك فان السياسة الخارجية الأميركية بقيت على مواقفها المعادية للثورة المصرية، وخصوصاً عندما رفض عبدالناصر ورفاقه الانضمام الى معاهدات دفاعية غربية، وفضل ان يكون احد قادة الحياد وعدم الانحياز مما اغضب أيزنهاور ووزير خارجيته دالاس. تجدر الاشارة الى ان قادة الاتحاد السوفياتي كانوا من معارضي الثورة المصرية في ايامها الاولى لكنهم عادوا وغيروا رأيهم في ما بعد. ألقى منطق كيسنجر بظله على سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط لعدة سنوات، وارتكز هذا المنطق على نقاط عديدة جميعها تصب في مصلحة إسرائيل، أولاً، النظر الى إسرائيل باعتبارها مفتاحاً للاستقرار الإقليمي وعنصر التوازن مع القوى اليسارية الراديكالية والقومية والاسلامية المحلية التي هيمنت على المنطقة بعد حرب حزيران 1967؛ ثانياً، أقنع الرئيس الأميركي نيكسون ومستشاره الرئيسي للشؤون الخارجية هنري كيسنجر نفسيهما ان إسرائيل قادرة على إحباط المخططات السوفياتية في مصر وفي أمكنة أخرى؛ ثالثاً، اعترف كيسنجر في مذكراته انه عمل للحفاظ على الامر الواقع على الارض في منطقة الشرق الاوسط باعتباره أكثر أهمية من السلم العربي ـ الإسرائيلي؛ رابعاً، باتت حكمة شائعة في الكثير من دوائر واشنطن تقول إن الضغط على الدولة اليهودية للانسحاب من الاراضي المحتلة، او لوقف بناء المستوطنات على اراض فلسطينية لن يخدم قضية السلام وسوف يقوي، على الارجح، اعداء إسرائيل وأميركا.

    والآن الى أين العصر الأميركي في الشرق الاوسط، وما هو دور أوباما؟ نُصب أوباما، أول رئيس أميركي من أصول أفريقية، في كانون الثاني 2009 ووعد بالنأي عن المحافظين الجدد الذين سيطروا على القرار الأميركي طيلة فترة ولايتي الرئيس السابق جورج بوش الابن، ووعد أيضاً بحقبة جديدة من الارتباط التعددي في عالم معولم وشديد الترابط، ارتباط يعكس ويُمثل قيم أميركا حيث لا تُستخدم القوة إلا على نحو عادل ومسؤول. تواجه أميركا في الشرق الأوسط، بحسب أوباما، تحديات جدية في تنفيذ التزاماتها العسكرية والسياسية، بعد خسارتها لموقعها الاخلاقي والأفول النسبي في سلطتها وصعود عدة قوى اقليمية. بدأ ارتباط الرئيس الجديد بالشرق الاوسط في خطاب التنصيب تلاه في الشهر نفسه مقابلة تلفزيونية ثم خطاب مهم في نيسان من العام نفسه في تركيا، واخيراً خطابه التاريخي الموجه الى المسلمين في حزيران في القاهرة في العام 2009. في هذه اللقاءات، اعتقد فريق الرئيس للسياسة الخارجية ان الوصول الى المسلمين هو مورد استراتيجي في الحرب على الارهاب، وفي كسب القلوب والعقول. اما الهدف فهو التخلص من التصورات المنتشرة في العالم الاسلامي بأن الولايات المتحدة هي إما في حالة حرب مع الاسلام وإما انها تسعى الى السيطرة على بلدانهم. وعلى رغم ان الكثيرين من المحللين فهموا خطأ هذه اللقاءات أي الرغبة في المزيد في الارتباط بالشرق الاوسط، لكن الامر ليس كذلك، فأفعال أوباما بالإضافة الى تصريحات مستشاريه تُظهر بوضوح ان الهدف الحقيقي كان وسيظل إعادة توجيه علاقات أميركا الخارجية، والتحول الى التركيز على آسيا والمحيط الهادئ، حيث الأهداف اكثر جذباً. حملت هذه الاجواء توقعات في داخل البلاد وخارجها بأن الرئيس ربما يجلب تغييراً حقيقياً في السياسة الأميركية الداخلية والخارجية، انه رئيس ينشد التغيير، ورغب كثيرون في ذلك! وشاع في المنطقة، في ما يتعلق بالصراع العربي - الإسرائيلي، وإيران، وعلاقات أميركا ببعض الحكام العرب الاستبداديين، جواً من التفاؤل الحذر بافتتاح فصل جديد في العلاقة المضطربة بين الولايات المتحدة والشرق الاوسط الكبير. بدا التغيير في البيت الابيض موضع ترحيب وارتياح في الشرق الاوسط الذي تُمزقه الحروب. وانتظر المرحبون بهذه الخطوات ليروا ما اذا كان سيُساعد على إقامة الدولة الفلسطينية، وما اذا كان سيسحب بسرعة القوات الأميركية من أراضي المسلمين. لكن، ومع الاسف الشديد لم يُبد الرئيس أية رغبة في تغيير السردية السائدة للسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الاوسط، او في دفع السفينة الأميركية في مسار مختلف جذرياً... ان القراءة الدقيقة لكتاباته وخطبه ومقابلاته تميط اللثام عن زعيم ينتسب بوضوح الى المبادئ الرئيسية لتقليد السياسة الخارجية وبخاصة في مفهوم الواقعية السياسية وزعامة أميركا... يرى الباحث الدكتور جرجس ان رد فعل أوباما على الانتفاضات الشعبية سيبقى مؤشراً حاسماً لاستراتيجيته الشرق الاوسطية، فهل سيلتقط اللحظة ويدشن انطلاقة جديدة لأميركا مع شعوب الشرق الاوسط ويُعيد توجيه السياسة الخارجية... لقد نأى الرئيس حقاً بعيداً من ايديولوجية بوش في التبشير بالديمقراطية والاستخدام الحر للقوة في العلاقات الدولية، إلا انه لم يتبن سياسة خارجية تغييرية، كما انه أحجم عن تحدي السردية المهيمنة في واشنطن. وفي الحقيقة فإن واشنطن، كما يبدو، قد غيرت في أوباما، أكثر مما غير أوباما في واشنطن؟! على أوباما الانخراط كلياً في المنطقة، كما يخلص المؤلف، وان يعمل بقوة داخل البلاد ايضاً ليرفع سياسته لتلتقي والطموحات التغييرية لخطابه. ان الانشطار بين الخطاب والسياسة لا يعكس تنافراً استراتيجياً بل عجز عن تصحيح النظام السياسي الأميركي المعطوب، وعن نقل سياسته الخارجية من مجرد المحافظة على الامر الواقع الى محاولة الوصول الى نتيجة جديدة عملية ومحسوسة. وفي حين يستمر أوباما في استعمال القوة بمعنييها الناعم والخشن لإصلاح بعض الخراب الذي تسبب به سلفه، إلا انه لم يلجأ بعد الى سلطات الرئيس الاستثنائية لتحقيق التغيير وبعث الامل، ولا هو ارتبط كلياً بالأحداث الاستثنائية الجارية في الشرق الاوسط. ما من مكان آخر ظهرت فيه الهوة بين خطاب أوباما وأفعاله بهذا الوضوح، أو انكسرت فيه آمال التغيير في السياسة الأميركية الخارجية التقليدية التي كانت معلقة عليه كما في سياسته حيال الشرق الاوسط... لقد تبخرت معظم النيات الحسنة التي أظهرها العالم الاسلامي في خلال الشهور الاولى من رئاسة أوباما، وما تبقى هو الاعتقاد بأن أميركا ضعيفة، مالياً، وعسكرياً، ومكبلة سياسياً بنظام سياسي معيب؟!

    يبقى أن نشير الى أن هذا الكتاب الذي يُعتبر، بحق، دراسة موضوعية موثقة ودقيقة، للسياسة الخارجية الأميركية في الشرق الاوسط، وان الفصول المتبقية والتي تتناول قضايا مهمة وحساسة، ان لسياسة أميركا الخارجية وان لمنطقة الشرق الاوسط، والتي من الصعب تناولها في هذه الدراسة لأسباب تقنية، تجعل من هذا الكتاب مرجعاً مهماً لأي مهتم...
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X