Announcement

Collapse
No announcement yet.

العصر الأمريـكي د. مدى الفاتح

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • العصر الأمريـكي د. مدى الفاتح

    العصر الأمريـكي

    د. مدى الفاتح


    حينما كتب هنري كيسنجر كتابه: «هل تمتلك أمريكا سياسة خارجية..؟ نحو دبلوماسية للقرن الواحد والعشرين» قام المترجم الفرنسي أوديل ديمانج بترجمته بعنوان: «القوة الأمريكية الجديدة» (2003) وقد كانت برأيي ترجمة موفقة ومعبرة أكثر عن رسالة الكتاب الأقرب لاستعراض القوة من مجرد التنظير السياسي والدبلوماسي، أو لعلها قدمت ما يمكن وصفه بـ»دبلوماسية القوة الأمريكية»، التي تبنى على التهديد والوعيد والتحذير أكثر مما تبنى على التطبيع والعلاقات المتوازنة وتبادل المنافع.


    لقد توفر للولايات المتحدة الكثير مما لم يتوفر لغيرها، الموقع بين محيطين كبيرين، ما ساعدها في وقت عزلتها وانكفائها على نفسها والمساحة الكبيرة التي أوجدت مناخاً متنوعاً، نتجت عنه زراعات مختلفة وثروات معدنية هائلة. هذه المساحة الكبيرة وفّرت أيضاً سوقاً متسعاً ساهم في انعاش الصناعة ومدها بالحيوية التي لم تتوفر حتى للبلدان المتقدمة آنذاك في هذا المجال كبريطانيا. حبا الله تلك البلاد شواطئ يسهل أن تتحوّل في غالبها لمرافئ مريحة، كما حباها بأنهار هي في غالبها غير متجمدة وصالحة دائماً للملاحة (هذه النقطة مهمة إذا قارناها على سبيل المثال بأنهار سيبيريا التي تتجه من الجنوب للشمال وتصب في بحر متجمد).


    أيضاً فقد بنيت الولايات المتحدة في زمن تاريخي خاص، عند انهيار أوروبا الاستعمارية خلال الحروب الكبيرة، وهروب الآلاف من العلماء الأوروبيين إلى أمريكا، مساهمين بنهضتها بعد أن تمت ملاحقتهم، أو على الأقل، تجاهلهم في بلادهم.

    مع كل ذلك ومع أسطول بحري كبير للسلم (أعمال الصيد والتجارة) والحرب (سفن حربية متطورة) شكلت الولايات المتحدة ثقلاً عالمياً لا يمكن تجاهله على صعيد الساحة الدولية، وهو ما أهلها لأن تكون القطب الأقوى والأوحد منذ نهاية الحرب الباردة. كيف لا وهي الأكثر تقدماً وتحكماً في أسواق الغلال الرئيسة، كالقمح والأرز والشوفان والشعير، التي تستخدم كلها كأسلحة اقتصادية مهمة، جنباً إلى جنب مع القطن والصوف والمعادن. هذه القوة المستندة إلى طاقة نووية سلمية وحربية تعني أول ما تعنيه الاستعلاء والارتفاع، كما تعني أن الندية خرافة والمساواة بين الدول وهم كبير، فرغم تزايد الحديث عن الانكماش الاقتصادي الأمريكي، وعن التدهور الذي تعيشه على صعيد التعليم والرعاية الصحية وسوق المال، فإن الولايات المتحدة تظل الرقم الأصعب الذي يصعب تجاوزه أو محاسبته. هذه الصعوبة تظهر أكثر ما تظهر في الاقتصاد، فحتى إن تجمعت الدول الأوروبية الأكبر والأغنى ووحدت نفسها في عملة قوية جديدة، فإن الدولار سيظل اللغة العالمية المشتركة للتجارة والاقتصاد، بل حتى لو توحدت أوروبا مع كيانات أخرى أقوى في الشرق والغرب، فإن ذلك لن يغيّر القدر المحتوم الذي يحفظ للولايات المتحدة تفوقها حتى وهي تعاني عجزاً في الميزانية، أو كساداً ما يمنحها فرصة سريعة للتشافي بفضل دورها في عجلة المال والأعمال.
    إلا أن الأمر لا يتعلق بالاستثناء في مجال الاقتصاد فقط، ولكن أيضاً في مجالات أخرى كحقوق الإنسان، وهنا يمكننا أن نضرب مثلاً بما حدث في التاسع من ديسمبر 2014، حين نشرت وسائل الإعلام الأمريكية أخباراً عن تقرير لمجلس الشيوخ الأمريكي يحكي عن الانتهاكات الواسعة لجهاز سي آي إيه في التعذيب وامتهان الإنسانية وممارساته الممنهجة ضد حقوق الإنسان التي تدعي الولايات المتحدة صونها ورعايتها.

    التقرير خلق زوبعة استمرت أكثر من أسبوعين وجعلت دولاً مثل إيران وروسيا تشمت في الفضيحة الأمريكية، التي أثبتت تورط جهاز المخابرات الأقوى في العالم في عمليات تعذيب ليس فقط في غوانتانامو، بل في أجزاء مختلفة من المعمورة.


    كانت زوبعة فعلاً وفي فنجان صغير، وقد رضي الغاضبون بوعود المسؤولين الأمريكيين بأن لا يتكرر ذلك مجدداً..

    الطريف أن وعداً سابقاً كهذا ارتبط بأوباما في بدايات عهده، حيث تعهد بغلق معتقل غوانتانامو سيئ السمعة والصيت.. كان مجرد وعد لكن أوباما استحق بموجبه جائزة نوبل للسلام.. لمجرد الوعد. في الحقيقة أن الدول التي لم تستطع الضغط على أمريكا سابقاً لغلق معتقل غوانتانامو لم تكن تستطيع فعل شيء أكثر من عبارات الاستياء التي قيلت على استحياء هنا وهناك. أما الدول العربية فكانت الأكثر إحراجاً والتقرير يؤكد تعاون عدد كبير منها في برامج الاستجواب والتعذيب لصالح المخابرات المركزية الأمريكية. لن نتوقف عند هذه النقطة رغم أنها تفسر سر الدعم الأمريكي لبعض الأنظمة والعلاقات الخاصة التي تربطها وتربط كثيرا من المسؤولين فيها مع سي آي إيه .لكننا سنقرر ما يعرفه الجميع وهو أن لا أحد يجرؤ على محاسبة أمريكا فهي قابلة للمحاسبة من قبل نفسها فقط..


    الدول الكبرى هي الأقوى اقتصادياً أو لأنها الأقوى اقتصادياً فهي الأهم، وهي من يحدد شروط وأصول اللعبة بما يتيح لها متابعة استغلال الدول الأضعف وتوجيهها لتخدم مصالحها، في حين لا تمتلك الأخيرة حق المجادلة أو ترف محاسبة غيرها.
    هو بلا شك إحساس رائع أن تكون الأقوى.. إحساس يجعلك تود البقاء كذلك للأبد.. ولتبقى ولتظل متقدماً، فإن الدول الأكبر ترى أن واجبها هو احتكار الطفرات الاقتصادية وقبلها المناهج العلمية التي أوصلت إليها، بمعنى أن عليها بشكلٍ ما أن تبقي البقية الغالبة في دائرة التخلف والتبعية.


    هكذا تنتهي كل الأدبيات حول الندية والمساواة بين الدول، فدول قليلة فقط يمكنها أن تصنع لك سلاحك، وبالتأكيد فإنه لا يمكنك أن تأخذ السلاح بيد وتتحدى صاحبه بيدٍ أخرى..! ولن نحتاج للتعمق في الفلسفة السياسية حتى نكتشف أننا نعيش في عصر القوة الذي لا مكان فيه للضعفاء، فكل ما حولنا يدل على أننا نعيش في العصر الذي يكون فيه من حق القوي أن «يسحق الضعيف».. بل إنه من الطبيعي في هذا العالم الذي تتحكم فيه أهواء البشر ومصالحهم أن يكون الحال هو شرعة الغاب التي لا تحترم إلا الأقوياء وهو ما كان عليه الحال منذ عصور ما قبل الحضارة الحديثة.


    إن كل ما حولنا مسيّس ويصب باتجاه الأقوى: الجوائز الأدبية، مقاييس الآيزو الصناعية وحتى برنامج سلامة الأغذية العالمية الذي يفرض التقليل من أضرار المنتجات المعدلة وراثياً، أو المرشوشة بكيماويات ضارة. كل هذه المجموعات الدولية أصبحت الآن مجرد واجهات للتحكم والسيطرة والتنافس بين عواصم العالم الأول نفسها. ما نقوله هنا ليس دعاية خارجية مناوئة، بل صدى لأصوات غربية ربما أسعدتها حيناً تلك السيطرة الأمريكية على منافذ العالم، لكنها بدأت تضيق اليوم من ذلك الانحدار نحو المادية والسعي المطلق للربح والبحث عن المصلحة الذاتية ولو على حساب المجموع.


    مهم أن أشير هنا إلى كتاب فرانسيس فوكوياما، صاحب نظرية نهاية التاريخ الشهيرة، «أمريكا على مفترق طرق»، الذي تحدث فيه بإسهاب عن النقطة الأخيرة كما انتقد سياسات المحافظين الجدد المتشددة، التي كان يعتبر إلى حد قريب جزءاً منها.

    الموضوع صعب الاختزال ويحتاج نقاشاً أكبر. فقط أوضح أن هناك بالتأكيد منطقة ما بين التضخيم المرضي الذي يؤدي للاستسلام النفسي والقابلية للاستعمار، وبين التبسيط الساذج الذي يؤدي للدخول في مغامرات بعواقب غير محسوبة وتداعيات غير مقروءة.




    ٭ كاتب سوداني

    د. مدى الفاتح
    وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

Working...
X