إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الزلزال السوري.. ارتدادات حول العالم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الزلزال السوري.. ارتدادات حول العالم

    مرادمراد - المستقبل اللبنانية


    كانت سوريا طوال العام 2015 بمثابة المسرح السياسي - العسكري الذي اجتذب اليه امم العالم قاطبة لتصفية حساباتها فيه ما ادى الى اطالة زمن مأساة الشعب السوري الذي اضطر الملايين منه الى اللجوء في دول الجوار التي بعدما امتلأت فاضت على دول اوروبا بحوالي مليون لاجئ او يزيد. هذه التسونامي البشرية زعزعت ركائز هيكل الاتحاد الاوروبي بشكل غير مسبوق، خاصة وانها جاءت مصحوبة بزلازل ارهابية هزت مجتمعات اوروبا الغربية في الصميم ووضعتها على حافة هاوية التطرف الديني والعنصرية القومية التي كانت القارة البيضاء تتخبط فيها قبيل وابان الحرب العالمية الثانية.

    عام 2015 كان «الاعتدال» الضحية الاولى عالميا على مذبح تداعيات الازمة السورية، اذ اضطر المؤمنون به الى تقديم سلسلة من التنازلات، بدأت مع ابرام اتفاق دولي «ضعيف نسبيا» مع ايران بشأن برنامجها النووي، فيما استعرت العربدة الاسرائيلية بحق الفلسطينيين من دون حسيب ولا رقيب ما ادى الى ظهور بوادر انتفاضة شعبية جديدة في الاراضي المحتلة. ولتكتمل هيمنة التطرف ولغة القوة دخلت روسيا الحرب السورية من اوسع ابوابها ناشرة اسلحة متنوعة من ترسانتها المتطورة بحجة القضاء على تنظيم «داعش» مدغدغة احلام متطرفي اوروبا واميركا على السواء بعدما ضاق ذرع هؤلاء بجدوى حملة عسكرية يشنها تحالف دولي بقيادة الرئيس الاميركي باراك اوباما منذ عام 2014. الرداء الاسود للتعصب الديني والعنجهية القومية لم يظهرا كحلة يرتديها زعماء دول سجلها في حقوق الانسان في حالة يرثى لها، لا بل خرج به الى المنابر وسط المنافسات الديموقراطية قادة احزاب ومرشحون رئاسيون في اكثر الدول تغنيا بحقوق الانسان: كمارين لوبن في فرنسا ودونالد ترامب في الولايات المتحدة الأميركية

    يودع العالم العام 2015 بسماء حالكة ملبدة بالغيوم القاتمة، مع اصوات طبول حروب تدق من كل حدب وصوب، ولا شيء يشق هذه العتمة من حين لآخر سوى برق شديد ينذر برعد عسكري تقشعر لصوته ابدان ملايين من البشر عموما والشرق اوسطيين منهم خصوصا. اذ لم يشهد شرق المتوسط منذ الحرب العالمية الثانية زحمة طيران حربي وزوارق عسكرية كالحشود التي بدأت تتجمع فيه خلال الربع الاخير من 2015. وكل دولة مشاركة في هذا الحشد الذي يفترض انه اتى لتخليص العالم من ارهاب داعش، لها نوايا مبيتة ومصالح مختلفة عن الدول الاخرى، ولا رغبة لأي من هذه الدول في تقديم اي تنازل ولو قيد انملة في سبيل سلام تنشده شعوب العالم عموما والشعب السوري خصوصا، حتى وان اتفقت جميعها على نص مطاط لقرار تبناه مجلس الامن الدولي في كانون الاول بغية تحديد اطر مفاوضات داخلية سورية املا في اطلاق مرحلة انتقالية للسلطة في البلد المنكوب. تعود «المستقبل» بالذاكرة مع قرائها الى ابرز محطات واحداث العام 2015 ذات الصلة بالحرب السورية واهم التداعيات الانسانية والسياسية والعسكرية والاقتصادية التي نتجت عن استمرار هذه الازمة.


    ] توتر عسكري روسي ـ تركي

    ] تسونامي اللاجئين يهز دعائم الاتحاد الأوروبي

    ] حزم سعودي في وجه المشروع الإيراني

    ] باريس في عين الارهاب


    شهد النصف الاول من العام 2015 تقدما ميدانيا ملحوظا لقوات المعارضة السورية المعتدلة على حساب قوات الأسد والحرس الثوري الايراني وحزب الله، اثر تزايد الدعمين المادي والعسكري لها من قبل عدد من الدول في مقدمها المملكة العربية السعودية. فبعد وفاة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود افترضت ايران ان غريمتها الاقليمية ستمر بفترة انتقالية فحرضت الحوثيين على اغتصاب السلطة في اليمن والانقلاب على الرئيس الشرعي للبلاد عبد ربه منصور هادي، وما كاد الحوثيون في 25 آذار يسيطرون على تعز ويصلون الى مشارف عدن حتى اعلن الملك السعودي الجديد سلمان بن عبد العزيز حربه عليهم مطلقا حملة «عاصفة الحزم» ومضاعفا في الوقت عينه دعم المملكة للثوار المعتدلين في سوريا، في خطوتين اعتبرتهما ايران حربا مباشرة ضد مصالحها في المنطقة. وادرك النظام الايراني عندها ان الادارة السعودية العسكرية الجديدة تحت اشراف وزير دفاع شاب وجريء كولي ولي العهد الامير محمد بن سلمان ستكون على قدر المواجهة ولن تتردد في قطع الاذرع الايرانية اذا ما تمددت الى حد يهدد السلطة الشرعية الموجودة في عدد من البلدان العربية.

    منطق القوة العسكرية الذي استخدمته السعودية للمرة الاولى منذ تطاول الايرانيون بنفوذهم في الشرق الاوسط، شدد الضغطين المعنوي والسياسي على طهران. فاضطرت الاخيرة الى فرش طاولات المفاوضات مع الدول الكبرى بشأن برنامجها النووي بالورود طمعا في ازالة العقوبات الدولية المفروضة على اقتصادها. كيف لا ومشروعها بدأت بوادر الهزيمة تظهر عليه في سوريا بعد حوالي اربع سنوات صرفت عليها مليارات الدولارات لابقاء الأسد في السلطة واطفاء نيران الثورة السورية بأقل خسائر ممكنة.

    الحاجة الى مليارات جديدة حقيقة لمسها جيدا النظام في طهران من رأسه حتى اخمص قدميه. وهذا الواقع دفع المرشد الاعلى علي خامنئي في نيسان الى منح الرئيس الايراني حسن روحاني وفريق مفاوضيه بقيادة وزير الخارجية جواد ظريف الضوء الاخضر لابرام اتفاق اطار مع الدول الكبرى في لوزان بأي ثمن، بغية اطلاق سراح الاموال الايرانية المحتجزة عالميا وتحرير ماكنة الحرب الايرانية من الضائقة المالية التي تمر بها.

    لكن الايرانيين اختلفوا مجددا مع الاميركيين في ترجمة الاتفاق لدى مشرعي البلدين، فاستغل الاميركيون مرة اخرى الاحداث الميدانية في سوريا للتأكد من الضمانات التي انتزعوها من الايرانيين في المفاوضات. وما سهل عليهم ذلك ان الأسد في ظل هزيمة قواته في عدة مناطق استراتيجية ضد الثوار، اضطر في شهري آذار ونيسان الى استخدام اسلحة كيميائية مجددا وان بمواد اخف تأثيرا نسبيا مثل الكلور. فاشتدت المطالب الدولية مجددا بضرورة معاقبته على ذلك، وحاولت الدول الغربية الاستناد الى القرار رقم 2209 الذي تبناه مجلس الامن الدولي في آذار (بشأن حظر شتى انواع الاسلحة الكيميائية في الحرب السورية بما في ذلك الكلور) في تعزيز الضغط على الأسد ومن خلفه ايران، لكن جميع هذه الضغوط سرعان ما تلاشت لسبيين: الدعم الروسي الاعمى للاسد وتذكير موسكو الدول الغربية بالدور الهام الذي تلعبه هي والصين في ابرام الاتفاق النووي مع ايران، وتقديم الاخيرة جميع التنازلات الممكنة من اجل توقيع اتفاق نهائي مع الدول ال5 الكبرى زائداً المانيا. وهذا ما حصل في العاصمة النمسوية فيينا في 14 تموز، قبل ان يضمن مجلس الامن الدولي في 20 من الشهر نفسه التزام الطرفين بتطبيق بنود الاتفاق من خلال تبني القرار رقم 2231، وتمت المصادقة على الاتفاق بصورة نهائية في 18 تشرين الاول بين جميع الاطراف المعنية. واكدت روسيا من جهتها رفع حظر الاسلحة المفروض على ايران واعلنت مطلع كانون الاول بدء ارسال صواريخ «اس 300» المضادة للطيران الى ايران بحسب الصفقة التي وقعت في الصيف بين البلدين.

    الاتفاق النووي الذي اثار زوبعة في الشارع السياسي الاميركي مع اعتراض جميع المرشحين الرئاسيين من الحزب الجمهوري عليه، خلق نوعا من انعدام الثقة بواشنطن في اوساط حلفائها الشرق اوسطيين وبصورة خاصة اسرائيل ودول الخليج العربي بسبب الافراج المرتقب عن اكثر من 100 مليار دولار اميركي لصالح ايران عند رفع العقوبات عنها، يتوقع على نطاق واسع ان يستخدمها النظام الايراني في تمويل شبكاته المسلحة في المنطقة كحزب الله والحوثيين. ارضاء لأصدقائها وتخفيفا لمخاوفهم انتهجت ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما سياسة تعويضية نوعا ما من خلال استهداف مصادر تمويل حزب الله وتجميد الحسابات المالية والتعاملات لأي وكيل للحزب ولم يسلم النظام السوري هو الآخر من العقوبات المالية الاميركية هذا العام التي استهدفت تمويله لتنظيم داعش الارهابي. ورغم بدء عودة العلاقات الديبلوماسية الغربية تدريجيا مع طهران وتدفق رجال الاعمال وكبار ممثلي الشركات الغربية الى ايران لابرام اتفاقيات وعقود مشاريع في السوق الايرانية التي يرجح ان تفتح على مصراعيها امام الاستثمارات الاجنبية في العام المقبل، الا ان المشروع التوسعي الايراني في الشرق الاوسط لقي صفعات متتالية هذا العام، فقد سقط لايران مئات القتلى في الحرب السورية، ومع تدخل روسيا العسكري علنا لدعم الاسد بدأ التأثير الايراني على مجريات الامور داخل سوريا يتراجع امام الهيمنة الروسية، كما تمكنت عاصفة الحزم من فرملة المشروع الايراني في اليمن وتراجع نفوذ الايرانيين في العراق مع حرص المجتمع الدولي على ايجاد توازن في الحكم في بغداد ينصف العراقيين السنة ويسهل عمليات التحالف الدولي الساعي للقضاء على داعش هناك.

    انفجار ازمة اللاجئين في وجه اوروبا

    ادت الغارات الجوية الأسدية والمتعددة الجنسيات في سوريا الى هروب مئات آلاف السوريين من جهنم الدمار في سبيل اللجوء الى الجنة الموعودة في اوروبا. وفشلت كل التحصينات التي وضعتها الدول الاوروبية على حدودها في منع المهاجرين الغير شرعيين من التسلل اليها، فحتى المملكة المتحدة التي هي جزيرة لم تتمكن من منع بعض الشبان المستميتين من التسلل الى اراضيها على متن شاحنات او في حقائب السيارات او حتى سباحة عبر القناة الانكليزية. ومع استمرار البركان الامني المتفجر في قلب الشرق الاوسط ورفض بعض الدول الاوروبية استقبال لاجئين «مسلمين» على اراضيها، تبدو الازمة متجهة نحو مزيد من التصعيد والتعقيد في العام المقبل.

    ولم يظهر الاتحاد الاوروبي مشرذما ومنقسما في تاريخه مثلما اظهرته ازمة اللاجئين في 2015، فقد جهدت حكومات الدول الاوروبية في تحضير شعوبها نفسيا واجتماعيا واقتصاديا لإستقبال موجة اللاجئين (الشرق اوسطيين عموما والسوريين منهم خصوصا) على مدى الخمس سنوات المقبلة. وفي محاولة من قادة الدول لتطمين شعوبهم كان لا بد من تحديد الاعداد التي سيتم استقبالها والحديث عن الناحية الايجابية لهذا المد البشري وكيف يمكن استغلاله لصالح البلدان المستضيفة. لكن الاتفاق بين زعماء الدول انفسهم تبين مع مرور الوقت انه صعب جدا، وفي ظل غياب سياسة أوروبية مشتركة حيال ازمتي اللجوء والهجرة بدأت نهاية اتفاقية «شينغن» تلوح في الافق. واستمرت محاولات الاوروبيين في اقفال حدود بلدانهم الى حين انتشرت صور لاطفال سوريين غرقى رمت بجثثهم امواج البحر على الشواطئ التركية بعد غرق مراكبهم خلال محاولاتهم عبور المتوسط الى اليونان، وتصدرت صورة الطفل السوري ايلان الكردي عناوين وسائل الاعلام في شتى انحاء العالم، وقد ادت تلك المشاهد المؤثرة الى تليين الرأي العام الاوروبي وفرضت على الدول الاوروبية الشرقية الرافضة بشكل تام استقبال لاجئين ان ترضى في نهاية المطاف بخطة توزيع حوالى 175 الف لاجئ كان رئيس المفوضية الاوروبية جان كلود يونكر اقترحها عند استعار الازمة.

    وتقضي الخطة، التي اقترحها يونكر وتبناها الاتحاد الاوروبي بتصويت الأغلبية رغم اعتراض هنغاريا وتشيكيا وسلوفاكيا ورومانيا عليها وامتناع فنلندا عن التصويت، ان توزع الحصص على الدول الاروبية بحسب عدد سكانها وقوة اقتصادها. وان يتم تسجيل 120 الف لاجئا وصلوا الى ايطاليا واليونان وهنغاريا، وبعد اخذ بصماتهم ودراسة طلبات اللجوء الخاصة بهم يتم اتخاذ قرار بشأنهم، فمن يقبل طلبه يرسل في فترة اقصاها شهران الى بلد من بلدان الاتحاد بحسب الحصص المقسمة، اما من يرفض طلبه لإعتبارات عدة اهمها انه من بلد «آمن» لا صراع فيه يتم ترحيله الى بلده الام في اقرب وقت ممكن. وتمنح الأفضلية المطلقة للاجئين القادمين من الدول التي تدور فيها حروب كسوريا والعراق واليمن. وتقرر التشدد مع اي عملية تزوير لجوازات السفر السورية خاصة اذا تم التأكد ان الشخص الذي يحملها ليس سورياً. وكانت مفوضية اللاجئين اكدت ان على الاوروبيين استقبال المزيد من اللاجئين خلال الاشهر المقبلة اي ان دفعة ال175 لاجئا التي تقرر توزيعها بين دول الاتحاد ليست هي الدفعة الاخيرة انما قد يكون هناك دفعات مشابهة العام المقبل في حال استمرت النزاعات في الشرق الاوسط.

    هذه الازمة المتفاقمة قسمت دول الاتحاد الاوروبي الى ملائكة وشياطين بحسب تعاملها معها. الدول الغربية الكبرى وفي مقدمها المانيا وبريطانيا وفرنسا ظهرت



    في خانة الملائكة فيما ارتدت الدول الشرقية وفي مقدمها هنغاريا وتشيكيا وسلوفاكيا رداء الشياطين. فالمانيا، كونها صاحبة اقل معدل ولادات في اوروبا الغربية وفي حاجة شبه دائمة للمزيد من اليد العاملة، استقبلت في عام 2015 حوالى مليون لاجئ اغلبهم من سوريا. ومن برلين اعلنت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل إن «التدفق المذهل للاجئين إلى ألمانيا سيغير البلاد ويشغلها في الأعوام المقبلة. سنحرص على ان يكون هذا التغيير ايجابيا. وسنقوم بتسريع إجراءات دخول اللاجئين وبناء المزيد من المساكن لاستيعابهم، ولن تقل تكلفة هذا الامر عن 6 مليارات يورو». وشددت على أن ألمانيا ستقوم بذلك برحابة صدر ولكن ليس بوسعها بمفردها حل الأزمة، لذا يجب على جميع دول الاتحاد الأوروبي التكاتف من اجل استيعاب اللاجئين الفارين من ويلات الحروب. اما بريطانيا فقررت الاستقلال عن دول الاتحاد في طريقة تعاملها مع ازمة اللاجئين مفضلة استقبال لاجئين سوريين يعيشون في مخيمات الشرق الاوسط. ومن لندن أعلن رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون أن «بريطانيا سستضيف 20 ألف لاجئ من سوريا على مدى الأعوام الخمسة المقبلة اي حتى العام 2020. ولن تمنح اي لجوء لأي من المهاجرين الذين وصلوا الى اوروبا بصورة غير شرعية وهذه مشكلة بلدان الشينغن لذا على الدول الموقعة على الاتفاقية التعامل معها وهي لا تعنينا». فرنسا اكدت بدورها انها مستعدة لاستقبال حوالى 20 الف لاجئ اضافة الى ال10 آلاف لاجئ كانت استقبلتهم في الاعوام السابقة.

    في الجهة المقابلة تزعمت هنغاريا بدون منازع فريق التطرف والعنصرية وكانت اول دولة تسيج كامل حدودها الجنوبية والشرقية مع شتى الدول المحيطة بها من اجل اقفال المعابر في وجه اللاجئين. ثم تلتها في ذلك دول اخرى مثل سلوفاكيا وتشيكيا وسلوفينيا. فمن بودابست اعلن رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور اوربان «ان هنغاريا لن ترضى بأن يفرض عليها الاتحاد الاوروبي استقبال اللاجئين». ودعا «ميركل الى وقف استقبال المزيد من هؤلاء المهاجرين الذين يطمعون بالحياة في المانيا وليسوا من طالبي الامن». واستمر في تصريحاته المسيحية المتطرفة قائلا «ان هذا المد الاسلامي سيهدد الحياة المسيحية المرفهة». وبسبب سياسات اوربان اضطر اغلب اللاجئين الذين وصلوا الى الحدود الهنغارية للنوم في خيم صغيرة في العراء وفي برد قارس ليلا مع عودة فصل الخريف وانخفاض درجات الحرارة بشكل ملحوظ في ساعات الليل. وايد عدد من الوزراء والنواب الاوروبيين خطاب اوربان المتطرف. تلك الاخطاء الكلامية لهؤلاء السياسيين ممتزجة بتزايد كبير لشعبية الجماعات والاحزاب القومية والمسيحية المتعصبة رسمت لوحة قاتمة لمستقبل العيش المشترك والانفتاح الحضاري في ابرز البلدان الاوروبية. هذا الوضع ساد اوروبا في النصف الثاني من العام 2015 وبدأت القارة البيضاء تغلي داخليا كبركان يترقب لحظة الانفجار. واججت وسائل الاعلام بشكل كبير من لهب هذه النيران من خلال التهويل بشكل شبه يومي بخطر التهديدات الارهابية الاسلامية وتسليطها الضوء بشكل موسع وفضفاض على جرائم داعش الوحشية، مما اسهم مباشرة في تأجيج مشاعر الاسلاموفوبيا وشيطنة كل من هو مسلم او اسمر البشرة.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.

  • #2
    تتمة

    ورغم ان المانيا فتحت الباب على مصراعيه لنحو مليون لاجئ واختيرت مستشارتها انغيلا ميركل شخصية العام في العالم بحسب مجلة «تايم» لكونها اكثر زعيم اوروبي احتضانا للاجئين وخاصة القادمين من سوريا، الا ان شريحة كبيرة من شعب ميركل رأيها مخالف ولا تود ابدا احتضان هؤلاء «المشردين الاسلاميين». واستغلت عصابات عنصرية متعاطفة مع حركة «بيغيدا» (القوميون الاوروبيون ضد اسلمة الغرب) موجة الاحتجاجات في المدن الالمانية (لا سيما في درزدن) على منح اللجوء للمزيد من المسلمين، لكي ترتكب جرائم بحق المهاجرين. ولا تزال ارقام الضحايا غير واضحة بسبب صعوبة معرفة هوية اللاجئين وحصر عددهم لمعرفة عدد المفقودين منهم. هذا الواقع المرعب الذي اصطدم به السوريون الفارون من وحشية الأسد وداعش دفع بمجموعات منهم الى تمزيق طلبات اللجوء الى المانيا ومطالبة السلطات هناك بإعادتهم الى بلادهم.

    ومع بدء التدخل الروسي العسكري لصالح الأسد في سوريا حذرت الممثلة العليا لخارجية الاتحاد الاوروبي فدريكا موغيريني من احتمال «تفكك اسرة الاتحاد الاوروبي بسبب ازمة اللاجئين». ومخاوف رئيسة الديبلوماسية الاوروبية المشتركة لم تنبع من تكهنات، انما من تسلسل منطقي لإحصائيات اشارت الى تضاعف عدد السوريين المغادرين ديارهم في شمال سوريا الى الاراضي التركية بسبب الغارات الجوية الروسية التي تقصف عشوائيا دون تمييز بين تجمعات المدنيين ومعاقل الارهابيين.

    ولتدارك الوضع والحد من تسونامي اللاجئين المتجه الى اوروبا، اضطر قادة دول الاتحاد الاوروبي في الربع الاخير من العام الى طلب النجدة من تركيا لأنها الوحيدة القادرة على تجنيبهم اهوال تداعيات موجات جديدة من اللجوء. فأبرمت بروكسل مع انقرة اتفاقا لتشديد قبضة السلطات التركية على قوارب الهجرة وشبكات تجار البشر مقابل تقديم الاوروبيين مبلغا قدره حوالي 3 مليارات يورو واعادة تحريك ملف انضمام تركيا الى الاتحاد وتسهيل حصول المواطنين الاتراك على تأشيرات سفر الى الدول الاوروبية.

    «داعش» و«القاعدة» يرهبان العالم

    لم يفرق الارهاب في عام 2015، عندما ضرب القارات الاربع آسيا واوروبا وافريقيا واميركا، بين منتجع ومسجد ومصنع ومسرح ومقهى وصرح اعلامي واستاد رياضي وشارع.

    بداية مسلسل الارهاب في 2015 كانت من القارة الاوروبية وفي فرنسا تحديدا بهجوم استهدف صحيفة «شارلي ايبدو» الساخرة تبناه تنظيم «القاعدة».اذ قام ملثمان إثنان باقتحام مقر الصحيفة في باريس ظهر يوم السابع من كانون الثاني. واردى الارهابيان المزودان برشاشات كلاشنيكوف 12 شخصاً واصابوا 11 آخرين بجروح. ووقعت هجمات اخرى في انحاء اخرى من العاصمة الفرنسية وضواحيها في اليومين التاليين، وكانت الحصيلة النهائية لمجموع هذه الهجمات 20 قتيلا في باريس وضواحيها، بينهم منفذو الهجمات سعيد وشريف كواشي واميدي كوليبالي الذين قضوا بنيران الشرطة الفرنسية، و 12 ضحية في الهجوم على شارلي ايبدو، 4 ضحايا في احتجاز رهائن بورت دو فإنسان، وقتيل واحد في حادثة اطلاق النار في مونروج. وسارت في فرنسا تظاهرات عرفت باسم «مسيرات الجمهورية» وتضامنت معها مسيرات مماثلة في مدن أخرى حول العالم. وشارك في مسيرة الجمهورية في باريس 50 شخصية من زعماء العالم وحوالي مليوني شخص احتشدوا في العاصمة الفرنسية

    الموعد العالمي الثاني مع الارهاب كان هجوم شنه ارهابيان من داعش في تونس بالاسلحة الرشاشة في متحف باردو الوطني في 18 آذار ادى الى مقتل 21 شخصا اغلبهم من السياح. ثم جاء يوم 26 حزيران الذي اهتز فيه امن دول عدة عبر هجمات متعددة كانت ايضا من امضاء تنظيم «داعش»، ففي ذلك اليوم ضرب الارهابيون ضربتهم في ثلاثة مواقع مختلفة في القارات الثلاث الافريقية والاوروبية والآسيوية. وسالت دماء أبرياء من مختلف الجنسيات والاديان والاعراق، ففي تونس حصد ارهابي اسمه «صفي الدين رزقي يعقوبي» بسلاح «كلاشنيكوف» ارواح 38 سائحا (بينهم 30 بريطاني) واصاب 36 آخرين بجروح بعدما اخفى السلاح في شمسيته على الشاطئ حيث كان السياح يستجمون في فندوق ومنتجع «ريو امبريال مرحبا» الفخم على شاطئ مدينة سوسة. وتمكنت قوى الأمن التونسية من قتل الارهابي بعد تبادل لاطلاق النار لدى محاولته الفرار من الموقع. ومن بين الضحايا الذين سقطوا في هذا الاعتداء الارهابي، الاضخم في تاريخ تونس، سياح من بريطانيا وايرلندا والمانيا وبلجيكا. وفي الكويت استهدف داعش مسجد الامام الصادق في منطقة الصوابر في الكويت حيث فجر ارهابي يدعي «خالد الشمري» نفسه عند مدخل المسجد خلال تأدية المصلين الشيعة صلاة الجمعة ما ادى الى مصرع اكثر من 25 شخصا واصابة اكثر من 200 بجروح. وتبنى الهجوم ارهابيو «ولاية نجد» الشق الناشط من داعش في دول الخليج. الارهاب الداعشي بلغ ذروته في ذلك اليوم ايضا في بلدة عين العرب (كوباني) قرب الحدود التركية - السورية حيث هاجمت قوافل الارهابيين اهالي المنطقة الاكراد ونكلت بهم موقعة اكثر من 146 قتيلا في ثاني اكبر هجوم للتنظيم الارهابي منذ ظهوره على مسرح الاحداث في سوريا والعراق. وبدورها وجدت فرنسا نفسها للمرة الثانية في 2015 على موعد مع الارهاب الذي هز صباح 26 حزيران منطقة «سان كانتان فلافييه» قرب مدينة ليون، عندما اقدم الفرنسي من اصول جزائرية ومغربية «ياسين صالحي» (35 عاما) على قتل رئيسه في العمل (صاحب احدى شركات النقل في المدينة) وتقطيع جثته ونقلها الى مصنع للمواد الغازية تابع لشركة «اير بروداكتس» الاميركية، حيث حاول الارهابي ان يفجر سيارته بالمبنى لإحراق الموقع وفيه جثة الضحية بهدف اخفاء معالم الجريمة.

    لكن تلك المأساة لم تكن آخر احزان الفرنسيين، فقد خبأ لهم تنظيم داعش اعتداءات دموية في باريس اودت في 13 تشرين الثاني بحياة 130 شخصا واصابت المئات بجروح. فقد شنت خلية داعشية يقودها الارهابي البلجيكي «عبد الحميد اباعود» مساء ذلك اليوم هجمات ارهابية تنوعت بأساليب اجرامية مختلفة بين عمليات إطلاق نار جماعي واحتجاز رهائن وتفجيرات انتحارية. وضرب المهاجمون في عدة مواقع في آن واحد في مسرح باتاكلان وشارع بيشا وشارع أليبار وشارع شارون وكلها اماكن تقع ضمن الدائرتين العاشرة والحادية عشرة من العاصمة الفرنسية. كما قام انتحاريون ثلاثة بتفجير انفسهم في محيط استاد دوفرانس في ضاحية باريس الشمالية سان دوني. في مسرح باتاكلان أسفر هجوم شنه الثلاثي سامي عميمور وعمر اسماعيل مصطفاي وفؤاد محمد اغاد عن مقتل 89 شخصا، وفجر المهاجمون الثلاثة انفسهم عند اقتحام الشرطة المكان لتخليص الرهائن. اما منفذو هجمات البارات والمطاعم في الشوارع فكانوا الاخوين ابراهيم وصلاح عبد السلام وعبد الحميد اباعود وقد فجر الاول نفسه، فيما فر الآخران، وقد تمكنت الشرطة الفرنسية في عملية مداهمة في 18 تشرين الثاني من قتل اباعود وشريكين آخرين له فيما لا يزال صلاح فارا. اما التفجيرات الانتحارية قرب استاد دوفرانس فنفذها كل من بلال حدفي واحمد المحمد ومحمد المحمود. وتعد تلك الاعتداءات الهجمات الأكثر دموية التي تعرضت لها فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية كما انها الأكثر دموية في تاريخ الاتحاد الأوروبي منذ التفجيرات التي استهدفت قطارات مدريد في عام 2004.

    ومع ازدياد الارهاب الداعشي وتوسع رقعته الجغرافية كان لا بد من ردة فعل دولية للقضاء على هذا الشر المستشري ولهذا كان لا بد من النظر في اصول هذا التنظيم وكيفية حصوله على الاموال الكافية للصمود. كما عززت دول عدة تدابيرها الامنية معتمدة التحركات الاستباقية لمنع اي اعتداءات ارهابية على اراضيها، وجاءت بريطانيا في مقدمة هذه الدول اذ تمكنت اجهزتها الامنية
    والاستخباراتية في 2015 من احباط 7 مخططات داعشية على الاقل حارمة التنظيم من جعل لندن هدفا مشابها لباريس. ولطالما وزعت الاتهامات جزافا ضد تركيا ودول عربية كالمملكة العربية السعودية وغربية كالولايات المتحدة بانها هي التي صنعت «داعش» وتسهل له الحصول على الاسلحة والعتاد وانها هي التي تموله بوسائل عدة اهمها شراء النفط منه. وآخر الاتهامات المباشرة التي عزفت على هذه النغمة وجهها قبل نهاية العام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لنظيره التركي رجب طيب اردوغان بأن «تركيا تشتري النفط من داعش» لإبقاء مصادر التمويل للتنظيم الارهابي حية. لكن هذا الاتهام الروسي لم يتمكن من محو حقيقة دامغة ممهورة بأدلة استخباراتية ومالية ميدانية ب»أنه حتى موعد اقربه شهر ايلول الفائت كان نظام الأسد لا يزال يشتري النفط من داعش»، لغرض وحيد طبعا هو تمويل التنظيم وابقائه على قيد الحياة، اذ من غير المعقول ان تحتاج المناطق التي يسيطر عليها الاسد الى نفط داعش في ظل وجود مضختي نفط ضخمتين مثل ايران وروسيا قادرتين على اغراق سوريا بالنفط لو ارادتا. وبالتالي فإن الهدف الرئيسي من شراء النظام السوري لنفط داعش هو خدمة مالية يقدمها الأسد للارهابيين لأن استمرارهم على الساحة فيه ديمومته هو. وفي العقوبات المالية الاخيرة التي اتخذتها واشنطن في تشرين الاول ضد رجل الاعمال السوري جورج حسواني دليل قاطع على التمويل الأسدي لداعش، اذ ان هذا الوسيط كان يدير عمليات تبادل الخدمات النفطية - المالية بين المشتري (النظام) والبائع (التنظيم) طوال الفترة التي تلت الظهور السريع الفجائي لداعش في خريف العام 2013 حتى مدة اقربها بحسب الاستخبارات الاميركية شهر ايلول الفائت اي قبيل بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا.

    واعتداءات داعش الارهابية في عام 2015 برأت تركيا والسعودية والولايات المتحدة من الاتهامات الموجهة لها بدعم التنظيم. فتركيا كانت عرضة لهجومين ارهابيين ضخمين من توقيع داعش، الاول في 20 تموز في منطقة سروج الجنوبية حيث فجر انتحاري نفسه في احدى تظاهرات حزب «الشعب الديموقراطي» ما ادى الى مقتل 32 شخصا وجرح عشرات آخرين. ثم كرر التنظيم استهدافه تركيا وهذه المرة في محطة القطار الرئيسية وسط العاصمة انقرة في العاشر من تشرين الاول عندما فجر انتحاريان داعشيان نفسهما وسط الجموع ما ادى الى مقتل 102 وجرح 508 آخرين. ولم يستهدف داعش في عام 2015 اي بلد في العالم قدر استهدافه السعودية التي شهدت اراضيها 6 هجمات على الاقل من توقيع هذا التنظيم الارهابي، ففي 22 ايار فجر انتحاري داعشي نفسه في مسجد للشيعة في قرية القديح ما ادى الى مقتل 21 شخصا وجرح اكثر من 90 آخرين. وفي هجوم مشابه في 29 من الشهر نفسه فجر انتحاري آخر نفسه في مسجد للشيعة في الدمام ما ادى الى مقتل 4 اشخاص وجرح عشرات آخرين. وفي 16 تموز ادى انفجار سيارة مفخخة في الرياض الى مقتل شخص وجرح شخصين. وفي السادس من آب ادى تفجير انتحاري في مسجد في مدينة ابهة الى مقتل 15 شخصا وجرح 8 آخرين. وفي 16 تشرين الاول قام داعشي باطلاق النار على مأتم للشيعة في مدينة سيهات ما ادى الى مقتل 4 اشخاص وجرح 4 آخرين، وفي 26 من الشهر نفسه هز تفجير انتحاري مسجدا للشيعة في نجران ما ادى الى مقتل شخصين وجرح 19 آخرين. اما الولايات المتحدة فلم يحمها بعدها الجغرافي عن المناطق الملتهبة ولم تسلم هي الاخرى من براثن داعش، ففي الثالث من ايار تمكنت الشرطة الاميركية من ارداء داعشيين فتحا النيران على احد المعارض في غارلاند في تكساس. وفي 16 تموز قام الاميركي من اصل كويتي محمد عبد العزيز بشن هجوم بالاسلحة الرشاشة على مركز تجنيد تابع للبحرية الاميركية في تشاتانوغا في تينيسي ما ادى الى مقتل 5 جنود اميركيين وجرح آخر. وفي الثاني من كانون الاول قام المواليان لداعش سيد رضوان فاروق وزوجته تشفين مالك بهجوم بالاسلحة الرشاشة على مركز في سان برناردينو في كاليفورنيا فقتلا 14 شخصا واصابا 23 آخرين بجروح

    ولم تسلم تونس من اعتداء داعشي ثالث ضخم استهدف في 24 تشرين الثاني باصا يقل عناصر من الحرس الرئاسي التونسي ما ادى الى مقتل 12 منهم وجرح 17 آخرين. ومثل تونس كان لبنان بدوره مسرحا في 2015 لعدد من الاعتداءات الارهابية، ففي العاشر من كانون الثاني فجر انتحاريان من جبهة النصرة نفسيهما في احد احياء جبل محسن فيما طرابلس ما ادى الى مقتل 7 اشخاص وجرح 36 آخرين، فيما ادى تفجير انتحاريان من داعش نفسيهما في 12 تشرين الثاني في بيروت الى مصرع 43 شخصا وجرح 240 آخرين. وبالطبع شن داعش عمليات ارهابية عدة في البلدان التي تشهد حروبا داخلية مستمرة مثل سوريا والعراق واليمن وليبيا.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.

    تعليق


    • #3
      تتمة

      وقاربت تقارير اطلسية بين المصالح المشتركة التي تربط بين داعش وموسكو. وتساءلت عما اذا كان من الاجدى ببوتين الموافقة على التحدي الذي وجهه له اردوغان عندما رد له اتهامه قائلا «اذا كان لديك دليل واحد ان السلطات التركية تشتري النفط من داعش اظهره وساستقيل في الحال. وان لم يكن بحوزتك اي دليل، اظن انه يجدر بك انت ان تستقيل». الا ان ما انقذ الرئيس الروسي من اتهام مباشر لموسكو بدعم داعش هو حادث طائرة الركاب الروسية التي اسقطتها او فجرتها (لم تحسم التحقيقات كيفية تحطمها حتى الآن) مجموعة تابعة لداعش في صحراء سيناء في 31 تشرين الاول بعيد مغادرتها شرم الشيخ وقضى في الاعتداء 223 شخصا كانوا على متنها.

      التدخل العسكري الروسي واحكام اردوغان قبضته

      على السلطة

      شهد الثلث الاخير من عام 2015 دخول روسيا الحرب السورية علنيا بحجة استهداف داعش وارهابه وفعليا بهدف دعم بشار الأسد ومساعدته على الصمود باي ثمن. وهكذا وسعت روسيا دائرة نفوذها في الشرق الاوسط مع نشر تعزيزات عسكرية من مئات الآليات المسلحة المختلفة من المدرعات البرية ومنظومة الصواريخ الدفاعية «اس 400» ومراكز الرادارات الى المقاتلات الجوية والمروحيات العسكرية وطائرات الاستطلاع. هذه الزحمة في الطيران الحربي الدولي المتعدد الجنسيات فوق سوريا ادى الى ما كان يخشى منه عندما اقدمت مقاتلة جوية تركية على اسقاط مقاتلة جوية روسية بسبب انتهاك الاخيرة الاجواء التركية خلال غارة جوية كان سرب من السلاح الحربي الروسي يشنه فوق سوريا. تلك الحادثة ادت الى توتر ديبلوماسي وسياسي غير مسبوق بين موسكو وانقرة فتبادلتا القطيعة الاقتصادية واضطر حلف شمال الاطلسي (ناتو) الى حشد المزيد من قواته في المنطقة للذود عن تركيا ضد اي هجوم روسي محتمل. وقد صب في صالح هذا التوجه تمرير البرلمانين البريطاني والالماني، بعد فترة طويلة من التردد، قرارين بمشاركة بريطانيا والمانيا في العلميات العسكرية التي يشنها التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش في سوريا.

      وكانت روسيا طمعت ببناء قواعد جديدة لها في شرق المتوسط بالقرب من تركيا بعدما فشل حزب العدالة والتنمية في انتخابات حزيران في الحصول على اغلبية نيابية كافية لتشكيل حكومة لون واحد في تركيا. وكان الأسد وموالوه في المنطقة يتعشمون في استمرارية تدهور شعبية الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، لكن تعذر تشكيل حكومة ائتلافية قاد الى عملية ديموقراطية ثانية في تركيا في تشرين الثاني، وهذه المرة لسوء حظ الأسد وحلفائه خرج اردوغان منتصرا. اذ حقق حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا فوزا كبيرا في الانتخابات التركية العامة التي شهدت اقبالا قياسيا غير مسبوق في تاريخ البلاد تجاوز حاجز ال87 في المئة من اجمالي الناخبين الاتراك المسجلين البالغ عددهم 54 مليون ناخب. وبعد فرز الاصوات، جاء الحزب الذي اسسه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ويرأسه حاليا رئيس الوزراء احمد داود اوغلو في المركز الاول بحوالي 50 في المئة من اجمالي الاصوات، متقدما على حزب الشعب الجمهوري (التقدمي العلماني) الذي حل ثانيا بنحو 25 في المئة من الاصوات، والحزب القومي الذي حل ثالثا بحوالي 12 في المئة. بينما احتل حزب الشعب الديموقراطي (ذي الغالبية الكردية) المركز الرابع بعد نجاحه في تجاوز حاجز ال10 في المئة بشق الانفس، والا لكان فقد احقية التمثيل في البرلمان، لأن ال10 في المئة هي الحد الادنى التي يجب على اي حزب مشارك في الانتخابات الحصول عليها كي يدخل نوابه البرلمان.

      وحظيت هذه الجولة الانتخابية بأهمية قصوى لم تشهد تركيا مثيلا لها في تاريخها المعاصر نظرا لوفرة التحديات التي تواجهها البلاد في هذه المرحلة. فنتائجها خولت «العدالة والتنمية» تشكيل حكومة لون واحد لإدارة شؤون البلاد، مما سمح لاردوغان بالبناء على ارضية شعبية صلبة لإتخاذ قرارات اكثر جرأة تجاه ملفات مصيرية بالنسبة للأتراك وفي مقدمها كيفية انهاء الازمة السورية وصياغة اسلوب جديد للتعاون مع الاوروبيين في موضوع اللاجئين. وقد تجلت تلك الجرعة من القوة المعنوية لدى القيادة التركية في حادثة اسقاط المقاتلة الجوية الروسية في 24 تشرين الثاني وفي ابرام صفقة التعاون مع الاتحاد الاوروبي للتصدي لازمة اللاجئين السوريين. لكن رغم هذا النصر لم يتمكن الحزب الحاكم من الحصول على غالبية كافية لإجراء استفتاء في البلاد حول تعديل الدستور في سبيل منح الرئيس التركي صلاحيات اكبر على حساب نفوذ البرلمان.

      نتائج الانتخابات البريطانية في ايار لم تأت ايضا على هوى الأسد وحليفه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فقد كان الاثنان يأملان فوز لحزب «العمال»، لكن حزب «المحافظين» بقيادة كاميرون حقق انتصارا كافيا وشكل حكومة من لون واحد سرعان ما روجت للمشاركة في العمليات العسكرية ضد داعش في سوريا، وبدأ سلاح الجو الملكي البريطاني في الاسابيع الاخيرة من العام غارات جوية مركزة استهدفت بصورة خاصة آبار ومنشأت تكرير النفط الذي يحصل من خلالها الداعشيون على تمويل من الأسد. هذا فيما عززت فرنسا هي الاخرى عملياتها العسكرية وارسلت حاملة الطائرات «شارل ديغول» الى شرق المتوسط بعيد اعتداءات داعش في باريس من اجل توجيه ضربات قاسمة للتنظيم الارهابي والبنى التحتية التابعة له في سوريا.

      وتعرض التدخل العسكري الروسي في سوريا الى سيل من الانتقادات بسبب شن السلاح الجوي الروسي اغلب غاراته ضد مناطق آهلة بالسكان وخاضعة لنفوذ المعارضة السورية المعتدلة. كما تواصلت التقارير الامنية التي تفيد بأن الطيارين الروس يستخدمون في غاراتهم اسلحة محظورة دوليا ضد المدنيين في سوريا. واشارت تقارير ميدانية الى أن المقاتلات الروسية تسقط عمدا قنابل متفجرة مليئة بمادة الفوسفور الابيض على مناطق المدنيين في شمال غربي سوريا، كما قصفت الطائرات الروسية على مدى اسابيع مخيمات اللاجئين السوريين في الشمال قرب الحدود التركية بقنابل عنقودية محظرة الاستخدام دوليا.

      وأطلقت روسيا انتقاما لاسقاط تركيا احدى طائراتها، غارات جوية عقابية ضد العديد من المناطق القريبة من الحدود التركية بما في ذلك الموقع الذي سقطت فيه الطائرة. وشوهدت الطائرات الروسية تحلق بكثافة كثيرا قرب الحدود التركية السورية مستهدفة مخيمات اللاجئين التي كانت آمنة قبل التدخل العسكري الروسي. اما تنظيم داعش الذي تزعم روسيا انه الهدف المزعوم لغاراتها الجوية فلا وجود له اطلاقا في تلك المنطقة. واكد عمال «الهلال الاحمر» ان اغلب الضحايا والمصابين بالقنابل العنقودية الروسية هم من النساء والاطفال. وهذه القنابل محظورة دوليا لكن الروس يلجأون لاستخدامها نظرا لأن شظاياها عندما تنفجر تغطي مساحات اوسع من القنابل العادية، وبالتالي يمكن ان تصيب عدة اهداف بغارة واحدة.

      وفي الشهر الاخير من العام بدأت القوات الروسية بناء قاعدة عسكرية جديدة لها قرب مدينة حمص بهدف ارسال المزيد من المقاتلات الجوية والمعدات الثقيلة والجنود الى الاراضي السورية. ويتوقع ان تقوم روسيا بتوسيع قاعدة «الشعيرات» الواقعة قرب حمص والتي يعمل فيها حاليا حوالى 60 جندياً روسياً ومنها تنطلق بعض المروحيات العسكرية الروسية المشاركة في القتال. على ان يتيح هذا التوسيع لموسكو ارسال المزيد من المقاتلات الجوية الحربية ليصبح عديد هذه المقاتلات اكثرمن 50 طائرة وسيتم ارسال 1000 جندي روسي اضافي للتمركز في هذه القاعدة وحمايتها. وفي 2015 بلغ عديد المقاتلات الجوية الروسية المشاركة في سوريا 35 طائرة من طراز «سوخوي 24 و25» و»توبوليف 95 و160» تتمركز جميعها في قاعدة اللاذقية. اما القواعد الاخرى فكلها تستوعب مروحيات عسكرية روسية من انواع عدة ابرزها «مي 24». لكن الجيش الروسي، في اطار مخططه لتعزيز موقع الاسد بأسرع وقت ممكن، يسعى من وراء ارسال حوالى 15 مقاتلة اضافية الى القاعدة الجديدة قرب حمص الى تأمين التغطية الجوية اللازمة لجيش الاسد وحلفائه كي يستولي على تدمر وبلدة القريتين الواقعة وسط البلاد، فتدمر بالنسبة لموسكو تعتبر نقطة مهمة استردادها من داعش تأكيد من موسكو للرأي العام العالمي ان الجنود الروس يقومون بدورهم الاساني لحماية الآثار والتراث، اما «القريتين» فموقعها يعتبر هاما استراتيجيا بالنسبة للمرحلة المقبلة من الحرب السورية. وبحسب مسؤول سوري مطلع على العمليات العسكرية الاسدية - الروسية - الايرانية المشتركة فإن روسيا مستعدة لنشر اكثر من 100 مقاتلة جوية في سوريا في العام المقبل.

      لكن هذا التدخل الروسي ذا الاهداف الواضحة لجهة دعم الاسد والفتك بقوات المعارضة المعتدلة لم يذهب بعيدا رغم تفوقه العسكري. فبعد اربعة اشهر من الغارات المكثفة وارتكاب المجازر بحق المدنيين في حلب وريف دمشق ومناطق اخرى والتغطية الجوية لقوات الأسد وحلفائه، لم تتمكن روسيا من قلب الموازين في الميدان لصالح النظام السوري، ويعود الفضل في ذلك الى حد بعيد لصواريخ «تاو» لدى الثوار المعتدلين وقد نجحت تلك الاسلحة في الفتلك بالقوات البرية للأسد وحلفائه. وبعدما وجدت روسيا انها قد تغرق في مستنقع حرب طويل الامد خطبت ود اسرائيل من خلال انتهاج سياسة تؤدي الى تقليص الدور الايراني في سوريا، ووافقت في الوقت عينه على نص القرار رقم 2254 الذي تبناه مجلس الامن الدولي بالاجماع في 18 كانون الاول بغية وضع اطار زمني لبدء مفاوضات بين النظام والمعارضة في مطلع العام المقبل يفضي الى المرحلة الانتقالية التي تحدث عنها اعلان جنيف الصادر عام 2012. لكن الخلاف على مصير بشار الأسد بقي موضع الخلاف الرئيسي بين معسكر روسيا وايران من جهة ومعسكر الدول العربية وتركيا والدول الغربية من جهة الاخرى بانتظار بواكير ال2016.
      الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.

      تعليق

      يعمل...
      X