إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

سجال مع نظرية الحق الإلهي واستخدام الدين في السياسة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • سجال مع نظرية الحق الإلهي واستخدام الدين في السياسة

    مراجعة: حوّاسمحمود - المستقبل اللبنانية


    [ الكتاب: من الدين إلى الطائفة في ضرورة الدولة المدنية

    [ الكاتب: خالد غزال

    [ الناشر: دار الساقي، بيروت 2015

    يشهد العالم بعامة والعالم العربي والاسلامي بخاصة صراعات وتوترات وحروباً، يتخذ معظمها طابع حروب دينية ومذهبية، والطابع العام لهذه الصراعات والتوترات والحروب هي الصراع الطائفي والمذهبي ضمن الدين الواحد وبخاصة الدين الاسلامي، حتى ولو كان الاصل فيها ذا طابع سياسي صرف، ولأن العنف الذي يضرب مناطق متعددة في العالم، بات مغلفا بطابع ديني الى حد بعيد، يصبح السؤال مشروعا عما اذا كان العالم قد عاد يدخل في قرن الحروب الدينية على غرار القرون السابقة في اوروبا وأجزاء أخرى من العالم.

    يتناول مؤلف كتاب «من الدين الى الطائفة.. في ضرورة الدولة المدنية» الاستاذ خالد غزال، تحول الاديان الى مذاهب وطوائف وما ترتب على ذلك من صراعات دموية لا تزال ترخي بظلالها على شعوب العالم.

    يبحث المؤلف في الأسس اللاهوتية للانقسام في المسيحية والإسلام فيرى انه في سياق تكونها وتطورها تتأثر الاديان في معتقداتها وممارساتها بالثقافة السائدة في المجتمع وبالنظريات الفلسفية التي تعتمل في قلب المجتمع، خصوصا أن العلاقة وثيقة جدا بين الفلسفة واللاهوت، ولم ينج دين من اديان العالم، سواء اتخذ طابعا توحيديا ام غير توحيدي، من التلاقح المتبادل بين الفلسفة واللاهوت، مما جعل الاجتهادات متعددة انطلاقا من التراث الفلسفي والعقيدي الذي تحمله النخب السائدة، وينطبق هذا الأمر على الديانتين المسيحية والاسلامية على امتداد تاريخهما منذ النشأة وحتى العصر الراهن، فقد دخلت الاجتهادات اللاهوتية المطعمة بالفلسفة على خط الانقسامات بين الاديان وتحولها الى فرق وطوائف، بل كانت هذه الاجتهادات حاجة ماسة لهذه الفرق لتكوين منظومة ايديولوجية تعزز موروثها الديني وتميزها عن سائر الفرق، ولم يكن لهذه الاجتهادات أن تكون مصدر عنف وحروب لولا أنها انجدلت بعوامل الصراع على السلطة واستخدام النص الديني في هذه الصراعات.

    وحول الانقسامات في المسيحية يشير المؤلف إلى أنه تسود في الغالب نظرة إلى الانقسامات في المسيحية تعيدها الى مرحلتين اساسيتين: مرحلة الانشقاق الاول في الكنيسة في القرن العاشر الميلادي حيث انقسمت الى كنيسة شرقية (الارثوذكسية) وكنيسة غربية (الكاثوليكية)، وبعدها الانشقاق الذي نجم عنه قيام البروتستانتية في القرن الخامس عشر، لكن الوقائع التاريخية تشير إلى مظاهر الانقسامات والصراع حولها، داخل الكنيسة وخارجها، من قبل السلطات السياسية، كان قد بدأ مبكرا ومنذ القرون الأولى لنشأة المسيحية، وان بقي محصورا داخل جدران الكنيسة قبل حصول الانفجار الكبير.

    تشكل العودة الى قرارات المجامع الكنسية، التي كانت تعقد كل فترة، مرجعا أساسيا لمعرفة المسار والأسباب التي اوصلت الكنيسة الى الانشقاقات، اتسم تاريخ المسيحية بتدخل الملوك المسيحيين في الخلافات العقائدية، فكثيرا ما ضغطوا على الأساقفة وعرقلوا سير النقاش وأثاروا المنافسات الشخصية والعصبيات الاقليمية، لهذه الاسباب كلها وغيرها طالت الجدالات وانقسمت الجماعة المسيحية الواحدة الى فئات متعددة لا يزال بعضها باقيا حتى اليوم، وقد ملأت هذه المناقشات اللاهوتية قسما كبيرا من حياة الكنيسة خلال قرون متوالية.

    وبشأن الانقسامات في الاسلام يرى المؤلف أنها ظلت مستمرة إلى يومنا الراهن، فقد انطلقت الدعوة الاسلامية على يد النبي من الجزيرة العربية، التي ينتظم اجتماعها البنى القبلية والعشائرية والطائفية من خلال وجود المسيحية واليهودية فيها، وكان على الرسول نشر دعوته في واقع متناقض في صراعاته الاقتصادية والسياسية حول السلطة والهيمنة، فانجدلت الدعوة الدينية الاسلامية بالسعي الى تجاوز الصراعات القبلية وتطويعها من قبل الرسول تحت جناح الدين الاسلامي، ولم ينج نشر الدعوة في داخل موطنها من الحروب المحلية التي اضطر النبي الى خوضها ضد ما يسمى بالكفار أو المناهضين للدعوة.

    وبحسب المؤلف هناك عدة مظاهر للصراعات والتوترات في الاسلام منذ نشأته وبخاصة بعد وفاة النبي: الصراع على الخلافة وتطور مفاهيم هذا الصراع في الزمن اللاحق، ثم الصراع على جمع المصاحف وتكريس مصحف واحد، والصراع على الحديث النبوي بين الطوائف التي تكونت لاحقا، ورفض كل طائفة أحاديث الأخرى، والصراع على الموقف من الصحابة وكيفية النظر اليهم على يد الطوائف المتكونة، وكذلك الصراع الأبرز هو الخلاف السني الشيعي الذي كان منشأه مقتل الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان ومن ثم الصراع الذي دار بين معاوية بن ابي سفيان وعلي بن ابي طالب بعد استلام علي الخلافة على اثر مقتل عثمان بن عفان، ومن ثم مقتل علي وفيما بعد الحسين بن علي، وكل هذه العناصر الخلافية تتسم بكونها عناصر قديمة - راهنة - مستقبلية - تمسك بتلابيب مجتمعاتنا العربية وتتحكم بتطورها عبر شدها الى الماضي، والاصرار على الاقامة فيه، ومنع هذه المجتمعات من التقدم نحو الحداثة، والأخطر ان هذه العناصر لا تزال يوميا تحقن الطوائف والمذاهب الاسلامية بشحنات هائلة من الحقد والكراهية ورمي بعضها بعضاً بالتخوين والكفر والهرطقة، مما يجعل قانون التناحر هو القانون الذي يحكم هذه المجتمعات، وهو تناحر لا يكتفي بسلمية الصراع بل ينفجر بين حين وآخر حروبا أهلية تنتقل بين بلد وبلد، من دون أن يردعها رادع.

    مما تقدم كان عرضا للقسم الأول من الكتاب الذي بين يدينا، أما القسم الثاني فقد خصصه المؤلف للحديث عن ضرورة الدولة المدنية، يشير المؤلف إلى أنه عندما يجري التطرق اليوم إلى مفهوم الدولة المدنية فأول ما يتبادر إلى الذهن وضعها في مواجهة الدولة الدينية، قد يكون هذا التناقض هو الشكل الغالب، لكن مفهوم الدولة المدنية تطور واتخذ أشكاله الحديثة عبر الصراع البشري مع الأشكال التي كان المجتمع ينتجها في كل مرحلة من مراحل تطوره، في مواجهة استخدام الدين في السياسة ونظرية الحق الإلهي في السلطة، وفي مواجهة الاستبداد واحتكار السلطة من الأباطرة والملوك، وفي مواجهة التجمعات القبلية والعشائرية والفئوية المهيمنة، ونشأت كل مفاهيم الدولة المدنية الحديثة والقوانين والتشريعات التي تحكم مؤسساتها، وهو مسار تاريخي امتد قرونا واصطبغ بصراعات مريرة وحروب أهلية دائمة.

    ويستند المؤلف إلى رأي علماء السياسة والاجتماع في تحديد مكونات اساسية ترتكز عليها الدولة المدنية، وأهم هذه المكونات: المواطنة، الفصل بين الدين والدولة أو تحقق العلمانية، الديموقراطية بمفاهيمها ومؤسساتها، المصدر الاساسي للسلطة، الفصل بين السلطات، حقوق المرأة، الحقوق الانسانية للمواطن.

    ويتناول المؤلف أخيرا معوقات الدولة المدنية في العالم العربي ويجملها بما يلي:

    أولاً: طبيعة البنى المجتمعية العربية

    ثانياً: انفجار بنى الدولة الدينية

    ثالثاً: الثقافة الديموقراطية المنقوصة

    رابعاً: ضعف المجتمع المدني ومؤسساته

    خامساً: طغيان التخلف

    سادساً: معضلة تقلص قوى التغيير

    الكتاب محاولة فهم طبيعة الصراعات الدينية والطائفية والمذهبية وشرح لمفهوم الدولة المدنية، باعتبارها الدولة المنشودة للتخلص من بذور وجذور الصراعات الدينية، التي لا زلت المجتمعات تعاني اثارها، دون قدرتها على تجاوز تلك الخلافات ذات الاساس الديني المنطلق من الماضي والمستقر في الحاضر والمستمر في المستقبل.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X