إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مفاتيح الكيالي لقراءة مآلات الحركة الوطنية الفلسطينية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مفاتيح الكيالي لقراءة مآلات الحركة الوطنية الفلسطينية

    مراجعة: جهادالرنتيسي - المستقبل اللبنانية



    [ الكتاب: فتح 50 عاماً (قراءة نقدية في مآلات حركة وطنية)

    [ الكاتب: ماجد كيالي

    [ الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت/المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية مسارات 2016

    يحرص الكاتب الفلسطيني ماجد كيالي على وضع العوامل الذاتية والموضوعية في سياقها التاريخي، ودقة الربط بين الاسباب والنتائج، لتحقيق حالة من التوازن في ما يعتبره محاولة اولية لقراءة تجربة الحركة الاكثر تأثيرا في الحياة السياسية الفلسطينية على مدى النصف الثاني من قرن منصرم وقرابة العقدين من القرن الحالي .

    لكن جوانب الغموض التي تكتنف الهوية التنظيمية والسياسية وغياب مراجعة الحركة المستهدفة بالبحث لتجربتها وعدم اشتغالها على هضم المتغيرات السياسية والاجتماعية وانتقالها من المبادرة الى الارتهان للخيارات الاحادية وعجزها عن تجديد شبابها كما جاء في مقدمة كتاب « فتح 50 عاما : قراءة نقدية في مآلات حركة وطنية « حولت قراءة الكيالي الى مهمة شاقة.

    للتغلب على هذه الصعوبة لجأ الكاتب في كتابه الذي يأتي بعد كتاب «الثورة المجهضة» الصادر قبل ثلاثة اعوام الى منهجية تعتمد على ظروف نشأة الحركة وتفكيرها السياسي والتحولات النوعية التي طرأت على ادائها ليصل الى ما آلت اليه ويضع رؤيته لكيفية خروجها من مأزقها المركب.

    يحدد الكتاب عددا من العناصر التي ادت لصعود فتح وتحولها الى انقلاب في الحياة السياسية العربية من بينها ان الحركة ذات جوهر وطني غير ايديولوجي مما مكنها من تمثل حالة تنوع وتعددية اهلتها لكي تكون الاكثر شبها بشعبها واتاحت لها ان تطرح نفسها باعتبارها ثورة في الوعي العربي كما اهلها ذلك لان تكون حالة جبهوية وليست حزبا، الا ان اهم عوامل الصعود الفتحاوي في المجتمع الفلسطيني تمثلت في طرح الحركة وتنفيذها لفكرة الكفاح المسلح واعلائها شأن الهوية الفلسطينية وتعويمها للمضمون الاجتماعي الذي يدخلها في جدل الفرز الطبقي .

    لدى تطرقه للافكار المؤسسة يشرح الكتاب اسباب التحولات التي دفعت فتح الى الخروج عن ادبياتها الاولى وفي مقدمها اقامة «الدولة الواحدة الديمقراطية» على كامل التراب الفلسطيني ورفض اقامة كيان فلسطيني مسخ ومرتبط بالصهيونية كما جاء في مقررات المؤتمر العام الرابع للحركة، ويعتبر الكاتب المؤتمر السادس الذي عقد في بيت لحم عام 2009 ـ بعد رحيل ياسر عرفات واخفاق الانتفاضة الثانية ـ المحطة الاساسية في النكوص عن تلك المبادئ .

    وبما ان محطة النكوص جاءت بعد عدة محطات حافظت فيها الحركة على معظم طروحاتها رغم هبوب رياح السياسة الفلسطينية في اتجاهات اخرى يصل الكاتب الى ان قيادة فتح ظلت عمليا تفضل انتهاج التورية والازداوجية حتى ذلك التاريخ.

    يتعامل الكتاب مع المؤتمر العام السادس للحركة باعتباره منعطفا حادا ترك بصماته على التفكير والاداء الفتحاويين حيث جاء في زمن تماهي الطبقة السياسية السائدة في فتح مع السلطة مما اضعف اهليتها في البحث عن خيارات بديلة وبمعنى اخر اتاح المنعطف شرعنة التغيير الجاري في حركة فتح منذ خروجها من لبنان عام 1982 واحدث نوعا من التطابق بين بنيتها وتفكيرها السياسي، ففي عهد قائدها محمود عباس لم تعد بحاجة الى الازدواجية التي وسمت تاريخها في عهد ياسر عرفات، وفي هذا السياق يمسك الكاتب عصبا عاريا باشارته الى الخطأ الذي يرتكبه البعض عند تحميل عباس مسؤولية اتفاق اوسلو، ويستند في تخطئة الخاطئين الى ان تمرير الاتفاق في فتح والمنظمة واوساط الفلسطينيين لم يكن ممكنا لولا مكانة عرفات التاريخية والوطنية والرمزية لدى شعبه، وهناك دلالات اخرى تمخضت عن المرور بذلك المنعطف من بينها ان الحركة لم تكن تولي اهتماما لفكرها السياسي وان الطبقة القيادية هي التي تتحكم بخياراتها الكبرى.

    عوامل انحسار الحركة يحددها الكتاب باخفاقها في تأطير حالة الالتفاف الشعبي الفلسطيني والعربي التي اعقبت هزيمة حزيران 1967 وعدم القدرة على تحويل هذه الحالة من حالة كمية الى نوعية، الاعتماد المفرط على التمويل المالي العربي مما ادى الى ظهور طبقة سياسية تحصل على مواردها من خارج علاقات الانتاج الطبيعية واعتماد قسم من الشعب على حركته الوطنية بدلا من اعتمادها عليه، استخدام النظام الرسمي العربي للحركة الوطنية الفلسطينية، الانخراط في التسوية السياسية لتتحول حركة التحرير الى سلطة، واستبدال خيار المقاومة المسلحة بالمفاوضات، ليخلص الى ان التغيرات التي حصلت في فتح لم تكن كلها استجابة لسياقات التطور الطبيعي ولم تأت في سياق التكيف الاضطراري مع التحولات المتولدة فيها او المحيطة بها وانما تغيرات ذات طبيعة نكوصية او تراجعية.

    لكن المقترحات والحلول التي يقدمها الكتاب في اخر فصوله ـ يتمثل ابرزها في طرح البرنامج السياسي الذي سيقدم الى المؤتمر العام المقبل للنقاش العام، انهاء النظام الذي تأسس على التماهي بين منظمة التحرير والسلطة، انتخاب اللجنة المركزية من قبل المجلس الثوري، انهاء السيطرة على مؤسسات السلطة والمنظمة، اعادة بناء منظمة التحرير، وقف التنسيق الأمني، صياغة استراتيجية للمقاومة الشعبية ـ لا تمتلك الروافع اللازمة للأخذ بها في ظل المتغيرات التي مرت بها الحركة على مدى العقدين الماضيين، كما تبقي تناقضات الحالة الفلسطينية وخضوعها للاحتلال ووضعية الانكفاء العربي واللاتوازن الدولي المجال مفتوحا امام المزيد من الانهيارات.

    وفرت معادلة النهوض والانحسار التي صاغها الكيالي بدقة في كتابيه الاخيرين المفاتيح اللازمة لفهم معضلات الحركة الوطنية الفلسطينية التي تمثل فتح عمودها الفقري والبحث عن مخارج قد تبلور اشكال عمل مختلفة تتناسب مع التعقيدات المتجددة ولا يخلو الامر من تأطير نظري يسد فراغا في تجارب وشهادات تناولت التجربة ومن بينها ما جاء في كتب د. شفيق الغبرا «حياة غير آمنة» ونزيه ابو نضال «الثورة المغدورة» وتأملات معين الطاهر حول تجربة الكتيبة الطلابية ، التي لم تخل من التقاطات نقدية في حياة سياسية تفتقر للمراجعة.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X