إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

أصل الدولة العربية المرتبكة وفصلها

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أصل الدولة العربية المرتبكة وفصلها

    مراجعة: د. عفيفعثمان - المستقبل اللبنانية


    [ الكتاب: الدولة وخفايا إخفاق مأسستها في المنطقة العربية

    [ الكاتب: الدكتور هيثم غالب الناهي

    [ الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2016

    مثّل قيام «الدولة« منعطفاً في التاريخ الكوني، أسست له النظريات والمفاهيم الفلسفية والسياسية الساعية لربط وجود هذا البناء السلطوي بالأفراد والمجتمع، وقد نهضت الدولة الحديثة في صيغ عدة مستلهمة أفكار الفلاسفة الكبار، وأبرزهم هيغل (1770 1831) الذي عدّها «الفكرة الأخلاقية الموضوعية الواجب تحقيقها، وهي الروح الأخلاقية بصفتها إرادة جوهرية تتجلى ذاتها بوضوح، وتعرف ذاتها وتفكر بذاتها وتنجز ما لا تعرفه لأنها لا تعرفه«. وبحسب الناهي، تمكن الفيلسوف الألماني من تجسيد الحق والعدالة في هيكل الدولة، ناهيك عن اعتبارها أعلى مراتب التطور التاريخي، ويتجلى فيها سمو العقل وإحقاق الحق بين الأفراد، في حين ربط كارل ماركس (1818 - 1883) شكل الدولة بصراع الطبقات وتحديداً بالطبقة المهيمنة ومصالحها، ولكنها وفي كل الأحوال، ليست إلا مرحلة من مراحل التطور، حيث ستنتهي حتماً في مرحلة الشيوعية. وثمة من رفض وجودها محبذاً اللادولة، ونجد نيتشه (1884-1900) في أصل هذه الدعوة، اذ رأى الدولة وحشاً أو «غولاً« يلتهم المجتمع ويفتته. وأخيراً، تظهر الدولة الليبرالية الحديثة نسقاً مقبولاً ومرغوباً، كونها «تتأسس على ضرورة الحفاظ على حقوق وحريات الأفراد«.

    والحال، تركن نظرية الباحث والأكاديمي العراقي الى مسلمة فشل نقل «نموذج« الدولة الغربية الى ديارنا، حيث نجحت في بلدان المنشأ في إقامة كيان مؤسساتي. ففي الشرق، وبشكل مواز، برز ما يسميه أولاً، «السلطة المرتبكة«، وهذه تبدأ مع نشوء السلطة العثمانية، أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، وبالضبط في العام 1073 حين انتصر سلاجقة الروم على البيزنطيين، وأقاموا سلطتهم على مبدأ القوة، وفي عهد أورهان الأول وارثها في العام 1330 أقيمت مملكة لها عاصمة وعملة وجيش حديثون. ومع خلفائه السلطان مراد (1362 1389) وبايزيد الأول (1389 1402)، لم تتجاوز السلطة المرتبكة «مفهوم المعسكر والجيش، خارج أسوار المدن التي تم استلابها«، واستمر مفهوم الدولة قائماً على القوة والسيطرة.

    ويستغرق الناهي في البحث التاريخي القريب ليثبت أثر تلك السلطة الموصوفة (واحداً من عوامل عدة) في عدم مأسسة الدولة في بلادنا، لأنها أثرت في بُنيّة المجتمع الذي انقسم على نفسه في صراعات قبلية وقومية وطائفية لم تسع الدولة المرتبكة لتسويتها الى حين سقوطها المدوي في 11/11/ 1918. وهذه ولدت أزمة تبدت عناصرها في سيادة: الإلغائية (من ثمار التسلط)، والولائية والإزدواجية، والإستعلائية والتهكمية، وإهمال الثقافة والتعليم، وما إن انتهت الحرب الكونية الأولى بنتائجها الكارثية علينا، حتى كان المجتمع العربي منقسماً ومنفصماً في ولاءاته وخياراته، وتحول الصراع الى صراع «على وسائل الولاء والإحتماء«.

    وبدورهم فشل الغربيون، الذين دخلوا المنطقة وارثيّن للرجل العثماني المريض، في إقامة «الدولة«، ودليله في الأمر بلده العراق، اذ نجحت بريطانيا العظمى، في زعمه، بهيكلة سلطة دولة، ولكنها أخفقت في إنجاز «دولة، كونها لم تفقه الظواهر المجتمعية«. فالناهي يعوّل كثيراً على الفعل الإجتماعي لقبول الدولة، كما أن الخطة الغربية لم تفعل إلا احتواء المنطقة العربية من خلال التفتيت ومساندة الأنظمة التسلطية حفاظاً على مصالحها، ما أدى الى قهر المجتمع وتصفية الخصوم ونماء العقل التلفيقي وازدهاره، وتعميق الخلافات المذهبية والطائفية، وصولاً الى الإيحاء بشن حروب اقليمية ودعمها (مثل الحرب العراقية الإيرانية، وغزو الكويت)، وهذه أنهت أي أمل بـ «مأسسة الدولة في المنطقة العربية«، الى العمل الدؤوب من طرف الغرب الأوروبي والأميركي للإختراق الثقافي والإعلامي والتكنولوجي، وتغذية النزاعات المذهبية في المنطقة. وآية ذلك في ما أطلق عليه الأميركيون مصطلح «الفوضى الخلاّقة« التي عصفت بمنطقة الشرق الأوسط منذ الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، وتدمير دولته، الى تأسيس تنظيم «الدولة الإسلامية« (داعش) وريث «قاعدة بلاد الرافدين«، وقد ساهم كل ذلك في إذكاء التعصب والإقتتال والتدمير وتقطيع أوصال المدن، والفصل بين أبناء البلد والمجتمع الواحد، ما جعل بناء الدولة ومأسستها «وفق المبادئ التحررية والمساواة والكفاءة« أمراً مستحيلاً. والحصيلة كانت ان المجتمع العربي لم يتقدم في عملية البناء المدني، بل ازداد فقراً وتخلفاً، وهُدِرت موارده وثرواته، في الحروب والتسلح، وبقيت «الدولة« المؤسسة والحاضنة والراعيّة حلماً يراود الإنسان العربي في ليلة صيف.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X