إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الديموقراطية سيرورة متحوّلة لا يحكمها قانون تاريخي واحد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الديموقراطية سيرورة متحوّلة لا يحكمها قانون تاريخي واحد

    مراجعة: د. عفيف عثمان - المستقبل اللبنانية



    [ الكتاب: الديموقراطية والتحوّل الديموقراطي: السيرورات والمأمول في عالم متغير

    [ الكاتب: غيورغ سورنسون، ترجمة عفاف البطاينه

    [ الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت الدوحة 2015

    رغم الإجماع على تعريف الديمقراطية بأنها «حكم الشعب»، إلا أن تطور المجتمعات وتغيّرها جعل التحديد موضع نقاش وجدل وحوار على الدوام. وقد توقّف الباحث سورنسون، أستاذ السياسات الدولية وعلم الاقتصاد في جامعة آرهوس (الدانمارك)، في كتابه المنشور باللغة الإنجليزية في العام 2008، عند أبعاد ثلاثة تشكل جوهرها: المنافسة والمشاركة والحريات المدنية والسياسية. بيد أن عملية إجراء تقويم لبلد ما، أي فحص ديمقراطيته، يجب أن تأخذ في الحسبان، في زعمه، وضع البلد بمفرده ومن ثم الوضع الدولي المحيط به.

    توصلت الدراسات الى جملة من الشروط التي تمهد أو لنقل أنها تعد مؤاتية للديمقراطية، منها: التحديث والثروة والثقافة السياسية أي منظومة القيّم والمعتقدات التي تحدد سيّاق الفعل السياسي ومعناه، ومن ثم البنية الاجتماعية، أي الطبقات والجماعات المحددة التي يتكون منها المجتمع، بمعنى أي طبقة تجد لها مصلحة أكثر في الديمقراطية. غير أن الباحث ينبهنا الى عدم وجود «قانون ثابت» ولا صيغة تتحقق ما أن تتوافر هذه الشروط، فهي نتيجة سعي الأطراف السياسية الفاعلة لتحقيقها. وحدثت بالفعل اندفاعة قوية باتجاه الديمقراطية ضمن سيرورات متحركة قد لا تسير بسلاسة، ولا في شكل خطي وتستغرق وقتاً طويلاً.

    وعلى العموم وضع الأكاديمي الدانماركي نموذجاً يمكنه وصف «سيرورة الانتقال الى الديمقراطية» تقع في خلفيته «الوحدة الوطنية»، والمراحل المتراكبة للانتقال هي: المرحلة التحضيرية التي تتسم بنضال سياسي يقود الى انهيار النظام اللاديمقراطي، ومرحلة اتخاذ القرار التي تتأسس فيها عناصر واضحة المعالم من النظام الديمقراطي، ومرحلة التحول التي تشهد مزيداً من التطوير للديمقراطية الجديدة. وهذا لا يعني وجود قانون تاريخي يحتم عملية الانتقال واتباع السيرورة هذه بالذات، فثمة بلدان كثيرة بقيت تشغل المنطقة الرمادية بين الديمقراطية الكاملة والتسلطية الصرفة، ووجود أزمات اقتصادية واجتماعية جعل مسألة الانتقال الديمقراطي أكثر صعوبة.

    يرى الباحث الى التناقض الواضح بين فكرة «ترويج الديمقراطية من الخارج» ومفهومها نفسه كـ»حكم الشعب»، حتى وإن أيّد هذا الخارج سيرورة التحول، فإن المهام الرئيسة تقع على كاهل المجتمعات المحلية: قادة ونخباً ومجتمعاً مدنياً. ويتساءل سورنسون:»هل تستحق الديمقراطية كل هذا العناء؟»، أي قدرتهاعلى تحقيق وعودها في النمو/ والرفاه، وهل ثمة تلازم بين الاثنين (النمو والديمقراطية)، في حين تشير الوقائع الى الانفصال بينهما (الصين نموذجاً)، ونشوء ما يُطلق عليه «أنظمة النمو التسلطية». هذا، ولا تتيح الديمقراطية ولوجاً مباشراً ويسيراً الى التنمية وحقوق الإنسان، لكنها تمنح من يُناضل في سبيلهما إطاراً سياسياً وفرصاً أفضل للمطالبة والتعبير: «إن الديمقراطية قادرة على منح الفرص، لكنها لا تضمن النجاح».

    لكن الرهان استمر كبيراً على انتشار الديمقراطية، وعقدت عليها الآمال الكبار في نشر السلام في العالم. وقدم الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط (1734 - 1804) المثل الساطع على ذلك في كتابه «السلام الدائم» (1895) حيث اعتبر وجود الأنظمة الديمقراطية ضامناً لانتهاء الحرب ولإقامة السلم، اذ تقوم على أركان ثلاثة: وجود ثقافة في الديمقراطيات تدعوها الى حل النزاع سلمياً، والأواصر الأخلاقية التي تنشأ عن القواعد الأخلاقية المشتركة، والتعاون الإقتصادي بين الديمقراطيات الهادف الى المنفعة المتبادلة. وقد تابع كانط في تصوره عدد من المفكرين السياسيين وعارضه أيضاً كثيرون، رافضين فكرة «إن الديمقراطيات أكثر سلميّة من الأنظمة الأخرى»، وينقل الباحث عن الدراسات التجريبية وصولها الى نتيجة مفادها أن «الديمقراطيات ميالة الى الحرب مثل غيرها من الأنظمة، إلا أنها لا تحارب بعضها بعضاً».

    والحال، كيف يبدو مستقبل الديمقراطية، بعد أن باتت مطلباً ملحاً لكثير من الشعوب، ويقرأ سورنسون حراك المجتمعات الإسلامية من ضمن هذا المنظار. وتفرض عمليات التحول الديمقراطي تحديات جمة على المجتمعات، كونها تفرض تغيرات مؤسسية واقتصادية واجتماعية، وثمة تحدي جعل الديمقراطية جزءاً من الثقافة السياسية، وتحدي ترسيخ قيمها. وتبدو العولمة وكأنها أبرز التحديات المفروضة عليها، ففي حين تفرض على البلدان إنهاء عزلتها والتعاون، نجد أن كثيراً من القرارات تصدر عن أناس غير منتخبين (مثل الاتحاد الأوروبي)، ومن الصعب بناء «ديمقراطية كوزموبوليتانية ذات امتداد عالمي»، ومن ثم هناك فكرة «تعدد المواطنة»، حيث الناس مواطنين في مجتمعات محلية ووطنية وإقليمية وفوق إقليمية، وعليه فالديمقراطية ليست تحصيل حاصل، والرهان هو على الأفراد والجماعات على كل المستويات.

    ولا تبدو الديمقراطية في الواقع، وبحسب ملاحظة الكاتب الأميركي روبرت بوتنام (مواليد العام 1941) صاحب «كيف تنجح الديمقراطية؟« (1993)، وكأنها أمر مفروغ منه، اذ هي «سيرورة تتطلب مشاركة متواصلة كي تبقى حيوية وقوية».
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X