إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

تستطيع تجنيد خائن لكنك لن تثق به أبدا

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تستطيع تجنيد خائن لكنك لن تثق به أبدا

    تستطيع تجنيد خائن لكنك لن تثق به أبدا

    سايمون كوبر من باريس

    انتهيت لتوي من تأليف كتاب أخذني إلى عالم العملاء المزدوجين الروس والبريطانيين خلال الحرب الباردة. شاهدتُ هؤلاء الأشخاص وهم يتنقلون بين البلدان، وأخبارهم تقض مضاجع رؤساء الوزارات البريطانيين، ويتعرضون للقتل (إذا كانوا من الروس). (الخونة البريطانيون، خصوصا الطبقة الراقية منهم، يذهبون دون أن يصيبهم أذى).
    لم يتغير شيء يذكر في الوقت الحاضر. العميل المزدوج الروسي سيرجي سكريبال وابنته، يوليا، يرقدان الآن وهما في حالة حرجة في سالزبيري، بعد مرور أسابيع على الهجوم عليهما بغاز أعصاب يعود إلى العهد السوفياتي. فلاديمير بوتين، عميل المخابرات السري السابق في العهد السوفياتي، يعيد تشكيل العالم الذي عمل على تشكيله هو: التجسس على طريقة الحرب الباردة. يستطيع بوتين أن يتلاعب بنا لأنه تعلَّم في عالم الجاسوسية أن الأسرار في العادة ليست هي المهمة. المهم هو رد فعل الجمهور ووسائل الإعلام والسياسيين في كل مرة يتم فيها تسليط الضوء على الجواسيس.

    بالنسبة لبلدين لم تكن بينهما تعاملات تذكر إلى أن أتى الروس الأغنياء واستعمروا وسط لندن خلال القرن الحالي، كانت روسيا وبريطانيا منخرطتين منذ فترة طويلة في أعمال تجسس متبادل ضخمة. لكن معظمها كانت بلا جدوى. العملاء البريطانيون المزدوجون، مثل كيم فيلبي وجاي بيرجس، كانوا يشتكون من أن السوفيات كانوا يتجاهلون المعلومات التي يقدمونها إليهم. حتى إن كثيرا من الوثائق البريطانية التي أعطاها بيرجس إلى المخابرات السوفياتية KGB لم تترجَم إلى الروسية.
    إحدى المشكلات في ذلك كانت الخوف المَرَضي. تستطيع أن توظف خائنا، لكنك لا يمكنك أن تثق به أبدا. كان يغلب على ظن المخابرات السوفياتية أن عميلا مزدوجا ذا قيمة هائلة مثل فيلبي هو جاسوس زرعه البريطانيون.

    حتى حين كان السوفيات يصدقون بعض المعلومات الاستخباراية، كان يغلب عليها أن تضيع. أحيانا كانت الحقائب المليئة بالأسرار البريطانية تشتمل على مواد كثيرة للغاية تفوق طاقة المحللين. وأحيانا كانت المعلومات تتفكك، أو تتعرض للتشويه حين تمر في طبقات التسلسل الوظيفي في أروقة المخابرات السوفياتية. وإذا لم تكن المعلومات على مزاج الرئيس، كانت تُهمَل في العادة.

    أكثر القرارات المصيرية الخطيرة كانت في عام 1941 حين كان ريتشارد سورج، وهو جاسوس سوفياتي في طوكيو، يحذر الكرملين مرارا وتكرارا من أن ألمانيا ستغزو الاتحاد السوفياتي خلال فترة قريبة. وفي 15 أيار (مايو) تنبأ بأن الغزو سيأتي خلال الفترة 20 إلى 22 حزيران (يونيو). لكن معلومات سورج أثارت استياء الرئيس: كان ستالين في ذلك الحين في تحالف مع ألمانيا. (من المعروف أن ستالين كان يقول إن هتلر هو الشخص الوحيد الذي يثق به). استهان ستالين بسورج وقال عنه إنه "إنسان تافه صغير أنشأ لنفسه عددا من المصانع الصغيرة وبيوت الدعارة في اليابان". وحين غزت ألمانيا روسيا في 22 حزيران (يونيو)، صُعِق الاتحاد السوفياتي.

    بالمثل لم يكن خروتشوف وبريجنيف يسترشدان دائما بالمعلومات الاستخبارية. لكن مارجريت تاتشر كانت متشككة بالقدر نفسه، رغم أنها كانت أحيانا تحب كثيرا بعض المعلومات الاستخبارية، كما يقول رودريك بريثويت، السفير البريطاني السابق لدى موسكو، في كتاب له بعنوان "المعركة الفاصلة الكبرى والخوف المَرَضي". يقول بريثويت إن أعمال التجسس مفيدة في العثور على أسرار معينة، مثل التركيب الكيماوي للقنبلة الذرية. لكنه يقول إنها نادرا ما تفيد في الكشف عن الموضوع الأهم، وهو نوايا الخصم. مثلا، في الثمانينيات لم يتوقع الجواسيس السوفيات ولا الغربيون أن القوة المنافسة سوف تقرر التعاون في إنهاء الحرب الباردة. على العموم، معظم الأسرار معروفة الآن في مكان ما، فإما أن تكون موجودة على مواقع فنية مغمورة على الإنترنت، أو في الصفحة 437 من كتاب جامعي لا يقرأه أحد. باختصار، اكتشافات الجواسيس لا تعمل أبدا على تشكيل السياسة الحكومية. عالم الجاسوسية ليس كنزا من المعلومات بقدر ما هو متجر للبضاعة الرخيصة لم يعد مالكه يتابع ما فيه من محتويات. كما يقول مؤلف روايات الجاسوسية، جون لو كاريه، الجواسيس "يقدمون معلومات استخبارية من الدرجة الثانية يكمن إغراؤها في السرية الغريبة والمخيفة التي تحيط بطرق الحصول عليها، وليس بسبب قيمتها الذاتية".
    السرية الغريبة والمخيفة هي بالتأكيد المفتاح لذلك. أي نشاط يحوطه الغموض سوف يسحر الجمهور. لذلك أكبر أثر للجواسيس هو حين يخرجون من عالمهم السري. في كل مرة يُكشَف فيها مسؤول بريطاني على أنه جاسوس سوفياتي – وهو حدث منتظم كاد يكتسب طابع الشعائر في الفترة من 1946 إلى 1963 – كانت ثقة البريطانيين في مجتمعهم تتهاوى أكثر من قبل. بدأ عملاء الاستخبارات البريطانيين ينظرون إلى بعضهم بعضا ويتساءلون "هل أنت عميل لدى الاستخبارات السوفياتية؟".
    اشتعل القلق في أوساط المخابرات البريطانية وتحول إلى هوس مَرَضي بسبب بيتر رايت، المعروف بـ "صائد الجواسيس"، الذي كان همه اكتشاف العملاء الخونة داخل المخابرات في الستينيات والسبعينيات. أصبح رايت مهووسا بالكشف عن "حقيقة" كبار السياسيين البريطانيين وما إذا كانوا عملاء للسوفيات. وبالتالي فإن الخونة من أمثال فيلبي خلقوا جوا من الاختلال الوظيفي والهوس المَرَضي داخل الدولة البريطانية – ليس من خلال الساعات الطويلة التي قضوها وهم يسربون الأسرار إلى الوسطاء داخل الحافلات، وإنما من خلال الفعل غير المقصود وهو انكشاف أمرهم.

    بالمثل، اختراق الروس للبريد الإلكتروني في حواسيب اللجنة القومية للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة عام 2016 لم يضِفْ على الأرجح شيئا لفهم الكرملين للولايات المتحدة. أهمية الاختراق كانت فقط في أن الروس (من خلال موقع ويكيليكس) أشاعوا محتويات الرسائل. وتولت وسائل الإعلام الأمريكية الباقي. طورت روسيا نفسها من جمع الأسرار إلى حرب المعلومات. يمكن القول إن التسريب التدريجي للمواضيع عمل على تأرجح الانتخابات الرئاسية. ثم عمل كشْف الدور الروسي (على عكس رغبة روسيا) على استقطاب الأمريكيين أكثر من قبل.

    الآن مرة أخرى، الهجوم على سكريبال، العميل المزدوج المتقدم في السن الذي لم يعد يصلح لهذا النوع من العمل، هو إعلان للجمهور. تقول روسيا للبريطانيين: نستطيع أن نقتل في بلدكم وأن ننجو بفعلتنا، وتقول للروس المتنفذين في بريطانيا، نستطيع أن نقتلكم. ولأن الجمهور يشعر بالافتتان من أخبار الجواسيس، أصبحت الرسالة مسموعة بوضوح. (الحالات السابقة من الوفيات الغامضة للروس الذين لم يكونوا من الجواسيس في بريطانيا مرت دون أن ينتبه لها أحد تقريبا). أسلوب إحداث الهوس المَرَضي من قبل الروس أصبح متعمدا. الجاسوسية الروسية – مثل كل شيء آخر في السلوك الروسي في الخارج – تتحول الآن إلى فرع من العلاقات العامة. هذه الأيام المقصود من الجواسيس الروس أن يراهم الناس.

    http://www.aleqt.com/2018/04/01/arti...QTydHU.twitter

    وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

يعمل...
X