إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

إيرانية تفتح الصندوق الأسود لجمهورية الملالي

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • إيرانية تفتح الصندوق الأسود لجمهورية الملالي

    اعداد: محمد هاني عطوي - الخليج الاماراتية

    تثبت إيران يوماً بعد يوم أنها ليست مسلمة بالاسم فقط؛ لكنها في الحقيقة أيضاً يهودية الأسس، وماسونية النوايا؛ لأن إيران كما نعرفها اليوم صنعتها الماسونية من الألف إلى الياء؛ بل وتملك كل مفاتيحها، وينبغي ألا ننسى أن الخميني وآيات الله والملالي وصانعو الثورة الإيرانية ضد الشاه كانوا رعايا للمخابرات البريطانية والفرنسية في المنفى لأكثر من خمس وعشرين سنة قبل عودتهم إلى إيران في بداية ثمانينات القرن الماضي، وتحديداً في عام 1979.

    الكشف الجديد عن علاقة الثورة الإيرانية باليهودية؛ يأتي اليوم من عقر دار إيران ذاتها، وبالتحديد من المؤرخة الإيرانية حوما ناطق، التي طردت من الجامعة في طهران في بداية ما سُمي ب«الثورة الإسلامية» والإطاحة بحكم الشاه محمد رضا بهلوي؛ لتنفى إلى باريس؛ حيث عاشت والتحقت بجامعة السوربون كمحاضرة عن تاريخ إيران الحديث.
    وترى ناطق أنه بالنسبة للشعب الإيراني، فإن سلطة الملالي تصب في اتجاه المصالح البريطانية، التي أنشأت لها شبكات مهمة دائماً في إيران. وقد أثبتت دراسات الباحثين في تاريخ إيران مؤخراً الأصل البريطاني لأفكار الثورة الإسلامية في إيران. ووفقاً لوثيقة تمتلكها حوما ناطق منشورة على هذا الموقع: «http:/‏‏‏‏‏‏/‏‏‏‏‏‏www.fravahr.org/‏‏‏‏‏‏spip.php?article313»
    فقد شملت هذه الأفكار؛ إنشاء تنظيم يُسمى ب«حزب الله»، وإنشاء «دولة إسلامية مطلقة تلبي طموحات إيران». وتعتقد المؤرخة ناطق، أن معظم الإيرانيين يجهلون تفاصيل العلاقات، التي تربط بين الملالي والبريطانيين إلا أنهم يعلمون جيداً التواطؤ الكبير بين ال(بي بي سي) الفارسية ونظام الملالي. ويقال بشكل عام، إنه تحت لحاهم يحمل الملالي تعبيراً هو «صنع في إنجلترا».


    وتعود ناطق بنا إلى القرن ال19، وتقول : تحت وطأة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، تشكلت في إيران ثلاثة تيارات متباينة ذات فكر طوبوي إصلاحي؛ لكنها ذات صلة ببعضها.



    تيار البابية

    في البداية ظهر تيار البابية (1843-1850) على يد علي محمد بن محمد رضا الشيرازي الملقب ب«الباب»؛ حيث إن لقب «الباب» يعني في المعتقدات الشيعية الوسيط بين الله، أو الوليّ المقدس من نبي أو إمام وبين العبد. ويعود هذا التيار بجذوره إلى الطوائف الصوفية، وخصوصاً الشيخية (طائفة شيعية أسسها الشيخ أحمد أحسائي (1752-1826)، وخلفه السيد قاسم راشتي (1798-1843)، ثم محمد كريم خان كرماني (1846-1906) وينحدر من نسله القادة الروحيون للطائفة) وبالتحديد إلى الفترة، التي نتجت عن هزيمة فارس في حروبها ضد روسيا (1804-1812 و1826-1828). وترجع هذه الحركة السبب في تدهور حالة إيران إلى العلماء الشيعة؛ باعتبارهم المسؤولين عن «معاداة الأفكار الحديثة». وقد قام الباب وأتباعه بثورة ضد بعض الأفكار؛ كإلغاء تعدد الزوجات، والحج إلى مكة المكرمة، والزكاة وحتى المطالبة بتحرير المرأة من ارتداء «الحجاب». اجتماعياً، طالب ( البابيون) بتوزيع عادل للثروة مع خفض الضرائب على الطبقات الفقيرة. وأخيراً، المطالبة بمزيد من الاتصالات المباشرة مع الدول الأوروبية، التي يمكن تعلم الكثير من «الأشياء الجيدة» منها حسب قولهم.
    ولكن تم تنفيذ حكم الإعدام بالباب في عام 1850، وتعرض أتباعه للاضطهاد في عام 1851 بعد عصيان مسلح من الطائفة، ومحاولة اغتيال ناصر الدين شاه في عام 1852. وهكذا تعززت في بلاد فارس فكرة «الشهيد»، أو «عودة المهدي»، والأمل في إطاحة النظام الملكي.

    إصلاح الإسلام ونصيب الإمام

    التيار الثاني، كان من مؤسسيه السيد جمال الدين أسد آبادي الأفغاني (1838-1897)، الذي اقترح إصلاح الإسلام؛ ليتوافق مع الحضارة والتقدم والعلم، ويلاحظ تأثير الشيخية والبابية في كتاباته وخطبه، كلما تناول موضوع «العالم المبعوث» أي المهدي أو الإمام الغائب وضرورة ظهوره.
    هذان التياران كانا في اتصال مع تيار ثالث مهم حاول التوفيق بين فكرة النظام الدستوري وتلبية متطلبات الشيعة؛ من خلال سلطة العلماء. تم تطويره من قبل ميرزا مالكام خان، في عام 1890 ويهدف إلى تكوين مشروع حقيقي لحكومة إسلامية.
    تأثر الاتجاه الجديد بعاملين مهمين: الأول الصعود التدريجي لسلطة علماء الشيعة بدءاً من عام 1852، وهو تاريخ الاضطهاد الكبير لأنصار البابية وغيرهم من الخصوم.
    وقد كافأهم ناصر الدين شاه؛ بمنحهم امتيازات اقتصادية وسياسية كبيرة، لا سيما إنشاء «الشرطة الدينية»؛ لضمان حسن السيرة والسلوك والأخلاق الحميدة للشعب، واكتساب الألقاب والرواتب الرسمية، ومنح الحق ل 200-300 مسلح بالبقاء في المساجد؛ للتدخل في البازار وفي أحياء المدينة، وحتى في القرى.

    وعلى الصعيد الاقتصادي والمالي، أعطي هؤلاء الحق وخصوصاً في بعض المدن الكبرى (تبريز، وهمدان وأصفهان ومشهد)، في احتكار زراعة الحبوب. وبالتالي، فإن العلماء أصبحوا من الملاك الكبار للأراضي وباتوا يحددون سعر بيع القمح، ما اضطر التجار وأصحاب المحال في البازار وكذلك الحكومة أن يأخذوا بعين الاعتبار وجود هؤلاء المنافسين الجدد على الساحة الاقتصادية والسياسية.
    وفي معاملاتهم، اضطر التجار إلى تقديم امتيازات اقتصادية وسياسية كبرى للعلماء؛ من أجل ألا تعد السلع المتداولة مع الخارج بمثابة «النجسة». فعلى سبيل المثال، وتحت عنوان «نصيب الإمام»؛ فرضت ضريبة دينية جديدة على سبيل الرشوة، تدفع للسلطات الدينية لحرية حركة البضائع.

    ظهور مالكام خان

    تكمن أهمية التيار الثاني في المسار الشخصي لرجل أرمني اسمه ميرزا مالكام خان ولد في عام 1831 في جولفا، وعاش في حي الأرمن في أصفهان.
    وفي عام 1845، وتحت تأثير والده، ميرزا يعقوب خان، عضو مجلس الدولة والمترجم في السفارة الروسية، تم ابتعاث مالكام إلى باريس في منحة دراسية من الحكومة؛ للحصول على شهادة في الهندسة. وبعد عودته في عام 1850، تم تعيينه مترجماً للمعلمين الفرنسيين في مدرسة الفنون التطبيقية (دار الفنون) ثم عيّن في عام 1856 مسؤولاً في السفارة الفارسية في إسطنبول، وكان الشاهد المباشر على الفترة الثانية من الإصلاحات العثمانية «التنظيمات» أو «الإصلاحات الفرمانية» التي حصل عليها رشيد باشا.

    أول محفل ماسوني

    وفي عام 1858، كان مالكام يمتلك بعض الخبرة السياسية مستعيراً من الماسونية نظامها وطقوسها؛ حيث سعى لفعل الشيء نفسه في بلاد فارس، وأسس مع والده في طهران (1858) المحفل الماسوني (Farâmouchkhâné أي «بيت النسيان»)، مقلداً المحافل الأولى للقوميين الإسلاميين العثمانيين. وقد استند محفل مالكام على أساس النزعة الإنسانية والتقدم مطالباً في نفس الوقت «بوحدة المسلمين»!

    ويقول السفير الفرنسي في طهران آنذاك، إن مالكام خان «أدخل» إلى بلاد فارس «طقوس الماسونية، التي جندته في صفوفها هو ومن هم أكثر صدقاً وورعاً في بلاد فارس، بدءاً من إمام الجمعة. وفي مقال مثير للجدل حول طبيعة محفله كتب مالكام: «كل ما قلناه وفعلناه كان يهدف فقط إلى تعزيز وإفادة الإسلام، ويشهد على ذلك «الخمسمئة» من المسلمين الأتقياء، الذين هم أعضاء في المحفل الآن».

    والواقع أن حياة هذا المحفل الماسوني الأول كانت قصيرة. فالشاه أمر بإقفاله، وغضب على مالكام ووالده وطردهما ليعودا مرة أخرى إلى إسطنبول في بداية 1859. وبعد بضع سنوات، ذكر السفير الفرنسي في روما، في سيرة ذاتية لمالكام:
    «رغم كل شيء استمرت حظوته عند الشاه؛ ولذا ومن خلال اعتقاده أنه بلغ مرتبة إيمانية عالية، غير مالكام خان دينه، وغدا مسلماً ورعاً، ونال بين الجماهير شعبية كبيرة جداً وأصبح في مرتبة نبي بينهم. في هذه اللحظة، سار وراءه في شوارع طهران الآلاف من الأتباع حتى إن هذه الشعبية، كادت أن توصله إلى حتفه؛ لكن يبدو أن «النبي الجديد» علم في الوقت المناسب كيف ينقذ نفسه ! ومن المحتمل جداً أن تكون هذه البيانات في هذه السيرة الذاتية قد رواها مالكام نفسه مغيراً في المحتوى وفقاً للظروف. ففي إسطنبول مثلاً، قدم مالكام نفسه إلى الصحفيين الفرنسيين كمسيحي كاثوليكي و«سليل لجان جاك روسو»!.
    وفي عام 1870 عُين مالكام مستشاراً في السفارة الفارسية في تركيا، وعمل على إيجاد ظروف من المساعي الحميدة، التي استخدمها للتفاوض على امتياز خط سكك الحديد (25 يوليو/‏‏‏‏‏‏تموز 1871) بين الحكومتين الإنجليزية والفارسية، نيابة عن البارون يوليوس دو رويتر، وهو رأسمالي ماسوني.

    وبعد إبرام العقد، تم تعيين مالكام في منصب وزير مفوض في لندن عام 1872؛ للتحضير للرحلة الأولى للشاه إلى أوروبا. وكانت الحكومة قد منحته بالفعل، لقب حارس الدولة، «ناظم الدولة». ومنح مالكام أيضاً نفسه لقب أمير. وبالمثل، كلفه الشاه «شراء 50000 بندقية من بروسيا» حتى تعد بلاد فارس نفسها «لاحتمالية نشوب حرب مع تركيا». وبما أن مالكام كان لا يزال في لندن، فقد انضم إلى المحفل الماسوني «Proodos» أي ( محفل الشرق الأكبر اليوناني) الذي كان فيه أيضاً أسماء كبيرة؛ مثل: البارون دو رويتر ودروموند وولف، السفير البريطاني الجديد في بلاد فارس.
    ويبدو أن هذا السلوك المثير للجدل والأفكار المتناقضة، كانت موضع اهتمام كبير من جانب الدبلوماسيين الفرنسيين خلال إقامته في لندن؛ حيث وصفه هؤلاء: بأنه رجل زائف ومندس. ويمكن أن يستغل بسهولة؛ لتلبية متطلبات أي حالة. كيف لا وقاده اهتمامه بمستقبله واعتبارات أخرى مماثلة إلى تغيير دينه. اعترف مالكام أنه ارتد ؛ وكان يقدم نفسه أرثوذكسياً في روسيا، وكاثوليكياً في فرنسا، وربما بروتستانتياً في إنجلترا..
    احتفظ مالكام بمنصبه حتى عام 1889 وجنى كل الامتيازات المالية والسياسية الممكنة. وشجع الحكومة الفارسية في مراسلاته السياسية على منح امتيازات للإنجليز. وفي هذا الصدد، كتب مالكام: «يجب أن تظهر الحكومة أنها راضية وممتنة؛ لأن المجتمعات الغربية... مستعدة لاستثمار أموالها وعلومها في تنمية بلاد فارس». وفي 30 يناير/‏‏‏‏‏‏كانون الثاني 1889 ساعد صديقه البارون دو رويتر، بالحصول على امتياز البنك الإمبراطوري الفارسي لمدة 60 عاماً، مقابل رشوة قدرها 30000 جنيه استرليني. ووفقاً لروايته الخاصة، فقد وعد أيضاً بالحصول على امتياز التبغ الشهير الذي حصل عليه اللواء الإنجليزي تالبوت في 21 مارس/‏‏‏‏‏‏آذار 1890؛ لكن نيله لامتياز التبغ ولد ردود أفعال كبيرة ضده من قبل منافسيه، لا سيما من رئيس الوزراء (أمين السلطاني)، ما حدا بالشاه إلى عزله وأزال عنه ألقابه، كما ألغيت الامتيازات الأخرى. إزاء هذه النكبة، استخدم مالكام التهديد متوجهاً إلى رئيس الوزراء؛ ليكتب له: «يجب أن تعوضني عن كل الآلام، التي سببتها لي، وأقسم أنني لن أدعك تفلت مني أبداً فحتى الآن لم تعرف مالكام المجنون».

    مالكام والصحافة الفارسية

    وفي 20 مارس 1890، نشر مالكام في لندن الطبعة الأولى من صحيفته الشهيرة (القانون) تحت شعار: «اتحاد، إنسانية عدالة وتقدم» المستوحاة من الماسونية. وقد نشرت الصحيفة 42 إصداراً بانتظام حتى عام 1903.
    لاقت الصحيفة نجاحاً كبيراً في بلاد فارس وفي القوقاز وتركيا، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى نبرتها المثيرة للجدل، التي كانت صيغها وشعاراتها متاحة لجميع فئات القرّاء، خاصة أن لغتها بسيطة وسلسة، وقد كسر مالكام بذلك المعايير الصارمة مدخلاً أسلوباً جديداً في الصحافة الفارسية.

    وفي الواقع تابعت «القانون» وفق هدفين متميزين: إدخال إصلاحات إدارية وقضائية وسياسية، مستوحاة من التنظيمات العثمانية والأفكار الماسونية الأوروبية. والاستفادة من نفوذ العلماء؛ بسبب احتجاجهم ضد الامتيازات، فسعى لتعبئتهم ضد الحكومة. هذا الموقف المناهض للحكومة، الذي وفر الشاه فقط جذب إليه معارضي النظام، خصوصاً ميرزا آغا خان كرماني الكاتب البابي المنفي إلى إسطنبول، الذي كان مسؤولاً عن توزيع الصحيفة في تركيا وبلاد فارس. وحصلت الصحيفة على الدعم والتعاون من قبل السيد الجمل الدين، الذي أشاد به في مقابلة مع صحفي إنجليزي؛ لأنه أدخل مفهوم القانون إلى بلاد فارس.

    فكرة الدولة الدينية المطلقة

    على الصفحة الأولى من العدد الأول لصحيفته ظهر عنوان عريض «بسم الله، الرحمن الرحيم» وأعلن مالكام في فقرة باللغة العربية أن الصحيفة تهدف إلى توجيه المؤمنين إلى «الطريق المستقيم» الذي وضعه الله. ولا يمكن إقامة هذا الأمر إلا بموجب القانون الذي ليس بحاجة كي يخترع أو يستعار؛ لأنه موجود منذ آلاف السنين «في وصايا الأنبياء والكتب المقدسة» ويتجسد في دين الإسلام»؛ لذلك لا صعوبة في الاختيار. وفي رسالة مفتوحة موجهة إلى الشاه (1859)، حدد مالكام طريقة الحكم التي تناسب بلاده. فالحكومات المعتدلة كالموجودة في أوروبا لا تتناسب مع بلاد فارس؛ لذا يجب أن نختار الدولة المطلقة، القائمة على الإسلام، مثل الإمبراطورية العثمانية؛ ولذلك «يكفي» فقط جمع ما لا يقل عن «مئة من العلماء والحكماء» «ليكتبوا نصاً تشريعيا للجميع».
    هذه اللهجة الغوغائية ذهبت إلى أبعد من ذلك في الأعداد التالية التي تزامنت في عام 1891 مع الثورة ضد امتياز التبغ وحظره الذي أطلقه حجي محمد حسن شيرازي «مجتهد كربلاء الكبير». استفاد مالكام من هذا الوضع؛ لجذب الانتباه والحصول على ثقة العلماء.

    وعلى الرغم من ذلك، كان مالكام يدعي أنه تلميذ آدم سميث، وأنه مفتون بروسو، ويتفاخر مراراً وتكراراً في مراسلاته الدبلوماسية، بأنه يمتلك في مجالات العلوم الاقتصادية والقانونية «المعرفة التي يجهلها الآخرون». وفي صحيفته كان يثير من حماسة علماء الدين عندما يقول إن أصل وأسباب الثورة الصناعية الكبرى التي حدثت في أوروبا وكل علوم وحكمة هذا العالم يعود فضلها فقط إلى «نور الإسلام». بدءاً من بناء السفن البخارية، وأسلاك التلجراف، حتى التقدم السلس نحو الإصلاحات في الغرب.
    وهنا لا بد من القول إن الأسلوب الغامض للصحيفة كان مزعجاً ومالكام كان يدرك ذلك ويدافع عنه: «لا تتفاجأوا إذا أصرينا كثيراً على الإسلام. فحقيقة هذا الدين لا علاقة لها بالآراء الخاطئة... المنتشرة في الخارج فنحن هنا في بلاد فارس ولسنا في أوروبا... هنا لا يمكننا التصرف وفقاً لرغباتنا... لأن العلماء سيجردوننا من جلدنا ولا توجد طريقة أخرى دون الأخذ بعين الاعتبار قوة العلماء». وبعبارة أخرى يستند مالكام على الإسلام الشيعي، المبني على تفسير السلطات الدينية للدين.
    يؤكد مالكام في صحيفته كما في أطروحاته السياسية، أن هناك نوعين من الحكومات. الأول الشرعي القائم على قوة العلماء، والثاني غير الشرعي. وذهب مالكام إلى التنبؤ «بالظهور القادم لهذه الحكومة الشرعية» معلناً: قريباً، سيصعد علماؤنا على الكرسي... وسوف نثبت أن قادة الإنسانية، وأبطال التقدم الكوني، يوجدون فقط هنا في فارس.
    هذا الأمر لم يعجب الكثيرين وعابوا عليه ترك الأمور لعلماء الدين لأخذ زمام المبادرة للإصلاحات في هذا البلد. فالعلماء ليس لديهم أي فكرة عن الوضع الحالي في العالم. وهنا اضطر مالكام إلى أن يعترف بأن البعض منهم بالفعل هم «طائفيون ومنغلقون» ولكن الغالبية العظمى من المرجعيات الدينية هم «متنورون وسياسيون كبار وحاملو أفكار عظيمة».

    فكرة المرشد الأعلى و«حزب الله»

    ولتحقيق مشروع النظام الدستوري القائم على سلطة علماء الدين، اقترح مالكام اختيار «مرشد أعلى» كما اختار تنظيماً يُسمى «حزب الله» هنا ينبغي تأكيد أنها المرة الأولى في تاريخ الأدب السياسي والديني الفارسي التي تحمل فيها كلمة «حزب الله» أهمية إيديولوجية وتعبوية حتى إن المتدينين أنفسهم لم يفكروا بهذا الأمر.
    توجهت الصحيفة بشكل مباشر إلى العلماء بالقول إنه يجب الانتماء إلى تنظيم معسكر الوحدة وهو معسكر «حزب الله» الذي يشكلون هم بحق جنوده. ونتيجة لذلك لا بد من طاعة زعيم ديني منتخب يسترشد بقوة إيمانه وينطلق من تلقاء نفسه. وهكذا فإن فكرة وتطوير فكرة «حزب الله» ستؤخذ وتطور مع بداية العدد 21 من العام 1891.
    تحدث مالكام في الأعداد اللاحقة عن «الرجال العظماء في الحزب» وعن «المقاتلين المجاهدين في حزب الله» وعن «ضرورة الموافقة على إنشاء هذا الحزب وخدمته».
    ويبدو أن اقتراحات الصحيفة باختيار المرشد الأعلى لم تلق أي صدى؛ لكنه التزم بشيء من الحذر في تسمية وتقديم مرشد من اختياره وهو حجي محمد حسن شيرازي، رئيس العلماء الشيعة المقيم في كربلاء. وفي العدد 20، كانت هناك إشارة إلى هذا المرشد كما وصفه مالكام بالكائن الأسمى و«النجم الدليل» وأنه لجميع المؤمنين؛ لأنه عالم العلماء وعادل العدلاء ويقول مالكام: «وفقاً للمذهب الشيعي، فإن نظام الملك في بلاد فارس يتعارض مع الإسلام... واليوم، توجد حكومتان في بلاد فارس، الأولى شرعية وهي تنتمي إلى العلماء والثانية هي حكومة الطغاة ( الظلمة )».

    النهاية

    وفي عام 1896، اغتيل الشاه (ناصر الدين) من قبل تلميذ لجمال الدين الأفغاني وبعد بضعة أيام، وبناء على طلب من الحكومة الفارسية، تم تسليم ميرزا آغا خان كرماني موزع «القانون» في إسطنبول مع اثنين من المنفيين الآخرين؛ لأنهم تعاونوا مع مالكام كشركاء في جريمة قتل الشاه؛ ليتم إعدامهم بعد توجيههم إلى طرابزون ثم إلى تبريز. ولكي لا يدافع مالكام عنهم ضد الشاه، تخلى لبعض الوقت (من العدد 29) عن إدارة صحيفته وصدر العدد 34، بعد تناسي الذين دعموه لفترة طويلة، مع توجيهه تحية إلى «الملك الشهيد» ومدحاً لخلفه، مظفر الدين شاه؛ ولذا فإن الملك الجديد، المؤمن المتعصب المحاط بالعلماء الذي كان يقدر الخط الديني الذي يتبعه مالكام
    توفي مالكام في عام 1908 في روما، وبقي في تاريخ فارس كمجدد عظيم. وبصرف النظر عن صحيفة القانون، كان مؤلفاً لعدة رسائل سياسية، وبعض المسرحيات، وخلف وراءه عدة مجلدات من المراسلات الدبلوماسية وأبجدية جديدة.

    التقية ودمج الأقليات

    كان مالكام يأمل من خلال «جنته الإسلامية»، دمج الأقليات الدينية الأخرى آخذاً بالاعتبار تعصب المذهب الشيعي نحو المجتمعات الأخرى، وكان يسعى إلى حمايتها؛ ولذلك اقترح عليها مبدأ «التقية» (الكتمان) الذي جاء به من التشيع. ولهذه الغاية كان يريد أن يوصل فكرة أن «البشر هم أعضاء في نفس المجتمع ونفس الأسرة الكونية وهذا مبدأ ماسوني إلا أن هذه الأسرة يجب أن تعيش تحت رعاية الإسلام الشيعي وعلمائه؛ ولذا وباسم «النزعة الإنسانية في الإسلام»، كتب مالكام: «نعم، الإنسانية هي جزء لا يتجزأ من الإسلام، ونحن قلنا مراراً وتكراراً أن الإسلام يشمل جميع مبادئ التقدم والإنسانية تعني تطبيق هذه المبادئ... وعلى هذا النحو، وبأخذ الزرادشتيين (أتباع زرادشت) كمثال من بلاده كتب مالكام: الفرس هم الأبناء الحقيقون لفارس. إنهم الذكريات العزيزة للعظمة السابقة لهذا البلد... ويجب العمل على إيقاظ مشاعر الوطنية الفارسية لدى هذا الشعب، وأن نجذب هذا المجتمع النبيل إلى معسكر السلام ألا وهو معسكر«حزب الله»، ومن الضروري ألا يكف الفرس عن الاعتراف بكونهم من بلاد فارس العظيمة.

    القانون الدستوري والجمعية الوطنية

    وفي 9 أغسطس 1906، وبناء على فرمان ملكي، سمح للفرس بتشكيل «جمعية وطنية إسلامية» لإنشاء قانون دستوري. وقد تم افتتاح أول برلمان باسم ميرزا مالكام خان، «أب القانون الأساسي». وطالب هذا القانون حسب (المادة 2) من بين أمور أخرى، الدفاع عن فكرة المرشد الأعلى و«مجلس العلماء»، وكذلك عن فكرة المراقبة العالية للسلطات الدينية على القوانين.» ويحظر هذا القانون «أي رأي أو اجتماع» يمكن اعتباره «مؤامرة ضد سلطة المرشد».
    كانت تلك هي المرة الأولى (قبل ثورة 1979) التي يدعم فيها الفرس بالفعل بشكل جمعي ومن خلال التظاهرات والثورات (والتي قارنوها حينها بأنها شبيهة للثورة الفرنسية العظيمة) قيام دولة إسلامية، معتقدين أنهم أقاموا نظاماً علمانياً. وليس من المستغرب أن يلقب المتحدثون المعممون باسم «ميربو الفرس» مقارنة مع ميربو الفرنسيين إبان عهد لثورة الفرنسية.


يعمل...
X