د. علي محمد فخرو - الخليج الاماراتية

في كتاب «أرض المال»، للكاتب الصحفي أولفر بولوخ، يسرد المؤلف تفاصيل المئات من القصص والأحداث التي تجري في عالم الثراء والأثرياء، خصوصاً في الغرب. الجانب الذي يهمنا هو ما يذكره عن الطرق والأساليب والحيل التي يستعملها أصحاب الثروات الطائلة لإخفاء ثرواتهم في بلدان آمنة، حيث لا يطرح أحد أي سؤال عن مصدر المال ولا مالكه الحقيقي ولا أي تفاصيل عن مآله المستقبلي. في هذه البدان، المسماة بجنات المال الآمنة، تسود السرية التامة بشأن الأموال التي تحول إليها، والبنوك التي ستوضع فيها، والشركات الوهمية التي سترعى امتلاكها، والفوائد التي ستربحها، والعقارات والأسهم والصفقات التي ستكون تلك الأموال أداة من أدوات شرائها أو تنفيذها.

يتحدث الكتاب عن ثروة قدرت في سنة 2010 بأنها تراوحت ما بين عشرين وثلاثين تريليون من الدولارات. الأمر الصادم المرعب هو أن الكاتب يقدر النسبة المئوية من ثروات الأغنياء الأمريكيين التي تخرج إلى خارج أمريكا بما فيها تلك الأماكن السرية الآمنة بأربعة في المئة من الثروة الأمريكية الهائلة، لترتفع النسبة إلى عشرة في المئة من ثروة الأوروبيين، ثم لتصعد النسبة إلى ثلاثين في المئة من ثروة الإفريقيين.

لا يذكر المؤلف نسب ثروات أغنياء في بعض المناطق العربية، لكن الإنسان يستطيع أن يخمن بأنها ستكون هي الأخرى من أعلى النسب، خصوصاً أن أغلبها تتحكم في أنظمتها السياسية الحاكمة أقليات باسم الحزب القائد الطليعي، أو الجيش الوطني المنقذ، أو الجماعة المذهبية الطائفية التي تدعي تعرضها لمظالم تاريخية.

تحت أنظمة حكم كهذه لا تملك الشرعية الديمقراطية، تغيب مؤسسات الرقابة والمحاسبة السياسية والقانونية، وتترسخ الذمم المالية الفاسدة، التي تسهل نهب الثروات العامة ونقل جزء منها بشتى الصور إلى الخارج، لتصل إلى المرافئ المالية الآمنة الشهيرة، حيث تتركز صناعة استلام تلك الثروة بسرية تامة، ثم تقديم الاقتراحات بشأن طرق استثمارها، بعيداً عن أعين المتطفلين من المراقبين الرسميين أو جهات جمع الضرائب.

المهزلة تتمثل في أن بلدان العالم التي تسمح أوضاعها السياسية والإدارية بنهب الأموال أو التهرب من دفع الضرائب، ومن ثم تهريب تلك الثروة الوطنية إلى تلك المرافئ لاستثمارها أو صرفها في الخارج، لا تخجل سلطاتها من الشكوى المضللة بشأن قلة الاستثمارات التي تأتي إليها من الخارج، ومن ثم محدودية نموها الاقتصادي، وهو الأمر الذي يقود إلى ادعاء آخر من أن ليس لديها المداخيل الكافية لصرفها على الخدمات العامة الأساسية الضرورية من مثل التعليم والصحة والإسكان والمعونات الاجتماعية والبطالة والتقاعد.

ويتكفل الإعلام الحكومي أو الإعلام الخاص الزبوني أو أصحاب الأقلام المدفوعة الثمن بإقناع المواطنين بصدق تلك الادعاءات، وتبرير تخلي الحكومات عن مسؤولياتها الخدمية العامة.

إنها المأساة الكوميدية نفسها التي كان يمثلها في الماضي ملاك العبيد الذين كانوا يطالبونهم بقبول مبدأ وعار عبوديتهم في سبيل حصولهم مجاناً على الطعام والمسكن والأمان والرفق وعدم القسوة في التعامل معهم من قبل مالكهم وسيدهم.

أما الحديث عن تبديل أو إصلاح النظام السياسي والنظام الاقتصادي ونظام العلاقات الاجتماعية الخالية من العدالة والمساواة في المواطنة، فإنه يوصف بأنه حديث لا يجلب إلا الخلافات والصراعات والإرهاب وعدم الاستقرار. العبيد يجب ألا يثوروا على مبدأ وعار عبوديتهم، وإنما يجب أن يكتفوا بالمطالبة بتحسين أوضاعهم والحصول على أكبر قدر من الصدقات وفتات الأعمال الخيرية التي يوزعها الأقوياء والأغنياء، شرط ألا تمس الأسس التي قام عليها النظام الذي سمح لهم بتكديس الثروات.

هناك من يقول إن النظام العولمي المالي الحالي سمح باتساع وانتشار تلك الظاهرة، التي في محصلتها تخدم البلدان الرأسمالية الغنية ومدن مرافئ الأمان من مثل جرسي في أوروبا، ونفيس في البهاماز. لكن اللوم الأكبر يقع على الفساد المالي والقانوني والسياسي الذي أصبح وباء العصر الذي نعيش. فالمشكلة ليست فقط في وجود دول فقيرة تسمح أنظمتها بنهب الثروات وإخراجها، وإنما هي أيضاً في وجود دول غنية تسمح بانتقال تلك الثروات إليها، حتى لو كانت عبر وسائل غامضة مليئة بالأسرار والتعقيدات. إنه طمع السوق الرأسمالي الذي لا يشبع.

فالدول الرأسمالية الكبرى التي وضعت في مدينة بريتون وودز، عام 1944، قواعد تضبط انتقال رأس المال بين دول العالم من أجل الاستقرار المالي العالمي، هي نفسها التي تتخلى عن تلك الضوابط، تماماً كما تفعل أمريكا الآن بالنظام النيوليبرالي الرأسمالي الذي وضعته منذ أربعة عقود، إذ تدوس عليه من أجل مصالحها الوطنية الضيقة.