إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

دروس سياسية من مأساة هيروشيما!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • دروس سياسية من مأساة هيروشيما!

    دروس سياسية من مأساة هيروشيما!

    المستقبل -

    محمد السمَّاك


    عندما قال وزير الدفاع الياباني السابق فوميوكيوما ان قصف الولايات المتحدة لمدينتي هيروشيما وناكازاكي في الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية "كان أمراً لا مفرّ منه"، أثارت تصريحاته ردّ فعل في اليابان حمله على الاستقالة واعتزال العمل السياسي.
    ولكن عندما تساءل وزير الدفاع الاميركي الأسبق روبرت مكنمارا "هل ان انتصار الولايات المتحدة في الحرب يبرّر القصف النووي للمدينتين اليابانيتين"؟ لم يثر تساؤله ردّ فعل سياسياً ضده. حتى ان مكنمارا ذهب الى أبعد من ذلك بكثير، فوصف مساهمته في المسؤولية العسكرية عن القصف النووي بأنه "جريمة حرب".

    في ذكرى اسقاط القنبلتين النوويتين في السادس والعاشر من شهر آب 1945، لا اليابان تجرّأت على توجيه أي لوم الى الولايات المتحدة، ولا الولايات المتحدة تجرّأت على الاعتذار.
    كانت اليابان تحت الاحتلال عندما صدر تصريح عن رئيس الحكومة في ذلك الوقت (عام 1945) ايشيروهانومايا وصف فيه القصف بأنه "جريمة حرب". فبادر الحاكم العسكري الاميركي لليابان الى اصدار امر بمنع الجريدة اليابانية التي نشرت تصريحه من الصدور.

    وبالتالي، لا اليابان طالبت بتعويضات لمئات الآلاف من الضحايا، سواء منهم الذين ماتوا على الفور، او الذين تشوّهوا ثم ماتوا تحت وطأة الأمراض الاشعاعية الشديدة الألم فيما بعد.. ولا الولايات المتحدة اتخذت اي مبادرة انسانية نحو هؤلاء، حتى ان مسؤولاً اميركياً واحداً لم يزر هيروشيما أو ناكازاكي منذ وقوع القصف في عام 1945 حتى اليوم!!

    بدأت القصة المأساة في السادس من آب من عام 1945. ومنذ ذلك الوقت وعلامة استفهام كبيرة لا تزال مرتفعة حول ما اذا كانت اليابان مستعدة للاستسلام قبل القاء القنبلة، أو ما اذا كانت هناك خيارات اخرى أمام الولايات المتحدة لحملها على الاستسلام من دون اللجوء الى السلاح النووي الجديد.

    كان لوزير الدفاع الياباني السابق اجتهاد كلفه ليس فقط منصبه الوزاري، انما حياته السياسية ايضاً. فقد رأى ان القنبلة النووية الأميركية حسمت الحرب ووفرت معارك وضحايا كثيرين. وانها أنقذت اليابان من غزو سوفياتي ربما كان تجاوز مجموعة الجزر الشمالية الى العمق الياباني، وربما بقي مستمراً حتى الآن. ولقد أدت الضجة التي أثارها هذا الاجتهاد السياسي الى اضطرار الوزير الى الاستقالة، وحلّت محله لأول مرة في تاريخ اليابان سيدة من الحزب الحاكم.

    والواقع انه في عام 1946 أعدت وزارة الدفاع الاميركية تقريراً سرياً بعنوان: "جهود اليابان لانهاء الحرب". يعترف التقرير الذي لم يذع الا في عام 1995 انه من المؤكد ان اليابان كانت على استعداد للاستسلام قبل كانون الأول 1945، وربما قبل الأول من تشرين الثاني 1945 حتى ولو لم تلقَ عليها القنبلتان النوويتان، وحتى لو لم تدخل روسيا الحرب، وحتى لو لم تهدد بالاجتياح العسكري".

    اذن لماذا أصرّ الرئيس الاميركي هاري ترومان على إلقاء القنبلتين على هيروشيما وناكازاكي؟
    كانت الولايات المتحدة قد تمكّنت من حلّ الرموز السرّية ـ الشيفرة ـ الخاصة باليابان، وفي 12 تموز 1945 كشفت واحدة من تلك الرسائل عن قرار الامبراطور نفسه بالتدخل لانهاء الحرب. وكانت اليابان تعرف ان الجنرال ستالين وعد بدخول الحرب ضدها بعد ثلاثة اشهر من استسلام المانيا في الثامن من أيار 1945. ولقد حصل ذلك بالفعل في الثامن من آب من ذلك العام. وكان وحده كافياً لانهاء الحرب ولفرض شروط الاستسلام على اليابان امام الدول الكبرى الثلاث بريطانيا والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة خاصة بعد استسلام المانيا. غير انه كانت للرئيس ترومان حسابات اخرى. لم يكن ترومان يحتاج الى القنبلة النووية لإخضاع اليابان بقدر حاجته اليها لتخويف الاتحاد السوفياتي. جرت اول تجربة ناجحة للقنبلة في 16 تموز 1945. وفي اليوم التالي كان ترومان مجتمعاً في بوتسدام مع ستالين وتشرشل. يروي اللورد ألن برووك رئيس اركان القوات البريطانية في مذكراته ان تشرشل فوجئ باللهجة الفوقية وبالتصرّف الاستعدائي للرئيس الاميركي. فقد استفز ترومان الرئيس ستالين وتوجه اليه بطلبات مستحيلة. ولم يفهم تشرشل هذا التحول في الاسلوب التفاوضي لترومان الا في اليوم التالي عندما عرف بنجاح التجربة النووية الأميركية.

    تكشف الوثائق الاميركية ان وزير الخارجية بيرنز ابلغ الرئيس ترومان "بأن القنبلة النووية ستضع الولايات المتحدة في موقف قوي يمكّنها من املاء شروطها لإنهاء الحرب". كذلك يروي العالم النووي الاميركي لي زيلارد في مذكراته التي نشرها بعنوان: "التاريخ الشخصي للقنبلة النووية"، ان الوزير بيرنز اجتمع به في البيت الأبيض، وانه اثناء الاجتماع لم يثر بيرنز ما اذا كان استخدام القنبلة ضد المدن اليابانية ضرورياً لكسب الحرب، ولكنه كان يؤكد على ان "امتلاكنا للقنبلة واظهار فعاليتها سوف يجعل الاتحاد السوفياتي اكثر طواعية في أوروبة".
    في ذلك الوقت لم تكن هناك محطة سي.أن.أن. مع ذلك استخدم الاعلام على اوسع نطاق لاقناع الرأي العام الاميركي بأن استخدام القنبلة كان ضرورياً لتسريع انهاء الحرب، وان ذلك يوفر على الولايات المتحدة اكثر من مليون قتيل!!

    أدّى إلقاء القنبلتين الأميركيتين على اليابان الى مقتل اكثر من مائة الف ياباني في هذين اليومين. وقتل التلوث النووي فيما بعد عدداً مماثلاً. اما الرجل الذي قاد عملية القاء القنبلة توماس ويلسون فيربي، فقد مات في فراشه الوثير في آذار 2000 (اي بعد 55 عاماً) عن عمر ناهز الواحد والثمانين وهو قرير العين مرتاح الضمير؟!..

    بالنسبة له، كان يؤدي مهمة عسكرية. وان نجاح المهمة وضع حداً للحرب العالمية الثانية. ولكن بالنسبة للمسؤولية الانسانية فان السؤال الذي لا يزال يطرح حتى اليوم هو: من المسؤول؟
    هل تقع المسؤولية على الرئيس فرانكلين روزفلت الذي اطلق مشروع مانهاتن لانتاج القنبلة النووية؟
    هل تقع المسؤولية على العالِم الفيزيائي اليهودي البرت اينشتاين الذي أقنع روزفلت بامكانية وبضرورة انتاج القنبلة؟
    هل تقع المسؤولية على العالِم النووي ـ الألماني الأصل ـ روبرت اوبنهيمر الذي كان قائد فريق العلماء الذي انتج القنبلة؟
    هل تقع المسؤولية على الرئيس الاميركي هاري ترومان الذي أعطى الأمر بإسقاط القنبلتين؟
    كان اينشتاين يهودياً المانياً، وكان يعرف ان العلماء الألمان قادرون على انتاج القنبلة، وانهم يعملون على صنعها. وبذلك اقنع الرئيس روزفلت باستعجال انتاجها واستخدامها لحسم الحرب لمصلحة الولايات المتحدة.

    وكان امل اينشتاين هو ان تلقى القنبلة الأولى على مدينة المانية وليس على مدينة يابانية. غير ان الخوف من ان يصيب الاشعاع النووي الشعوب الأوروبية المتاخمة لألمانيا أدى الى اختيار الهدف الياباني حيث تتوفر ضمانات كافية بأن كل الضحايا المباشرين وغير المباشرين سيكونون من اليابانيين وحدهم. واذا كان انفجار القنبلة التي اطلقها توماس فيربي من على طائرة اينولا غاي قد ادى الى مقتل 70 الف ياباني على الفور في مدينة هيروشيما وحدها، فان عدداً مماثلاً تقريباً قُتل في ناكازاكي، كما قُتل فيما بعد عشرات الآلاف نتيجة الاشعاعات النووية.

    في شهر آذار 1945 امطر الاميركيون العاصمة اليابانية طوكيو بالقنابل فقتل 85 الف ياباني، حمل هذا القصف حكومة الامبراطور هيروهيتو على قبول البحث في شروط الاستسلام. مع ذلك أُلقيت القنبلة الأولى، ثم أُتبعت بالثانية بعد ثلاثة ايام، وفي اليوم السادس اضطرت اليابان الى الاستسلام بلا قيد او شرط.

    لم يكن استخدام السلاح النووي ضرورياً لحمل اليابان على الاستسلام. ولكنه كان اداة لحملها على قبول استسلام مذل، يعزز الموقف الاميركي التفاوضي مع الاتحاد السوفياتي السابق على اقتسام تركة عالم ما بعد الحرب.

    ولم يكن استخدام السلاح النووي ضد اليابان هدف اينشتاين. كان هدفه الانتقام من الالمان. ولقد اعرب عن خيبة امله بعد ان اطلع على النتائج المروعة لقنبلة هيروشيما بقوله: لقد كان الافضل لي لو عملت في تصليح الساعات بدلاً من العمل في علوم الفيزياء.

    ولكن قبل ان يعهد الى توماس فيربي بالمهمة "رقم 13" بترؤس الفريق الذي اسقط القنبلة على هيروشيما، اشترك في الحرب على الجبهة الأوروبية وقام بثلاثة وستين عملية ضد مدن المانية ومنها بصورة خاصة مدينة درسدن التي تحوّلت مبانيها الى أنقاض. وقد ادى تفاهمه مع الطيار العسكري بول تيبتس ونجاحهما معاً في اصابة الأهداف الألمانية المقررة الى اختيارهما للمهمة على هيروشيما.

    اخضع الفريق الى تدريبات مكثفة في جزيرة تنيان في المحيط الهادئ، واجريت لعناصره (11 طياراً) فحوصات وتحليلات نفسية معمقة، قبل الانطلاق بطائرة اينولاغاي، التي يحتفظ بها سلاح الطيران الاميركي حتى اليوم، في رحلة استغرقت 13 ساعة دون توقف الى هدفها المنكود. ولذلك اطلق رقم 13 اسماً عل تلك المهمة التي وضعت العالم امام مرحلة جديدة من العلاقات اللاانسانية. وهي مرحلة لا تزال مستمرة حتى اليوم ولو بأشكال مختلفة. فلا يزال هناك المئات من الضحايا الأحياء يعالَجون من إصاباتهم بأمراض اشعاعية منذ كانوا أطفالاً في هيروشيما وناكازاكي.. ولعل حادثة استقالة وزير الدفاع الياباني هي آخر مظهر من مظاهرها السياسية!!
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X