إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

أين الخطأ في سياسة أميركا الخارجية؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أين الخطأ في سياسة أميركا الخارجية؟

    أين الخطأ في سياسة أميركا الخارجية؟

    محمد السمّاك

    المستقبل

    كثيرة هي الكتب السياسية التي تحاول دراسة التوجهات الخارجية للسياسة الأميركية بعد انتهاء الحرب الباردة. وقد ذهب بعض هذه الكتب الى وصف الولايات المتحدة بالامبراطورية الجديدة، بل الامبراطورية التي لم يسبق للعالم ان شهد مثيلاً لها في كل تاريخه القديم والحديث.
    وقد ترافقت ظاهرة تنامي القوة الأميركية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً مع ظاهرة تقلّص العالم. حتى انه ليس من السهل الجزم أيهما كان نتيجة للآخر أو سبب وجوده: تعاظم القوة الأميركية ام تقلّص العالم.

    على ان الأمر الملفت في ذلك هو ان الولايات المتحدة خسرت صورتها الجميلة التي تميزت بها حتى انتهاء الحرب الباردة، وأصبحت وفق استطلاعات الرأي تحتلّ المركز الأول على لائحة الدول التي تشكل خطراً على السلام العالمي، تليها إسرائيل مباشرة. ويعكس خلفيات هذه الصورة المؤرخ وعالِم الاجتماع الأميركي روبرت كاغان في كتابه المثير للاهتمام "الأمة الخطرة Dangerous Nation".

    ويحاول كاتب آخر هو الدبلوماسي السنغافوري كيشور محبوباني ان يلقي الضوء على النتائج المترتبة عن هذا التحوّل وأسبابه في كتابه "فيما يتعدى عصر البراءة: اعادة بناء الثقة بين أميركا والعالم Beyond the Age of Innocence:
    Rebuilding Trust Between America and The World

    فخلافاً للامبراطوريات السابقة لم يكن للاستعمار الأميركي المباشر دور أساسي في صناعة الصورة السيئة التي تبدو عليها الولايات المتحدة اليوم.
    ولعل العامل الأول والأهم في اسباب سوء هذه الصورة هو ممارسة واشنطن سياسة "الليمونة المعصورة" مع اصدقائها وحلفائها؛

    وهكذا سقط الشاه محمد رضا بهلوي في عام 1979 وقامت الثورة الإسلامية في إيران.
    وهكذا سقط الجنرال سوهارتو في أندونيسيا في عام 1998 بعد أن حصلت منه الولايات المتحدة على كل ما كان بإمكانه ان يقدمه لها من الخدمات الستراتيجية التي كانت في حاجة اليها.

    وهكذا سقطت افغانستان بين أيدي الطالبان بعد ان تخلّت عنها الولايات المتحدة عندما شعرت بأنها حققت أهدافها بإلحاق الهزيمة بالاتحاد السوفياتي السابق.

    وهكذا تداعت باكستان بعد ان لعبت على مدى عقود طويلة دور مستودع الأسلحة والجواسيس الأميركيين الذين كانوا يدعمون المجاهدين الأفغان في نضالهم ضد السوفيات. وهكذا تحول المجاهدون بعد انتصارهم الى "ارهابيين". وهكذا يخشى ان يكون مصير الرئيس الباكستاني الحالي برويز مشرف الذي تعصره القبضة الحديدية الأميركية حتى آخر قطرة.

    وفي العالم العربي كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين على علاقة وثيقة بالولايات المتحدة وخاصة خلال حربه مع إيران (1980 ـ 1988) حيث كانت الأسلحة الأميركية تتدفق عليه بغزارة، وحيث كانت المعلومات الاستخباراتية التي تجمعها الأقمار الاصطناعية الأميركية في خدمة مخططات قواته العسكرية. حتى اذا عصرته حتى آخر نقطة من خلال الحرب الاستنزافية على الجبهة الإيرانية، استدرجته الى فخ غزو الكويت لتبرر القائه في سلة مهملات التاريخ.

    لقد ذهب العراق ضحية هذه السياسة حيث سقط من أبنائه أكثر من ثلاثة ارباع المليون شخص وهجر الملايين منهم. ويوماً بعد يوم يكتشف الأميركيون أنفسهم * وليس العراقيون وحدهم ـ ان المأساة التي حلّت بالعراق لم يكن للولايات المتحدة بما تمثله من قيم وبما تتمسك به من مصالح، اي علاقة. وان الذين خططوا لغزو العراق، وان الذين جرّوا البيت الأبيض لاتخاذ القرار بالغزو كانوا مجموعة من المسؤولين الأميركيين المزدوجي الولاء: الولاء الظاهري للولايات المتحدة. والولاء العقائدي لإسرائيل.

    ومن أبرز هذه الشخصيات:

    ـ دوغلاس فيث، وكان المستشار السياسي لوزارة الدفاع ونائب الوزير (السابق) دونالد رامسفيلد، وهو عضو بارز في المنظمة الصهيونية الأميركية.
    ـ ريتشارد بيرل، وكان مستشار الرئيس جورج بوش لشؤون الشرق الاوسط ورئيس المجلس السياسي بوزارة الدفاع (البنتاغون) و ممثل شركة سولتام الإسرائيلية للأسلحة. وسبق ان اتُهم وأُدين بتسريب معلومات سرية أميركية الى إسرائيل.
    ـ كارل روف، وكان المستشار السياسي للرئيس بوش وأحد أقرب المقرّبين اليه.
    ـ بول وولفويتز، منظّر الحرب على العراق وأحد واضعي خطط هذه الحرب، وكان نائب وزير الدفاع.
    ـ إليون ابراهامز، وكان مستشار مجلس الامن القومي، الذي يعتبر مطبخ القرارات السياسية الأميركية. وسبق ان حُكم عليه بالسجن بسبب الإدلاء بشهادة كاذبة أمام الكونغرس في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان تتعلق بصفقات أسلحة لجماعة الكونترا في نيكاراغوا المؤيدة للولايات المتحدة، الا ان الرئيس بوش أصدر عفواً خاصاً عنه.
    ـ ريتشارد هاس، وكان عضواً في مجلس الامن القومي، ومستشاراً لنتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق، وهو من أكثر المتشددين في الدفاع عن نظرية الحرب على العراق وإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد.

    ولكن ما كان لهذه الشخصيات اليهودية ـ الأميركية ان تتمكن من فرض هذا التوجه على السياسة الأميركية في الشرق الاوسط لو لم تكن تتمتع بغطاء ديني * سياسي توفره لها شخصيات دينية صهيونية غير يهودية في الولايات المتحدة.

    ففي الخامس من آذار 2003، نشرت صحيفة هيرالد تريبيون مقالاً للكاتب الأميركي المعروف نيقولاس كريستوف، قال فيه ما ترجمته حرفياً:

    "ان اليمين الديني الانجيلي يلعب دوراً موثراً في عملية اتخاذ القرار السياسي للرئيس جورج بوش، وان قرار الرئيس بالحرب على العراق يعكس الى حدّ بعيد مدى هذا التأثير. وبالتالي فان للحرب على العراق بُعداً دينياً واضحاً".

    وقبل يومين من صدور مقالة كريستوف في الهيرالد تريبيون، وتحديداً في الثالث من آذار قال السيناتور الأميركي جيم موران: "ان الحرب التي تخيم على العراق هي نسيج ايدي اليهود الأميركيين. وانه لولا دعم المجموعة اليهودية القوي لهذه الحرب لكنا تصرّفنا بشكل مختلف". وقد دفع موران ثمن ذلك اضطراره للاستقالة من منصبه تحت ضغط اللوبي الصهيوني.

    وكان ريتشارد بيرل احد الثلاثة الذين عملوا كمستشارين لبنجامين نتنياهو عندما كان رئيساً للحكومة الإسرائيلية، وأعدّوا له في عام 1996 التقرير الستراتيجي الذي دعوا فيه الى وجوب ازالة صدام حسين من خلال شنّ حرب على العراق.

    اما العنصران الآخران فهما دوغلاس فاث ودافيد وورمسر، اللذان احتلا موقعين قياديين في ادارة الرئيس بوش ايضاً.

    كذلك فان الدكتورة شيري وليماس (زوجة الكاتب الأميركي الشهير ريتشارد نيوستاد) والاستاذة في جامعة هارفرد تقول "ان الحرب على العراق أطلقها الاصوليون المسيحيون والأصوليون اليهود في الولايات المتحدة".

    من أجل ذلك كانت الحرب على العراق، وقبله على افغانستان. ومن اجل ذلك ايضاً كانت الحرب على الارهاب التي تحوّلت كما كان مخططاً لها الى حرب على الإسلام. ولم تكن الجريمة الوحشية المنكرة في ايلول من عام 2001 التي ارتكبت في نيويورك وواشنطن، سوى عود الثقاب الذي أشعل كل تلك الحروب. من هنا فان تلك الجريمة المروعة لم تخدم سوى أصحاب هذا المخطط الجهنمي الذي يستهدف وضع العالم الإسلامي في خندق، والعالم الغربي ـ الأميركي في خندق مقابل، تحقيقاً ذاتياً لنبوءة ذاتية بصراع الحضارات!!

    واذا كانت صورة الولايات المتحدة بالغة السوء في الشرق الأوسط، فانها ليست أقل سوءاً في أميركا الجنوبية.

    فعندما زار الرئيس الأميركي جورج بوش المكسيك في اطار جولته على عدد من دول أميركا الجنوبية تعمّد عدم زيارة المقرّ الرئاسي المكسيكي في العاصمة مكسيكو. فالمقرّ كان في الاساس قلعة تقع على تلة مطلة على العاصمة. وفي هذه القلعة اعتصم المقاومون المكسيكيون في عام 1847 اثناء مقاومة الغزو الأميركي لبلادهم. وهي تُعرف اليوم باسم "قلعة الأبطال الصغار"، نسبة الى آخر ستة من المقاومين الأولاد الذين كانوا آخر من قُتل على يد القوات الأميركية. وتحكي قصة استشهادهم ان آخرهم قُتل وهو يحاول استعادة العلم المكسيكي من أيدي القوات الأميركية!!

    لا يزال المكسيكيون يذكرون بغصة وألم كيف ان الولايات المتحدة اقتطعت نصف بلادهم تقريباً في القرن التاسع عشر وضمّته اليها، من ضمنه ولاية تكساس التي كان الرئيس بوش حاكماً عليها قبل انتخابه رئيساً لبلاده.

    لقد استُقبل الرئيس بوش بمظاهرات عدائية في كل الدول التي شملتها جولته.. وحتى الدول التي لم يزرها نُظّمت فيها مظاهرات معادية له ولسياسته. ولم يكن ذلك مستغرباً. ذلك ان اي دولة في العالم، وليس في أميركا الجنوبية فقط تشكل زيارة الرئيس بوش لها عامل استفزاز للناس للتظاهر ضد سياسته. وقد بيّنت استطلاعات الرأي في أميركا الجنوبية ان كراهية الأميركيين الجنوبيين للولايات المتحدة تعود الى سببين حاليين؛

    أولهما الحرب الأميركية على العراق. وتبين استطلاعات الرأي ان 85 بالمئة من البرازيليين و80 بالمئة من المكسيكيين لا يؤيدون سياسة الرئيس بوش في العراق. وكانت المكسيك من الدول التي عارضت الحرب على العراق وصوّتت في مجلس الأمن الدولي عام 2003 ضد قرار الحرب، وربما كان هذا الموقف وراء الردّ الأميركي الانتقامي الذي تمثّل في اقامة "جدار الحدود" بين الولايات المتحدة والمكسيك لمنع المهاجرين المكسيكيين من التسلل للعمل في الولايات المتحدة.

    هناك شعور عام تلتقي عليه شعوب أميركا الجنوبية، وهو ان الولايات المتحدة تتعامل مع هذه القارة وكأنها مجرد حديقة خلفية لها. ويعزز من حدة ردّ الفعل الذي يفجره هذا الشعور، طبيعة سكان أميركا الجنوبية. ذلك ان اكثريتهم الساحقة هم من المواطنين الاصليين (الذين أُبيد أمثالهم في الولايات المتحدة) ومن الأفارقة (الذين استُعبد أمثالهم في الولايات المتحدة ولا يزالون حتى اليوم يشكون من التمييز العنصري) ومن المهاجرين القادمين من دول العالم الثالث الذين عانوا في بلادهم الأصلية من سوء السياسة الأميركية وغطرستها... وفي الدرجة الأولى من استغلال القادة المتحالفين معها لخدمة أهدافها.. حتى اذا عجزوا عن تقديم المزيد يتخلون عنهم كـ"الليمونة المعصورة"!!
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X