Announcement

Collapse
No announcement yet.

عريضتان تنازعتا النظرة الى العراق بعد اندحار العثمانيين

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • عريضتان تنازعتا النظرة الى العراق بعد اندحار العثمانيين

    عريضتان تنازعتا النظرة الى العراق بعد اندحار العثمانيين (1 من 2):

    مشروع البصرة الانفصالي لعام 1921 استند الى ميزتي الانفتاح والمصالح التجارية


    الحياة - 10/09/07//

    الدستور العراقي الذي يسمح بتكوين وحدات فيديرالية غير محددة الحجم يطرح يومياً، في النقاش كما في العنف الأعمى، مستقبل الوطنية العراقية ومفهوم العراق من النواحي الثقافية والجغرافية والقانونية. وإذ لا يمكن ضبط الفيديرالية ومنعها من الجنوح الى الانفصال، يحيل الوضع اليوم الى أيام التكوين الأولى لدولة العراق الحديثة حين قامت في البصرة حركة انفصالية، بمعنى الامتناع عن الاندراج في الدولة الوليدة والدعوة الى دولة بصراوية خليجية مقطوعة أو قليلة الصلة ببغداد.

    ريدر فسّر باحث هولندي قدم أطروحة دكتوراه في جامعة اكسفورد عنوانها «البصرة – الدولة الخليجية الفاشلة / الانفصالية والوطنية في جنوب العراق»، ونقلت الاطروحة الى اللغة العربية وهي في سبيلها الى النشر الشهر المقبل عن دار الجمل في ألمانيا.

    في ما يأتي فصل من الكتاب / الأطروحة، ننشره في حلقتين.

    خلال ربيع عام 1921، ذاعت في البصرة شائعات عن تأسيس وشيك لمملكة عربية – أي كيان واحد يمتد من الخليج إلى الموصل، ويحكمه أمير عربي – ولقيت بعض القبول. وصرح البريطانيون مراراً بنياتهم في تنصيب فيصل بن الحسين حاكماً على العراق. وفي نيسان (ابريل)، نفوا السيد طالب النقيب، أحد أبرز منافسي فيصل على عرش العراق إلى سيلان (سريلانكا حالياً)، بحجة أنه كان ينوي إثارة القلاقل والعنف. وفي حزيران (يونيو)، أعلن مسؤولون في بغداد أن فيصل استقل سفينة من جدة وهو الآن في طريقه إلى البصرة. أما قادة البصرة من الوجهاء فكانت تدور في أذهانهم أشياء أخرى غير المملكة العراقية.

    ظهرت أولى بوادر حركة سياسية جديدة في البصرة خلال اجتماع بين برسي كوكس واثنين من كبار التجار من ملاك الأراضي في المدينة، هما أحمد الصانع وعبداللطيف المنديل، في 7 نيسان 1921. وطالب البصراويان، في الاجتماع، بإدارة منفصلة للبصرة تحت الحكم البريطاني المباشر، وزعما أن البصرة مدينة تجارية ذات مصالح تختلف عن مصالح بغداد. وأعربا عن مخاوفهما من أن يكون حكم بغداد «بلوى أسوأ» من بلوى النظام العثماني. وفي الوقت نفسه، بدأت تصل إلى مسامع شبكة الاستخبارات البريطانية شائعات بأن عريضة قيد الإعداد، تطالب بإنهاء النفوذ العربي في الإدارة المحلية وإعادة تأسيس نظام بريطاني خالص يمتد من الفاو إلى القرنة. وفي أيار (مايو)، رفع عبد اللطيف المنديل وأحمد الصانع عريضة للمندوب السامي، وانتشرت شائعات تقول بزيادة الدعم لهذا المخطط. وصار المسؤولون البريطانيون يدركون الآن أن عريضة أكثر استفاضة قيد الإعداد، وفي 14 حزيران، كان في وسع المستشار المحلي في البصرة أن ينقل محتوياتها بالتفصيل. لقد أقر المسؤولون البريطانيون رسمياً بوجود حركة انفصالية في الوقت الذي أوعزوا الى الصحف المحلية أن تعيد نشر خطبة مناصرة لفيصل ألقاها تشرتشل في «مجلس النواب»، مندداً فيها بالمخططات التي تتحدى رؤية المملكة الواحدة، وقد ورد فيها ذكر البصرة بالتحديد. وفي 20 حزيران، قدم العريضة رسمياً إلى المندوب السامي وفد يتكون من ستة أشخاص سافروا إلى بغداد من البصرة.

    من الأمور القليلة التي تتفق عليها تقريباً جميع مصادر العريضة هو نص الوثيقة. فالطلب الذي قدمته البصرة، ويحمل 4500 توقيع، كان يتألف من «ورقة» مطبوعة النسخ لنص بالعربية، كان بدوره ترجمة عن وثيقة أولى صيغت بالإنكليزية. وينقل [أفضل استخدام صيغة المضارع التي تقابل الحاضر التاريخي في الإنكليزية Historical Present الباحثون العراقيون الذين تمكنوا من الوصول إلى ملفات وزارة الداخلية العراقية في السبعينات بأن لا وجود للعريضة الأصلية الموقعة فيها، بل توجد نسخ من الصيغة المطبوعة بالإنكليزية، بالإضافة إلى صياغات أخرى تنطوي على الترجمة العربية الأصلية. وتكاد تتطابق جميع هذه الوثائق مع الأخيرة، لذلك لم يظهر أبداً أي خلاف حول المطالب الفعلية للعريضة.

    كانت العريضة تنطوي على عنصرين. الأول تقديم الحجج لدعم دعوى البصرة في المعاملة الانفصالية. وتشمل هذه الحجج المناخ المناصر للبريطانيين في البصرة منذ الاحتلال عام 1914، وعدم وجود إخلال بالأمن في المنطقة خلال ثورة 1920، والموقع الخاص للبصرة كميناء دولي منفتح ذي طبيعة تجارية قوية، والاعتقاد بأن تقدم البصرة «سيكون مخالفاً في نوعه وسرعته لتقدم العراق». وكانت هذه الأحوال تعني أن أهالي البصرة يجب النظر إليهم بوصفهم «فئة الأقلية» بين سكان المناطق الخاضعة للسيطرة البريطانية. ولا توجد إشارات إلى أي تراث تاريخي خاص، أو ديني، أو عرقي، بمعزل عن وضع البصرة كمنطقة منفتحة دولياً.

    وقدمت العريضة مخططاً لاستقلال سياسي منفصل للبصرة، يعتمد هذا في الجوهر على صيغة اتحادية: حيث توضع «ولايتا العراق والبصرة المتحدتان» تحت «الوصاية» البريطانية، ويحكمهما «أمير» عربي أو أي «حاكم ينتخبه أهالي العراق» وفق إجراءات لم يرد لها تحديد. على أن الجزء الأكبر من العريضة كان يهتم بقضايا الحكومة التي يجب فصلها عن السلطة الاتحادية وتفويضها بدلاً من ذلك إلى الحكومة المحلية: اختيار حاكم محلي (من بين ثلاثة أفراد ينتخبهم مجلس البصرة) [هذا النص مأخوذ من الترجمة العربية للوثيقة وليس ترجمة حرفية للكتاب] وقضايا الدفاع والأمن الداخلي (حيث للبصرة جيشها الخاص وقوة من رجال الشرطة خاصة بها)، وكذلك قضايا التشريع ونظام الضرائب (فللبصرة مجلس تشريعي منفصل يسيطر على المداخيل المحلية). ويجب حصر الوظائف الحكومية المسندة للسلطات الاتحادية بالأنظمة المشتركة للبريد والبرق والنقود والمقاييس والأوزان وسكك الحديد وطرق الملاحة الداخلية، والخدمة الديبلوماسية في الخارج، ومسؤوليات الاشتراك في دفع الغارات الخارجية والدفاع عن البلد. ولم تتضمن العريضة مطالبة بوضعية خاصة للغة العربية ولا لدور العرب في الإدارة. كما لم يتم تعيين حدود الدويلة المقترحة للبصرة، على رغم أن المنطقة الممتدة من الفاو إلى القرنة حصراً كانت تفهم باعتبارها المنطقة المستهدفة بالحكم الخاص.

    بوجيز العبارة، كان نظام الحكومة المقترح يؤكد الانفصال بين العراق والبصرة أكثر من تأكيده وحدتهما. وذهب باتجاه اللامركزية الجذرية أكثر من مخطط الحكومة المحلية الذي كان يتطلع إليه طالب النقيب قبل الحرب. صحيح أن العريضة تنطوي على مطلب بالسيطرة على الضرائب، لكن التدابير المتعلقة بالجيش المنفصل وجهاز الأمن المستقل كانت ملامح جديدة تماماً. بل إن واحداً من المقاطع الأخيرة من العريضة يشير إلى إمكان إنهاء الاتحاد إذا فضل أهل العراق إنهاء الوصاية البريطانية وأصرَّ أهل البصرة على الاحتفاظ بروابطهم مع الإمبراطورية البريطانية. وحين يؤكد المخطط المعوقات مع بغداد أكثر من تطوير المؤسسات المشتركة، فإنه يمثل تذكيراً بالعلاقة بين دول الأمراء في الهند البريطانية أكثر منه بالكيان المتحد سياسياً. ورأى المسؤولون البريطانيون فيه تعديلاً لمطالب بالحكم البريطاني المباشر قدمت في نيسان وأيار، أملتها الضرورة حين تبلور دعم لندن لفيصل.

    تأويلات تاريخية متنافسة


    --> ادعى المراقبون البريطانيون المعاصرون بحيادية أن غالبية «كبار أهالي» البصرة كانوا ينحازون للعريضة. ومنذ أيار فصاعداً، صارت الحركة الانفصالية توصف باستمرار بأنها التيار السياسي المحلي الأكثر شعبية. وفي حزيران، لم يستطع المستشار البريطاني للبصرة أن يذكر سوى شخصيتين اثنتين فقط لم توقعا على الوثيقة التي تدعو للانفصال. وأخبر كوكس لندن أن على رغم وجود عريضة مقابلة تحمل 1500 توقيع، فإن «جميع الأفراد ممن لهم وزن من الناحية العملية» يقفون إلى جانب الانفصاليين. واعتقدت بيل بأن العريضة تحظى بدعم «التجار والملاك المتنفذين عملياً»، وحين كانت ترتب مأدبة احتفاء بترشيح فيصل لعرش العراق في بغداد بعد أسابيع، شكت من تركيبة الوفد القادم من البصرة: «إن وفد البصرة ليس جيداً جداً، لأن كبار الأهالي هناك يريدون لها أن تنفصل عن بقية العراق».

    لم يكرس المؤرخون الذين ركزوا على السياسة البريطانية في العراق متسعاً كافياً لحركة عريضة البصرة. فقد ذكرها فيليب آيرلاند في الحاشية عام 1937، وذكرها ستيفن لونغرك في جملة اعتراضية عام 1953، وعرض لها إيلي خدوري بجملة واحدة عام 1959، وبسلسلة من الحواشي والإشارات العابرة بيتر سلوغلت عام 1976، وأخيراً مسها مساً سريعاً تودي دوج في حاشية عام 2003. ومع ذلك، تم التركيز، بقدر ما حظيت العريضة بالاهتمام في هذه الأعمال، على الانفصاليين، لا على خصومهم، ونُظر إلى الحركة باعتبارها حركة محلية أصيلة انبثقت في معارضة للسياسة البريطانية الغالبة.

    أما تأويلات العريضة الانفصالية التي تركز على مادة الشؤون الأهلية (وأكثرها مكتوب بأقلام عراقية) فتختلف اختلافاً صارخاً. بعد سنة واحدة من تقديم مطالب البصرة، نشرت الصحافة الوطنية في بغداد مقالات تتناول الظروف المحيطة بالمشروع، محاولة أن تقدم وجهات نظر نقلها «شهود عيان». وصفت صحيفة «الرافدان» العريضة بأنها في جوهرها مجرد عملية «احتيال»: إذ لم يعرف الغرض الحقيقي من هدف الانفصال سوى سبعة أشخاص، ولم يكن على دراية حميمة بمحتوياتها الدقيقة سوى اثنين فقط. وينحدر هؤلاء الرجال السبعة من النخبة التقليدية للمدينة، وهم يضمون تجاراً ووجهاء يحملون ألقاباً من الحقبة العثمانية: أي أغوات، وبكوات، وباشوات. أما أهل المدينة الأميون، من بائعي الفواكه والخضر والمثلجات، فقد خُدِعوا أو أُجبروا على توقيع العريضة، التي صدرت عن مسؤول بريطاني عاكف على طلب الثأر بعد طرد محميه (وهذا تلميح واضح لنفي السيد طالب ومستشاره البريطاني). وقد وجد هذا الشخص الوسيلة المناسبة للقيام بذلك من طريق العريضة الانفصالية، التي قصد منها تقديم الدعم لمن أطلقوا في فترة ما قبل الحرب مشروع «الدولة الطالبية»، ومهدوا الطريق لرجوع السيد طالب حاكماً على دويلته الجديدة. وتصور المقالة المقابلة الاجتماعية القوية بين «خبث السيد طالب وأعوانه الأقوياء» والناس الذين وقعوا العريضة، فتصف كيف كان على الموقعين أن يخلعوا أحذيتهم بتواضع وهم يدخلون قصر أحد هؤلاء الأقطاب السبعة لكي يضعوا أسماءهم على الوثيقة الانفصالية. وقد وصفت، في المقابل، خصوم المشروع بأنهم «أحرار» المدينة.

    وهناك مقالة صحافية ثانية أعطت نبذة مختلفة قليلاً وأقل تحاملاً إلى حد ما، لكنها كررت الموضوعة نفسها عن نخبة اقتصادية صغيرة تستغل براءة الجماهير الشعبية الجاهلة. وذكر هذا التقرير أن بعض ملاك الأراضي كانوا يخافون على ثرواتهم إذا ما نصبت حكومة عربية في بغداد. ولمنع ذلك، نظموا هذه العريضة الانفصالية، وتدبروا من خلال «أذنابهم» الحصول على تواقيع الفلاحين وأهل المدن بحجة أن العريضة لا تنطوي إلا على طلب الإعفاء من الضرائب والتجنيد.

    وطبع أول كتاب يتطرق إلى ذكر العريضة عام 1924، في عنوان: «تاريخ القضية العراقية»، من تأليف محمد مهدي البصير، وهو سياسي وطني من أهل الحلة معادٍ للبريطانيين. لم يتطرق البصير إلى الدعاوى السابقة في الصحافة الوطنية عن تلفيق العريضة، لكنه ذكر أن «نفراً من وجهاء البصرة» كانوا وراءها، وسمى منهم المنديل والصانع على وجه التحديد. ثم أكد أنهم قوبلوا بعرائض مضادة، سافر رافعوها إلى بغداد وحصلوا على تطمينات من السلطات البريطانية بأن البصرة «ستظل عراقية». وكان البصير نفسه مسجوناً في حزيران 1921، ومن الواضح أن النبذة التي يقدمها تعتمد على معلومات استقاها من أصدقائه، إضافة إلى المقالات الصحافية عن الموضوع التي نشرت عام 1922.

    عام 1933، في غمرة السيَر التي ظهرت في أعقاب موت الملك فيصل، ضمَّن محمد عبد الحسين روايته لما حدث في البصرة ربيع عام 1921 في كتابه «ذكرى فيصل الأول». [للأسف لم أر هذا الكتاب، و عنوانه يوحي بأنه أُلّف في زمن فيصل الثاني فأرجو التأكد من العنوان]. كان المؤلف، الذي هو في الأصل من أهالي الكاظمية التي كانت حينئذ خارج بغداد، يعمل صحافياً في البصرة في ذلك الوقت، وتطرق كتابه إلى وجود صراع بين الانفصاليين والمعارضين للانفصال. وصف المؤلف أعوان المخطط الانفصالي بأنهم «نفر قليل» ليس لديهم سوى قناعات ضعيفة: وما ان سمعوا الخطبة البليغة التي ألقاها فيصل عند وصوله، حتى غيروا أفكارهم وتخلوا عن خطتهم الأصلية. وحينئذ اختفى المشروع الانفصالي فوراً «كالملح في البحر».

    ظهرت نبذة أخرى عن العريضة الانفصالية عام 1952، نقلها مراقب آخر معاصر للحدث. إذ كتب سليمان فيضي، السياسي البارز المؤيد للإصلاح في البصرة آخر العهد العثماني، عن حوادث عام 1921 في مذكراته بالتفصيل. ولم يكرر فيضي، الذي كان في بغداد حينئذ ولا بد من أنه استقى معلوماته من آخرين أخبروه بها، التهم بالاحتيال والتزوير كما فعلت الصحافة الوطنية عام 1922. مع ذلك، بقي يصر على التمييز الحاد بين الانفصاليين ومعارضي الانفصال استناداً إلى خلفياتهم الاجتماعية. وهو يصف الانفصاليين بأنهم فئة مترفة «لا هم لها إلا مصالحها... لا يردعها صوت ضمير أو نداء واجب»، وقعت «تحت ربقة الاستعمار» وخشيت أن تمس مصالحها بسوء، إذا ما تسنم عرش العراق ملك عربي وتولت الحكم فيه وزارة وطنية. وقد عارضتهم ثلة من شباب البصرة ممن تصدوا «لعبيد القوة». ولم يعط فيضي أسماء الانفصاليين، لكنه أدرج أسماء قلة من معارضيهم. وفي حين يفرز فيضي عدداً من رجال النخبة المحلية لدورهم في وضع هذه العريضة، فإنه يوجه الاتهام ضد المسؤولين البريطانيين في البصرة، لا سيما أحد القضاة، الذي زعم أنه هدد باعتقال معارضي مشروع الانفصال. ومن ناحية أخرى، لم يتخذ كوكس أي إجراء بشأن العريضة، لكنه احتفظ بها ليشهرها سلاحاً يساوم به فيصل عند التفاوض.

    --> ولم يتبلور أي منظور جديد عن الحركة الانفصالية في البصرة حتى نشر عبد الرزاق الحسني عام 1974 طبعة جديدة من كتابه عن «تاريخ الوزارات العراقية». كانت الطبعة السابقة من الكتاب (عام 1953) تطرقت بإيجاز إلى ذكر الحركة الانفصالية، لكن يبدو أنها اعتمدت في الأساس على النبذتين اللتين قدمهما البصير وفيضي. أما طبعة 1974 فتقدم مزيداً من التفاصيل. وهنا أيضاً يتم تصوير الانفصاليين بأنهم نخبة صغيرة (ويورد أسماء عدة، وهي أول قائمة أسماء تظهر)، في حين أن خصومهم من «الوطنيين العراقيين» كانوا من القوة بحيث هزموا المشروع وقبروه في «لحد عميق». وفي رأي الحسني، فإن بريطانيا لم تقتنع بدعم المخطط، لكنه بقي يعزو لقوى خارجية دوراً في هذه المسرحية: وقد اقتبس من سليمان فيضي قصة المسؤول البريطاني الذي هدد معارضي مشروع الانفصال بالاعتقال – ومن دون أن يشعر القارئ بأنه غادر النص الأصلي - يدس صفة «اليهودي» قبل اسم المسؤول البريطاني.

    أوجز المؤرخ الفلسطيني حنا بطاطو عام 1978 دوراً بريطانياً مثيراً أكثر للخلاف، وقد آلَّف بطاطو في دراسته بين المصادر العراقية والمصادر البريطانية، فقد ذكر المشروع الانفصالي للبصرة ومضاعفاته طوال العشرينات، ومن الواضح أنه يقرنه بحركة جزء بذاته من المجتمع البصري، وهو فئة الملاك الكبيرة. على رغم ذلك، زعم أيضاً أن بريطانيا هي التي أثارت هذه الحركة: «بالطبع لم يخلق البريطانيون النزعة الانفصالية لدى ملاك البصرة... لكن يبدو كما لو أن هناك دفعات بريطانية خفيفة على المنكبين في مكان ما». على أن بطاطو لم يكشف ما هي الطبيعة الدقيقة لهذه «الدفعات الخفيفة».

    وأخيراً ناقشت دراسة عراقية عن البصرة في السنوات الأولى من الحكم البريطاني بتفصيل غير مسبوق كيفية تكون العريضة الانفصالية. إذ يختلف حامد أحمد حمدان التميمي عن الكتاب السابقين في إشارته إلى أن معارضي الانفصال كانوا يفتقرون إلى الدعم الشعبي في البصرة أيضاً. وهو يذكر، على سبيل المثال، أن السلطات البريطانية لم تساورها الريبة في استعمال البصرة مكاناً لترحيل مثيري القلاقل من الوطنيين العراقيين بعد ثورة 1920 – وهي إشارة واضحة إلى أنهم أغفلوا أن يروا في البصرة مكاناً يغلي بأفكار الثائرين من المدن الجنوبية ومثلهم. غير أن الغموض الظاهر في ما يتعلق بدعم العريضة الانفصالية لم يتبدد، في عمل التميمي، مع الميل إلى إخراج مؤيدي المشروع وتهميشهم. وهو يصف أنصار الطلب الانفصالي بأنهم «فئة أرستقراطية مالية»، ويلاحظ أن دعم الحكم البريطاني كان التيار الأقوى السائد لدى التجار من أصول أجنبية بالتحديد – كاليهود والأرمن والهنود والفرس. وهو يرى أيضاً أن بعض أفراد الإدارة البريطانية كانوا يعارضون السياسة الجديدة عن مملكة عربية مفضلين توجيه الدفة لمصلحة المخطط القديم في إلحاق البصرة بالهند. كان سليمان فيضي ذكر سدني سولومون أبراهامز في البداية بصفته «قاضياً» بريطانياً، ثم صار لدى الحسني «يهودياً»، وها هو الآن «يهودي متعصب». وقد أضاف التميمي أن الرأي العام الشعبي في البصرة كان «مشوشاً» جداً لأن خزعل شيخ المحمرة والسيد طالب لم يسحبا ترشيحيهما لعرش العراق حتى عام 1921 (الغريب أن من أقنع خزعل بسحب ترشيحه هما المنديل والصانع). وعلى أي حال، فإن وجهة نظر التميمي لم تكن تختلف كثيراً عن التأويلات السابقة، وهي كون العريضة الانفصالية لم تحظ إلا بدعم قلة من المتنفذين البصريين.

    توحي ردود الأفعال التي صدرت عن مؤرخين عراقيين آخرين حول كتاب التميمي بأنه حتى الدلالة المحدودة التي نسبها للعريضة كانت خطوة إلى الأمام في الموضوع. وأشار أحد مراجعي الكتاب إلى أن الوثائق الأصلية لطلب الانفصال لم تعرف هويتها أبداً، واقتبس الكاتب من مصادر مقربة من الشخصيات البصرية الرئيسة في بواكير العشرينات ممن أصروا على أنه لم تجر سوى مناقشة سريعة لفكرة الانفصال، ولم تحظَ هذه الفكرة بدعم محلي على الإطلاق. وفي عام 1980، بدا أن التأويلات العراقية المتصدرة للأحداث تشبه شبهاً كبيراً التأويلات التي قدمتها الصحافة العراقية في أوائل عام 1922.

    اتضح المدى الذي صار فيه أثر سؤال البصرة قضية مثيرة للنقاش لدى السياسيين العراقيين أيضاً مع كتاب ألَّفه أحد وجهاء البغداديين من حقبة الانتداب، وهو توفيق السويدي، وقد نشر بعد وفاة المؤلف في عام 1987. وفي هجوم على مزاحم الباججي (أحد خصومه السياسيين وهو بغدادي مثله)، اتهمه السويدي من بين ما اتهمه به بأنه من كتب عريضة البصرة عن الانفصال، ووقعها في ما بعد «البسطاء والغوغائيون». وجاء الرد عليه عام 1989 بشكل كتاب عن مزاحم الباججي كتبه ابنه عدنان الباججي، مفنداً هذه الادعاءات، وواضعاً اللوم في الحركة الانفصالية على المعسكر البريطاني، مع الادعاء بأن المندوب السامي البريطاني اشترك فيها.

    بقيت الكتابة التاريخية عن الحركة الانفصالية في البصرة في حالة جمود، طوال المدة التي ظل فيها حكم البعث في العراق. وكررت نبذة وجيزة كتبها جهاد صالح العمر عام 1989 في الأساس النظرات القائلة بوجود مصادر ثانوية. وفي عام 2003، أفضى الاحتلال الذي قادته الولايات المتحدة إلى إحداث تحول هائل، غيَّر أيضاً من مناخ كتابة التاريخ. فلم يبق هناك موضوع يمليه تيار قومي، رسمي، خصوصاً والرقباء الأميركيون يركزون على القضايا ذات النتائج السياسية المباشرة، ولهذا بدأت التأويلات البديلة في التاريخ العربي تقف أمام فرصة أفضل للعثور على تعبير عنها. ولذلك فمن المثير أن نجد مقالات تاريخية في الصحافة البصرية عام 2004 وصفت وصول فيصل إلى المدينة الخليجية عام 1921 من دون أن تتطرق أدنى تطرق إلى الحركة الانفصالية.

    السياسة البريطانية ودعوات الانفصال


    --> كانت ردود الأفعال البريطانية ككل على مشروع البصرة الانفصالي سلبية. وقد ندد كوكس صراحة بفكرة الانفصال في مقابلة له في نيسان مع المنديل والصانع، وكتب إلى لندن بأن مثل هذا المخطط «سيكون ضاراً بمصالح العراق ككل». وقال المندوب السامي، على غرار ذلك، حين بدأت عريضة البصرة تتخذ شكلها، إن هذا واحد من المشاريع التي من شأنها أن تعرض للخطر السياسة التي اتُّفق عليها في مؤتمر القاهرة، لذلك لا بد من «إحباطه». وعبّر مسؤولون كبار آخرون في إدارة كوكس عن وجهات نظر مشابهة. فأخبرت بيل مؤيدي العريضة بأن «دولة عربية في بغداد لن تترك بسلام أبداً البصرة تحت الحكم البريطاني، وأن أبناءهم وأبناء أبنائهم سيقفون إلى جانب الدولة العربية»، وحين استشارها وفد البصرة الانفصالي، نددت مرة أخرى بالمشروع بقوة.

    وكانت ردود فعل لندن مطابقة تقريباً. إذ ردد الأركان في مكتب المستعمرات وجهات نظر كوكس، معلقين بأن المخطط «غير ملائم تماماً من الناحيتين السياسية والمالية». والمفارقة أن النفور من العناصر المؤيدة للبريطانيين في الأراضي المحتلة لم يُنظر له كمشكلة كبرى. كتب أحد المسؤولين البارزين: «قد نتعاطف مع مخاوفهم، لكن من الواضح أننا لن ننحرف عن سياستنا العامة». وسخر آخرون من فكرة أن توجد وحدة سياسية صغرى تقام في البصرة، مدعياً أن «اقتراح وجود جيش منفصل، ومجلس تشريعي منفصل... إلخ، يمكن أن يناسب العصور الوسطى، لكنه غير ذي جدوى في العصر الحاضر». واتضح المقت العام لازدياد المحميات الصغيرة والمكلفة في المنطقة في الطريقة التي أدارت بها دائرة المستعمرات الواعية بالثمن طلبات أخرى للاستقلال الذاتي خلال تلك الفترة، من بينها مخطط «لدولة آشورية – كلدانية» مستقلة للأقليات المسيحية في أجزاء من ولاية الموصل العثمانية القديمة. وقوبل هذا الطلب في لندن بملاحظة متهكمة: «لو أن حكومة جلالته نفذت هذا الطلب ووضعت وقتها بين أيديهم، لطالبوا بتأسيس محمية مهمة في صحراء غوبي». (أين تقع غوبي هذه فليست لدي فكرة عنها مع أنني عشت في الموصل أربع سنوات جامعية؟).

    حتى هوبرت يونغ، الذي أشار في مكتب الشؤون الخارجية قبل سنة إلى تفضيله الإدماج البريطاني في منطقة البصرة، لم يكن متحمساً للمطالب الانفصالية. وصار يسهم الآن في بيئة جديدة لدائرة المستعمرات بالحجج لمناقضة مخططه السابق بالتدقيق في أن «تقسيم الأراضي المنتدبة هو شكوى كبيرة ترفع ضد الفرنسيين في سورية». مع ذلك، تشبث يونغ بأفكاره السابقة، واقترح تضمين لا مركزية محدودة في الشؤون الإدارية في قانون واحد مستقبلاً، بالإضافة إلى فقرة تسمح للأقاليم المفردة (ومعها المناطق الكردية كوحدة أخرى يمكن أن تستقل) أن تبقى تحت الانتداب البريطاني، إذا ما أريد للدولة ككل أن تنجز.

    كان وزير الدولة، تشرتشل، جديداً على شؤون الشرق الأوسط. وجواباً عن السؤال عن تركيبة أراضي الدولة المقترحة، علق قائلاً إن لديه «ذهناً مفتوحاً تماماً» في ما يتعلق بالبصرة، وأن بديهيته الوحيدة في ما يتعلق بالمناطق الكردية كانت أن بريطانيا «يجب ألا تضع الأكراد تحت حكم العرب». لكنه أشار إلى تفضيله الاعتماد على كوكس («الذي يعرف وحده الموقف المحلي»)، ولم يشأ أن يفرض عليه تعليمات. وفي خطبته في مجلس النواب يوم 14 حزيران، أعاد تشرتشل بقوة حجج المندوب السامي ضد مشروع البصرة الانفصالي. وعلى رغم أن بعض أفكار يونغ الثانية بقيت موجودة في برقياته اللاحقة إلى كوكس، فإن تركيزه الأولي في هذه المرحلة كان يكمن في إيصال فيصل إلى العرش: وما بقي من أسئلة حول التصورات الدقيقة عن أراضي الدولة فيجب أن يحلها المجلس التأسيسي الذي سيتشكل بعد اعتلائه.

    وإذ تظهر هذه المواقف عن كبار المسؤولين في بغداد ولندن، فيمكن أن تُطرح جانباً فكرة أن مشروع البصرة الانفصالي صدرت عن مراكز القوة البريطانية. أما موقف بعض المسؤولين البريطانيين التابعين فمسألة أخرى، وهذا هو مستوى الإدارة الذي يوجه إليه المؤرخون العراقيون معظم الاتهامات. وكانت الإدارة البريطانية تشمل أفراداً من خلفيات اجتماعية مختلفة، ممن يحملون نظرات أيديولوجية متناقضة، ولا شيء يضمن أن يعيد كادر من الدرجة الثانية صوغ أفكار كوكس تلقائياً في المناطق البعيدة.

    مع ذلك، فإن الدعاوى العراقية حول «المدرسة الهندية» في أوساط صنع السياسة البريطانية، باعتبارها المحرض على المشروع الانفصالي، تتناقض بوضوح مع السجل التاريخي لهذه الدائرة الخاصة في الآلية الإمبراطورية البريطانية. ولا يخفى أن آرنولد ولسن كان المعلم الروحي «للمدرسة الهندية»، الذي روَّج لفكرة التواصل الإقليمي الذي يمتد من الخليج حتى الموصل. وفي عام 1921، حين كان ولسن في منفاه الرحيم كمدير لشركة النفط الإنكلو – إيرانية في عبادان المجاورة، عبَّر عن دعمه لفيصل بصريح العبارة، على رغم تحفظاته السابقة. وأوصل هذه النظرة في رسائل خاصة لموظفين سابقين تابعين له، كان يحيطهم بثقته، في مراسلة ذُكرت فيها الحركة الانفصالية الجارية في البصرة عرضاً ولم تصور إلا باعتبارها مشروعاً محلياً أصيلاً.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.

  • #2
    رد: عريضتان تنازعتا النظرة الى العراق بعد اندحار العثمانيين

    عريضتان تنازعتا النظرة الى العراق بعد اندحار العثمانيين (2 من 2) ... خلفيات ثقافية واقتصادية للنخب المحلية الداعية الى دولة مستقلة في البصرة


    الحياة - 11/09/07//


    --> الدستور العراقي الذي يسمح بتكوين وحدات فيديرالية غير محددة الحجم يطرح يومياً، في النقاش كما في العنف الأعمى، مستقبل الوطنية العراقية ومفهوم العراق من النواحي الثقافية والجغرافية والقانونية. وإذ لا يمكن ضبط الفيديرالية ومنعها من الجنوح الى الانفصال، يحيل الوضع اليوم الى أيام التكوين الأولى لدولة العراق الحديثة حين قامت في البصرة حركة انفصالية، بمعنى الامتناع عن الاندراج في الدولة الوليدة والدعوة الى دولة بصراوية خليجية مقطوعة أو قليلة الصلة ببغداد.

    ريدر فسّر باحث هولندي قدم أطروحة دكتوراه في جامعة اكسفورد عنوانها «البصرة – الدولة الخليجية الفاشلة / الانفصالية والوطنية في جنوب العراق»، ونقلت الاطروحة الى اللغة العربية وهي في سبيلها الى النشر الشهر المقبل عن دار الجمل في ألمانيا.

    في ما يأتي حلقة ثانية أخيرة من أحد فصول الكتاب / الأطروحة تبيّن موقعي عريضة المطالبة بدولة البصرة وموقعي عريضة أخرى تطالب بعراق موحد. ومن خلال قراءة أحوال الموقعين يحلّل الكاتب الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للطرفين، وصولاً الى فشل قيام دولة بصرية.

    هناك شخصيتان كررتا التقدم للمسؤولين البريطانيين بمطالب الانفصال، واعتبرهما الانتداب المحركين الأساسيين للمخطط: أحمد الصانع وعبداللطيف المنديل.

    يشترك الاثنان في خلفياتهما على نحو مثير. فقد ولدا في الزبير لأبوين مهاجرين من نجد، وكانا ينتميان إلى العائلات السنية التي تدبرت أن تجعل من نفسها ملاكاً وتجاراً. تعامل أبواهما بذكاء مع العثمانيين، غير أن الابنين أقاما علاقات مع أكثر من مركز قوة في بواكير القرن العشرين. وعند نهاية الحقبة العثمانية، حين تمكن الرجلان من تأكيد ذاتيهما كمالكين لأراض زراعية في أرياف البصرة، انضما الى الحركة الإصلاحية التي يقودها السيد طالب. ولم يشرعا بالتعامل مع بغداد إلا بعد الاحتلال البريطاني، وبحرص شديد، إذ يروى أن الصانع (الذي زار العاصمة الجديدة لأول مرة في حياته عام 1920) لم يكن راضياً عن الأحوال في بغداد ولم تكن له سوى مساهمات قليلة كوزير بلا وزارة في الحكومة الموقتة، أما المنديل فلم يمارس فعلياً منصبه كوزير للتجارة، بل ذهب بدلاً من ذلك في زيارة إلى نجد في شتاء 1920- 1921. وعلى المستوى المحلي، أحرزا نجاحاً أكبر في التعامل مع الوقائع السياسية الجديدة، فعين كوكس الصانع حاكماً على البصرة في أوائل عام 1921.

    انضم إلى الصانع والمنديل في جهودهما وفد أكبر اجتمع معهما لتقديم العريضة الانفصالية، وكانت كتلة الوفد متنوعة في تركيبتها العرقية والدينية، ولعل الغرض منها كان إظهار الإجماع المحلي الواسع حول مطالب البصرة. مع ذلك كان هناك موفدون آخرون يشتركون في الخلفية الاحتلالية، إن لم نقل العرقية والدينية، للتاجرين المدنيين اللذين تزعما المشروع. فالآغا جعفر بن عبد النبي، وهو من عائلة شيعية من كازرون في فارس استقرت في البصرة قبل أجيال، كان عثمانياً مطبوعاً على النجاح في الملاحة النهرية، والتجارة وأعمال تطوير الأراضي. ويعقوب نوح، وهو من عائلة تجار يهودية لها روابط بكل من الهند وبريطانيا ومناطق أعلى النهر، استثمر عائدات العمل في العقارات وخدم كممثل لطائفته في المجالس المحلية في أواخر الحقبة العثمانية. ويوسف عبدالأحد، وهو كاثوليكي شامي من الموصل، جاء إلى البصرة ككاتب كنسي، وسلك طريقه إلى القمة بالانخراط في تجارة التمور وبيع الأراضي، وأقام روابط مع كل من العثمانيين (من طريق تمثيل طائفته في مجلس الحكم) والفرنسيين (بالمحافظة على روابط حميمة مع البعثة الكرملية في البصرة والاستفادة من وضعه كشخص يحظى بالحماية الفرنسية).

    وهناك عضوان آخران في الوفد الانفصالي يتميزان بخلفيات مختلفة. فعبدالكريم السعدون، وهو من العائلة السنية الحاكمة في حلف المنتفك العشائري الكبير الممتد على طول الفرات وصولاً الى شمال حزام النخيل، نشأ في قسم من قبيلته محافظاً على تراث التعاون مع الدولة. تلقى تعليماً عثمانياً في إسطنبول وخدم في النظام العثماني السابق حتى فصله الأتراك الشباب وأجبروه على الانضمام إلى قوات السيد طالب في البصرة. ولم يكن سيد عبد علي بن فاخر من سكان البصرة أيضاً، فعلى رغم أنه كان تاجراً مثل سائر مقدمي العريضة، فإنه كان عربياً شيعياً من أرياف القرنة، على الأطراف الشمالية لسنجق البصرة القديم.

    معارضو الانفصال

    ولم يتم تحديد هوية العريضة الأصلية التي تحمل 1500 توقيع ضد الانفصال في الأرشيف العراقي أيضاً، غير أن محتوياتها معروفة من ترجمة بريطانية تنطوي على بعض الألفاظ الأساسية من الأصل العربي. وتم تأطير هذا الالتماس في الأصل كنقيض مقابل للوثقية الانفصالية، يرتبط بها ارتباطاً صريحاً. وبدلاً من التركيز على الموقع الاقتصادي للمدينة، كما فعل الانفصاليون، يركز رافعو العريضة على انضمام البصرة تاريخياً «منذ أزمنة الكلدانيين، ومروراً بأزمنة الفرس، والعرب، والترك، والبريطانيين» إلى «العراق العربي الذي يمتد من الفاو حتى شمال الموصل». ولن تتحقق «نهضة» هذه الأراضي إلا إذا تمت المحافظة على وحدتها الكاملة، ومن شأن «صيغة» خاصة لـ «مقاطعة» البصرة أن تدمر هذا الاحتمال.

    لم ترد أسماء الوفد المتكون من إثني عشر رجلاً قدموا العريضة رسمياً في التقارير البريطانية، في حين أُبرزت مساعي محامٍ بغدادي استقر في البصرة منذ السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وهو مزاحم الباججي، في تحليلات القوى ضد الانفصال. غير أن المصادر العراقية تحدد هوية أفراد ذوي ارتباطات محلية قوية تقترن بجهد معارضة الانفصال. وقد ربطت صحف عدة عام 1922 العرائض المضادة للانفصاليين بشخصين بصريين، بينما أضافت النبذة التي قدمها سليمان فيضي أسماء أربعة رجال آخرين من الأهالي.

    كان أكثر المدافعين عن الوحدة مع بغداد محمد أمين علي بن عبدالله باش أعيان. كانت عائلته السنية تتمتع بوضع مرفه في القرن التاسع عشر حين كانت تمتلك أراضي شاسعة، غير أن كثيراً من أفراد عائلة باش أعيان صاروا يجمعون بين العمل مع الحكومة والنشاط التجاري، بعد تدهور وضعهم المادي في أواخر العهد العثماني. اعتمد محمد أمين على التراث الثري لعائلة حررت المخطوطات عن تاريخ البصرة والرحلات التي ترعاها الحكومة إلى منطقة الحجاز، فميز نفسه باعتباره ناشر صحف في حقبة الأتراك الشباب، وكان واحداً من قلة من البصريين المنحدرين من عائلة ملاك الأراضي ممن بقي عضواً في جمعية الاتحاد والترقي بعد عام 1911، بدلاً من الانضمام إلى حركة الإصلاح الآخذة في الاتساع. وخلال الحرب نُفي إلى الكويت بشبهة تبني الآراء المؤيدة للعثمانيين ولم يعد الى البصرة حتى نهاية العقد.

    تقف خلفية شخصية أخرى من كبار معارضي الانفصال، وهو عبدالكاظم بن حجي خلف الشمخاني، على طرف نقيض للأولى. فهو شيعي من عشيرة القطارنة المقيمة على جانبي النهر شمال البصرة، بدأ عمله كرئيس للحمالين في الميناء، وشق طريقه حتى صار ممثلاً محلياً لشركة النقل البحري البريطانية، وفي بواكير العشرينات صار هو نفسه تاجراً ومالك أراضٍ. بدأ يعلن عن نفسه كمحسن كبير، وأظهر اهتماماً مبكراً بالسياسة، وخلال ثورة العشرين كان من البصريين القلة الذين سافروا إلى بغداد للالتحاق بالتهييج ضد البريطانيين.

    يمتاز المعارضون الأربعة المعروفون الآخرون بشبه في وضعهم الاجتماعي مع باش أعيان أكثر من الشبه مع الشمخاني. فقد درس عمر فوزي، وهو من عائلة سنية من أفندية كركوك، في المدارس العثمانية في بغداد وعمل موظفاً حكومياً في الحسا قبل أن يمارس المحاماة والصحافة في البصرة في فترة حكم الأتراك الشباب، وأخيراً انضم إلى السيد طالب. وكذلك عمل أحمد حمدي بن ملا حسين، الذي ينتمي إلى عائلة من الشيوخ السنّة وتعلم في مدارس البصرة والحجاز، كصحافي ومعلم قبل الحرب. ودرس عبدالعزيز المطير، وهو من عائلة سنية من أصل نجدي، في مدارس القانون العثماني الجديد في قونيا وعين بالتالي مساعد مدعٍ عام في النجف والعمارة خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني. وأخيراً درس محمد زكي، وهو من عائلة سنية من أصول متواضعة من قرية جنوب البصرة، القانون في بغداد، وعمل في الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى، وبعد أن جُرِحَ قضى سنوات في العاصمة العثمانية قبل أن يعود إلى البصرة ليعمل كمحامٍ.

    الدوافع والنيات

    لا بد من أن تسأل أية مناقشة للمضمون المحلي للحركة الانفصالية ما إذا كانت لها استمرارية مع حركة السيد طالب في فترة ما قبل الحرب، ربما مصحوبة بالبلاغة المضادة للأجانب ومطالب اللامركزية التي حل محلها الآن الخطاب الأكثر تماشياً مع الزمن في تأييد البريطانيين. وقد لمّحت مراجعات للحركة الانفصالية نشرت في الصحف البغدادية عام 1922 إلى مثل هذا الارتباط بالتحديد، ذاكرة فيلبي ومحميه السيد طالب بالاسم. وقد لا يتوافر الدليل على رابطة لفيلبي بها، غير أن هناك آثاراً مثيرة للاهتمام تدل على علاقة خاصة بين طالب وزعيمي الحركة الانفصالية.

    كان الصانع والمنديل من أوثق المتعاونين مع السيد طالب خلال الحقبة العثمانية الأخيرة، وبقي الصانع على تماس به أثناء منفاه في الحرب إلى الهند. واستأنف طالب والصانع حوارهما في بواكير عام 1920، ونسب بيان مجلس البصرة المؤيد للبريطانيين في ثورة 1920 إلى نفوذ السيد طالب إلى حد ما. ويوحي تعيين الصانع لاحقاً حاكماً خلال تولي طالب منصب وزير الداخلية في الحكومة الموقتة باستمرار علاقة العمل بينهما. ومن ناحية أخرى، كانت العلاقات بين المنديل وطالب أكثر توتراً بعد الحرب، والحقيقة أن المنديل لم يتولَّ منصبه فعلياً في الحكومة الموقتة، مما أوحى للمراقبين البريطانيين بأن ذلك بسبب الحقد الشخصي بينه وبين طالب.

    --> في معزل عن هذه الروابط، أعرب طالب في بعض الأحيان عن أفكار مقاربة للرؤية الانفصالية. قبل الحرب، فاتح البريطانيين بإمكان تأسيس إمارة مقرها في البصرة بدعم من لندن. وفي هذه العروض، صورت البصرة كوحدة محتملة في خيط من الإمارت التي تحميها بريطانيا في جزيرة العرب والخليج. وخلال ثورة عام 1920، اقترح طالب أن من الضروري الإبقاء على البصرة منفصلة عن بغداد والموصل في المستقبل، إذ ثبت أن من المستحيل فرض إدارة موحدة على هذه الأراضي بأسرها تحت الاحتلال البريطاني.

    على رغم هذه الصلات، هناك مشاكل عدة تواجه النظرية التي ترى أن السيد طالب هو المهندس المخطط لمطالب عام 1921 الانفصالية. ففي الجزء الأكبر من عام 1920، عمل بلا كلل في بغداد لتحصين النفوذ داخل إطار النظام الناشئ. وأُصيب طالب بالخيبة حين نُصِّب نقيب بغداد المسن، عبدالرحمن الكيلاني، وليس هو نفسه، رئيساً للحكومة الموقتة، وشعر بالإحباط حين لم يسمح له بالسفر إلى القاهرة للمشاركة في مؤتمر آذار (مارس) 1921، في حين بدأت الاشاعات بترشيح فيصل لعرش العراق في الذيوع. مع ذلك، موّه على مطامحه الشخصية بتظاهره بإعلان أن نقيب بغداد هو أفضل مرشح للتاج، وخلال الأسابيع اللاحقة قام بزيارة مراكز عدة من المناطق جنوب بغداد (بما فيها البصرة) في حملة لمصلحة الكيلاني، تحت شعار: «العراق للعراقيين». وعند عودة كوكس إلى بغداد (كان قد تم إيصال المطالب بالانفصال أصلاً)، كان طالب يبدو في حمّى العمل في سبيل تنصيب النقيب (وفي ظل النقيب نفسه) على عرش العراق، وأعلن لكوكس أنه ضد استقدام حاكم «أجنبي» (أي عربي). وفي نهاية الأمر، حملته مطامحه إلى صراع مباشر مع السلطات البريطانية التي بدأت أولوياتها في ما يتعلق بملك المستقبل تزداد وضوحاً. وخلال عشاء في بغداد في نيسان (أبريل)، ألقى طالب خطبة محذراً من النتائج الكارثية إذا تدخلت بريطانيا في انتخاب حاكم جديد، وصار يلمح إلى إمكان انتفاضة مسلحة لبعض قبائل الفرات الأوسط ودجلة. استخدمت السلطات البريطانية هذه الملاحظات في ما بعد ذريعة لترحيله، متهمة إياه بإثارة القلاقل بين الأهلين.

    من الممكن أن نتصور أن طالب استثمر مخطط البصرة الانفصالي بطريقة مشابهة، أي كتهديد يلوّح به لمساعدته في سعيه للوصول إلى السلطة. لكنه لم يستعمله حينئذ، وحين كان في ذروة يأسه، ادعى المراقبون البريطانيون أن مطالب الصانع والمنديل جاءت رد فعل ضد تهييج السيد طالب خلال جولته، وليس استجابة لها. والنقطة الأساسية هنا أن وجهاء البصرة استمروا في الدفاع عن الانفصال بعد أن غادر طالب المشهد بفترة طويلة. وحين تكثف العمل بالعريضة، كان طالب يعيش في سيلان البعيدة، منفياً للمرة الثانية في حياته.

    وهذا ما يوحي بقوة بوجود دوافع للانفصال لا علاقة لها بالسيد طالب وألعابه السياسية. في بواكير عام 1918، شرح أحمد الصانع لماذا لا يريد إدارة عربية، بعرضه «طابوقة» جديدة في بيته أمام ضابط بريطاني. كانت «الطابوقة» تسد فراغ فجوة سابقة قبل الحكم البريطاني، عمل حرسه المسلحون على وضعها في مكانها ليل نهار. وتوقع أن الحكم الذاتي للعرب سيفرض عليه أن يزيل «الطابوقة من جديد. ولاحقاً، في أثناء مقابلة مع بيل في خريف 1920، انتقد موقف البغداديين في هياجهم المتزايد للمطالبة بالاستقلال: لماذا لا يدركون فوائد الحكم البريطاني؟ برر الصانع وجهة نظره بالتنويع على موضوعة ذكرها عام 1918: قبل الاحتلال، لم يكن في وسعه أن يلقي نظرة على بساتينه، ما لم يصحبه «عشرون رجلاً مسلحاً». أما الآن، فالبصرة مكان آمن. وبموقفها الأحمق ستظل بغداد «تحصد نتائج أعمالها» ما دام البريطانيون يتمسكون بالبصرة.

    قدمت بيل في ما بعد معلومات إضافية عن الأفكار الانفصالية في صيغ جديدة لحججهم. ففي نبذة عن كيفية دفاع المنديل عن رؤيته الانفصالية في عشاء في بغداد في آب (أغسطس) 1921، اختصرت بإيجاز موقف الوجيه البصري بقولها: «إنه تاجر كبير وهو يريد أن يصطاد السمك في أهدأ المياه ويستطيع أن يجده في مياه أهدأ من تلك التي تتدفق عبر الممالك العربية». وهذه العبارات تردد صدى المزاج الذي ساد في الاجتماع في نيسان 1921 بين الصانع والمنديل وكوكس، حين أعرب الوجيهان البصريان عن غايتهما في الإفلات من «الضغائن والاضطرابات التي ستلازم حتماً إقامة دولة عربية».

    لعل لهذا التشديد على أمن الأشخاص والأملاك، وكذلك الرغبة في الاستقرار السياسي، علاقة أيضاً بمؤيدين أساسيين آخرين للعريضة الانفصالية، وقد عانى كثير منهم المتاعب خلال أطوار الاضطراب في البصرة في ماضي العهد العثماني. رأى الآغا جعفر سوقاً له بكامله يهدم أمام عينيه حين شرع الأتراك الشباب في تطوير نظام الطرق في البصرة عام 1910. وعاش نوح وعبدالأحد عقداً من الزمن قبل الحرب شاهدا فيه زملاء لهما من الأرمن واليهود يُقتلون خلال حوادث السطو المسلحة؛ وكان أحد المؤيدين المعروفين للمشروع الانفصالي، وهو طه السلمان، ينتمي إلى عائلة قُتِلت الشخصية الأكبر فيها عام 1904 بأيدي رجال محليين أقوياء ممتعضين من وضع العائلة الاقتصادي القوي. وفي الفترة الأخيرة، اتضحت مزايا الاستقرار السياسي للنخبة التجارية بأسرها حين استمرت بيئة البصرة التجارية بالعمل في شكل اعتيادي أثناء ثورة 1920، بينما شهدت بغداد ركوداً واضحاً.

    مع غياب أدلة أكثر تحديداً عن دوافع الانفصاليين ومعارضي الانفصال، قد تقدم المقارنة بين خلفياتهم الاجتماعية مفاتيح سياقية معينة. ففي حين كان الانفصاليون في شكل عام في الخمسينات أو الستينات من العمر، كان معارضو الانفصال أكثر شباباً، ولم يكد بعضهم يتخطى الثلاثينات. ومن خلال المعايير الطائفية، كان الوفد الانفصالي يمثل طيفاً أوسع من الطيف الذي يتزعمه معارضو الانفصال (الذين كانوا جميعاً باستثناء واحد من السنّة)، غير أن الجدير بالانتباه أن اثنين من الشيعة في الوفد كانا ممثلين للطائفة الفارسية الصغيرة والمتدفقة في البصرة، وكذلك الحال مع القرنة على الأطراف. أما أكبر تجمع عربي شيعي للسكان في البصرة، أي القرنة، فلم يكن ممثلاً. ولم يكن هناك من يمثل رجال العشائر الشيعة على طول النهر ممن كانوا يعتبرون خزعل شيخ المحمرة زعيمهم لدى الانفصاليين. ومن الناحية الجغرافية، كانت هناك مبالغة في تمثيل مدينة البصرة القديمة في كلا المعسكرين؛ فمن معارضي الانفصال لم يكن يسكن العشار سوى شخص واحد هو الشمخاني. وكانت لقلة من معارضي الانفصال روابط عائلية برجال الدين السنّة المحليين، بينما لم يرتبط الانفصاليون على نحو وثيق بأي زعماء دينيين. وينتمي أغلب الانفصاليين إلى عائلات استقرت في البصرة في غضون جيل أو جيلين ماضيين، غير أن خصومهم أيضاً كانوا يضمون أفراداً هاجر آباؤهم أو أجدادهم أخيراً إلى البصرة نسبياً، وأناساً تشكلوا شمال بغداد أو نجد في كلا جانبي الانقسام السياسي.

    وفي ما يتعلق بالتعليم أو الخلفية المهنية، كان هناك تمايز واضح. إذ كان التجار من ملاك الأراضي يهيمنون على الانفصاليين، بينما كان أولئك الذين يؤثرون روابط حميمة ببغداد والشمال في الأعم الأغلب رجالاً قضوا الجزء الأكبر من حياتهم يخدمون في المراكز المدنية أو الوظائف الخاصة، بعد إكمال جزء من تعليمهم على الأقل بحسب النظام العثماني. على أنه لا يجب دفع هذه الثنائية إلى أبعد من ذلك، إذ لم يكرس سوى قلة من الموظفين العثمانيين السابقين وقتهم للمهام الإدارية حصراً. وكما كان معتاداً في المناخ التجاري للبصرة، حافظ الكثيرون على استمرار شؤون أعمالهم في الوقت نفسه. وعلى غرار ذلك، لم ينأ الانفصاليون أبداً بأنفسهم عن الدولة العثمانية، بل كان كثير منهم أعضاء في مجالسها المحلية. وما يمكن قوله هو أن معارضي الانفصال كانوا يتطلعون إلى الدولة العثمانية للعيش فيها، بدرجة أكبر من أولئك الذين آثروا الوضع الخاص للبصرة.

    --> كانت المواضع الجغرافية لنشاط الجماعتين المتنافستين مختلفة أيضاً، غير أن الخطوط التي تفصل بينهما أكثر ضبابية. إذ كان بعض زعماء الانفصاليين، لا سيما المنديل والصانع، يميلون أكثر إلى مواطن أسلافهم في نجد وكذلك نحو الخليج، حيث أضفت عليهم نشاطاتهم الديبلوماسية بعض الهيبة، وحيث اكتسبوا معرفة بطرق بديلة للتنظيم السياسي خارج المنظومة العثمانية. غير أن ثلاثة من زعماء الانفصاليين في الأقل (وهم نوح وآغا جعفر والسعدون) كانت عندهم أملاك زراعية ممتدة على طول نهر الفرات في المنتفك، وهي منطقة صاروا يريدون الآن ضمها؛ وهاجر العضو الآخر في جماعتهم (وهو عبدالأحد) أخيراً من الموصل، حيث تتمتع طائفته (من الكاثوليك السريان) بموقف أقوى مما في البصرة؛ وقضى الانفصالي ذو الخلفية العشائرية من المنتفك (السعدون) وقتاً ليس بالقليل في العاصمة العثمانية. كما لا يمكن الادعاء أن الرغبة التي تخامر معارضي الانفصال بالاتحاد مع بغداد قد تشكلت في سياق خالٍ من التأثيرات البديلة؛ فباش أعيان كان كثير الأسفار إلى الهند، بما فيها بومباي (التي كانت للنخب التجارية في البصرة روابط جيدة بها)؛ وكان عمر فوزي موظفاً في الأحساء في الجزيرة العربية لسنوات؛ وتلقى أحمد حمدي بن ملا حسين تعليمه في الحجاز.

    وهكذا، فإن أبرز مظاهر الاختلاف بين الانفصاليين ومعارضي الانفصال كان يتعلق بالعمر والوظيفة. إذاً، لماذا كان المسؤولون العثمانيون السابقون مولعين إلى هذا الحد بالروابط الحميمة مع بغداد؟ يمكن العثور على خيط يهدينا في الأحداث التي جرت خلال الشهور الأخيرة قبل أن يندلع النزاع الانفصالي. بعد توحيد البصرة وبغداد إدارياً عام 1918، أُعيد تفعيل النظم القانونية العثمانية في البصرة، في عودة إلى منظومة القوانين التي كان معارضو الانفصال على دراية بها. وفي الشهور الأولى من عام 1921، حصل ثلاثة منهم على رخص بممارسة القانون أمام المحاكم في الأراضي المحتلة، بينما شهد رابع أخاه وهو يعين حاكماً على العمارة (شمال الحدود المقترحة بين البصرة والعراق). وإضافة إلى هذه الترقيات الوظيفية، لا شك في أن المخطط الانفصالي كان يمثل تهديداً، لأن نظاماً إدارياً خاصاً بالبصرة قد يحيي الأفكار القديمة عن الإدارة البريطانية المباشرة، ويشكل عودة الى الإطار القانوني المستوحى من الهند. لقد تلقى المحامون المرخص لهم حديثاً تعليمهم في بغداد وقونيا وإسطنبول، وتفرق زملاؤهم السابقون عبر الأراضي العثمانية القديمة. وبدلاً من أن يشكلوا جزءاً من شبكة واسعة من الخريجين العثمانيين السابقين، ها هم الآن يتعرضون لخطر فقدان الوظيفة والانعزال في مستعمرة بريطانية في مدينة تعتمد شهرتها في الأساس على التمور والتجارة.

    ويتضمن نص العريضة المعارضة للانفصال فقرات تدعم هذا التأويل للدوافع نحو وحدة أكبر. فعند إيجازهم مطلبهم، ركز معارضو الانفصال على أمرين: الأول؛ ألاّ يوجد في المستقبل أي اختلاف في الوضع بين لواء البصرة وأي لواء آخر في العراق، والثاني، أن تتطابق قوانين البصرة مع القوانين في بقية الألوية. والمطلب الثاني موجود ضمناً في الأول، لكن جوهر الأمر يكمن في أن نظاماً قانونياً موحداً من البصرة إلى الموصل كان بوضوح ذا دلالة خاصة لدى مقدمي العريضة ويستحق أن يفرد بالتخصيص. وقد يروق هذا الموقف المعارض للانفصال أيضاً لمن لم يظهروا الحماسة لفيصل، أو في الحقيقة للعراق: فالبديل الانفصالي سيحول بلا شك دون عودة العثمانيين إلى البصرة، ولعل أتباع النظام القائم في إسطنبول كانوا ينظرون إلى معسكر معارضي الانفصال فقط ليتجنبوا تحويل المدينة الخليجية إلى معقل بريطاني.

    الجماهير الانفصالية

    كم كانت المطالب الانفصالية تمثل الجماهير الشعبية في البصرة؟ يظل هذا السؤال بلا جواب إلى حد كبير، وما يمكن استنتاجه هو أن النخبة المحلية السابقة من العهود العثمانية هيمنت الآن على الوفد الانفصالي، إذ بدأ المنديل والصانع بالبروز قبل الحرب بسنوات؛ وكان آغا جعفر واحداً من التجار الفرس الأكثر توفيقاً في التعامل مع العثمانيين؛ ومثّل نوح وعبدالأحد اليهود والمسيحيين في مناسبات عدة في ظل النظام القديم. فعلى مستوى النخبة، لم يكن زعماء الوفد الانفصالي يقلون حسن تمثيل، أو بالأحرى سوء تمثيل، عن مجالس الوجهاء خلال أيام العثمانيين.

    ربما لا يقول الحساب الرياضي لأرقام تواقيع الانفصاليين ومعارضي الانفصال (4500 مؤيد مقابل 1500 معارض) شيئاً كثيراً عن الدعم الشعبي أو المقاومة الجماهيرية للمخططات. بل إن الأرقام تعطينا فكرة عن السلطة الاجتماعية لرافعي العريضتين، لأن كل الروابط الاقتصادية والاجتماعية المنحرفة جعلت من الجماهير العريضة لسكان البصرة مجرد تابعين لنخبة ملاك الأراضي. فأهل المدن الذين يعيشون في قصور مرفهة كانوا يسيطرون على كل من بساتين النخيل في الأرياف والعقارات في الحضر، وكان يستعصى على الفقراء أن يجدوا محل سكنى مناسباً. وصار كثير من وجهاء الحضر رعاة للمعوزين، يطعمون ويحمون من جاءوا إلى بيوتهم وإلى التجمعات الاجتماعية العامة (كالدواوين والمآتم) وهم يتوقعون منهم الولاء مقابل ذلك. وظهرت السلطة الاجتماعية وراء هذه العلاقات في غاية الوضوح خلال الحقبة العثمانية الأخيرة، حين كان وجهاء البصرة قادرين على تجنيد مئات الرجال من مزارعهم متى احتاجوا إلى عمال في المدينة. والحصول على تواقيع مئات في عريضة كان مهمة أسهل من ذلك بكثير.

    ولمعرفة الرأي العام، من الضروري أن ننظر في فترات أخرى، لم يكن فيها البريطانيون يعيرون أذناً صاغية للرهان على النخب. ومن المثير، خلال الاستفتاء الذي أعد له المسرح بعناية في أواخر عام 1918، أن المعلومات كانت تتوارد حول مقاومة شعبية في التقارير الرسمية. وقد ذكر الصانع [لكوكس] عند مقابلته اياه أنه «منذ الهدنة، عبر ثلاثون في المئة من السكان إلى جانبكم» (أي صاروا مؤيدين لبريطانيا). بينما ادعى آخرون أن ستين في المئة من السكان لا يريدون الحكم البريطاني «مهما كان الثمن». وقال نائب عثماني سابق إنه «كان هناك حديث واسع عن حكم الكفرة». المهم هنا ليست النسب المئوية، بل التصور الواضح عند النخبة (التي ربما كانت مؤيدة للبريطانيين على السواء) عن رأي عام كان معادياً للحكم البريطاني.

    تركزت التعبيرات عن الشعور المعارض للبريطانيين في البصرة خلال ثورة 1920 في المساجد والمقاهي في ضاحية العشار، حيث اشترك أناس ينحدرون من خلفيات ثقافية أكثر تعدداً من تلك التي كانت ممثلة في المجالس المحلية. وبقيت بعض هذه الدوائر فعالة حتى سنة 1921. ولكن كانت توجد أيضاً تجمعات سياسية من دون أن تكون لها روابط وثيقة بأي من معسكري النزاع الرئيسين حول النزعة الانفصالية. وقد حصل نشاط مركز لهؤلاء في بيت الشيخ عبدالمهدي بن إبراهيم المظفر، وهو رجل دين من العشار ظهر كشخصية شعبية في الدوائر الشيعية. وعلى خلاف علماء الشيعة الآخرين في البصرة، لم ينشئ علاقات وثيقة مع البريطانيين. بل دعا، بدلاً من ذلك، زواراً من النجف، وكذلك الملالي المحليين الذين ألقوا الخطب عن الكوارث التي ستحل على كل من يتخلون عن العثمانيين لمصلحة الحكام الكفرة. وتنقل التقارير عن هذه الاجتماعات أسماء بعض التجار الشيعة، لكنها تعطي أيضاً أسماء أناس مجهولين لم يظهر لهم ذكر في المصادر أبداً مثل: ملا خلف، ومحمود أفندي شلال، وحامد التوتنجي. ربما لم يثر هؤلاء الأفراد اهتمام البريطانيين كثيراً، لأن نفوذهم الاجتماعي لم يكن بقوة نفوذ النخب التي تتصدر المعسكرين المتنازعين حول الجدل الانفصالي. على رغم ذلك، يكشف حصول هذه الاجتماعات عن حضور عناصر سياسية فعالة في البصرة بقيت في منأى عن الانفصاليين ومعارضي الانفصال على السواء.

    سيظل إلى الأبد ما كان يدور في أذهان الستة آلاف شخص الذين وضعوا أسماءهم على عرائض تدعو إلى أو ضد ضم البصرة في المملكة العراقية القادمة في حزيران 1921 سراً من أسرار التاريخ، وكذلك ستظل مسألة كونهم يفهمون جيداً أو يفتقرون إلى فهم واضح للوثائق التي وقعوا عليها. والمعروف أن الجماهير الشعبية للبصرة شاركت يوم 23 حزيران في حدث لعله كان من الأهمية عندهم بأهمية الوثائق الغامضة عن الدولة التي لم توجد. في ذلك اليوم، أتيحت لهم الفرصة لتشكيل انطباع عن الرجل الذي كان على وشك أن يتولى مقاليد الدور «كأمير عربي». وصل فيصل بن الحسين على ظهر سفينة. وقيل إن الحشود بلغ عددها آلاف الناس الذين اصطفوا في الشوارع الضيقة حين ترجل فيصل من المركب وانتقل بالسيارة إلى بيت أحمد الصانع – أحد زعماء الانفصاليين، لكن ذلك كان ضمن واجباته كحاكم للبصرة ومسؤول عن توفير لوازم الضيافة للمطالب بالعرش. وفي اليوم التالي، بعد لقاءات مغلقة مع جماعات من الوجهاء، ظهر فيصل للحشود التي تجمعت في الشوارع وانتظمت على السطوح والشرفات وفي كل مكان أتيح لهم أن يلقوا منه نظرة على ساحة دار الحاكم. وكان بعض عناصر الاحتفال مألوفاً لدى المتفرجين، مثل الفرقة الموسيقية، واستعراضات الكشافة، التي كانت أمراً متبعاً في الاحتفالات العامة في الحقبة العثمانية الأخيرة. ولكن ظهرت أيضاً مكونات جديدة تماماً، فبدلاً من الراية العثمانية، كانت تخفق فوق الرؤوس راية العائلة الشريفية في مكة. وبدلاً من الخطب باللسان التركي، كانت الكلمات والهتافات بالعربية يلقيها شباب من البصرة وبغداد. وقد كان في القلب من ذلك كله رجل عربي، هو فيصل الحجازي، الذي خاطب الجماهير بخطبة بليغة استدرت إعجابهم واستحسانهم.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.

    Comment

    Working...
    X