إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الفارق بين "فقه المقاصد" التركي ... و"فقه النفط" العربي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الفارق بين "فقه المقاصد" التركي ... و"فقه النفط" العربي

    الفارق بين "فقه المقاصد" التركي ... و"فقه النفط" العربي

    مصطفى اللباد - القاهرة

    النهار


    فاض انتصار حزب "العدالة والتنمية" التركي في الانتخابات البرلمانية وما تلاه من تنصيب عبد الله غول رئيساً، على حدود تركيا السياسية ليطال عمق المجتمعات العربية وعمليات الحراك السياسي فيها، بعد أن صار مادة ممتازة للمقارعات بيد بعض أنصار الإسلام السياسي الراغبين في إسقاط تجربة تركيا على الحالة السياسية في مصر وغيرها من الأقطار العربية.
    ويقوم هذا الإسقاط على فرضية مفادها أن "حزب العدالة والتنمية" ينهض وكيلاً عن تيارات الإسلام السياسي بشكل عام؛ وأن هذا الانتصار الكبير المتحقق في الانتخابات التركية هو انتصار لها أيضاً. وفى حين انتظمت مفردات مؤيدي هذا الفريق باستخدام وصف "الانتصار الكاسح" و"الزلزال التركي" للإشارة إلى الحراك السياسي التركي، فقد امتنعت غالبية التيارات الفكرية والسياسية غير المحسوبة على الإسلام السياسي عن التعليق على نتيجة الانتخابات البرلمانية التركية، وكأنها تقر ضمناً بصواب الفرضية التي يروج لها منظرو الإسلام السياسي في مصر والدول العربية.

    ويحمل الحراك السياسي التركي مستويين من مستويات الوعي به ومن ثم الاشتباك معه: الأول يتلخص في التقدير الموضوعي للحراك السياسي التركي الحالي ودور حزب "العدالة والتنمية" فيه، والثاني المرتبط به والمتوازي معه هو قابلية التجربة التركية لحزب "العدالة والتنمية" للإسقاط على تجارب أحزاب الإسلام السياسي في المنطقة العربية، وبشكل أكثر تحديداً على جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر. والنتيجة الظاهرة لهذا التوظيف هي الاقتصار على تناول النتائج الانتخابية المجردة دون تحليل الطبقات الأعمق للتشابكات السياسية-الاقتصادية التي تعكسها، وصولاً إلى التعمية على الخلافات الأساسية والجذرية بين حزب "العدالة والتنمية" التركي وجماعة "الإخوان المسلمين"، وهي الاختلافات التي لا تسوغ بأي حال التوظيف السياسي لانتصارات الأول لمصلحة الثانية في مصر.

    راكم رأس المال الداعم لحزب "العدالة والتنمية" فوائضه من عمليات إنتاجية كلاسيكية في قطاعي الزراعة والصناعة، وهو لذلك حزب تركي بامتياز يرتبط أشد الارتباط بمجمل التشابكات السياسية-الاقتصادية في تركيا وخصوصياتها الوطنية. أما تيارات الإسلام السياسي في منطقتنا فقد ترافق طفورها التاريخي في منتصف سبعينات القرن الماضي مع فورات اسعار النفط والغاز وما تفرع عنها من قدرة مالية متعاظمة لدول الريع النفطية. وهذه القدرات المتعاظمة تم – ويتم حتى الآن - تدوير بعضها في منطقتنا العربية لمصلحة تيارات الإسلام السياسي لمواجهة التيارات السياسية والفكرية المخالفة، فارتبط الاثنان: هذه التيارات وتلك القدرات برباط لا ينفصم، وبالتالي تختلف الحالة التركية عن مثيلاتها في الحالات المصرية والعربية اختلافاً بيناً من حيث أنها تركية خالصة في حالة "حزب العدالة والتنمية"، و"ريعية" صافية من حيث ارتباط تيارات الإسلام السياسي في المنطقة العربية بما يمكن تسميته "قيم الريع".

    وإذ ترتكز الأخيرة على موروثات عشائرية وقبلية مغرقة في خصوصيتها المحلية، فإنها تعود لترتبط بالاقتصاد العالمي على نحو طفيلي لا يرتبط بعمليات إنتاجية محلية بل بسياسات تسعير موارد الطاقة دولياً. ويحتم اختلاف المصالح والتوجهات ارتباطاً مغايراً بالأجندات السياسية الوطنية والإقليمية، فضلاً عن تباين القيم السياسية والثقافية بين الحالتين.

    تختلف المنطلقات الوجدانية للأناضول، المعقل التاريخي للحركات الإسلامية التركية، اختلافاً جذرياً عن مثيلاتها في الدول العربية. ويظهر ذلك بوضوح في الفارق بين الجذر الصوفي المتجسد في الحالة التركية، والذي يقود إلى تغليب "فقه المقاصد" على ما سواه من تأويلات تصادمية، للوصول إلى تواؤم خلاق بين مقاصد الشريعة وتعقيدات الواقع التركي وخصوصياته الوطنية. وعلى الناحية المقابلة ترتفع أطروحات الإسلام السياسي في المنطقة العربية على موروثات غير عربية تعود إلى أبو الأعلى المودودي كعمود لخيمتها، وهو ما يؤدى إلى تثبيت تصورات قروسطية حول ماهية الدين ومقاصده على خلفية إدامة التحالفات العشائرية-الدولية للتحكم بموارد الطاقة الريعية.

    وتخلق هذه التصورات في النهاية ما يمكن الاصطلاح عليه بـ "فقه النفط" أو "فقه الغاز"؛ الذي يهيمن على المنطلقات الفكرية لتيارات الإسلام السياسي في منطقتنا العربية، ويضغط سياسياً لربط الأجندات الوطنية لدولها الأصلية بالتصورات العشائرية القروسطية لبعض دول منابع الطاقة. وعلى النقيض من ذلك فقد ظلت الأجندة التركية في عصر حزب "العدالة والتنمية" أجندة تركية بامتياز، على هدى من مقتضياتها ترسم السياسات على أساس مصالح الشرائح الاجتماعية القائدة سياسياً هناك. ولا يدّعي "العدالة والتنمية" قيادته لأحزاب شقيقة في دول أخرى، فهو ليس حزباً عابراً للحدود الوطنية بأي صورة من الصور.

    يترأس رجب طيب إردوغان حزباً تركياً خالصاً يتبنى المصالح الوطنية التركية التي يبدأ منها ويعود إليها، أما تيارات الإسلام السياسي في منطقتنا العربية فهي تغلّب الروابط العابرة للحدود السياسية على خصوصياتها الوطنية، وتدمج في نشاطها السياسي والدعوي –موضوعياً- أجندات إقليمية ودولية. ولا يعرف "حزب العدالة والتنمية" الخلط الذي تمارسه جماعة "الإخوان المسلمين" بين السياسي والدعوي، فالسياسة فقط هي مجال حركة أردوغان ورفاقه، أما الدعوة فليست من اختصاص الأحزاب والحركات السياسية في تركيا.

    ولم يرفع "حزب العدالة والتنمية" شعار "الإسلام هو الحل" في مواجهة خصومه السياسيين، دليلاً على احتكار الدين وغياب البرنامج السياسي، ولم يرفع كذلك المصاحف في مواجهة تظاهرات "العلمانيين" في الشهور السابقة على الانتخابات، ولا شكل بالقطع سرايا طلابية شبه عسكرية لترويع المخالفين. كما لم يلوح أي من رموز "حزب العدالة والتنمية" بفرض "الجزية" على غير المسلمين، بل ميز الحزب نفسه بالانفتاح على التيارات السياسية والأقليات الدينية في تركيا، وذهب في ذلك إلى حد ترشيح نواب من الأرمن والعلويين ووصل عدد منهم إلى البرلمان كنواب للحزب. وبذلك وضع الحزب احترامه لحقوق المواطنة والحريات المدنية على محك الاختبار الفعلي.

    في المقابل لم ترشح جماعة "الإخوان المسلمين" أي مسيحي في الانتخابات الأخيرة، وكل نواب الجماعة في البرلمان المصري وعددهم 88 نائباً لا ينتمي أي منهم إلى الأقليات الدينية في مصر. كما أن العضوية في حزب "العدالة والتنمية" مفتوحة لكل المواطنين الأتراك من كل الأديان والمذاهب، أما في جماعة "الإخوان المسلمين" فالعضوية مغلقة على أتباع دين دون غيره ممن تختارهم قيادة الحزب وفق آليات غير شفافة.

    تلعب السياسة الخارجية دوراً كبيراً في تشكيل تصورات الناخب التركي، ومن الأهداف المؤسسة في تشكيلها مسألة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو هدف تركي وطني بامتياز. وحزب "العدالة والتنمية" لم يحد عن هذا الهدف، بل ساهم فعلياً في المزيد من الاقتراب التركي من الاتحاد الأوروبي على الرغم من تمنّع الأخير، لخليط من الأسباب العنصرية والديموغرافية والتاريخية.

    وميّز حزب "العدالة والتنمية" نفسه بعلاقاته القوية مع الولايات المتحدة الأميركية ومع دوائر البنتاغون تحديداً، وهو بذلك قطع الطريق على المؤسسة العسكرية التركية في الانقلاب على الديموقراطية كما فعلت مع الزعيم التاريخي للإسلام السياسي التركي نجم الدين إربكان. ولكن هذه العلاقات المتميزة مع البنتاغون لا تعود إلى أسباب أو ميول شخصية لرجب طيب أردوغان وعبد الله غول، بل إلى انخراطهما المخلص والمتفاني في المشروع الأميركي لرسم المنطقة من جديد وفقاً لمشروع "الشرق الأوسط الكبير".

    والمشروع الأخير يفسح أدواراً إقليمية متعاظمة لكل من تركيا وإسرائيل في معيّة الوجود الأميركي وعلى حساب باقي أطراف المنطقة. كما أبرز حزب "العدالة والتنمية" استيعابا عميقا للمتغيرات العالمية بعد أحداث الحادي عشر من ايلول، فأظهر طوال الفترة الممتدة من بداية حكمه في عام 2002 وحتى الآن مهارات عالية في لعب دور "الوسيط الحضاري" بين الشرق والغرب، وسجل باسمه نوعاً جديداً من أنواع "الوساطة" في قاموس التجارة والسياسة الذي تشتهر به تركيا. وهى "المهارات" التي لا يملكها أي من أحزاب الإسلام السياسي في منطقتنا –ولله الحمد-، والتي تقف "مهارات" بعضها عند لقاء مسؤول أميركي من الدرجة الثالثة في أحد النوادي النائية ليضغط بهذا اللقاء على السلطات السياسية في بلاده.

    تجلت البراعة السياسية لحزب "العدالة والتنمية" في دمج الشرائح المليونية المهمشة في المدن التركية الكبرى (إسطنبول وإزمير وأنقرة)، والمتحدرة من شرق وجنوب تركيا - أردوغان نفسه مثالها الحي-، مع مصالح جمعيات رجال الأعمال والبازار التركي وهما تناقضان نجح أردوغان وحزبه في دمجهما سوياً. وبهذا المعنى يشكل حزب "العدالة والتنمية" تسوية تركية شديدة الخصوصية، تعطى النَفَس الإسلامي المتمسك بالجذور الثقافية والدينية لمهمشي المدن الكبرى، هؤلاء الذين يشكلون الوعاء الانتخابي الأوسع للحزب. وفى المقابل يحول الحزب دون انتقال هذا النَفَس إلى تغيير في منطلقات وأسس الجمهورية الكمالية حرصاً على مصالح النخبة الاقتصادية الداعمة له.

    ولذلك فالتوصيف الأدق لحزب "العدالة والتنمية" هو الحزب اليميني المحافظ بكل ما تعنيه الكلمة سياسياً وتركياً، والذي يؤمن عبر "توليفته الأردوغانية" للشرائح التركية العليا مصالحها، بالاستناد الى استقرار سياسي واقتصادي لم تشهد تركيا مثيلاً له منذ سنوات طويلة. والشرط الأساس لتأمين هذه المصالح هو بناء حزب اليمين الكلاسيكي المتصالح مع الميول الثقافية والقومية للأتراك والمتشح بإيحاءات إسلامية؛ دون أن يتجاوز هذا التصالح حدوده المرسومة. وبذلك يجسد حزب "العدالة والتنمية" تمييعاً للاستقطاب الحقيقي في المجتمعات، وهو الاستقطاب الطبيعي بين "اليمين واليسار"، في حين تساهم "الأحزاب العلمانية" في استمرار نجاحات الحل التوفيقي الذي يقتات منه حزب "العدالة والتنمية".

    ومرد ذلك أن هذه الأحزاب قد وضعت، بأدائها السياسي الرث، العلمانية في مقابل الدين، وما رفض ترشيح عبد الله غول إلى رئاسة الجمهورية، لسبب معلن هو حجاب زوجته، إلا المثال الأسطع على ذلك. وفات الكثيرين في تركيا أن العلمانية ليست ديناً يناهض الإسلام، بل طريقة لإدارة الدول والمجتمعات على أساس عقلاني لا يميز بين المواطنين بسبب معتقداتهم الدينية، وهي مصطلح لا يرادف الإلحاد بأي حال من الأحوال. ولكن العلمانية، من حيث هي فلسفة فصل الدين عن الدولة وكفالة حقوق المواطنة والحريات المدنية، لم تعد كذلك في تركيا بل صارت ديناً بامتياز. وهو ما يحشد مهمشي المدن التركية وساكني الأناضول وراء حزب "العدالة والتنمية" في مواجهته الصورية المحدودة مع "الدين العلماني الجديد".

    وما يميز حزب إردوغان في المواجهة السالف ذكرها مقارنة مع الأحزاب الإسلامية التي قادها نجم الدين إربكان، هو بالتحديد "التوليفة السياسية" التي يقوم عليها. وهذه التوليفة تستمد عناصرها الأساسية من تحالفاته الداخلية المتماهية مع مصالح النخبة الاقتصادية التركية النافذة، وتحالفاته الخارجية مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. ويؤمن الانخراط المتراوح في شؤون المنطقة على قياس مصالحهما، للحزب ستاراً دولياً واقياً من هجمات خصومه في المؤسسة العسكرية التركية و"الأحزاب العلمانية". وهكذا لا ينهض انتصار "حزب العدالة والتنمية" وكيلاً لانتصار أي طرف خارج تركيا، بل لانتهازية سياسية قلّ نظيرها.

    تنشطر القوى العلمانية في بلدنا بين طريقين، فهي إما تتملق جماعة "الإخوان المسلمين" وتتماهى مع أطروحاتها متنازلة عن ثوابتها وناصبة شراعها على اتجاه رياح الجماعة، أو تعاديها فقط بسبب طابعها "الإسلامي" ولمصلحة السلطات السياسية والاقتصادية الحاكمة.

    وفي مقابل تسلط السلطات السياسية المؤسسة على الفساد الإقتصادي والإداري، لا يختلف البرنامج الاقتصادي لجماعة "الإخوان المسلمين" كثيرا عن برنامج غريمتها بل يتواءم معه ومع مقتضياته. وهكذا لا يتبقى أمام البدائل المدنية والديموقراطية سوى العمل على قيام كتلة تاريخية جديدة بين القوى السياسية والاجتماعية المختلفة؛ باعتبارها ضرورة لضمان الحريات المدنية والدينية والتداول السلمي للسلطة وفى مواجهة احتكار الدين والسلطة في آن واحد.



    (رئيس تحرير مجلة شرق نامة المتخصصة في الشؤون الإيرانية والتركية)
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X