إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق

    احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق (1)

    معركة الفلوجة بشهادة كل الأطراف كانت معركة التاريخ والعراق والاحتلال، وهي المدينة التي حطمت المشروع الامريكي في العراق والمنطقة

    طائرات الجيش بيعت بسوق الخردة وعائلات طالبت بتملك التلفزيون العراقي باعتباره من مخلفات النظام البائد




    يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .


    لقد واجهت قواتنا أسبوعاً قاسياً... وأنا أصلي كلَّ يوم من أجل أن تتراجع الخسائر. بهذه اللغة المليئة بالهزيمة والانكسار خاطب الرئيس الأمريكي جورج بوش بعض عائلات القتلي الأمريكيين في العراق في خطاب ألقاه في قاعدة فورت هود في تكساس في الحادي عشر من نيسان/ابريل عام 2004 حيث كانت قواته المدجَّجة بأحدث أنواع الأسلحة والتدريب في العالم، تتقهقر وتنهزم أمام بضع عشرات من المقاتلين العراقيين في معركة الفلوجة الأولي.

    وفي خطابه الأسبوعي الإذاعي الذي بُثَّ في نفس اليوم قال بوش مخاطباً الأمريكيين بنبرة مليئة بالحزن والهزيمة: هذا الأسبوع في العراق واجهت قوات التحالف تحدياً ونقلت القتال إلي ساحة العدو . وأضاف: وإن إرادتنا الدفاعية سوف تستمر خلال الأسابيع المقبلة . في هذا الوقت كما قال بوش أصبح الأمريكيون في إطار الإرادة الدفاعية وليس الهجومية، أي إرادة المنهزم، وهذا ما عبَّرت عنه وكالة الأنباء الفرنسية في تقرير نشرته في نفس اليوم جاء فيه: إن معركة الفلوجة أفقدت الأمريكيين منزلة المقاتلين الذين لا يُقهرون حيث عجز أقوي جيش في العالم عن تحقيق انتصار علي مقاتلين يقاومون بأسلحة خفيفة مثل الفلوجة . لقد كانت معركة الفلوجة هزيمة مدوية لأقوي جيوش العالم.

    وفي ليلة الرابع عشر من نيسان/أبريل 2004 ظهر بوش يحمل كل علامات الهزيمة علي وجهه بينما كان يجيب الصحفيين عن سؤال حول طلب قائد المنطقة الوسطي الجنرال جون أبي زيد لمزيد من القوات لمواجهة المقاومة الشرسة للقوات الأمريكية في الفلوجة والعراق، فأجاب بوش: إذا كان هذا ما يريده فسوف يحصل عليه . ثم أضاف بوش الذي بدا متأزماً إلي حد بعيد: لقد أصدرت أوامري للقادة العسكريين بعمل ما أمكن لاستخدام القوة الحاسمة إذا تطلَّب الأمر للحفاظ علي النظام ولحماية قواتنا . وقال: إن عواقب الفشل في العراق سيكون من الصعب تخيلها مشيراً إلي أنه في حال حدوث ذلك فإن جميع أعداء أمريكا في العالم سيفرحون، معلنين ضعفنا وتراجعنا، وسيستخدمون هذا الانتصار لتجنيد جيل جديد من القتلة في المنطقة . هكذا كان بوش يعيش مع إدارته وقواته حالة الهزيمة بكل أبعادها.

    لقد دخلت الفلوجة السجل العسكري الأمريكي علي أنها رمز المقاومة في العراق وأنها المدينة التي هزمت الجيش الأمريكي أقوي جيوش العالم، وأنها المدينة التي حطمت المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة، كما أنها المدينة التي دقت المسمار الكبير في نعش الامبراطورية الأمريكية، وهي المدينة التي أذلت بوش ورجاله وبالتالي لا بد من الانتقام من الفلوجة وأهلها بل وحتي من بيوتها وشوارعها وأحجارها ومياه نهر الفرات الذي يمر من حدودها الغربية، وكل مظاهر الحياة فيها. وما كان يحدث في ذلك الوقت لم يكن سوي جانبٍ من الانتقام من أهلها ومحاولة كسر شوكة المقاومة بها، والمبررات الأمريكية لكل الجرائم الأمريكية التي ترتكب كانت دائماً جاهزة، تساعدها آلة إعلامية عالمية هائلة، وحكومة عراقية عميلة هدفها استرضاء المحتل بأي ثمن.

    وقد كان بوش يتابع معركة الانتقام من الفلوجة بنفسه يوماً بيوم وساعة بساعة، وفي يوم الأربعاء 10 تشرين الثاني/نوفمبر أعلن بوش أن: العمليات تجري في الفلوجة علي ما يرام وقال للصحافيين في ختام لقاء عقده في البيت الأبيض مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ياب دو هو شيفر: التقيت المسؤول عن العمليات الميدانية أمس الجنرال كايسي وقال: إن الأمور تجري علي ما يرام في الفلوجة وأنهم يبذلون جهوداً جيدة لبسط الأمن في البلاد .

    ولا زالت الفلوجة بعد مرور ما يقرب من أربع سنوات علي حرقها وتدميرها محاصرة من القوات الأمريكية ولا يسمح لغير أهلها بدخولها، مع تعتيم تام علي جرائم الإبادة التي ارتكبتها القوات الأمريكية فيها.

    ولأن معركة الفلوجة بشهادة كل الأطراف كانت معركة التاريخ والعراق والاحتلال ومستقبل العراق، فقد سعيت لإعداد هذا الكتاب حتي لا تكون الفلوجة ومعركتها الفاصلة في نهاية الأمر مجرد سطر في كتب التاريخ، وكتابتي هنا في معظمها كتابة شاهد عيان حيث كنت علي رأس فريق قناة الجزيرة الذي قام بتغطية معركة الفلوجة الأولي في نيسان/أبريل من العام 2004 من بداية الحصار للمدينة وحتي انهياره. وكما نجح رجال المقاومة المدافعون عن المدينة في تحقيق هزيمة مدوية للقوات الأمريكية التي تشكل أقوي جيوش العالم خلال ستة أيام ومنعوهم من اختراق المدينة أو دخولها، حرص الأمريكيون في معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي كانت معركة الانتقام والتدمير للمدينة أن يتموا عملية الحرق والإبادة خلال ستة أيام أيضا كما قال قائد المارينز الميجور جنرال ريتشارد ناتونسكي.

    وفي هذا الكتاب سيجد القاريء القصة التي لم ترو من قبل عن معركة الفلوجة أو التي رويت متناثرة في مئات المصادر، وسيدرك كيف كانت معركة الفلوجة هي معركة العراق ومعركة التاريخ الذي تغير بالكامل بعدها. فالتاريخ الذي كان يخطط بوش لصناعته في العراق والمنطقة مستخدماً أقوي جيوش العالم، أُحبط ودُمِّر وتغير علي مداخل الفلوجة، وعاشت الولايات المتحدة الهزيمة منذ تلك المعركة في نيسان/أبريل 2004 ولا زالت وستظل تعيشها حتي تخرج بجيوشها مهزومة من العراق، وربما ستظل تعيشها لعقود يمكن أن تؤدي كما قال مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي في كتابه الفرصة الثانية الذي صدر في آذار/مارس 2007 إلي نهاية المشروع الامبراطوري الأمريكي في المنطقة.

    بدأ اجتياح المدينة مساء السابع من تشرين الثاني/نوفمبر بعد إعلان علاوي حالة الطواريء في العراق وأغلق حدوده البرية والجوية، إنها معركة الانتقام من المدينة التي هزمت الامبراطورية الأمريكية، كان بوش ورامسفيلد وباول يديرون المعركة، التي شارك فيها عشرون ألف جندي أمريكي خلاف المرتزقة العراقيين والأجانب، وقد وصفت بالتفصيل أهوال الجحيم التي عاشها أهل الفلوجة من خلال شهادات من نجا من تلك الجريمة البشعة حيث تشير التقديرات إلي أن مئة ألف من أهل المدينة كانوا بداخلها.

    تحدثت عن جرائم القوات الأمريكية من خلال شهادات الشهود وكذلك بطولات المقاومة من خلال شهادة الجنود الأمريكيين، وكيف كبَّد رجال المقاومة الذين كانوا لا يزيدون عن ألفين حسب أعلي التقديرات القوات الأمريكية عدداً كبيراً من القتلي والجرحي مما جعل بوش ورجاله يحرقون المدينة بالفوسفور الأبيض والأسلحة الكيماوية بعد المقاومة الشرسة التي واجهوها في الأيام الأولي، ثم قدمت إحصاء في النهاية لقتلي الفلوجة الذين كانوا ضحية هذه الجريمة.

    العراق قبل معركة الفلوجة الأولي

    كانت الساعة قد جاوزت منتصف الليل بقليل حينما كنت أجلس في غرفة الأخبار التي كان الزملاء في مكتب قناة الجزيرة في بغداد قد انتهوا للتو من تجهيزها وافتتاحها في مقر المكتب الذي كان يقع في فندق بحيرة البجع المطل علي ساحة كهرمانة في حي الكرادة في مدينة بغداد، وبينما كنت مستغرقاً في مراجعة تقرير صحفي أعددته عن زيارتي لمدينة سامراء، فجأة.. دق جرس الهاتف، فقام الزميل حامد حديد الذي كان يجلس إلي جواري بالرد عليه.
    أفقت من استغراقي في مراجعة ما كتبت علي وقع تساؤلات من حامد يطرحها علي المتحدث من الطرف الآخر الذي فهمت مباشرة أنه مدير قناة الجزيرة وضاح خنفر الذي كان يتحدث من مقر القناة الرئيسي في الدوحة. أدركت من مسار المكالمة أن هناك شيئاً غير عادي يحدث في مدينة الفلوجة أو حولها، وحينما أنهي حامد مكالمته التفت إليَّ وقال: وضاح يقول إن لديه معلومات تفيد بأن هناك قوات أمريكية بأعداد كبيرة قد طوقت مدينة الفلوجة وحاصرتها، وطلب مني تحري الأمر ومعرفة ماذا يدور هناك . قلت له: إن الساعة قد جاوزت منتصف الليل، فكيف يتم معرفة ذلك؟ ، قال: سوف نتصل بمراسلنا في الفلوجة حسين دلي ونعرف ماذا يدور هناك . وقام حامد بالاتصال بالزميل حسين دلي مراسل الجزيرة المقيم في مدينة الفلوجة وأخذ يتحدث معه ويستفسر منه، وكان واضحاً من مسار المكالمة أن حسيناً لا يعرف شيئاً عما يدور خارج المدينة، وطلب من حامد أن يمهله قليلاً حتي يخرج من بيته ويدور في بعض الشوارع ويصل إلي أطراف المدينة حتي يري ما إذا كانت هناك أية تحركات غير عادية أو قوات أمريكية قريبة من مداخل المدينة.
    وبعد ما يقرب من ساعة اتصل حسين وأخبرنا بعد جولة قام بها في أحياء المدينة وعلي أطرافها القريبة أن المدينة هادئة وليس هناك شيء غير عادي يدور داخلها أو علي مخارجها القريبة يفيد بأنها قد تمت محاصرتها.
    تداولنا في الأمر بعد ذلك، ووضعنا كافة الاحتمالات أمامنا وما الذي يتوجب علينا فعله لا سيما وأن الوضع كان متوتراً للغاية في الفلوجة بعدما قام رجال المقاومة في 31 آذار/مارس 2004 بالهجوم علي سيارة تقل بعض المرتزقة الذين يعملون مع القوات الأمريكية وقتلوا أربعة منهم احترقت بهم سيارتهم بعد قتلهم، ثم قام عامة الناس بسحل بعض جثث المرتزقة في الشوارع، مما أعاد سيناريو الصومال مرة أخري بعدما نقلت وكالات الأنباء الصور إلي كافة أنحاء العالم. وكان مراسل الجزيرة حسين دلي من بين الذين تمكنوا من التقاط صور مميَّزة لما حدث تمَّ بثُّها علي شاشة قناة الجزيرة وعلي شاشات التلفزة العالمية، بعدها لم تتوقف تهديدات المسؤولين الأمريكيين وعلي رأسهم الرئيس بوش من أن هذا الحادث لن يمر دون الانتقام ممن قاموا به، وفي لحظات الترقب هذه جاءنا خبر تطويق القوات الأمريكية للمدينة ليل الأحد الرابع من نيسان/أبريل من العام 2004 .
    كانت ترتيباتنا في قناة الجزيرة لتغطية يوم التاسع من نيسان/أبريل 2004 والذي يصادف ذكري مرور عام علي الاحتلال الأمريكي للعراق هي تكوين أربع فرق تلفزيونية تتواجد في أربع مناطق رئيسية تغطي أنحاء العراق، علي رأس كل فرقة أحد مقدمي الأخبار أو البرامج المميزين.
    الفريق الأول يكون مقره في بغداد وعلي رأسه الزميل محمد كريشان، والفريق الثاني في أربيل شمال العراق وكان مقرراً أن يكون الزميل غسان بن جدو علي رأسه، لكن مهمة هذا الفريق لم تتم ولم يأت غسان لأسباب لم أعرفها ولم أسأل عنها. أما الفريق الثالث فقد كان مقرراً أن يتواجد في كربلاء والنجف وأن يكون علي رأسه الزميل عبد القادر عياض الذي رافقني من الدوحة وقام بتقديم بعض حلقات برنامج المشهد العراقي، لكن عبد القادر بقي بعد ذلك في بغداد لمشاركة محمد كريشان في تقديم أحداث التاسع من نيسان/أبريل، أما الفريق الرابع فقد تقرر أن يكون مقره مدينة الفلوجة وكلفت أنا أحمد منصور أن أكون علي رأسه، علاوة علي ذلك كان لديَّ مهام أخري عديدة، منها تقديم عدة حلقات من برنامجي بلا حدود مع بعض القادة العسكريين الذين عايشوا معركة بغداد الأخيرة في العام 2003 وتقديم جانب من الصورة الخفية لهذه الحرب وخفاياها. وقدمت حلقتين بالفعل من برنامج بلا حدود آنذاك مع خمسة من كبار العسكريين العراقيين الذين تيسَّر لي لقاؤهم أو الذين قبلوا الحديث معي حيث ان الأمر لم يكن سهلاً في ظل تجريم سلطات الاحتلال ومجلس الحكم آنذاك لمعظم العراقيين الذين عملوا مع النظام السابق. الأمر الآخر هو البحث عن ضيوف لبرنامجي الآخر شاهد علي العصر من صناع القرار والمسؤولين العراقيين السابقين، لذلك حينما جلسنا في مكتب قناة الجزيرة نتدوال في أمر الفلوجة بعدما أبلغنا وضاح خنفر بحصارها ليل الأحد الرابع من نيسان/أبريل انتهينا في نقاشنا الذي امتد إلي قرابة الثانية بعد منتصف الليل إلي أن أتحرك صباح الاثنين الخامس من نيسان/أبريل مع فريق العمل الذي كان من المقرر أن يصحبني يوم التاسع من نيسان/أبريل إلي الفلوجة، وأن ندخل إلي المدينة ونبقي بها إلي التاسع من نيسان/أبريل.
    هكذا كان تصورنا، فالصورة لم تكن واضحة لدينا بعد، ولم نكن نعلم أن المدينة قد حوصرت من كافة الطرق والجوانب، حتي الطرق الفرعية أغلقتها القوات الأمريكية، ولم يعد هناك أي مجال للدخول، ولأن الإرهاق قد بلغ بي مبلغه وكذلك الزملاء الذين كانوا معي فقد قررنا أن نخلد إلي النوم ولو قليلاً حتي نتمكن في الصباح من القيام بمهمتنا الشاقة التي لم نكن نعلم أي شيء عن تفاصيلها.
    ولكن قبل أن نبدأ طريقنا إلي الفلوجة لنتعرف أولاً عن وضع العراق قبل معركة الفلوجة الأولي وتحديداً بعد عام من الاحتلال الأمريكي؟

    العراق بعد عام من الاحتلال

    كنت أتجول بعد عام من الاحتلال الأمريكي للعراق، وتحديداً في الثاني من نيسان/أبريل من العام 2004 ، في السوق القديم لمدينة سامراء ـ إحدي أقدم مدن العراق ـ حيث أحب دائماً أن أتجول في أسواق المدن القديمة رغم الأوضاع غير الآمنة التي كانت تعم العراق، ورغم أني كنت أحاول إخفاء ملامحي بوضع قبعة علي رأسي ونظارة شمس سوداء علي وجهي حتي أتحاشي فضول من يمكنهم التعرف عليَّ من خلال مشاهدتهم لبرامجي التليفزيونية، رغم كل ذلك اقترب مني فجأة عجوز عراقي وأمسك بيدي وقال لي وهو يتفرس في وجهي: ألست أحمد منصور؟ قلت له وأنا أبتسم: نعم، قال بشكل مباشر: أريدك أن تبلغ الناس بأن ما فعله الأمريكيون في العراق من خراب ودمار علي مدار عام واحد من الاحتلال هو أكبر مما فعله صدام حسين علي مدي خمسة وثلاثين عاماً، نحن لم نكن نحب صداماً، لكن الأمريكان أسوأ منه ألف مرة ، وظل الرجل يتحدث في هذا الإطار بضع دقائق فأنصت إليه أدباً ثم ودعته ومضيت.
    وفي ذلك اليوم الذي نزلت فيه ضيفاً علي الشيخ ناهض السامرائي التقيت مع كثير من أهل سامراء ووجهائها، وروي لي كثير منهم ما قامت به القوات الأمريكية في سامراء وما حولها طوال عام من الاحتلال مما سيأتي ذكره فيما بعد.
    وفي اليوم التالي الثالث من نيسان/أبريل 2004 التقيت في بغداد الدكتور علي المشهداني رئيس رابطة خبراء النفط العراقيين حيث انه كان أحد الضيوف الذين رتبت معهم أن يشتركوا معي في التغطية المزمعة من الفلوجة في التاسع من نيسان/أبريل، وقد سمعت منه نفس الكلام الذي قاله لي عجوز سامراء ولكن بلغة علمية وبأرقام وإحصاءات خبير في النفط والاقتصاد والمعلومات.
    وكان خلاصة ما قاله لي الدكتور المشهداني آنذاك هو: إن مجموع ما خسره العراق خلال عام واحد من الاحتلال الأمريكي بلغ 475 مليار دولار . فقلت له متسائلاً بتعجب: هذا رقم ضخم للغاية فعلي أي أساس حسبته وقدرته يا سيدي؟ ، قال: لم أحسبه ولم أقدره وحدي، وإنما جلسنا مجموعة من الخبراء العراقيين في النفط والاقتصاد ووصلنا إلي هذه المحصلة الحقيقية من خلال ممتلكات ومخصصات الدولة، فالخسائر المالية لا تحسب علي ما فقد أو ضاع ولكن لها حسابات أخري، فقبل سقوط نظام صدام حسين كان %90 من مدخول العراق النفطي يوجه إلي التسلح، والآن تم تدمير كافة ممتلكات الدولة من السلاح والمعدات والمصانع الحربية والمطارات والمنشآت.
    فالطائرات العراقية الحربية وكان معظمها محفوظاً في المزارع وصالحاً للطيران تُقطع الآن بمناشير خاصة إلي أجزاء وتبيعها سلطات الاحتلال بالطن كحديد خردة، ويباع الطن بقيمة ثلاثين دولاراً فقط، وهذا يعني أن الطائرة التي كان ثمنها عدة ملايين من الدولارات اقتطعت من أموال الشعب العراقي ومقدراته تباع الآن كخردة للمقاولين بعدة مئات من الدولارات، وأن الدبابة تي 72 الصالحة للاستخدام والتي يزيد وزنها عن 40 طناً والتي كان ثمنها يزيد عن مليون دولار تباع الآن بحوالي ألف دولار بعدما يتم تقطيعها إلي أربع قطع بمناشير خاصة جلبها المقاولون ويتم شحنها إلي خارج العراق حيث تباع كخردة ولا أحد يسأل سلطات الاحتلال عما تفعل، لأنه ليس هناك سلطة لأحد كي يسأل .
    أصابني كلام الدكتور المشهداني بالصدمة، لأن مثل هذه الحقائق لا يعلم بها كثير من الناس، كما كان كثيرون لا يزالون ـ في ذلك الوقت ـ بعد عام من الاحتلال الأمريكي للعراق يتحدثون عن كارثة نهب المتحف العراقي، لكن يبدو أن ما تم بعد نهب المتحف أضخم وأكبر بكثير مما يمكن أن يتخيل. وقد قمت خلال ما يقرب من شهر قضيته في العراق بين آذار/مارس ونيسان/أبريل 2004 وقبيل معركة الفلوجة الأولي مباشرة بزيارة لكثير من المدن العراقية ووقفت علي كثير من الحقائق المذهلة عما وقع للعراق خلال عام من الاحتلال، لكن الأرقام الدقيقة وهي اللغة التي عادة ما أتعامل بها لا يعرف بها الكثير من الناس، لأن الأرقام الحقيقية لدي طرفين هما سلطات الاحتلال والمقاولون الذين كانوا لا يزالون يقومون بتفكيك المصانع والمؤسسات ويفرغون المخازن من محتوياتها وشحنها كلها إلي خارج العراق، وكان باستطاعة أي متجول آنذاك علي الطرق السريعة التي تربط العراق بدول الجوار أن يحصي الحجم الذي لا يُتخيل للشاحنات العملاقة التي كانت تحمل كل شيء، ولكن معظم ما كانت تحمله كان مغطي وغير ظاهر.
    وأذكر أني في طريق عودتي من تكريت إلي بغداد في إحدي زياراتي المتكررة لها خلال النصف الثاني من آذار/مارس 2004 ، وجدت حادثاً علي الطريق حيث كانت إحدي الشاحنات الضخمة مقلوبة، وكانت قوات من الشرطة العراقية وقوات أمريكية تطوِّق المكان، فطلبت من السائق المرافق لي أن يتوقف حتي أعرف ماذا يجري، وأبرزت هويتي الصحفية، وطلبت من الشرطة العراقية أن يسمحوا لي بالوصول إلي موقع الشاحنة ومعرفة ما حدث، فتعرفوا عليَّ من خلال عملي التلفزيوني لكنهم أخبروني أن القوات الأمريكية طلبت منهم عدم السماح لأحد بالاقتراب، وحينما حاولت أن أتعرف منهم علي طبيعة الحادث لم يقدموا لي أية معلومات ذات قيمة، فهم عادة لا يعرفون شيئاً والحادث وقع لشاحنة في قافلة كبيرة كانت تضم عشرات الشاحنات الأخري التي كانت تحرسها القوات الأمريكية وكانت القافلة ضخمة للغاية. وبعد نقاشات مع الجنود العراقيين جاء أحد الضباط وتعرف عليَّ ثم سمح لي أن أتقدم وأن أقترب من الشاحنة حتي أعرف ماذا تحمل، فوجدتها تحمل قطعة ضخمة أبلغني الضابط العراقي أنها لأحد معامل تكرير النفط وتم تفكيكها من هناك. سألته إلي أين تذهب هذه؟ قال: لا أعرف. وحينما رآني أحد الجنود الأمريكيين أبرزت له هويتي الصحفية وقلت له: أريد أن أعرف طبيعة الحادث وماذا تحمل الشاحنة وإلي أين هي متجهة؟ لم يجب علي سؤالي ولكن طلب مني الابتعاد فوراُ عن المكان ورفض الإدلاء بأية معلومات لي ومنعني من التصوير.
    هذا الطريق هو نفسه الطريق الدولي الذي يربط بغداد أيضاً مع تركيا عبر الموصل، لكني حينما ذهبت إلي مدينة سامراء قلب ما يسمي بالمثلث السني، حيث توجد جزيرة بحيرة الثرثار التي كانت تقع بها المخازن الرئيسية للحكومة العراقية، والتي كانت تحوي كثيراً من مقدرات الدولة ومخزوناتها الاحتياطية في كافة المجالات العسكرية والمدنية، بدءاً من الغذاء وحتي العتاد العسكري، وقفت علي معلومات أخري مذهلة. فقد قدَّر لي بعض الخبراء العراقيين مساحة هذه المخازن بأنها تبلغ حوالي مليون هكتار من المباني، وكل هكتار كانت تبلغ مساحته 2500 متر، هذه المخازن الضخمة والرهيبة في مساحتها كانت ممتلئة بكل شيء، وقد وقعت بعد عدة أسابيع من الاحتلال تحت أيدي القوات الأمريكية بكل محتوياتها، وأبلغني أحد المسؤولين في مجلس الحكم في مدينة سامراء آنذاك أن العراقيين فوجئوا بعد عدة أشهر من الاحتلال، بمقاولين أجانب وعراقيين ينقلون محتويات هذه المخازن التي هي بحاجة إلي أساطيل من سيارات النقل وعدة سنوات حتي يتم تفريغها من محتوياتها وشحنها، فاكتشفوا أن الأمريكان هم الذين يقومون بعملية البيع لمحتويات هذه المخازن وبشكل مخيف، وأن هؤلاء المقاولين لديهم عقود بيع وتفريغ لهذه المخازن التي تحوي مقدرات هائلة للعراقيين وبها كميات كبيرة من السلاح والعتاد والمعدات الحربية التي لم تستخدم بعد، كذلك يوجد بها مواد تموينية وأغذية ومعدات مدنية وصناعية وأجهزة كمبيوتر وكل ما يمكن أن تكون الدولة بحاجة إليه .
    وأضاف بأن المنطقة كان بها أيضاً منشأة صناعية ضخمة اسمها منشأة صلاح الدين، كان النظام السابق قد أقامها بترتيب مع الفرنسيين وكانت مجهَّزة بأجهزة كمبيوترية عملاقة تستطيع صنع معدات وأجهزة رقمية بما فيها أقمار اصطناعية مدنية ومعدات وأجهزة مصانع، وكانت هذه المنشأة جديدة ولم تفتتح رسمياً بعد، لكننا اكتشفنا مجيء مقاولين بشاحنات من أجل فك الأجهزة ونقلها، فأبلغنا الشرطة العراقية والمحافظ وجاءت قوات من الشرطة لوقف هذه العملية التخريبية الكبري لكن أحداً، حتي المحافظ، لم يستطع أن يمنع عملية التفكيك والنقل لهذه المنشأة العملاقة واكتشفنا أن هؤلاء المقاولين معهم عقد بيع من القوات الأمريكية وأن الموقِّع لهم علي عقد البيع من الطرف الأمريكي هو جندي أمريكي برتبة عريف، وأؤكد لك وكلّي خجل أن قوة العريف الأمريكي الآن هي أقوي من سلطة المحافظ العراقي بل أقوي من أي عضو في مجلس الحكم حتي لو كان رئيس مجلس الحكم نفسه .
    وأضاف قائلاً: وأنا منذ عام أي منذ وقوع الاحتلال وأنا أسعي مع كثير من العراقيين المخلصين للحفاظ علي ما تبقي من ثروة أمتنا لكننا فشلنا حتي الآن وثروة بلادنا تفكك وتباع، بل وبعضها يهدي لمن وقفوا مع المحتل ممن يُسمّون بالحلفاء ونحن عاجزون عن حمايتها، وأؤكد لك أن متحف بغداد لم يحرق ولم يذهب وحده ولكن ما تم خلال عام واحد من الاحتلال من تدمير مقدرات الدولة وسرقتها أكثر فظاعة مما شاهده الناس علي شاشات التلفزة خلال فترة الحرب، وكل ما يتم الترويج له الآن هو تغطية علي عمليات النهب المنظم لما تبقي من ممتلكات ومؤسسات الدولة ومخازنها وثرواتها والتي يمكن أن تستمر لسنوات أخري قادمة، ولا أحد يتكلم، لأن لا أحد يعلم حقيقة ما يدور، ولا أحد يستمع لنا فالكل مصاب والكل يتألم إما بمفقود أو معتقل.
    أما مقدرات الدولة وثروة الشعب العراقي من معدات لتصنيع الأقمار الاصطناعية وثروات أخري فإنها تباع في المزاد ويوقع علي عقد البيع جندي أمريكي.. هذا ما يحدث الآن في العراق بعد عام من الاحتلال .

    انتشار البطالة والفقر

    الحديث عن البطالة في العراق بعد عام واحد فقط من الاحتلال يعتبر شيئاً مريعاً، فهناك جيش كان يزيد عدد المنتسبين والمحترفين فيه عن نصف مليون جندي، وهناك دولة كان يعمل بها من الموظفين ما يزيد علي سبعة ملايين شخص، أصبح معظمهم بل كلهم عاطلين عن العمل، وقد التقيت في بغداد آنذاك ضباطاً وموظفين كباراً سابقين كانوا يعيشون حالة مأساوية، فبعضهم كان يعمل سائقاً وآخرون يبيعون أشياء بسيطة في الشوارع حتي يعولوا أسرهم، حتي ان أحدهم قال لي وهو يطرق بوجهه: لديّ خمس بنات بعضهن في الجامعات يا سيدي وأنا كنت برتبة لواء ركن وكنت أعمل أستاذاً في كلية الحرب العليا أعلي أكاديمية عسكرية في العراق، ومعي ثلاث شهادات للدكتوراه في العلوم العسكرية لكني الآن بلا عمل فمن أين أطعم أولادي وكيف أعيش؟ .
    وفي محافظة صلاح الدين التي تقع بها مدينة تكريت التي كان ينتسب لها الرئيس السابق صدام حسين، كان أغلب الناس الذين التقيت بهم ينتسبون للجيش والأمن الخاص والحرس الجمهوري أو موظفين عامين في الدولة، وهذا يعني أن الوظيفة سواء كانت عسكرية أو مدنية كانت هي مورد رزقهم الأساسي، وجدت بعضهم يعمل بائعاً في الأسواق وبعضهم عاد يعمل في الفلاحة ممن كان لديهم أراض زراعية، لكن الأغلبية ليس لها عمل وتشكو الفاقة.
    أما المؤسسات التابعة للإدارات المحلية فكلها تعيش حالة من الفوضي، ومن يذهب للعمل في الشرطة أو الدفاع الوطني بشكل عام في العراق فإنهم يوصفون بأنهم يعملون مع سلطات الاحتلال وبالتالي فهم إما أن يكونوا هدفاً لرجال المقاومة أو ينظر إليهم باحتقار من الناس، لكن في النهاية وكما انتسب لحزب البعث سبعة ملايين معظمهم للبحث عن وظيفة فقد فعلت سلطات الاحتلال نفس الشيء ولكن في ظل فوضي عارمة.
    ولم يكن هذا في بغداد وحدها أو المدن الكبري، ولكنه كان شاملاً لكل مدن العراق وربما لم ينج منه إلا هؤلاء الذين كانوا يعملون في التجارة أو الزراعة من قبل، وقد رأيت أحد القادة العسكريين حينما زرته في قريته التي تبعد عن بغداد حوالي مئتي كيلو متر يعمل بالفلاحة في مزرعة صغيرة ورثها عن أبيه، وحينما وصلت إلي بيته طلبوا مني أن أنتظر حتي ينادوه من المزرعة، فجاء الرجل مهرولاً ثم قال لي والحرج يعلوه ـ حيث ذهبت إليه دون موعد لعدم وجود هاتف لديه ـ وهو يستقبلني بجلبابه ويديه المتسختين بالطين حيث كان يروي مزرعته بيديه آسف سأغسل يدي ثم أعود إليك . وبعدما عاد قال لي وهو يطرق بنظره للأرض حرجاً مني لم أجد شيئاً بعدما دمر جيشنا واحتلت بلادنا إلا ما تركه لي أبي من قطعة أرض صغيرة فعدت إليها وأعمل فلاحاً الآن حتي أوفر لعائلتي ما يمكن أن تعيش به . قلت له: لا عليك إن ما تقوم به هو أشرف ما يمكن أن يقوم به الإنسان .

    فوضي الصحافة

    حينما كنت أذهب إلي العراق قبل احتلاله من قبل القوات الأمريكية في نيسان/أبريل من العام 2003 ، أي حينما كان يحكمه صدام حسين، كنت لا أجد سوي الصحــــف الحزبية والرسمية التي بقيت طيلة خمسة وعشـــــرين عاماً تضع صور الرئيس السابق في صدر صفحاتها الأولي وتتحدث عن إنجازاته وتكاد وأنت تقرؤها تشعر أنك تعيــــــش في عصر خاص هو عصر صدام حسين. وفي كل زيارة كنت أشعر أن هذه نفس الصحف التي قرأتها في الزيارة الماضية، لكني كنت أدقـــــق في التاريخ فأجده تاريخ اليوم الذي أنا فيه وليس تاريخ الزيارة السابقة.
    أما في بغداد وبعد عام من الاحتلال فقد كنت أجلس كل صباح علي كومة من الصحف العراقية، لكن ما كنت أستطيع قراءته من هذه الكومة من الصحف كان لا يزيد عن صحيفتين إلي ثلاث، أما النسيج الباقي من الصحف فهو يبدأ من صحف تعبِّر عن آراء أحزاب أو سياسيين سابقين أو ما يطلق عليهم العراقيون عملاء لأنظمة ودول مختلفة أو عائلات أو أفراد أو صحف فضائح تنشر قصصاً مختلقة لا أصل لها، أو قصصاً أخري نشرت قبل سنوات في الصحف العربية فأعادوا صياغتها وإخراجها بأسلوب فضائحي ركيك ورخيص. أما باقي الصحف ـ نقلاً عن أحد أعضاء مجلس إدارة جمعية الصحفيين العراقية ـ فقد زادت في بغداد وحدها خلال عام واحد من الاحتلال عن مئتين وثلاثين صحيفة بعضها لم يصدر منه سوي عدد واحد، وبعض الجهات والأفراد يصدرون أكثر من صحيفة، الكثير منها أو أغلبها كان يوزَّع مجاناً في الشوارع وعلي المكاتب والفنادق. ومن المناظر التي كانت مألوفة في بغداد صباحاً أن تجد عراقياً يحمل تحت إبطه كمية من الصحف ويمشي يوزِّع منها علي من يعرف، وكثير منها علي من لا يعرف. والغريب أن بعض هذه الصحف ربما لم يكن يقرؤها سوي الذين يكتبون فيها. وأذكر أني قرأت في إحداها قصة عن طلاق إحدي الممثلات أذكر أني قرأت نفس القصة قبل عدة سنوات في الصحف المصرية حتي إن هذه الممثلة ربما تزوجت وطلقت عـــدة مرات بعد هذه القصة، لكنها هنا برواية عراقية جديدة مليئة بالفبركة والتدليس. إنها الفوضي العارمة والفبركة التي تطال كل شيء. هذا في بغداد، أما في المحافظات والمدن الأخري فقد كان يصدر ويوزع بها مئات الصحف الأخري.
    التعديل الأخير تم بواسطة مشرف عام; الساعة 24-09-2007, 02:19 PM.
    وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ


  • #2
    رد: احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق (2)

    احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق (2)
    شيخ عشيرة: لقد أهانونا كثيراً ولو لقيت أي جندي أمريكي أستطيع قتله لقتلته. إنهم لصوص يسرقون كل شيء
    مسؤولون جدد يعيشون في بيوت كالسجون لا يحظون بمقابلة القادة المحتلين وكل السلطة للعريف الامريكي في بغداد
    24/09/2007

    يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. نشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .


    الأحزاب السياسية

    مع الفوضي العارمة في كافة مجالات الحياة كانت هناك أيضاً فوضي في تأسيس ووجود الأحزاب السياسية في العراق، حيث بلغ عدد الأحزاب التي أعلن عن تأسيسها في بغداد خلال عام من الاحتلال أكثر من مئتي حزب سياسي؛ بل إن أحد السياسيين العراقيين أكد لي أن عددهم وصل في بداية نيسان/أبريل 2004 إلي 237 حزباً، هذا خلاف الأحزاب الصغيرة في المحافظات والمدن حيث لم يتم عمل أي إحصاء رسمي لها حتي الآن، وهي تقدر بالمئات، وقد سارعت هذه الأحزاب بعد سقوط النظام إلي السيطرة علي مقرات حزب البعث ومؤسسات الدولة السابقة، وحتي دور السينما والحانات وبيوت كبار الموظفين والمجمعات السكنية الحكومية والعسكرية واتخذتها مقاراً لها. وقد شاهد الجميع علي شاشات التلفزة في 29 آذار/مارس 2004 صور عراك بالأيدي بين منتسبي حزب جماعة ثأر الله أحد الأحزاب الشيعية الصغيرة في مدينة البصرة وبين القوات البريطانية التي طالبتهم بإخلاء مبني عام سيطروا عليه واتخذوه مقراً لحزبهم بعد الاحتلال، وكان قبل ذلك مقراً لـ اتحاد النساء العراقيات في البصرة.
    والغريب أن هؤلاء كانوا يطالبون بتملك هذه المباني التي هي ممتلكات الدولة في الأصل، كما أن بيوت مسؤولي النظام السابقين أيضاً تحولت إلي مقار للأحزاب أو إلي مساكن للمسؤولين الجدد الذين لم يتحرجوا بل سارعوا للاستيلاء علي مساكن الذين ظلموا أنفسهم من رجال النظام السابق، وذلك بأسلوب عبثي فوضوي غريب.
    وأكثر الأمور إضحاكاً في هذا المجال هو أني علمت أثناء وجودي في بغداد في آذار/مارس 2004 أن مبني الإذاعة والتلفزيون محتل من قبل عشرات العائلات العراقية، فسألت: وكيف حال الإستديوهات؟ فقالوا: إن كل استوديو كبير سيطرت عليه عدة عائلات. لكن المضحك في الأمر أن هؤلاء يطالبون بتمليكهم المبني علي اعتبار أنه من مخلفات النظام السابق وليس من ممتلكات الدولة.
    وحينما ذهبت لزيارة عضو مجلس الحكم الانتقالي صلاح الدين محمد بهاء الدين لترتيب حلقة تلفزيونية لي معه في برنامجي بلا حدود ، وجدته يقيم في مجمع الوزراء في منطقة القادسية في قلب بغداد، ويحيط بالمبني سور إسمنتي يصل ارتفاعه إلي حوالي أربعة أمتار أشبه ما يكون بالسور الذي أقامه شارون في الضفة الغربية، لكن سور القادسية كانت عليه حراسة أمريكية بالدبابات، وجنود عراقيون من الدفاع المدني خوفاً من عمليات التفجير التي أصبحت تهدد كل الأماكن التي تقيم فيها قوات احتلال أو مقرات للسلطة المؤقتة، ومثل هذه الأسوار الخرسانية انتشرت حول كل المباني والفنادق التي تستخدمها سلطات الاحتلال، فالمكان الذي كان يسكنه قادة البعث والسلطة السابقة أصبح للسلطة الجديدة الموالية للاحتلال.

    فوضي الاغتيالات

    اغتيال ضابط سابق في وزارة الداخلية وإصابة ابنته ، اغتيال قائد شرطة المحمودية ، سيارة مفخخة تستهدف محافظ ديالي ، مجهولون يختطفون الدكتور وليد الخال ، مقتل طبيب في عيادته ، هذا ما كنت أنام وأستيقظ عليه في العراق أثناء تجولي في مدنها المختلفة خلال شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل من العام 2004، حوادث قتل وخطف وسيارات مفخخة، وطلقات نارية وانفجارات قذائف وصورايخ ولا أحد يشعر بالأمن كما قال لي أحد السياسيين العراقيين حتي بول بريمر الحاكم المدني العراقي نفسه آنذاك كما قال في مذكراته ـ التي نشرت طبعتها العربية دار الكتاب العربي في بيروت في العام 2006 ـ تعرض لعدة محاولات اغتيال قال إنها بلغت خمساً حتي ذلك الوقت لكن بنهاية فترته بلغت سبع محاولات، وحتي قائد القيادة العسكرية الأمريكية الوسطي الجنرال جون أبي زيد نجا هو الآخر من هجوم صاروخي شنّه رجال المقاومة علي رتل عسكري كبير كان فيه أثناء توجهه إلي مدينة الفلوجة في 12 شباط/فبراير 2004. وأكد الجنرال مارك كيميت نائب قائد العمليات العسكرية في مؤتمر صحافي عقده في بغداد مساء نفس اليوم: أن الجنرال أبي زيد كان يزور مجمعاً لفرقة الدفاع المدني العراقية في محلة الفلوجة عندما أطلقت ثلاث قذائف صاروخية علي قافلته من فوق أسطح مبان قريبة .
    فإذا كان هذا هو حال الحاكم المدني الأمريكي وحال قائد القيادة المركزية الأمريكية اللذين كانا يتحصنان وراء جدران وسط عشرات الآلاف من الجنود، فكيف هي حال المواطنين العراقيين البسطاء العاديين؟ ورغم أن مسؤولية الأمن هي مسؤولية الاحتلال لكن في ظل تصريحات لوزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد التي رددها أكثر من مرة قائلاً: إن أمن العراقيين هو مسؤولية العراقيين أنفسهم وليس مسؤولية سلطات الاحتلال فإن هذا أمر يخالف ـ دون شك ـ كل القوانين الدولية.
    وقد أدت هذه الفوضي الأمنية إلي قيام عصابات مسلحة منظمة تقوم بخطف الميسورين من الناس وطلب فدية لقاء الإفراج عنهم، وقامت عصابات أخري بعمليات سطو مسلح، وقامت جماعات مسلحة بتصفية شخصيات من جماعات أخري.
    وقد أبلغني الدكتور حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق في لقاء أجريته معه في بغداد في شهر آذار/مارس من العام 2004 أن: عدد علماء الدين الذين تم تصفيتهم من أهل السنة خلال شهر واحد فقط زاد عن خمسين عالماً منهم شقيقه الذي كان كما قال: إنساناً وادعاً ومسالماً وأحد أشهر العلماء السنة في بغداد ، وأضاف بأن هناك قوائم أصدرتها بعض الجهات بتصفية البعثيين وهي في الأصل تستهدف تصفية الخبراء والعلماء والأكاديميين البارزين من أهل السنة وتصفية العراق من أبنائه الخبراء في كافة مجالات الحياة تحت دعوي أنهم بعثيون، وما يحدث هو خطير ويتجاوز كل الأعراف .

    صناعة الكراهية لقوات الاحتلال

    حينما ذهبت إلي مدينة الفلوجة يوم الخميس الأول من نيسان/أبريل 2004، أي بعد يوم واحد من عملية قتل أربعة من المرتزقة الأمريكيين في 31 آذار/مارس تابعين لشركة بلاك ووتر ويعملون حراساً أمنيين لصالح الجيش الأمريكي، حيث تم سحل جثث بعضهم في الشوارع من قبل عامة الناس بعد حرق جثثهم والسيارات التي كانت تقلّهم ـ كان السؤال الذي يشغلني هو لماذا فعل الناس هذا العمل في الفلوجة؟ لماذا لم يكتفوا بقتل الأمريكيين بل قام العامة منهم والأطفال بسحل ما تبقي من جثثهم في الشوارع وتعليق أجزاء منها علي أحد الكباري؟ وقد أخبرني بعض الوجهاء والحكماء في المدينة حينما التقيت بعدد منهم في هذه الزيارة: إننا لا نقبل ما تم من قبل العامة وليست المقاومة مسؤولة عن هذا، فقد قام رجال المقاومة بعمل كمين للمرتزقة وهذا حقهم الذي كفلته كل القوانين والشرائع الدولية بمقاومة سلطات الاحتلال ثم انسحبوا من الموقع، لكن الأمريكيين صنعوا في نفوس عموم العراقيين من خلال ممارساتهم اليومية كمّاً من الكراهية لهم لا يوصف، وهذه الكراهية هي التي ولدت رد الفعل هذا لدي عموم الناس .
    وانبري أحد شيوخ العشائر من بين الحضور الذين تجمعوا للقائي وقال لي: نحن أهل عشائر وأهل تقاليد كنا في عهد صدام حسين رغم كل طغيانه وجبروته لا يلقي القبض علي أحدنا من قبل مخابراته إلا ويأتي مع قوات المخابرات مختار المنطقة وبعض أفراد الشرطة من المدينة ويستأذنون بداية قبل الدخول، فنقوم بترتيب البيت وإيقاظ الأطفال أو تجميعهم في غرفة واحدة ثم تقوم النساء بتغطية أنفسهن والبقاء مع الأطفال ثم يقومون بالتفتيش دون أن يمسوا طفلاً أو امرأة، أما الآن فإننا نجد الجنود الأمريكيين بأسلحتهم علي رؤوسنا ونحن في غرف نومنا بين نسائنا، ثم يأخذوننا بعد أن يروعوا أبناءنا وأطفالنا ـ والناس شاهدوا هذا المنظر يتكرر علي شاشات التلفزة بالليل والنهار ـ يأخذوننا بعد ذلك فيضعون أكياساً في رؤوسنا ويهينوننا ونحن شيوخ عشائر أمام الصغير والكبير والنساء والأطفال، كما أنهم يعتقلون نساءنا في بعض الأحيان فلا نستطيع بعد ذلك أن نرفع رؤوسنا في وجه أحد. وسبق أن دخلوا بيوت المدينة بيتاً بيتاً وفتشوها وانتهكوا حرماتها ولم يجدوا دليلاً ضد أحد، كما أن كثيراً من الأسر قد تضررت واعتقل المئات من الناس وقتل كثيرون وبالتالي فلم يعد هناك بيت ليس له ثأر من نوع ما مع الأمريكيين، إنهم يصنعون الكراهية في نفوس الكبير والصغير من أهل العراق منذ عام كامل فما الذي تتوقعه من عامة الناس؟ .
    وحينما ذهبت إلي مدينة سامراء في الثاني من نيسان/أبريل كان نقاش الناس يدور حول ثمانمئة معتقل لدي القوات الأمريكية من أهل المدينة، وكانوا يعدون لمؤتمر في المدينة للمطالبة بالإفراج عنهم، وحينما ذهبت إلي تكريت حيث مسقط رأس صدام حسين وجدت صورة مشابهة، وحينما ذهبت إلي الرمادي وجدت ذلك، وحينما ذهبت إلي مدن أخري منها بلد وبعقوبة والمقدادية وغيرها من مدن محافظة ديالي وجدت صوراً شبه متكررة لأساليب الأمريكيين المختلفة في صناعة الكراهية ضدهم من الجميع.
    وبعد عام من صناعة الكراهية ومن سلطة احتلال حتي لو كانت تمتلك أحدث الأسلحة ووسائل التكنولوجيا فإن شعباً عصياً مثل شعب العراق يلقي علي القوات الأمريكية ثمار صناعة الكراهية بوسائل مختلفة، منها ما حدث في الفلوجة حيث أكد لي كثيرون أن مثله تكرر في مدن أخري، لكن الفارق بين ما حدث في الفلوجة وما حدث في غيرها أن وسائل الإعلام كانت في الفلوجة فصوّرت ما حدث وبُثَّ في أنحاء العالم لكنها لم تتواجد في المدن الأخري حينما وقع فيها ضد قوات الاحتلال مثلما وقع في الفلوجة وربما أكثر.

    مجلس الحكم

    أسس الأمريكيون مجلس الحكم الانتقالي بعد احتلالهم للعراق من خمسة وعشرين من العراقيين يمثلون الأطياف المختلفة لمعظم العراقيين، فكان هذا أول ترسيخ للطائفية في العراق منذ مئات السنين، علاوة علي ذلك فإن الكثير من أعضاء مجلس الحكم لا جذور لهم ولا شعبية، لا سيما هؤلاء الذين جاؤوا من الخارج محمولين علي ظهور الدبابات والطائرات الأمريكية، لكن مجلس الحكم بعد عام من الاحتلال لم يكن في الحقيقة يمارس أي سلطة أو حكم، فالمقربون منهم من الأمريكيين هم المحظيون.
    أما الآخرون ـ كما قال لي أحد أعضاء مجلس الحكم ـ فلا يكادون حتي يحظون بمقابلة المسؤولين الأمريكيين، وضرب لي مثالاً علي أن أحد أعضاء مجلس الحكم وهو محسن عبد الحميد الذي كان رئيساً للحزب الإسلامي حينما أصبح رئيساً للمجلس، طلب لقاء الميجور جنرال ريكاردو سانشيز القائد العام لقوات الائتلاف في العراق آنذاك لأخذ موافقته علي زيارة سجن أبو غريب، أكبر السجون التي يُحتجز فيها عراقيون للاطلاع علي أوضاعهم بعد ضغوط من أسر المعتقلين لا سيما وأن عمليات الاعتقال تتم بشكل عشوائي، وكثير منهم يُعتقلون بسبب وشايات من أعداء لهم. أعطي الجنرال سانشيز موعداً لرئيس مجلس الحكم بعد أسبوعين وحينما التقاه لم يسمح له سانشيز بزيارة السجن.
    وقد اعترف المفوض العام للسجون العراقية روبرت جونز أحد نواب الحاكم المدني آنذاك بول بريمر في مؤتمر صحافي عقده في منتصف آذار/مارس 2004 في بغداد أن عدد المعتقلين العراقيين في سجون سلطات التحالف هو اثنا عشر ألف معتقل. وقد روي لي أحد المعتقلين السابقين صوراً مذهلة لما يدور في سجون قوات الاحتلال والتي لا يُسمح لأحد بدخولها، حيث إن وزنه انخفض أربعين كيلو غراماً خلال سبعة أشهر من الاعتقال، حتي إن أهله لم يتعرفوا عليه بعدما خرج. ويدور الأهالي علي السجون ليعرفوا مجرد معرفة أين يُحتجز أبناؤهم، والشاهد في الموضوع هو حجم الصلاحية التي لا يتمتع بها أحد حتي رؤساء مجلس الحكم، فالسلطة كل السلطة بعد عام من الاحتلال هي لقوات الاحتلال وليس لأحد آخر، وهذه المجالس ليست سوي مجالس شكلية ساهم المشاركون فيها في تدعيم سلطات الاحتلال وترسيخ أركانه، ويكفي أن يبقي رئيس المجلس أسبوعين علي باب الجنرال سانشيز حتي يؤذن له بالدخول ثم يرفض طلبه ليس بالإفراج عن المعتقلين ولكن حتي بزيارتهم.
    وخير دليل علي ذلك هو أن عمر هذا المجلس لم يدم سوي أيام بعد عام من الاحتلال، فربما لم يمض أكثر من شهر علي انتهاء مهمته حتي أصبح معظم أعضائه في طي النسيان بعدما انتهت مهمتهم التي كانت أولاً وأخيراً من أجل خدمة الاحتلال. فمن بين خمسة وعشرين عينتهم سلطات الاحتلال الأمريكي كأعضاء في مجلس الحكم، قتل اثنان هما عقيلة الهاشمي وعزالدين سليم، وتم اختيار أربعة فقط في الحكومة البديلة له التي اختير إياد علاوي لرئاستها والتي لم تكن في رأي كثير من المراقبين سوي وجه آخر له، أما الباقون فإما أنهم زعماء أحزاب مثل أحمد الجلبي، وصلاح الدين بهاء الدين، ومحسن عبد الحميد وغيرهم ممن عادوا إلي أحزابهم فيما حل محلهم في الحكومة آخرون من رجالهم، أما الباقون فقد عادوا أدراجهم مرة أخري من حيث أتوا قبل احتلال العراق حينما كانوا معارضين منفيين في عهد صدام حسين، لأنهم باختصار ليس لهم أية أرضية أو شعبية، ولم ينجحوا طوال عام من العمل مع سلطات الاحتلال في صناعتها بحيث يأمن أحدهم علي نفسه لو بقي. بل ربما خسروا ما كان لهم من رصيد من قبل، إن كان لهم رصيد في الأصل.
    فعلي سبيل المثال قال سمير الصميدعي أحد أعضاء هذا المجلس ووزير الداخلية السابق كذلك والذي كان يعيش في لندن قبل أن يعينه الأمريكيون في المنصبين: لقد كانت لي حياة قبل أن آتي إلي بغداد، وأريد العودة لمواصلة تلك الحياة . هكذا باختصار دون أي رتوش، أما ما كان قد ذكره من قبل أنه جاء من أجل العراق وشعب العراق ومستقبل العراق فلم تكن كلها سوي تصريحات لضرورات المنصب والمرحلة، والأمر تم اختزاله في بدايته ونهايته كما يشير التصريح إلي مشروع شخصي.
    أما محمد بحر العلوم الذي كان يشاهد دائماً وهو ينحني لبول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق، في ذهابه وإيابه فقد ذكر أحد المساعدين المقربين منه أن الجو حار الآن في العراق وقد حلَّ الصيف وربما يغادر لقضاء إجازة . ومن المعروف أن بحر العلوم كان يعيش في لندن مثله مثل كثيرين من أعضاء مجلس الحكم الذين عادوا إلي لندن مرة أخري بعد انتهاء مهمتهم، ومنهم محمود عثمان الذي هاجم الأمريكيين بشدة بعد اختيارهم الحكومة الجديدة ـ حكومة علاوي ـ دون أن يكون له منصب فيها.
    أما عدنان الباجه جي الذي كان المنافس الأقوي علي منصب رئيس الدولة فإنه آثر بعد اختيار الياور وضياع المنصب الذي وعد به، أن يعود إلي إحدي دول الخليج حيث كان يعيش لسنوات طويلة قبل أن يؤتي به ليكون عضواً من أعضاء مجلس الحكم.
    أما البيوت التي كان يعيش فيها هؤلاء والتي تقع في حي القادسية في بغداد حيث كانت مقراً أو سكناً لوزراء صدام حسين فحينما ذهبت إليها لزيارة أحد أعضاء مجلس الحكم السابقين فيها وهو صلاح الدين بهاء الدين كما أشرت من قبل فقد وجدتها عبارة عن سجن كبير، بني حوله سور خرساني بارتفاع ثلاثة أمتار ونصف المتر، وعليه حراسة مشددة مشتركة من قوات الشرطة العراقية وقوات كردية وأمريكية حيث للأمريكيين القرار الأول والأخير دائماً، فالجندي الأمريكي هو الذي يأمر ويقف مشرفاً بينما العراقي هو الذي يقوم بعملية التفتيش التي يأمر بها الأمريكي. وقد خضعت لتفتيش دقيق من الجنود العراقيين الذين تعرفوا عليَّ واعتذروا لي عن دقة التفتيش بسبب وجود ضباط أمريكيين يراقبون الموقف، غير أني لا أحفل كثيراً بما يجري من حولي في مثل هذه المواقف وأحاول أن أكون في أبرد الحالات وأتابع ما يحدث علي أني مشاهد له، وقد تعمدت أن أسأل مرافقي عن سكان المجمع فوجدت معظمهم ممن جاؤوا من الخارج من وراء البحار ليشاركوا الأمريكيين حكم العراق، تماما كما فعل الأمريكيون في فييتنام وكما حاولوا أن يفعلوا في معظم البلاد التي احتلوها، وكثير ممن جاءت بهم أمريكا علي ظهور دباباتها أو طائراتها إما عادوا بعد انتهاء مهمتهم أو في طريقهم إلي العودة من حيث أتوا حينما تنتهي مهمتهم لو كانت لهم مشاركات بأشكال أخري من صنائع الاحتلال. وكثير من هؤلاء كانوا قد فرشوا مساكنهم في المجمع الذي أعده لهم الأمريكان بفرش مستورد ـ لأنها كانت قد نهبت في أعقاب سقوط نظام صدام حسين ـ معتقدين أنهم جاؤوا ليحكموا ولسنوات طويلة ولم يدركوا أنهم أداة لمرحلة.
    أما الأعضاء الذين تم اختيارهم من داخل العراق والذين كانت مواكبهم تجوب شوارع بغداد فقد زالت عنهم كل المظاهر المزيفة وعادوا إلي بيوتهم وحياتهم العادية يخشون من الانتقام منهم حيث استُهدِف عدد منهم في محاولات اغتيال سابقة، لكن الأكثر تضرراً هم هؤلاء الذين كانوا يستفيدون من تلك المظاهر من سائقين ومرافقين حيث كانت لهم رواتب ومخصصات عالية. ورغم انتهاء دور مجلس الحكم في بدايات العام الثاني للاحتلال لكن دور رجال أمريكا لم ينته حيث استبدل مجلس الحكم ـ كما يقول المراقبون ـ بالوزارة الجديدة التي عين إياد علاوي علي رأسها، وهو الذي وصفته الصحف الأمريكية مثل نيويورك تايمز وغيرها نقلاً عن مسؤولين سابقين في السي آي إيه بأنه كان جاسوساً للسي آي إيه ، وربما هذا ما دفع إمام مسجد أبي حنيفة أكبر مساجد بغداد أن يجاهر في خطبة الجمعة في 7 أيار/مايو 2004 بأن رئيس الوزراء الجديد للعراق ليس سوي عميل . ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن الشيخ أحمد السامرائي إمام مسجد أبي حنيفة قوله: يأتي مجلس الأمن ويصادق علي من عرف من أفراد الحكومة بعمالته وتتلمذه علي يد وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين . وقد كان مصير حكومة علاوي مثل مصير مجلس الحكم، ولن يكون مصير الجميع أفضل من مصير رجال أمريكا في فييتنام أو الصومال أو لبنان أو أمريكا الجنوبية. ومن أراد أن يعرف مصير رجال أمريكا الذين خدموا مصالحها ثم تم التخلص منهم أو تصفيتهم بعد انتهاء مهامهم فلينظر في التاريخ.
    هذا كان حال العراق بعد عام من الاحتلال وقبل حصار الفلوجة ومعركتها الأولي في نيسان/أبريل من العام 2004.

    المرتزقة.. وأسباب معركة الفلوجة

    لم أنم جيداً رغم الإرهاق الشديد الذي كان يحيط بأركان جسدي وهذه طبيعة تلازمني ـ للأسف ـ في أسفاري التي لا تنتهي، لا سيما إذا كان لدي عمل سأقوم به في الصباح الباكر. ورغم هذا القلق والاضطراب الذي صاحب نومي استيقظت مبكراً كعادتي بعد غفوات ونوم متقطع لعبت الانفجارات الليلية التي كانت تحدث في أنحاء بغداد أثناء الليل دوراً رئيسياً فيه، وكان أول شيء فعلته في الصباح هو السؤال عما ألمَّ بالفلوجة وحقيقة ما وقع بعد منتصف الليل، فوجدت أن ما كنت أخشاه قد أصبح حقيقة واقعة. لقد قامت القوات الأمريكية بالفعل بفرض حصارها علي المدينة الليلة الماضية كما أخبرنا وضاح، وبالتالي علينا تحضير أنفسنا لنتحرك إلي هناك ونقوم بمحاولة الدخول إليها لتغطية الأحداث من داخلها كما اتفقنا ليلاً والبقاء هناك إلي يوم التاسع من نيسان/أبريل للمشاركة في التغطية الخاصة بمرور عام علي الاحتلال الأمريكي للعراق.
    كان عليَّ إذاً أن أعد نفسي لرحلة طويلة، فأنا لا أعرف إن دخلت إلي المدينة متي وكيف سأخرج منها إن كتب الله لي الحياة، فأخذت حقيبة ملابسي، وحقيبة يدي التي تحتوي علي ما أريده من الأغراض التي أكون بحاجة دائمة إليها، وتركت فقط في غرفتي في الفندق ما يمكن أن أستغني عنه، ثم نزلت إلي المكتب الذي كان يقع في الطابقين الأول والثاني من فندق بحيرة البجع، لأري ماذا أعد الزملاء، فوجدتهم يقومون بترتيب احتياجات الرحلة، فطلبت منهم أن يراجعوا كل شيء لأنه لا مجال لدينا للنسيان أو الاستبدال، لذا يجب أن نراجع معداتنا أكثر من مرة. وقد أدي هذا إلي تأخرنا في الانطلاق حتي التاسعة صباحاً، حينها أبلغني حامد أن كل شيء علي ما يرام.
    كان الفريق يتكوَّن من اثنين من المصورين مع الكاميرات وجهار بث بالأقمار الصناعية مع مهندس، وسيارتين إحداهما سيارة البث، وأخري سنركب فيها نحن علاوة علي الزميل حامد حديد الذي كان قد عُيّن مديراً لمكتب بغداد وكان وقتها في إطار ترتيبات تسلمه لإدارة المكتب. ولأن حامداً كان من أهل الفلوجة فكان عليه ترتيب كافة الأمور اللوجستية والإدارية للفريق. ولكن قبل أن نبدأ طريقنا إلي الفلوجة يحسن بنا الوقوف علي الأسباب التي أدت إلي تفاقم الأمور في المدينة وإلي أن يصدر قرار من أعلي مستوي أمريكي بفرض حصار عليها في خطوة غير مسبوقة تجاه أي من مدن العراق الأخري، وأن يصل الأمر إلي حد قيام فرقة أمريكية كاملة قوامها أكثر من عشرة آلاف جندي بحصار مدينة كبيرة يصل عدد سكانها إلي ثلاثمئة ألف نسمة، ومساحتها الجغرافية تزيد عن أربعين كيلو متراً مربعاً مثل مدينة الفلوجة، وأن يكون هذا الحصار شاملاً لكل الطرق ومن كل الجوانب.

    مدينة الفلوجة

    كانت الفلوجة منذ بداية الاحتلال في شهر نيسان/أبريل من العام 2003 مدينة عصية علي القوات الأمريكية، وقد وقعت فيها معارك ومواجهات كثيرة منذ بداية الاحتلال، إلا أن أكبر عملية وقعت بها ولفتت أنظار واهتمام القوات الأمريكية كانت في 27 أيار/مايو من العام 2003 أي قبل أن ينتهي الشهر الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي جورج بوش بأسلوب استعراضي شهير نهاية العمليات العسكرية في العراق، في هذا اليوم 27 أيار/مايو 2003 قامت معركة استمرت عدة ساعات بين خلية من المقاومة كان يقودها الشهيد نور الدين الزوبعي وسرية من القوات الأمريكية علي نهاية الجسر العلوي الذي يربط الفلوجة بالطريق المؤدي إلي مدينة الرمادي والذي يمر فوق نهر الفرات، وأدت المعركة التي استمرت عدة ساعات إلي مقتل وإصابة عدد كبير من القوات الأمريكية علاوة علي تدمير طائرة هليكوبتر بمن فيها. وقد ذكرت تفاصيل الحادثة بالكامل في كتابي قصة سقوط بغداد .
    بعد هذه الحادثة مباشرة صدرت أوامر للقوات الأمريكية ـ كما نشرت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير كتبه مايكل غوردون من بغداد ونشرته بالاتفاق معها صحيفة الشرق الأوسط في 30 أيار/مايو 2003 ـ بأن يتم نشر قسم كبير من الفرقة الثالثة الأمريكية في مدينة الفلوجة، بعد هجوم يوم الثلاثاء 27 ايار/مايو، وقد أقرت القوات الأمريكية بمقتل جنديين وجرح تسعة آخرين في هذا الهجوم، وأشار تقرير نيويورك تايمز إلي أن فرقة المشاة الثالثة هي التي قادت الهجوم علي بغداد وأن جنودها كانوا يتوقعون العودة إلي الولايات المتحدة بعد تمركز استمر تسعة أشهر في الكويت قبل المعركة، لكن عودتهم تأجلت بعدما كلفوا بتأمين الأوضاع في الفلوجة بعد المعركة التي قادها الزوبعي وأدت إلي هذا العدد المرتفع في القتلي والجرحي من الأمريكيين.
    لم تكن المواجهة التي حصلت في 27 أيار/مايو إلا بداية لانطلاقة كبيرة للعمليات العسكرية التي قادتها المقاومة في الفلوجة ضد القوات الأمريكية، بعدها بدأت القوات التي كلفت بتأمين الوضع في الفلوجة تتعامل مع السكان بإهانة وغلظة وازدراء، وكانت تطلق النار علي كل من تشك به، وتهين شيوخ العشائر وتدنِّس حرمات البيوت. وقد روي لي كثير من أهل الفلوجة كيف أن الأمريكيين استحلوا كل شيء في المدينة وأصبحت تسيطر عليهم روح الانتقام من أهل المدينة، فعند تفتيش المنازل كانوا يحطمون الأثاث ولا يعيرون حرمة لامرأة أو طفل أو شيخ أو مريض. كما كانوا يفتشون النساء، وهذه إهانة بالغة كانت تجعل كل عراقي يريد أن ينتقم لشرفه، حتي إن أحدهم قال لي أثناء إحدي زياراتي للفلوجة: لقد أهانونا كثيراً ولو لقيت أي جندي أمريكي أستطيع قتله لقتلته، ماذا بقي لنا؟! إنهم لصوص يسرقون الأموال والمجوهرات وحتي الملابس الأنيقة والتذكاريات وكل ما يمكن أن تقع أيديهم عليه. لقد كان رجال صدام سيئين، لكننا أهل بداوة ولا يمكن أن يدخلوا للتفتيش إلا إذا تسترت النساء وسمحنا لهم، أما هؤلاء الأمريكيون فإنهم أوغاد ورعاع .
    هذا الغضب الذي صنعه الأمريكيون في نفوس أهل الفلوجة وفي نفوس العراقيين بشكل عام ـ والذي أشرت إلي بعض تفاصيله في الفصل السابق ـ أدي إلي تصاعد العمليات ضد الأمريكيين بشكل واسع، وأصبحت هناك عمليات تتم بأشكال مختلفة، منها عمليات انتقام يقوم بها أفراد أو رجال عشائر وقبائل، ومنها عمليات منظمة للمقاومة التي بدأت ترصّ صفوفها بشكل مبكر. وكانت من أكبر العمليات التي تمت ضد القوات الأمريكية في هذه المرحلة في مدينة الفلوجة الهجوم الذي وقع في العاشر من تموز/يوليو من العام 2003 وقاده أيضا نور الدين الزوبعي، وتم فيه تدمير مركز شرطة الفلوجة الذي كان مقراً للقوات الأمريكية.
    وقد زرت المدينة في 21 تموز/يوليو أي بعد الهجوم بأحد عشر يوماً فقط، وشاهدت آثار الدمار والحريق باقية كما هي علي مركز الشرطة. وقد أبلغني بعض المتابعين ممن التقيت بهم من أهل المدينة أن عدد القتلي الأمريكيين من وراء الهجوم يزيدون عن عشرين قتيلاً، علاوة علي عدد كبير من الجرحي، لأن هذا كان مقر قيادتهم. لكن الأمريكيين لم يعترفوا علي الإطلاق بهذا العدد ولم يعطوا أهمية لهذا الهجوم، لكنهم اعترفوا بهجوم آخر وقع في الفلوجة في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 2003 واعتبروا خسارتهم في هذا الهجوم هي أكبر خسارة للقوات الأمريكية تتكبدها في يوم واحد منذ اندلاع الحرب، حيث أعلن المتحدث باسم الجيش الأمريكي الكولونيل بيل برادلي عن مقتل خمسة عشر جندياً أمريكياً وإصابة واحد وعشرين آخرين بجروح في هجوم بصاروخ أرض ـ جو أسقط طائرة هليكوبتر عسكرية من طراز شينوك في الساعة التاسعة صباح الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر فوق قرية البوعيسي في ضواحي الفلوجة. وكانت الطائرة، تقل ستة وثلاثين جندياً بينهم طاقمها كانوا في طريقهم إلي مطار بغداد ومن ثم إلي ألمانيا والولايات المتحدة ليقضوا إجازة استجمام هناك لمدة أسبوعين. وقد وصف دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي آنذاك هذا اليوم الذي وقعت فيه هذه الخسارة الفادحة بأنه: يوم مأساوي سيء للأمريكيين . وقال في مقابلة له مع محطة فوكس نيوز الموالية للتيار اليميني الأمريكي المحافظ الحاكم: في الحرب تكون هناك أيام مثل هذه، ومن الضروري الاعتراف بذلك ، ورغم أنه قلَّل من أهمية أن تكون هناك مقاومة منظمة ومنسقة في ذلك الوقت، إلا أنه أدرك في مقابلات أخري له في نفس اليوم مع محطات تلفزة أمريكية مثل إن بي سي و إيه بي سي علي أنه: يتوقع حرباً طويلة وصعبة . وفعلاً كانت هذه مؤشرات علي حرب طويلة وصعبة دفع ولا زال يدفع الأمريكيون ثمناً باهظاً لها.
    تصاعدت أعمال المقاومة في العراق بشكل عام وفي الفلوجة بشكل خاص بعد هذه العملية. وفي الثامن من كانون الثاني/يناير 2004 تمكنت المقاومة من إسقاط مروحية أمريكية أخري في الفلوجة أيضا قتل كل من كانوا علي متنها واعترف الأمريكيون بأنهم كانوا تسعة. وفي يوم الثلاثاء 13 كانون الثاني/يناير أعلن متحدث عسكري أمريكي أن طائرة أمريكية من طراز إي إتش 60 قد أسقطت علي ما يبدو بنيران معادية غرب العاصمة بغداد، ونقلت الوكالات عن شهود عيان أن الطائرة أسقطت قرب الفلوجة، وفي هذا اليوم هاجمت القوات الأمريكية تجمعاً يضم المئات من أهل الفلوجة الذين كانوا مجتمعين للاحتجاج علي ممارسات سلطات الاحتلال وقيامها باعتقال امرأة من أهل المدينة. وأسفر الهجوم الأمريكي علي المدنيين المجتمعين من أهل المدينة عن مقتل ثلاثة منهم وجرح خمسة آخرين.
    هذه الأحداث وضعت الفلوجة علي خارطة الإعلام الأمريكي والإعلام العالمي في وقت مبكر، ودفعت الجنود الأمريكيين إلي ارتكاب مزيد من الإهانات والتجاوزات بحق أهلها، كما دفعت أهلها إلي القيام بمزيد من العمليات ضد القوات الأمريكية. وأذكر أني ما لقيت أحداً من أهل المدينة في أكثر من زيارة قمت بها للفلوجة بعد ذلك إلاّ وتعرّض للاعتقال أو الاستفزاز والإهانة علي أيدي الأمريكيين، كما أن وكالات الأنباء والمراسلين الغربيين في بغداد أصبحوا يتوجهون إلي الفلوجة ليروا قصة هذه المدينة التي أصبحت مدينة المقاومة وكانوا يكتبون كثيراً من التقارير الخاصة عنها.
    والفلوجة لها طبيعة خاصة بأهلها، فهي مدينة المساجد والمآذن كما يطلق عليها أهل العراق، حيث يوجد بها أكثر من مئة مسجد كلها تقريباً كان لها مآذن قبل أن يدنسها الأمريكيون ويدمروا كثيراً من مآذنها لا سيما في المعركة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2004. كما أنها كانت المدينة العراقية الوحيدة التي لم يكن بها خمارة في عهد صدام حسين، وكما كانت المقاومة بها شرسة ضد القوات الأمريكية منذ بداية الاحتلال كانت كذلك ضد البريطانيين حينما احتلوا العراق في العام 1920، حتي أني وجدت قصيدة طويلة كتبها معروف الرصافي عام 1941 يمتدح فيها مقاومة أهل الفلوجة للبريطانيين يقول في بدايتها:
    أيها الإنكليز لن نتناسي
    بغيكم في مساكن الفلوجة
    أما آخر أبياتها فيقول بعدما سرد بغي الإنكليز ومقاومة أهل الفلوجة لهم:
    فثناء للرافدين وشكراً
    وسلام عليك يا فلوجة
    أما الموقع الجغرافي لها فإنها تبعد عن بغداد حوالي 56 كيلو متراً باتجاه الغرب، وتقع علي نهر الفرات، وهي قريبة من بحيرة الحبانية التي كانت تعتبر منتجعاً للبريطانيين، كما أنها تقع في طريق المسافرين من بغداد إلي سورية والأردن، وتعتبر أكبر قضاء في محافظة الأنبار. ومن ناحية الأهمية الاستراتيجية فإن قاعدة الحبانية التي بناها البريطانيون أثناء احتلالهم للعراق والتي لعبت دوراً في معظم الانقلابات العسكرية التي وقعت في العراق بين عامي 1958 و1968، تقع إلي الشمال منها، وهي تعتبر من أهم القواعد العسكرية في العراق بسبب قربها من بغداد.
    ولم يسلم أهل الفلوجة بسبب انتشار التديُّن بينهم من بطش صدام حسين فقد أعدم كثيراً من أبناء المدينة الإسلاميين؛ ويروي بعض أهل الفلوجة قصصاً كثيرة حول عمليات التصفية التي كان يقوم بها صدام لأبناء الفلوجة، منها أنه في العام 1992 أعدم في ليلة واحدة تسعين شاباً ينتمون إلي معظم عشائر الفلوجة، الذين من أشهرهم الجبور، والبوعيسي، وشمر، وزوبع، والدليم، والجميلات. ولعل بطش صدام حسين بالكثير من أبناء الفلوجة بسبب انتشار التديُّن بينهم ينفي تهمة البعثية التي حاول أركان الإدارة الأمريكية إلصاقها بمن قاموا بالعمليات العسكرية ضد الأمريكيين في هذه المرحلة، كما يؤكد أن أهل الفلوجة هم أهل محنة وصبر وابتلاء لكنهم في نفس الوقت أهل بأس وشدة وشهامة ورجولة وإباء.
    وقد وصف الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر مدينة الفلوجة في الصفحة 395 من مذكراته التي نشرت تحت عنوان عام قضيته في العراق فقال: في هذه الأثناء كانت هناك أزمة ثالثة تختمر في غرب البلد، كان الوضع الأمني في الفلوجة متفاقماً، وقد اكتسبت الفلوجة عن جدارة سمعة بأنها مدينة صلبة لا تلين، تمتد مدينة الفلوجة التي يبلغ تعداد سكانها 300 ألف نسمة، عبر منعطف في الفرات، وتشكل ملتقي لعدة طرق وقوافل تجارية تقليدية عبر الصحراء غرباً إلي سورية، وقد أصبحت طرقاً مفيدة للمهربين بعد حرب الخليج، عندما كان صدام يتجاوز عقوبات الأمم المتحدة، وعندما سيطر البريطانيون علي بلاد ما بين النهرين من العثمانيين في أعقاب الحرب العالمية الأولي، كانت المدينة مركزاً لثورة دموية، وفي مسعي للسيطرة علي المدينة جند صدام حسين أعضاء موالين في وحدات النخبة العسكرية وأجهزة الاستخبارات من القبائل .

    ہ اعلامي معروف ومقدم برنامج (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية
    وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

    تعليق


    • #3
      احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق (3)

      احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق (3)

      الجيش الامريكي استخدم طائرات اف 15 واف 16 لمهاجمة القري والاماكن التي يعتقد انها تؤوي مقاومين

      والسكان انتقموا بقتل الحراس الامريكيين من شركة بلاك ودتر والرقص حول جثثهم وسحلهم بالشوارع

      يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. نشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .



      مقتل المرتزقة الأربعة

      كنت في مكتب قناة الجزيرة في بغداد مستغرقاً في إعداد حلقة برنامجي بلا حدود التي كانت ستبث علي الهواء مباشرة مساء ذلك اليوم الحادي والثلاثين من آذار (مارس) من العام 2004 مع عضو مجلس الحكم صلاح الدين محمد بهاء الدين، فجأة سمعت أصواتاً عالية خارج استوديو المونتاج ونقاشاً بين الزملاء. خرجت أستطلع الأمر فوجدتهم يتحدثون عن سرعة إرسال شريط الأحداث التي وقعت في مدينة الفلوجة إلي الجزيرة حتي تبثه وتحقق سبقاً عن باقي المحطات التليفزيونية العالمية الأخري حيث كان هناك مصورون لمحطات ووكالات أنباء مختلفة هناك قاموا بتصوير الحادث.
      قلت لهم: وماذا حدث في الفلوجة؟ قالوا: يمكنك أن تشاهد الشريط أثناء بثه للدوحة . تركت ما في يدي وجلست لأشاهد الشريط، فأدركت وأنا أشاهد ما حدث أن هذه الصور سوف تهز البيت الأبيض وأركان الإدارة الأمريكية كلها.
      وأترك هنا وصف ما حدث في الفلوجة لمصدر مسؤول في الشرطة العراقية وصف باختصار بداية ما حدث حيث قال: قامت مجموعة مسلحة في الساعة العاشرة صباحاً بالتوقيت المحلي بإيقاف سيارتين لونهما أبيض كانتا تمران وسط الفلوجة وبدأوا بإطلاق النار علي الأشخاص الذين كانوا داخل السيارتين ويعتقد أنهم أجانب مما أدي إلي مقتلهم ثم قام المهاجمون بعد ذلك بإضرام النار في السيارتين ولاذوا بالفرار .
      هذه باختصار رواية المصدر الرسمي في الشرطة العراقية التي تناقلتها وكالات الأنباء، أما رواية الحاكم الأمريكي للعراق في ذلك الوقت بول بريمر في الصفحة 398 من مذكراته عام قضيته في العراق حول هذه الحادثة يقول: اندلعت أزمة الفلوجة في صباح يوم الأربعاء 31 آذار (مارس)، فقد تعرضت قافلة صغيرة من سيارات الحراس الأمنيين التابعين لشركة بلاك ووتر إلي كمين في مركز الفلوجة، أمطر المسلحون مركبة أمريكية بوابل من طلقات الكلاشينكوف فاحترقت. أخذ رجال البلدة يرقصون فرحاً وسحبوا الجثث المحروقة من بين الحطام، وأخذوا يضربونها بالرفوش، ثم علقت جثتان متفحمتان ومقطعتا الأوصال علي الحاجز المعدني للجسر الرئيسي للبلدة فوق النهر .
      وإلي هذا الحد يقع مثل هذا الحادث كثيراً في أماكن متفرقة من العراق، لكن الذي لا يحدث عادة أن يتصادف وجود كثير من مصوري وكالات الأنباء والمحطات التليفزيونية لتصوير الحادث فور وقوعه بكل تفصيلاته، والذي لا يحدث عادة كذلك هو أن أهل الفلوجة الذين كان يمارس الأمريكيون عليهم كل أشكال الانتقام ـ التي سبق وأن أشرنا إلي بعضها ـ طوال عام من الاحتلال، خرج العامة منهم والمراهقون الصغار ليعبروا عما يجيش في صدورهم، فقام بعضهم بالتمثيل بالجثث المحروقة وسحلها في الشوارع ثم تعليق أجزاء منها علي جسر قديم بناه البريطانيون في المدينة، وكل ذلك تم تصويره وبثه للعالم، وقال عنه بريمر: صورت أطقم التليفزيونات هذا المشهد الشنيع، وظهرت الصور الفظيعة علي التليفزيونات الفضائية العربية، وعرض شريط محرر في ذلك اليوم علي التليفزيونات الأمريكية، وتحولت الصور علي الفور إلي رموز للواقع الوحشي للتمرد وأبرزت أن قوات الائتلاف العسكرية لا تسيطر علي الفلوجة .
      وكان الزميل حسين دلي مراسل الجزيرة في الفلوجة من بين الذين قاموا بعملية التصوير فأحضر الشريط من فوره إلي مكتب الجزيرة في بغداد وتم إرساله وبثه من قناة الجزيرة، كما بثته معظم المحطات التليفزيونية العالمية، حيث قام مصورون آخرون بتصوير ما حدث. وانتشرت الصور بشكل كبير ليكون أول انطباع لدي كافة المحللين هو أن شبح الصومال قد خيَّم علي ما حدث في الفلوجة مما سبَّب رعباً لدي الإدارة الأمريكية غير مسبوق، وكانت أكبر فضيحة كشفها هذا الحادث هو أن هؤلاء القتلي ليسوا جنوداً أمريكيين رسميين في الجيش وإنما هم مرتزقة يستعين بهم الجيش الأمريكي للمشاركة في كثير من عملياته العسكرية وحماية وحراسة كبار رجالاته بمن فيهم الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر.

      شبح الصومال

      كان من الممكن أن يمر حادث مقتل المرتزقة الأمريكيين الأربعة في الفلوجة في 31 آذار (مارس) 2004 مثل كثير من الحوادث التي يتعرض لها الأمريكيون كل يوم، لكن لأن الكاميرات كانت هناك، ولأن وسائل الإعلام العالمية بثت الصور، فلم تستطع وسائل الإعلام الأمريكية أن تتجاهلها، لذلك كان الخبر الرئيسي في كل النشرات المسائية في المحطات التليفزيونية الرئيسية الأمريكية حول كمين الفلوجة وعمليات سحل الجثث في الشوارع التي تعرض لها المرتزقة الأربعة.
      وفي الوقت الذي تحاشت فيه محطة إن بي سي إظهار الجثث علي الشاشة وقامت بعملية مونتاج لها، وكذلك أظهرت سي إن إن و فوكس نيوز لقطات للهجوم دون أن تظهر الجثث، فإن محطتي إي بي سي و سي بي إس بثت لقطات عرضت فيها الجثث التي أخرجت من السيارات المحترقة بينما كانت الحشود الغاضبة تنهال عليها ضربا بالرفوش، لكن لقطات السحل وتعليق الصور علي الجسر والتي بثّها كثير من محطات التلفزة العالمية، قامت المحطتان بالتشويش عليها، كذلك قامت بعض شبكات الأخبار الأمريكية التي تبث عبر الإنترنت مثل موقع ياهو بوضع الصور الكاملة لفترة قصيرة ثم أزالتها بعد ذلك، وقد كان لهذه الصور وقع الزلزال في البيت الأبيض، لأن كافة المعلقين ربطوا بينها وبين ما حدث في الصومال في العام 1993 حينما تم سحل جثث طيارين أمريكيين في شوارع مقديشو علي يد الحشود الغاضبة مما عجل بالخروج الأمريكي من الصومال، وقد جاء الحادث في فترة متزامنة تقريباً مع فترة بقاء القوات الأمريكية في الصومال، وقد احتلت أخبار الفلوجة الصفحات الأولي من معظم الصحف العالمية وعلي رأسها الأمريكية وقارن كثير منها بين أحداث الفلوجة وأحداث الصومال. وفي عددها الصادر في الأول من نيسان (ابريل) 2004 قالت صحيفة التايمز البريطانية: إن مشاهد الفلوجة تذكر بما حدث في الصومال عام ثلاثة وتسعين حينما تم جر جثة جندي أمريكي في شوراع مقديشو وسط صيحات العامة والغوغاء وأدت إلي انسحاب سريع للقوات الأمريكية وترويض السياسة الخارجية الأمريكية خلال ما تبقي من التسعينيات . وقد غطت الصحف الأمريكية انعكاس هذا المشهد علي الشارع الأمريكي الذي أصيب بالصدمة، ونقلت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها نشر في 2 نيسان (ابريل) 2004 آراء كثير من الأمريكيين الذين شبهوا تلك المشاهد بمقتل الأمريكيين وسحل جثثهم في شوارع مقديشو عام 1993 وطالب كثير منهم ـ حسبما نشرت الصحيفة ـ بخروج القوات الأمريكية من العراق، ونقلت عن أحد المواطنين الأمريكيين الذين استطلعت آراءهم قوله: دعونا نرحل ونتركهم ـ أي العراقيين ـ يدبرون أمرهم بأنفسهم .
      ولذلك كانت معظم تصريحات المسؤولين الأمريكيين آنذاك قائمة علي رفض التشبيه بين ما حدث في الصومال عام 1993 وما حدث في الفلوجة في 31 آذار (مارس) من العام 2004 ، ومن بينهم آدم إيرلي مساعد المتحدث باسم الخارجية الأمريكية آنذاك الذي قال في لقاء مع الصحافيين نشرته الوكالات في 2 نيسان (ابريل): بعد الهجمات التي وقعت في مقديشو غادرنا الصومال، لكني أؤكد لكم أن هذا لن يحدث في العراق، لأن وجه الشبه مع مقديشو غير صحيح لسبب وجيه وهو أننا في العراق نعمل بمشاركة الشعب العراقي وكان يشير بهذا إلي عملاء الاحتلال الذين يعملون معهم، أما المتحدث باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان فقد وصف الهجوم بـ المروع ، وقال: إنها هجمات رهيبة يقوم بها أشخاص يريدون منع التقدم في إحلال الديمقراطية في العراق .
      أما الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر والذي مثَّل هذا الحادث ضربة قاصمة له، فقد وصف الهجوم في حفل تخرُّج لبعض ضباط الشرطة الذين أعدهم الاحتلال في بغداد أقيم في أول نيسان (ابريل) 2004 بأنه: عمل وحشي وأكد أنه: لن يمر دون عقاب.. لن يمر موتهم دون عقاب . ثم أضاف: الجبناء الوحوش الذين قاموا بهذا التصرف يمثلون أسوأ ما في المجتمع .
      ولم يقف الأمر عند حد المسؤولين الأمريكيين بل وصل للرئيس بوش نفسه الذي تعهد في تصريحات له نشرت الجمعة 2 نيسان (ابريل) قائلاً: لن ننسحب من العراق رغم دموية أحداث الفلوجة . وقد كشفت هذه التصريحات عمق المأزق الذي سببته هذه العملية للإدارة الأمريكية. وقد عبَّر مراسل صحيفة الغارديان البريطانية روري مكارثي في تقرير كتبه من الفلوجة ونشرته الصحيفة في عددها الصادر في 2 نيسان (ابريل) 2004 مع صورة كبيرة كتب عليها الفلوجة مقبرة الأمريكان قال فيه: يعيش الأمريكيون في حالة هلع ورعب من جراء الهجمات وإنهم حبسوا أنفسهم وراء أسوار المنطقة الخضراء المؤمنة تأميناً عالياً .
      وظهر عمق المأزق الأمريكي بشكل واضح في هذا اليوم أيضاً من خلال تصريحات وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول الذي طالب حلف الناتو للمرة الأولي منذ احتلال أمريكا للعراق بأن يقوم بدور في العراق وقد نقلت تصريحات باول بشكل بارز في اليوم التالي السبت 3 نيسان (ابريل) صحيفة فايننشال تايمز البريطانية حيث قال باول: يجب أن يلعب الناتو دوراً في العراق بعد انتقال السلطة إلي حكومة عراقية جديدة في تموز (يوليو) القادم ـ 2004 . وعلقت الصحيفة علي ذلك بأن هذه هي المرة الأولي التي تطلب فيها واشنطن رسمياً من حلف الناتو القيام بدور نشط في العراق.
      وكانت شركة بلاك ووتر سيكيورتي كونسالتينغ الأمريكية قد أعلنت في بيان لها أن المرتزقة الأربعة يعملون لحسابها وأنهم كانوا يرافقون قافلة أمريكية كانت تقوم بنقل مواد غذائية لإحدي القواعد الأمريكية في منطقة الفلوجة، وأن الأول هو سكوت هلفنستون (38 عاماً)، وهو جندي سابق في المارينز، وتوجه إلي العراق كما قال أحد أصدقائه في رد علي سؤال لصحيفة في فلوريدا من أجل كسب المال ، أما الثاني فهو جيري زوفكو (32 عاما) تنحدر عائلته من كرواتيا ويتكلم خمس لغات بطلاقة، وكان قد التحق بالجيش الأمريكي وعمره تسعة عشر عاماً حيث خدم كجندي في الوحدات الخاصة واستقال من الجيش الأمريكي في العام 2001، ثم عاد إلي العراق ليعمل مرتزقاً، أما الثالث فهو مايكل تيغ (38 عاماً) وهو حائز علي الميدالية البرونزية بسبب الخدمات الجلية التي قام بها حينما كان يخدم في الجيش الأمريكي في أفغانستان. أما الرابع فلم تكشف الشركة عن هويته في حينه، وبالتالي فإن الأربعة مقاتلون محترفون.

      التهديدات الأمريكية للفلوجة
      خطة الرد الساحق

      لم يتأخر الأمريكيون بإعداد خطة الرد الساحق حسب وصف الجنرال مارك كيميت، وفي الثاني من نيسان (ابريل) اطلع مساعد وزير الدفاع الأمريكي بول وولفويتز أحد أبرز المحافظين الجدد أصحاب مشروع احتلال العراق ـ والذي أطيح به بعد ذلك ونقل للبنك الدولي ثم ظهرت فضيحته المدوية حول ترقية صديقته في البنك وذلك في مناسبة الذكري الرابعة لاحتلال العراق في 12 نيسان (ابريل) 2007 ثم أجبر علي إعلان الاستقالة في 18 ايار (مايو) بعدما كان مجلس إدارة البنك يتجه لإقالته ـ اطلع وولفويتز والجنرال بيتر بيس مساعد رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية، مع أعضاء في لجنة الدفاع في الكونغرس الأمريكي في جلسة مغلقة علي احتمالات ووسائل الرد الأمريكي، وقال دانكن هانتر رئيس لجنة الدفاع في الكونغرس إلي الصحافيين: إن التاريخ سيثبت أن الذين ارتكبوا هذه الأعمال ضد الأمريكيين قللوا من قدراتنا علي تحديد هوياتهم من جهة وفي القضاء عليهم من جهة أخري .
      وقد أوضح الجنرال مارك كيميت في حوار أجراه مع محطة فوكس نيوز التليفزيونية الأمريكية جانباً من هذه الخطة في حوار أجري معه في 2 نيسان (ابريل) 2004 حيث قال: قبل الدخول إلي المدينة سنعطي الفرصة للسكان لتسليمنا المجرمين، وإلا فإننا مستعدون للذهاب إلي هناك للبحث عنهم،... وستكون عملياتنا مزيجاً من قبضة حديدية وقفاز مخملي . ثم تابع قائلاً: بالنسبة للذين يريدون عراقاً أفضل، نحن هنا لمساعدتهم، وبالنسبة للذين اختاروا العنف فإننا سنرد عليهم .
      وفي 2 نيسان (ابريل) قالت شبكة تليفزيون إيه بي سي نيوز الأمريكية في تقرير لها أن المسؤولين الأمريكيين حددوا هويات عدة أشخاص شاركوا في الهجوم الذي وقع في الفلوجة ، وكشف مسؤولون عسكريون لمحطة سي إن إن الإخبارية الأمريكية أن واشنطن تبحث في أن يكون الهجوم مخططاً له، خاصة وأن الملابسات التي أحاطت بالحادث مثيرة للريبة منها خلو شوارع المدينة المزدحمة في العادة، وإغلاق المحال التجارية لأبوابها قبيل الهجوم مباشرة، فضلاً عن عدم تواجد عدد من رجال الإعلام المحلي في المنطقة .
      وفي 4 نيسان (ابريل) نقلت صحيفة الشرق الأوسط عن متحدث عسكري أمريكي في بغداد مزيداً من التفاصيل قال فيها: صحيح لدينا شرائط فيديو وسنكون مهتمين جداً بالحديث مع الأشخاص الذين يظهرون فيها، لكننا لا نعرف إلي أين توصلت أجهزة الاستخبارات في عملية التعرف علي المسؤولين عنها . وأكد علي أن القوات الأمريكية سوف تدخل إلي الفلوجة لملاحقة الأشخاص الذين كمنوا للأمريكيين الأربعة، ثم قاموا بالتمثيل بجثثهم . وقال: سندخل الفلوجة ونقيم وجوداً فيها، وسنميز العدو عن السكان وسندمره .
      هذه الصورة من كل تلك الجوانب عكست حجم التوتر الذي سببته حادثة استهداف المرتزقة في الفلوجة داخل البيت الأبيض والخارجية الأمريكية والكونغرس والقيادة العسكرية الأمريكية سواء في الولايات المتحدة أو العراق. كما تؤكد أن الجميع قد اتخذ قراره بالانتقام ليس من الذين قاموا بالهجوم علي الأمريكيين أو الذين سحلوهم في الشوارع وإنما من المدينة كلها، وأن هناك خطة وضعت لدخول الفلوجة، والإقامة فيها، وأن الغطاء المعلن هو تسليم الذين مثلوا بالجثث والذين ظهروا في الأشرطة التي بثتها المحطات التليفزيونية وكلهم كانوا من الأطفال أو المراهقين، ولم يكونوا بالفعل هم الذين نفذوا الكمين، فالكمين أعلنت كتائب الشيخ الشهيد أحمد ياسين ـ الذي كان قد استشهد قبل أسبوع في فلسطين بتنفيذه، وهي فصيل من فصائل المقاومة الإسلامية الوطنية ـ كتائب ثورة العشرين ـ المسؤولية عن تنفيذه لكن الهدف الحقيقي كما قال الناطق العسكري الأمريكي هو: سندخل المدينة ونقيم فيها، وسنميز العدو عن السكان وسندمره .

      كتائب الشيخ أحمد ياسين

      أثناء وجودي في الفلوجة في الأول من نيسان (ابريل) من العام 2004 وزَّعت كتائب الشهيد أحمد ياسين أحد فصائل المقاومة الإسلامية الوطنية ـ كتائب ثورة العشرين بياناً تتبني فيه عملية قتل المرتزقة الأمريكيين الأربعة، وكانت هذه هي المرة الأولي التي تعلن فيها كتائب الشيخ أحمد ياسين عن نفسها، وبدا أنها حديثة التكوين، فلم يكن قد مضي سوي أيام قليلة علي اغتيال الشيخ أحمد ياسين مؤسس وزعيم حركة حماس في فلسطين علي أيدي اليهود، والذي استشهد في 22 آذار (مارس) 2004. وقالت الكتائب في بيانها الذي نشرته تحت عنوان الفلوجة مقبرة الأمريكيين والذي تناولته معظم وكالات الأنباء: إنها هدية يقدمها شعب الفلوجة إلي شعب فلسطين وإلي عائلة الشيخ أحمد ياسين شيخ المجاهدين الذي تم اغتياله من قبل المجرمين الصهاينة عديمي الإنسانية والأخلاق وقال البيان: بعد تتبع ورصد مجموعة لرجال المخابرات الأمريكيين والموساد الصهيوني قامت عناصرنا بتنفيذ عملية اغتيال هؤلاء في يوم الأربعاء 31 آذار (مارس) 2004، وبعد أن قامت جماهير الفلوجة الغاضبة بإحراق السيارتين ومن فيهما ثم سحل الجثث والتمثيل بها بسبب الكره المتعاظم للأمريكيين رداً علي الاعتداءات والمداهمات علي المساجد والمنازل واعتقال وتعذيب الشيوخ والعلماء وترويع النساء والأطفال . وقالت كتائب الشيخ أحمد ياسين في ختام بيانها: ننصح القوات الأمريكية بالانسحاب من العراق وننصح عوائل الجنود الأمريكيين وأصحاب الشركات بعدم القدوم إلي العراق .

      الفلوجة تهيمن علي الإعلام الأمريكي

      وكانت معظم المحطات التليفزيونية الأمريكية قد قدمت عشرات البرامج والحوارات والنقاشات حول ما حدث في الفلوجة وتبعاته، وكان من أبرز التغطيات ما كانت تقدمه الكاتبة ومقدمة البرامج التليفزيونية المميزة إيمي غودمان في برنامجها اليومي ديمقراسي ناو الذي يعتبر من أشد البرامج التليفزيونية الأمريكية مع مقدمته غودمان مناهضة لبوش وسياساته وعلي رأسها الحرب في العراق، وقد كنت ضيفاً علي أكثر من حلقة من حلقات البرنامج بمناسبة الذكري الثالثة للاحتلال الأمريكي في العراق، والتي كانت في شهر نيسان (ابريل) من العام 2006 حيث أجرت معي غودمان حواراً عن تغطيتي لمعركة الفلوجة الأولي في جزء من إحدي الحلقات لمدة عشرين دقيقة، وكنت وحدي في الحوار، وفي حلقة أخري كاملة عن تغطيتي لمعركة الفلوجة شاركني فيها الزميل ليث مشتاق المصور الذي كان يرافقني. أما في إحدي الحلقات التي قدمتها غودمان ـ بعد قتل المرتزقة الأمريكيين وسحل جثثهم ـ وكانت في بداية نيسان (ابريل) 2004 ، كان من بين المتحدثين في تلك الحلقة المهندس غزوان المختار وهو عراقي متقاعد، أوضح لغودمان ومشاهدي ديمقراسي ناو أبعاد حادث الفلوجة وأسباب رد الفعل عند العامة. وقد نقل ذلك الكاتب الأمريكي أبو سبينوزا ونشره في موقع برس أكشن ، ونشرته صحيفة الخليج الإماراتية في 5 نيسان (ابريل) 2004، حيث قال المختار: جري الحادث في الفلوجة في المكان الذي قامت فيه القوات الأمريكية قبل يومين بقتل العديد من الناس نساء وأطفالاً في الشوارع عندما قامت علي نحو غير مبرر بإطلاق النيران بشكل عشوائي. لقد كانت الفلوجة المسرح الذي استخدم فيه الجيش الأمريكي القوة الوحشية لقمع الناس، ومن ضمن ذلك استخدام طائرات إف 15 وإف 16 ، لمهاجمة القري والأماكن التي يعتقد أنها تؤوي مقاومين، لقد أدت تلك الأعمال إلي وقوع عدد كبير من الضحايا، وإضافة لذلك قامت القوات الأمريكية باعتقال مئات الناس لمدة تترواح بين خمسين وستين يوماً، الأمر الذي ساهم في تأليب السكان علي القوات الأمريكية وعلي المقاولين ومقاولي الأمن الأمريكيين، الذين هم في حقيقة الأمر يمثلون جيشاً خاصاً غير خاضع للولايات المتحدة، وهذا هو جزء من خصخصة الحرب. وقبل يومين أو ثلاثة، وقعت حادثة مشابهة في الموصل، قتل فيها مقاولان كانا في طريقهما إلي محطة توليد الكهرباء، المهم هو أنني علمت بهذه الحادثة من الصحافة التي تقول بأن المقاولين كانا يعملان في مجال تأمين المؤونة الغذائية، ولكي لا تختلط الأمور فإن هذه المؤونة الغذائية تخص الجيش الأمريكي، وليس لمساعدة السكان المحليين، أو شيء من هذا القبيل، وعليه فإن استياء أهالي الفلوجة له مبرر، إن ما حدث لهم شيء محزن، ولكن كما تعلم، إن الأعمال الوحشية تولد أعمالاً وحشية، والعنف يولد العنف، وإن الذي بدأ ذلك هو الذي يتحمل المسؤولية، وأعتقد أن الجيش الأمريكي استخدم قوة غير مبررة ضد أهالي الفلوجة، وقد تعامل معهم بوحشية، لدرجة اضطروا معها أن يردوا بأسلوب مماثل . هذه المداخلة التليفزيونية في برنامج إيمي غودمان وجدت من الأهمية إدراجها هنا، تماماً كما رأي الكاتب الأمريكي سبينوزا أن يدرجها في مقاله، والكاتب أمريكي والمحطة التليفزيونية التي بثت ذلك أمريكية، لأن الشعب الأمريكي والرأي العام يجب أن يدرك أن ما حدث في الفلوجة لم يكن سوي نتاج طبيعي للوحشية التي يمارسها الجيش الأمريكي ضد أبناء الفلوجة.
      وقد سبق أن قدمت شواهد كثيرة علي مدي اهتمام الإعلام الأمريكي بأحداث الفلوجة وكيف احتلت العناوين الأولي سواء في نشرات الأخبار أو الصحف، وقد أحرج هذا إدارة بوش كثيراً مما دفعها إلي أن تبدأ بتطبيق خطة الهجوم والانتقام من الفلوجة.
      ذهبت في اليوم التالي الأول من نيسان (ابريل) 2004 صباحاً إلي مدينة الفلوجة مع الزميل عبد العظيم محمد وهو من أبناء الفلوجة، حيث أني لم أتمكن من الذهاب في يوم الحادث بسبب انشغالي يوم الأربعاء في إعداد برنامجي بلا حدود الذي يبث مساء كل أربعاء، وكان أول مكان ذهبت إليه حينما وصلت إلي الفلوجة هو موقع الكمين الذي نصب للمرتزقة الأمريكيين الأربعة حيث كانت آثار الحريق للسيارتين لا زالت قائمة غير أن السيارتين كانتا قد سحبتا من المكان. ثم قضيت اليوم كله في الفلوجة أستمع إلي الناس وأتحدث إليهم، وحينما ذهبنا كان معنا جهاز للبث وبعض الزملاء من الفنيين والمصور ليث مشتاق الذي صحبني بعد ذلك في رحلة معركة الفلوجة الأولي كما سيأتي ذكره فيما بعد. وكانت ترتيباتنا حينما ذهبنا في ذلك اليوم هي أن نقوم بالبث المباشر إن حدثت أية تطورات سريعة أو مفاجأة من الفلوجة، وكذلك بالنسبة لي استطلاع الوضع في المدينة ضمن التحضيرات والترتيبات التي كنت أعد لها لتغطية أحداث الذكري الأولي للاحتلال الأمريكي للعراق والتي كانت ستحل في التاسع من نيسان (ابريل)، وكنت سأقوم بالتغطية كما سبق وأن ذكرت من مدينة الفلوجة.
      وفي مساء ذلك اليوم الأول من نيسان (ابريل) ظهرت في نشرة الأخبار الرئيسية في قناة الجزيرة حصاد اليوم ، وكان هذا أول ظهور لي في نشرات الأخبار وتم بترتيب مع الزميل سعيد الشولي نائب رئيس التحرير آنذاك الذي عرض الأمر عليَّ بعدما رتبه مع مدير القناة وضاح خنفر، وطلب مني سعيد أن أعطي من الفلوجة تقريراً موجزاً عن الحادث وتبعاته وانعكاساته المستقبلية وإمكانيات تطوره بعد يوم واحد من وقوعه، حيث كانت تفاعلاته تتصاعد كل ساعة وأصوات الأمريكيين بالتهديد ترتفع من مسؤول إلي آخر ساعة بعد ساعة حتي وصلت للرئيس الأمريكي نفسه، ومنحني سعيد أربع دقائق فقط هي أطول مدة ممكنة لمداخلات الهواء من المراسلين في نشرات الأخبار. كنت حريصاً خلال الدقائق الأربع المتاحة لي أن أحيط المشاهدين بكثير من المعلومات التي جمعتها والملابسات التي أحاطت بالحادث، ومعلومات عن الفلوجة ومساحتها وسكانها، وما يمكن أن يحدث لو تعرضت لحصار أو هجوم عسكري أمريكي، وذلك بعد يوم كامل قضيته في المدينة في جمع المعلومات واستطلاع من لقيت من الناس.
      وأذكر أن محاورتي علي الطرف الآخر كانت الزميلة جمانة نمور وقد سألتني جمانة سؤالاً واحداً فقط عن الوضع في المدينة بعد يوم من حادث مقتل المرتزقة وسحلهم في الشوارع. وفي أربع دقائق بالضبط قدمت تحليلاً شاملاً عن الوضع من واقع ما رأيت ومن خلال ما تابعت، وكثفته بالمعلومات والسيناريوهات المحتملة، ورغم أني لم أكن متفائلاً إلا أني أشرت في نهاية التعليق إلي أن أي عملية عسكرية أمريكية ضد الفلوجة لن تكون نزهة ولن تكون سهلة علي الإطلاق.
      بقيت تلك الليلة في الفلوجة ونمت في بيت عبد العظيم لأن المدينة ليس بها فنادق ملائمة، كما أن والد عبد العظيم وأهله كانوا من أكرم الناس، فرحبوا بي وبالزملاء واعتبرونا ضيوفاً ومن العيب ألا نبيت عندهم لا سيما وأن البيت كان به متسع. وأهل الفلوجة أهل ضيافة وكرم، وقد جاء بعض وجهاء المدينة وبعض أقارب عبد العظيم إلي البيت حينما علموا بوجودي لا سيما بعدما ظهرت في نشرة حصاد اليوم وقضينا سهرة مطولة في الحديث عن جوانب كثيرة تتعلق بالمدينة والمقاومة والقوات الأمريكية ومستقبل الاحتلال امتدت حتي وقت متأخر من الليل. وكان اليوم التالي هو يوم الجمعة الثاني من نيسان (ابريل)، وكانت ترتيباتي المسبقة في هذا اليوم أن أتوجه من الفلوجة إلي مدينة سامراء للاطلاع علي آخر التطورات والأوضاع هناك والتعرف علي المدينة وأهلها حيث أنها كانت من المدن العصية علي قوات الاحتلال، حتي انها في شهر ايار (مايو) من العام 2007 بقيت محاصرة من قبل قوات الاحتلال أكثر من أسبوعين مع حظر تام للتجول مع قتال شرس بين أبنائها المقاومين وسلطات الاحتلال، ولم تكن هذه هي المرة الأولي ولكنها كانت أقرب ما يكون للفلوجة مقاومة ورفضاً لكل ما يقوم به الاحتلال وجنوده من إهانة ومذلة لأبناء العراق. وكان هدفي كذلك في تلك الزيارة أن أقوم بجمع معلومات كافية للتغطية التي كُلِّفت بالقيام بجزء رئيسي فيها لقناة الجزيرة التي كانت مقررة في التاسع من نيسان (ابريل). بقي عبد العظيم مع ليث في الفلوجة، وتحركت مع الزميل صهيب السامرائي إلي مدينة سامراء.
      في خطب الجمعة التي نقلتها قناة الجزيرة وكثير من وكالات الأنباء العالمية من مدينة الفلوجة في هذا اليوم، أدان أئمة المساجد عمليات السحل التي تمَّت في الشوارع وكذلك عمليات التمثيل بالجثث. وإذا كان هاجس الصومال قد أحاط بالبيت الأبيض جراء العملية فقد تذكر العراقيون من خلال هذا الحادث ما وقع للعائلة المالكة في العراق بعد انقلاب تموز (يوليو) 1958 حيث تعرض كثيرون من أفرادها للسحل في الشوارع بعد القتل، حتي ان رئيس الوزراء نوري السعيد قد نبش قبره بعد دفنه وسحلت جثته في الشوارع. أما الوصي علي العرش عبد الإله فبعد سحله مع نوري السعيد ظلت أجزاء من جثتيهما معلقة لعدة أيام أمام وزارة الدفاع العراقية آنذاك. لذلك ركز أئمة المساجد علي نهي الإسلام عن التمثيل بالجثث حتي لو كانت لعدو، وقال الشيخ خالد أحمد إمام مسجد الفلوجة في خطبة الجمعة: إن التمثيل بالجثث الذي قام به بعض الجهلة أمر مرفوض، ونحن كعلماء دين نستنكره، فهو لا يجوز وحرام مهما كانت الأسباب وأضاف: إن الذين قاموا بهذا العمل لا يعبِّرون إلا عن أنفسهم، وهم علي خطأ جسيم، وأعتقد أن المجاهدين لم يقوموا بذلك لأنه حرام في الشريعة الإسلامية.... ونحن لا نقبل بذلك، والمجاهدون منه براء، لأن المجاهد يصدق الله ويقاتل من أجل الله والإسلام .
      كما نقلت قناة الجزيرة جانباً من خطبة الشيخ مكي الكبيسي ممثل هيئة علماء المسلمين في الفلوجة وإمام مسجد عبد العزيز السامرائي الذي له قصة كبيرة مع القوات الأمريكية سأوردها فيما بعد، حيث حدد الموقف الشرعي مما حدث وردَّ علي التهديدات الأمريكية، وكان مما قاله في خطبة الجمعة: إن المقاومة عمل مشروع وفق الشرائع السماوية والأعراف الدولية... وإننا ندين عملية التمثيل بالجثث، لأنها مخالفة لتعاليم ديننا الحنيف، لكن من دفع الناس لهذا العمل هو طول الظلم وجور المحتل، الذي لم يُبْقِ حرمة لشيخ أو امرأة أو طفل، ونحن لسنا نعرف أسماء الأشخاص الذين قاموا بعملية التمثيل بالجثث، فلماذا تُحَمَّل مدينة بأسرها عاقبة من قام بهذا الفعل، وإننا نحذر القوات الأمريكية من أن الفلوجة لن تكون لقمة سائغة لهم، وانهم إذا ما أقدموا علي اجتياحها، فإن ذلك سيصعد العنف في كل شبر من العراق . ومثل تلك المعاني قالها معظم الخطباء في العشرات من مساجد المدينة.

      الفلوجة تصبح عقدة لبوش وإدارته

      رغم الانتقادات التي وجهها خطباء مساجد الجمعة في الفلوجة لعمليات التمثيل بالجثث إلا أني أدركت من خلال متابعتي للأحداث وتطورات الموضوع السريعة والخلفيات القديمة التي أشرت إليها بالنسبة للعمليات النوعية التي تمت في المدينة وحولها ضد القوات الأمريكية منذ بداية الاحتلال أن الأمر لن يمر مرور الكرام، وأن هذا الحادث سوف يٌتَّخذ ذريعة للانتقام من المدينة وأهلها ولن يكون مجرد حادث عادي، لسبب بسيط أكدت عليه مراراً وهو أن الكاميرات كانت هناك، ربما تكون هناك حوادث أخري قد وقعت بالفعل تعرضت لها القوات الأمريكية كانت أفظع مما حدث في الفلوجة، لكن لم تكن هناك كاميرات للتصوير والبث، لكن المشكلة لما حدث في 31 آذار (مارس) 2004 أن كل المحطات التليفزيونية لا سيما التي داخل أمريكا قد بثت الصور واضطرت شركة بلاك ووتر أن تعترف وأن تنشر أسماء وصور المرتزقة الذي اتضح أنهم جميعاً جنود سابقون في القوات الخاصة الأمريكية أو المارينز، فافتضحت في نفس الوقت قصة المرتزقة، وكُتِبت بعد ذلك عشرات التقارير عن المرتزقة الذين يقاتلون إلي جوار القوات الأمريكية في العراق.
      كما أن المناوئين لبوش وسياساته لا سيما من الديمقراطيين لم يتركوا الحادث يمر دون أن يقوموا بممارسة الضغوط السياسية عليه، وكان علي رأسهم نانسي بيلوسي التي أصبحت رئيسة لمجلس النواب بعد انتخابات 2006، حيث طالبت في 2 نيسان (ابريل) 2004 بإعادة النظر في الاستراتيجية الأمريكية في العراق وقالت: إن القوات الأمريكية في العراق فشلت في الحفاظ علي النظام في الفلوجة، وهذا يثير أسئلة بشأن تسليم السيادة للعراقيين في 30 حزيران (يونيو) 2004 وأضافت بيلوسي: إذا أردنا الالتزام بهذا الجدول الزمني فمن الواضح أن الرئيس يحتاج إلي خطة أفضل كي نغادر البلاد بعد نحو 90 يوماً .
      أما السيناتور الديمقراطي عن ولاية نيوجيرسي فرانك لتوتنبرغ والذي كان في زيارة للعراق قبل شهر من حادث الفلوجة فقد أرسل رسالة إلي الحاكم الأمريكي في العراق بول بريمر في 2 نيسان (ابريل) قال فيها: إن الولايات المتحدة يجب أن تخرج من العراق في أقرب وقت، ولكن ليس قبل التأكد من أن البلد أصبح قادراً علي أن يكون مجتمعاً يسوده القانون والأمن . أما جون كيري الذي نافس بوش بعد ذلك في الانتخابات الرئاسية فقد قال: إن هذه الهجمات تعكس حقيقة أن هذه الإدارة تواصل المضي وحدها في العراق، وأن سياستها ما زال بها خلل اليوم كما كانت يوم الاحتلال .
      وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

      تعليق


      • #4
        احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق 4

        احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق (4)
        الطريق بين الفلوجة وسامراء كانت مليئة بالآليات المحطمة التي لم يتمكن الامريكيون من اخلائها
        الطوق العسكري حول كبري مدن الرمادي اوحي بقرار بوش الانتقام من المدينة واهلها


        يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. و نشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .



        بدايات خطة الهجوم

        بعد يوم وليلة قضيتها في الفلوجة الخميس الأول إلي صباح الجمعة الثاني من نيسان (ابريل) 2004 جبت خلاله أرجاء المدينة وتحدثت إلي كثير من الناس حتي أضع تصوراً لما سوف أقوم به من تغطية تليفزيونية مقررة من المدينة ضمن تغطية قناة الجزيرة يوم الجمعة التاسع من نيسان (ابريل). وكنت دائماً أحرص علي أن أفهم كثيراً من أبعاد الموقف من خلال رؤيتي ومعايشتي للواقع وليس من خلال ما يتم تناقله.
        ومن خلال حواراتي ولقاءاتي المباشرة مع أهل الفلوجة لاحظت عليهم شيئاً من القلق المشوب بالحذر، والكل كان يسألني ماذا سيحدث؟ وأنا كنت بدوري أسأل الناس ماذا يتوقعون؟ فالمدينة في النهاية ليست ثكنة عسكرية، وليس بها جيش يدافع عنها، وإنما هي مدينة عادية مثل كل المدن بها ثلاثمئة ألف مدني أغلبهم من النساء والأطفال والعجائز، وعموم الناس لهم حياتهم وتجارتهم ووظائفهم ومشاغلهم وحقولهم ومصالحهم وهموم حياتهم، والمقاومة عبارة عن مجموعات صغيرة من أهل المدينة ليس لهم قواعد ثابتة أو معلومة حتي تقوم القوات الأمريكية بالهجوم عليها أو تعقب من فيها، ومن ثم فإن العقاب الأمريكي والانتقام الجماعي من المدينة وأهلها والذي أعدت خطته بين الإدارة السياسية والعسكرية سواء في واشنطن أو بغداد سيكون جريمة إنسانية كاملة الأركان.

        الطريق إلي سامراء

        توجهت صباح الجمعة 2 نيسان (ابريل) من مدينة الفلوجة إلي مدينة سامراء، وقد علمت أن هناك طريقاً مختصراً عبر ذراع دجلة يمكن أن أذهب من خلاله من الفلوجة إلي سامراء مباشرة دون الحاجة إلي دخول بغداد. وكان أهم ما لفت نظري طوال الطريق هو عدد الآليات الأمريكية المحطَّمة علي جانبي الطريق بفعل الكمائن والتي لم يتمكن الأمريكيون من انتشالها. فالعادة لديهم أنه إذا وقع لهم كمين كانوا يغلقون الطريق، ثم ينتشلون قتلاهم وجرحاهم بالمروحيات، ثم يحملون الآليات المحطمة علي شاحنات، فلا يستطيع أحد أن يحصي وراءهم شيئاً، لكن يبدو أن حجم العمليات كان قد ارتفع بشكل كبير لم يمكِّنهم من انتشال كل آلياتهم، وكانت العبوات الناسفة هي أغلب ما تعرضت له هذه الآليات.
        أما مدينة سامراء فقد كانت حاضرة العباسيين وكان اسمها سر من رأي ، واختصرها الناس إلي سامراء. وكنت أهدف من وراء رحلتي إليها أن أستكمل رحلاتي إلي معظم مناطق العراق التي تشتعل فيها المقاومة بعدما زرت الرمادي والفلوجة وتكريت، وقبل ذلك محافظة ديالي وكثير من مدنها. كما مررت بكثير من المدن التي عرفها الناس من خلال نشرات الأخبار وتقارير وكالات الأنباء، مثل التاجي والطارمية والضلوعية وبلد وغيرها من مدن وقري صغيرة لكن أهلها قاموا بأعمال كبيرة في مواجهة سلطات الاحتلال، وكانت أسماء تلك المدن والقري ولا زالت تتصدر الأخبار ونشرات الأخبار الرئيسية في أنحاء العالم. وقد قمت بذلك في محاولة لتتبع الوضع علي الساحة العراقية من كافة جوانبه وجمع المعلومات المباشرة من أرض الواقع كما عملت في حياتي المهنية من بدايتها لا سيما في تغطية الحروب، وزيارة سامراء كانت تمثل بعداً هاماً لي في فهم المشهد العراقي.

        قصة صُهَيْب الباز

        كان في صحبتي إلي سامراء الزميل صهيب الباز السامرائي الذي كان يعمل في مكتب قناة الجزيرة في بغداد، وهو من أهل سامراء. وصهيب هذا له قصة طريفة رواها لي علي مدي يومين من الصحبة في الأسفار سأذكرها هنا باختصار، فقد كان صهيب مثل كثير من الشباب العراقيين الذين كان يمكن أن يطلق عليهم باباراتزي . وهذا هو الاسم الذي يطلق علي من يقومون بمثل عمله في الغرب، وهؤلاء هم المصورون الذين يطاردون المشاهير أو يسعون لالتقاط الصور النادرة التي يبيعونها للصحافة العالمية مقابل مبالغ كبيرة من المال.
        أما في العراق فهؤلاء كانوا من المصورين الهواة الذين يحملون كاميرات فيديو صغيرة، أو كاميرات تصوير عادية، وكانوا يجوبون شوارع بغداد أو المدن الأخري يبحثون عن صور مميزة لقوات الاحتلال أو عمليات عسكرية يتصادف وجودهم أو عبورهم خلال حدوثها فيقومون بتصويرها ثم يقومون بعرضها لمن يشتري من محطات التلفزة أو وكالات الأنباء التي كانت تملأ مكاتبها العراق، وليس لديها عدد كاف من المصورين لترسلهم في كل مكان لينتظروا حادثاً لتصويره.
        وقد قام صهيب بتصوير حادث أو اثنين وباعهم مثل كثيرين غيره من المصورين الشباب إلي مكتب قناة الجزيرة في بغداد، ولأنه كان نشيطاً فقد عرض عليه الزملاء في المكتب أن يعمل معهم بالقطعة، فكان صهيب يجوب الشوارع بكاميرا الفيديو الصغيرة التي معه مثل عشرات من الشباب العراقيين آنذاك، بحثاً عن أي صور يمكن أن يلتقطها ويبيعها لقناة الجزيرة، ولأن الكمائن كانت كثيرة علي طريق بغداد سامراء المؤدي إلي الموصل حتي إنهم أطلقوا عليه اسم طريق الكمائن فقد فضَّل صهيب أن يظل يجوب هذا الطريق ذهاباً وإياباً طوال اليوم، ربما صادف كميناً أو عملية ضد القوات الأمريكية فيقوم بتصويرها. وكلما كانت الصور مميزة والتصوير جيدا كان العائد المادي أفضل، فكان يصادف في بعض الأحيان كميناً أو عبوة ناسفة انفجرت في رتل عسكري أو سيارة وأحياناً كثيرة لا يصادف شيئاً، فهو مثل الصياد.
        وفي يوم من الأيام صادف كميناً وقعت فيه القوات الأمريكية ووقع بينها اشتباك وبين بعض رجال المقاومة وقد وصل صهيب في نهاية المعركة بحيث كان الأمريكيون لا زالوا يلملمون قتلاهم وجرحاهم. وببراءة تامة وقف يصور صيده الثمين وهو سعيد ويحلم بالمبلغ الكبير الذي سوف يحصل عليه حينما يعود بهذه الصور المهمة إلي مكتب قناة الجزيرة في بغداد، لكن الجنود الأمريكيين بمجرد أن شاهدوه يقوم بالتصوير قبضوا عليه ووجَّهوا له تهمة التعاون مع المقاومة، وإلا لماذا تواجد في وقت العملية لتصويرها وكأنه علي علم بها؟ وحينما قال لهم إنه يصور لقناة الجزيرة أصبحت قناة الجزيرة متهمة بأنها علي علم بالعمليات وترسل المصورين لتصويرها حالة حدوثها. وقد ردد أكثر من مسؤول أمريكي مثل الجنرال ريكاردو سانشيز وقائده جون أبي زيد اتهامات مباشرة لقناة الجزيرة أكثر من مرة بأن مصوريها يتواجدون حيث تكون العمليات، مما يعني علم قناة الجزيرة بها. لكنها أحياناً تكون الصدفة البحتة كما حدث مع صهيب هي السبب، أو يقوم رجال المقاومة أنفسهم بتصوير العمليات وتقديم الأشرطة مجاناً للجزيرة أو غيرها من القنوات الأخري. وكانت حادثة صهيب الباز تحديداً إحدي هذه الحوادث التي استخدموها في هذه الدعاية ضد قناة الجزيرة.
        أُخِذَ صهيب بعد اعتقاله إلي سجن أبو غريب السيء الصيت، وبعد تحقيقات مطوَّلة معه لم يوجهوا له أي اتهام، لكنهم أبقوه في السجن مثل آلاف مؤلفة غيره من العراقيين الموقوفين دون اتهام. ولأنه كان جميل الصوت فقد كان كل يوم في المساء يرتل القرآن بصوت مرتفع بحيث كان يسمع من معه في الزنازين المجاورة. وفي يوم جاءه أحد كبار المحققين الأمريكيين في الصباح وقال له: سمعتك أمس تردد بعض الترانيم والأناشيد بصوت جميل وأريد أن أسمعها منك مرة أخري ، فقال له صهيب: هذه ليست ترانيم أو أناشيد ولكنه القرآن الكريم . صمت المحقق طويلاً ثم قال له بتعجب: هل هذا هو القرآن؟ قال صهيب: نعم فقال له المحقق: هل يمكن أن تتلو عليَّ منه مرة أخري يقول صهيب: فأخذت أتلو عليه بصوتي بعضاً من آيات القرآن ، وبعد قليل بدأ يتأثر ثم بكي رغم أنه لا يعرف اللغة العربية حيث كان يتواصل معي عن طريق مترجم، فتوقفت حينما رأيته يبكي، فأشار لي ألا أتوقف، فأكملت ثم بعد قليل توقفت وتوقف هو عن البكاء، ثم قال لي: لماذا أنت هنا؟ فرويت له قصتي، فقال لي: سأحاول جاهداً أن أخرجك من هنا لكن هذا الأمر سيستغرق مني بعض الوقت وإلي أن يحين هذا سوف آتيك كل يوم لتقرأ لي شيئا من القرآن، وبالفعل تردَّد هذا المحقق عليَّ عدة مرات وفي كل مرة كان يتكرر المشهد ويبكي الرجل ثم يذهب، وفي يوم جاءني وقال لي: سوف تخرج لقد نجحت في تسوية ملفك. وكان هذا بعد سبعة وسبعين يوماً قضيتها في معتقل أبو غريب . وبالفعل خرجت من المعتقل.

        عودة إلي سامراء

        لم تكن سامراء بالنسبة لي مجرد مدينة عادية مثل كثير من مدن العراق الأخري التي ذهبت إليها، وإنما كنت في طريقي إلي حاضرة العباسيين التي كانت تجيش منها الجيوش ويجبي إليها الخراج من أطراف دولة الخلافة الإسلامية، كنت في طريقي إلي حيث كان مجد الأمة الإسلامية وعزها، إنها عاصمة الخليفة المعتصم بالله العباسي الذي جيَّش الجيوش منها استجابة لنداء امرأة مسلمة في بلاد الروم اعتدي عليها رومي فقالت قولتها التي بلغت الآفاق وامعتصماه ، لكني الآن كنت في طريقي إلي سامراء التي خربها الغزاة الأمريكيون واحتلوها وأذهبوا عنها هذا السرور الذي سميت به، والحضارة التي كانت تنعم بها والبهجة التي كانت تحيطها، سر من رأي فهي تقع علي نهر دجلة وخلفها بحيرة الثرثار التي تسر النظر لا سيما إذا تأملها الإنسان من فوق المئذنة الملوية، لمسجد الخليفة المعتصم الضخم الكبير الذي لا زالت جدرانه قائمة حتي الآن لكنها مهملة مثل المدينة التي كانت مدينة العز والخلافة، وقد بني هذا المسجد بين عامي 221 و 227 هجرية.
        ورغم أن سكان سامراء البالغ عددهم 285 ألفاً كلهم من أهل السنة ومن قبائل العرب الأصيلة إلا أن المدينة بها مقام الإمام علي الهادي أحد أئمة الشيعة الذين يأتون لزيارته من إيران ومن معظم أنحاء العالم. وقد نسفت قبة هذا المقام في يوم 22 شباط (فبراير) من العام 2006 ، ثم نسف ما تبقّي من المئذنتين في 13 حزيران (يونيو) من العام 2007، في ظروف لا زالت غامضة لإشعال الحرب الأهلية بين السنة والشيعة في العراق، ولا زالت علامات الاستفهام تحيط بالذين قاموا بهذا العمل، لأن المقام وسدنته وكل العاملين فيه من السنة منذ مئات السنين ولم يقم أحد علي الإطلاق بالقيام بأي أذي له، وذكر لي بعض العراقيين من أهل سامراء أن الزميلة أطوار بهجت التي قتلت في نفس هذا اليوم في سامراء 22 شباط (فبراير) 2006 ، كانت قد توصلت إلي معرفة المجرمين الحقيقيين الذين ارتكبوا هذا الفعل، والذين لهم نفوذ واسع في العراق، وكانوا يخططون لاندلاع الحرب الأهلية الطائفية، ولذلك عاجلها هؤلاء المجرمون وقتلوها قبل أن تبوح بهم.
        عبرنا جسر سد الثرثار المقام علي البحيرة، ومنظر المياه من علي الجسر مثير للغاية؛ فمن جهة البحيرة التي تمتد علي مرمي البصر تري المياه مرتفعة للغاية، ومن جهة النهر تري المياه منخفضة للغاية، وبعد الجسر مباشرة كانت هناك نقطة لقوات الاحتلال الأمريكية غالباً ما تُشَنّ عليها عمليات عسكرية من قبل المقاومة. وهي منطقة توتر دائم، لذا فإن القوات الأمريكية كثيراًً ما تقوم بإغلاق الجسر وهو الرابط الأساسي للمدينة بالخارج.
        نزلنا في ضيافة الشيخ ناهض السامرائي وهو من وجهاء سامراء وعلمائها الكرام، من هؤلاء الناس الذين إذا رأيتهم أحببتهم وإذا عرفتهم زاد حبك لهم. وكنت قد تعرفت عليه في مكتب قناة الجزيرة في بغداد حينما كان الزميل وضاح خنفر مديراً للمكتب وذلك في إحدي زياراتي السابقة للعراق في شهر تموز (يوليو) من العام 2003. وكان بصحبة الشيخ ناهض آنذاك بعض وجهاء سامراء حيث دار بيني وبينهم نقاش طويل حول الأوضاع في العراق، فوجهوا لي الدعوة لزيارة سر من رأي والتعرف من قرب عليها وعلي أهلها وتاريخها وقصورها القديمة وعصرها الزاهر وربطه بالحاضر، ربما يدخل بعض عبق التاريخ شيئاً من السرور إلي النفس يزيل بعض هموم الواقع وآلامه، فوعدتهم بذلك لكني حققت وعدي بعد عدة أشهر في هذه الرحلة.
        شعرت أن هذه المدينة التاريخية العظيمة مهملة إلي حد كبير، وعلاوة علي الإهمال فهي تقع تحت الاحتلال، وقوات الاحتلال غاشمة، وأهل سامراء أهل عشائر عربية أصيلة، يفتخر كثيرون منهم بأنسابهم التي تصل في جذورها إلي الصحابة، وبعضهم إلي بني هاشم والرسول الكريم صلي الله عليه وسلم، والكريم لا يرضي الضيم، لذلك فإن علاقتهم مع قوات الاحتلال من أول يوم لم تكن علي ما يرام، وقد بدا ذلك في نسبة الشهداء والأسري من أهل المدينة، فحينما زرت سامراء لم يكن هناك بيت من بيوتها ليس فيه معتقل أو شهيد، وكان عدد المعتقلين من أهل سامراء بعد عام من الاحتلال يزيد عن ثمانمئة وخمسين. وتضاعف العدد بعد ذلك أضعافاً كثيرة. كانت سامراء تنتفض دائماً علي الاحتلال وتخضع للحصار وحظر التجول، وآخر انتفاضاتها قبل طباعة هذا الكتاب في شهر ايار (مايو) من العام 2007 حيث حاصرتها قوات الاحتلال أكثر من أسبوعين وفرضت علي سكانها حظر التجول في واحدة من أكبر الجرائم التي تمارسها سلطات الاحتلال الأمريكية ضد أهل العراق الرافضين للاحتلال.
        صلينا الجمعة في مسجد الشيخ ناهض السامرائي، ثم دعانا إلي الغداء مع بعض وجهاء المدينة، ودار حديث طويل بيني وبينهم أشرت إلي كثير منه في ثنايا الكتاب، ثم ذهبنا إلي مقام الإمام علي الهادي للتعرف علي أحد معالم المدينة الرئيسية التي يشد الشيعة إليها الرحال من أنحاء الدنيا.
        قابلنا حراس المسجد وسدنته بالترحيب الحار، ورغم أنهم كانوا جميعاً من أهل السنة ومن أهل المدينة فقد كانوا هم المتكفلين بكل ما يتعلق بالمقام ذي القبة الذهبية الذي بني في عهد الخليفة المعتصم العباسي، وبه قبر الإمام علي الهادي ونجليه الحسن العسكري وجعفر الزكي، لكن الأهم من ذلك في معتقدات الشيعة هو أن المقام كان يقع فيه السرداب الذي يقود إلي المكان الذي اختفي فيه الإمام الغائب الذي سيظهر في آخر الزمان حسب معتقداتهم المهدي المنتظر نجل الإمام الحسن العسكري.
        قمنا بعد ذلك بجولة في سوق سامراء القديم حيث أحب دائماً أن أعيش في التاريخ من خلال المرور بالأسواق، وتحدثت إلي كثير من الناس، فالمدن تعرف من أسواقها وأي مدينة لا أمشي في سوقها أعتبر نفسي لم أعرفها جيداً.
        ثم ذهبنا بعد ذلك إلي مسجد الملوية الذي بناه المعتصم في القرن الثالث الهجري، وصعدنا إلي المئذنة رغم الهواء الشديد المخيف الذي كان يهزنا كلما صعدنا، وأدركت من فوق المئذنة لم اتخذ العباسيون هذه المدينة الجميلة حاضرة لدولة الخلافة التي كانت تبسط نفوذها علي كثير من بلاد الدنيا، لكنها اليوم اسيرة تحت الاحتلال الامريكي تقاومه وتأبي ان تقبل بوجوده.

        بداية الهجوم علي الفلوجة؟

        في يوم السبت 3 نيسان (ابريل) بدأت القوات الأمريكية بتنفيذ بدايات خطة هجومها علي الفلوجة، فأصدرت بياناً به صور بعض الذين شوهدوا علي شاشات التلفزة وهم يقومون بسحل جثث بعض المرتزقة في الشوارع، وكان معظمهم من المراهقين والأطفال والعامة، وطالبوا بتسليمهم للقوات الأمريكية، وبدأت عمليات التهديد والوعيد والتوتر تسود أنحاء العراق بشكل عام والفلوجة بشكل خاص. وقامت القوات الأمريكية بحصار الحي العسكري في المدينة وقامت مناوشات عسكرية بينها وبين بعض رجال المقاومة انتهت بفك حصار القوات الأمريكية عن الحي بعد ليلة من حصاره، وكانت توقعات الكثيرين لا تزيد عن أن التهديد الأمريكي في مداه الواسع لن يزيد عن عملية هجوم وقصف مثل كثير من العمليات التي حدثت. ولأن الفلوجة قريبة من بغداد 55 كيلو متراً فقط، فلم يكن بها صحافيون مقيمون إلا أبناء المدينة الذين يعملون مع وكالات أنباء أو صحف أو محطات تليفزيون عربية أو عالمية، وكان من بينهم زميلنا حسين دلي الذي كان له دور بطولي رائع، ربما أفصِّل بعض جوانبه في الفصول القادمة من الكتاب. كما أن المدينة لم يكن بها فنادق علي مستوي يسمح للصحافيين بالإقامة أو البقاء، فكان الجميع من غير المقيمين يأتون إلي المدينة صباحاً ويعودون إلي بغداد مساءً بعد أن يحصلوا علي صور أو لقاءات مع الناس. لذلك كانت المدينة تفرغ من الصحافيين كل ليلة إلا من أبناء الفلوجة المقيمين فيها، لكن حالة التوتر كانت سائدة، وكانت الطائرات تلقي منشورات بها تحذيرات ومطالب بتسليم مرتكبي الاعتداء علي المرتزقة، وكانت هناك قوات أمريكية تحتشد من بعض الجوانب، لكن أحداً لم يكن يتخيل أن يصبح الناس في الخامس من نيسان (ابريل) فيجدوا المدينة مطوَّقة من كل الجوانب، بقوات أمريكية يصل عددها إلي أحد عشر ألف جندي، لكن هذا ما حدث، لقد بدا أن أهل الفلوجة سحلوا بوش وإدارته في شوارعها وليس بعض المرتزقة الأمريكيين، لذا فإن بوش قرر الانتقام من المدينة وكل أهلها بنسائهم وأطفالهم وعجائزهم، مهما كان الثمن.

        الطريق إلي الفلوجة

        كانت شوارع بغداد مزدحمة للغاية صباح ذلك اليوم الاثنين الخامس من نيسان (ابريل) 2004 ، فقضينا وقتاً طويلاً حتي خرجنا إلي الطريق الدولي الذي يربط بين الأردن والعراق المعروف لدي العراقيين باسم طريق المرور السريع ، فهو أقرب الطرق التي يمكن أن ندخل منها إلي مدينة الفلوجة، وعادة ما كنت أذهب إلي المدينة منه في زياراتي السابقة، لكن الطريق بدا طويلاً هذه المرة وكأنه لا نهاية له.
        كان فريق الجزيرة يتكوَّن مني ومن الزميل حامد حديد والمصوِّرين ليث مشتاق وحسان وليد، ومهندس الاتصالات سيف الدين محمد، وسائقين هما عبد العزيز إبراهيم الذي كنا نناديه طوال الوقت بأبي عمر، وسائق سيارة الستلايت وكان اسمه فرقد.
        ما إن اقتربنا من مفرق الفلوجة علي طريق المرور السريع حتي وجدنا عشرات الشاحنات والسيارات المدنية تصطف علي جانبي الطريق، لكننا لم نتوقف وواصلنا السير حتي وصلنا قرب مفرق الفلوجة، فوجدنا السيارات متوقفة علي بعد ما يزيد علي ثلاثمئة متر من حواجز إسمنتية تسد الطريق، وتقف عليها قوات أمريكية.
        كانت السيارة التي ترافقنا وتحمل جهاز البث مميزة بطبق الإرسال علي سطحها بما يشير إلي أننا فريق تليفزيوني، فتقدمنا وأصبحت سيارتنا في مقدمة السيارات التي تصطف علي جانبي الطريق ولم يكن في مواجهتنا سوي القوات الأمريكية والحواجز الاسمنتية التي أغلقت بها الطريق، لكنها كانت علي بعد حوالي ثلاثمئة متر.
        نزلنا من السيارتين وبدأنا نستكشف الموقف، فسألنا بداية أصحاب السيارات والشاحنات المتوقفين عن ظروف إغلاق الطريق، قال بعضهم إنه يقف منذ منتصف الليلة الماضية علي أمل أن يفتح الطريق لكن القوات الأمريكية لا تسمح لأحد بالمرور سواء القادمين من بغداد في طريقهم إلي الفلوجة أو حتي إلي الأردن وسورية، أو القادمين من الأردن وسورية في طريقهم إلي بغداد. طلبت من الزملاء أن يبقوا إلي جوار السيارتين علي أن يأتي معي ليث بالكاميرا ونذهب إلي الجنود الأمريكيين لنتحدث ونتفاوض معهم، ونحاول أن نقنعهم أن يسمحوا لنا بالمرور.
        كانت مسافة الثلاثمئة متر التي قطعتها متجهاً صوب الجنود الأمريكيين الذين كانوا يشهرون أسلحتهم تجاهنا وفي حالة تحفز واستعداد مسافة طويلة للغاية، وبدت وكأنها ثلاثمئة كيلو متر وليس ثلاثمئة متر، ولم يكن سوانا أنا وليث قد تجرأ وقرر أن يذهب للأمريكيين ليتحدث إليهم، فالكل كان يقف علي مسافة بعيدة ولا يدري ما الذي يحدث وماذا يفعل، ولم يكن أحد يجرؤ علي التقدم، وكنت أراعي وأنا أقترب شيئاً فشيئاً من الجنود الأمريكيين أن أسير ويداي بجواري وأن تكون مشيتي طبيعية لا تبعث علي أدني ريبة، لأنه في الوقت الذي كان بعضهم يشهر الأسلحة تجاهنا كان آخرون يدققون عبر المناظير المكبرة في كل تفاصيل أجسادنا وحركتنا وما نحمل، ولهذا طلبت من ليث أن يظهر أن في يده كاميرا تليفزيونية، وكان يمشي خلفي بعدة خطوات حيث كان ليث كما عهدته دائماً ذكياً ولماحاً إلي حد بعيد فحفظ مسافة بيني وبينه، وفتح الكاميرا للتسجيل بعدما أطفأ اللمبة الحمراء التي تشير إلي ذلك، وصور المشهد كاملاً.
        حينما اقتربت من الجندي كنت أحمل في يدي هويتي الصحافية التي كنت قد استخرجتها سابقاً من المركز الصحافي الذي أقامته القوات الأمريكية في المنطقة الخضراء، والتي كان يسمح لي بمقتضاها بالتحرك في أنحاء العراق، وكانت هذه الهوية تشير إلي أني أعمل في التغطية التليفزيونية لصالح قناة الجزيرة الفضائية . وكانت القوات الأمريكية قد اشترطت علي كل الصحافيين العاملين في العراق في ذلك الوقت ضرورة استخراج تلك الهوية حتي يسمح لهم بالعمل والتحرك في أنحاء العراق، فقمت باستخراجها فور وصولي إلي بغداد حتي تسهل لي تحركاتي بين نقاط التفتيش الأمريكية التي كانت تملأ الشوارع والطرق في بغداد وشتي أنحاء العراق.
        اطلع الجندي الأمريكي علي هويتي الصحافية ـ وكان واضحاً أنه قائد سرية وليس مجرد جندي، فقد كان يصدر الأوامر لكل من حوله، كما كان علي اتصال عبر جهاز لاسلكي يحمله بقيادته ـ ثم سألني بحزم بعدما عرّفته بنفسي قائلاً: وماذا تريد؟ قلت له ببساطة شديدة: نحن فريق تلفزيوني تابع لقناة الجزيرة، ونريد أن تسمحوا لنا بالدخول إلي مدينة الفلوجة؟ قال: الطريق مغلق إلي الفلوجة وغير مسموح لأحد بالدخول . قلت له: ربما لا تسمحون للناس العاديين ولكننا صحافيون ومن حقنا أن ندخل حتي ننقل للناس ما يجري داخل المدينة؟ قال: القرار ليس لك أو لي في هذه المسألة ولكن يجب أن أرفع الأمر إلي القائد . قلت له: لا بأس ارفعه للقائد . قال: انتظر هنا ولا تتقدم حتي آتيك بالرد .
        شعرت كأننا أول فريق تليفزيوني يأتي ويطلب الدخول للمدينة، وإلا لو كان سبقنا أحد لأخبرنا قائد الحاجز الأمريكي أنه غير مسموح لأحد بالمرور حتي الصحافيين، لكن طلبه منا الانتظار أعطي دليلاً علي أنه ربما كنا أول فريق تليفزيوني يطلب الدخول إلي المدينة التي كان واضحاً أنها حوصرت وقطعت كل الطرق المؤدية إليها من القوات الأمريكية.
        وقفت إلي جوار ليث وكنا نرقب الوضع الذي بدا متوتراً إلي حد بعيد، فقد كان صوت الضباط يأتي واضحاً عبر جهاز الاتصال الذي يحمله قائد الحاجز فكان كله أوامر وصراخ بصوت مرتفع، لم أستطع تمييز كثير منها لأن قائد الحاجز لم يكن يقف إلي جوارنا بل كان يتحرك هنا وهناك طوال الوقت.
        في هذه الأثناء وصلت سيارتان من سيارات الدفع الرباعي إلي حيث كنا نقف، فقلت في نفسي: ما الذي جرأ هؤلاء علي أن يأتوا بالسيارات إلي هنا؟ ، ولكن سرعان ما فهمت، فقد كانوا من المرتزقة الذين يعملون مع القوات الأمريكية وهؤلاء كانت تفتح لهم كل الطرق المغلقة. كانت كل سيارة بها أربعة منهم وكانوا حليقي الرؤوس ووجوههم قاسية الملامح، ويرتدون ملابس مدنية عليها دروع مضادة للرصاص ويحملون بنادق آلية أمريكية من طراز إم 16 ، وهذه ملامح عامة كان يتصف بها معظم المرتزقة الذين يعملون في العراق مع القوات الأمريكية. توجه أحدهم إلي قائد الحاجز الذي تحدثت معه وكان يحمل ورقة فأعطاه إياها وتحدث معه بالإنكليزية بلهجة تشير إلي أنهم أمريكيون، ثم رجع إلي السيارة وجلس في المقعد الأمامي حيث كان، بينما نزل من كل سيارة اثنان وأخذا يدوران حولها فيما بدا أنها عملية تأمين لزملائهم داخل كل سيارة، وكان كل منهما يحمل سلاحه في وضع الاستعداد لكن فوهات البنادق كانت موجهة للأرض.
        أخذت أسترق النظر إليهم وإلي السيارتين، فوجدت أنهم باستثناء أحدهم الذي كان جسمه رياضياً ونحيلاً ويبدو أنه كان قائد المجموعة كان السبعة الآخرون أصحاب أجساد رياضية قوية، أما السيارات التي كان يبدو أنها حديثة وجديدة فكانت تحمل لوحات زرقاء خاصة لإمارة خليجية.
        علي امتداد البصر علي جانبي الطريق كنت أري شاحنات وسيارات صغيرة تسلك الطرق الترابية في محاولة للبحث عن طرق بديلة تُسلك بها الطريق إلي مدينة الفلوجة أو تلتف علي طريق المرور السريع حتي تواصل الطريق إلي الأردن، فكان الغبار علي امتداد البصر كثيفاً مع خطوط السير التي سلكتها السيارات في الطرق الصحراوية البعيدة. وبعد حوالي عشرين دقيقة من الانتظار جاء الرد وكان طبيعياً أن يكون بالرفض. وحينما حاولت النقاش مع قائد الحاجز الذي أشهد أنه تعامل معي بأدب واحترام، قال لي: ليس من صلاحياتي أن أفعل شيئاً في هذه المسألة، لقد رفعت طلبك إلي القائد فرفعه إلي قائده بنفس التفصيلات التي ذكرتها أنت مع كامل بياناتك وبيانات المحطة التليفزيونية التي تمثلها وجاءني الرد بالرفض، نحن في حالة طوارئ، وحتي تعلم أن الأمر صعب جداً، فهؤلاء ـ وأشار إلي المرتزقة ـ متعاقدون مع الحكومة الأمريكية ولديهم تصريح بالمرور من أي نقطة عسكرية، ومع ذلك فقد جاء الرد بالرفض لهم مثلك .
        قلت له وأنا أحاول الاستفادة من أدبه معي والتعرف علي أي معلومة قد تفيدني: هل الطرق إلي الفلوجة كلها مغلقة أم هذا الطريق فقط؟ . قال: ما أعرفه هو ما أقوم به من إغلاق هذا الطريق، ويمكنك البحث عن طرق أخري، لكن ما أؤكده لك أن المدينة محاصرة . قلت له: طلب أخير؟ هل يمكن أن تسمح لنا أن نفتح طبق الإرسال في سيارتنا هذه التي تراها هناك وأن نرسل رسالة مصورة إلي محطتنا التليفزيونية عن الوضع هنا . قال وقد تغيرت لهجته قليلاً: هذه منطقة عسكرية مغلقة وغير مسموح لكم بالتصوير وعليك الانسحاب أنت وفريقك التليفزيوني منها وعدم التصوير هنا .
        شعرت أنه لا فائدة من إطالة النقاش أكثر من ذلك مع قائد الحاجز العسكري الأمريكي، كما أنه كان مشغولاً والأوامر تأتيه تباعاً من قائده، كما كان يبلغ قائده بكل ما يستجد أمامه، وكان الوضع يبدو متوتراً إلي حد بعيد، كما أن حواري معه لم يكن متواصلاً بل كان يذهب ويأتي ويتحدث مع قائده ومع زملائه وكذلك مع المرتزقة الذين بدوا غير مقتنعين بالرد الذي جاءهم بالرفض، رغم أنهم كانوا يعملون مع القوات الأمريكية كما أخبرني القائد الأمريكي علي الحاجز.
        وفي الوقت الذي قررنا فيه العودة بقي المرتزقة يبذلون محاولة أخري ويجرون بعض الاتصالات من سياراتهم التي بدا أنها كانت مجهَّزة بشكل عالي المستوي بقيادتهم، قلت للزميل ليث: هيا نعود. وفي طريق العودة إلي زملائنا كنت أفكر طوال الوقت في البديل ماذا سنفعل؟ أثلج ليث صدري حينما أبلغني ونحن في طريق عودتنا إلي السيارتين والزملاء الذين كانوا في انتظارنا، أن الكاميرا كانت تصور طوال الوقت كل شيء حتي الحوار الكامل بيني وبين الضابط الأمريكي وكذلك لافتات الطريق السريع التي تشير إلي مفرق الفلوجة. وهكذا كان ليث طوال الرحلة يعرف ما يجب أن يفعله دون حاجة إلي توجيه دائم مني، فقد كان لديه إحساس عال بالصورة وبالحدث. رجعنا حيث كان حامد وباقي الزملاء ينتظرون، وأخبرت حامداً بما حدث، وقلت له: أنت من أهل الفلوجة يا حامد، ولا بد أنك تعرف كل الطرق المؤدية إلي المدينة لا سيما الطرق الزراعية والترابية وأرجو أن تخبرنا بكل الطرق لنحاول الدخول من أي منها لأننا لن نتراجع عن دخول المدينة إلا إذا وجدنا كل الطرق مغلقة، لذلك سوف نسلك كل الطرق إلي أن نجد باباً مفتوحاً للدخول.
        وجدت حماسة من حامد ومن جميع الزملاء، وقال حامد: هناك عدة طرق أخري غير هذا الطريق، وعدَّد لنا أكثر من خمس طرق منها الطريق القديم أبو غريب ـ خان ضاري، وعامرية الفلوجة، وطريق سدة الفلوجة الذي يقع علي نهر الفرات، قلت له: لا نريد استخدام طرق معروفة ولكن ابحث لنا عن أقل الطرق استخداماً، ويفضل أن يكون طريقا زراعياً غير مطروق فربما قامت القوات الأمريكية بإغلاق الطرق الرئيسية وتركت الطرق الزراعية مفتوحة فنجد من أحدها منفذاً . قال حامد: إذن نجرب طريق النعيمية فهو من الطرق التي لا يعرفها إلا أهل الفلوجة والمناطق المجاورة لها ويدخل المدينة من جهتها الجنوبية عبر حي الشهداء . ويُعرف هذا الطريق أيضاً باسم طريق المشروع ، وهذا المشروع هو أحد روافد المياه المتفرعة من نهر الفرات والتي تتجه من الفلوجة صوب أبو غريب.
        وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

        تعليق


        • #5
          احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق 5

          احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق (5)
          اخترق فريق الجزيرة الحصار المفروض علي الفلوجة ليصبح محاصرا داخلها
          غضب اهالي الفلوجة من مراسل المحطة لقوله انهم خائفون من الهجوم الامريكي

          يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. و نشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .


          اتفقنا وبدأنا المسير، سلكنا طريقاً ترابياً مليئاً بالحفر والصعود والهبوط، وكانت بعض السيارات تسلك نفس الطريق ولكن كانت قليلة مما يعني أن هذا الطريق لا يعرفه فعلاً إلا أهل المنطقة. بعدما سلكنا بعض الطرق الترابية التي تقودنا إلي طريق النعيمية، مشينا بمحاذاة الممر المائي الذي يطلقون عليه اسم المشروع ، وكانت الطائرات المروحية الأمريكية تحلق حولنا بكثافة، بما يشير إلي حالة طواريء واضطراب وقلق في المنطقة، شاركتنا بعض السيارات جانباً من الطريق ثم أصبحنا وحدنا في النهاية، وكنا نمشي بمحاذاة الممر المائي ولكن ليس في جهة الفلوجة ولكن في الجهة الأخري، وسألت حامداً إن كان هناك جسر في النهاية سوف ينقلنا إلي الضفة الأخري للمشروع؟ قال: نعم هناك جسر ولكن عند مدخل النعيمية .
          كنا جميعاً ندعو الله أن يفتح لنا مدخلاً إلي المدينة، وكنت قلقاً بعض الشيء من الوضع برمته، ولدي مخاوف من أن نجد الطريق في النهاية مغلقاً، لكني كنت أفكر في نفس الوقت في كيفية العبور من هذا المجري المائي إلي الضفة الأخري، ولكن كيف؟ كان عرض الممر المائي حوالي عشرة أمتار لكنه كان سريع الجريان، ولم أجد أي قوارب علي جانبيه، يمكن أن تساعد في فكرة العبور، وحدثت حامداً بما كنت أفكر فيه، فقال: لا نستطيع عبوره إلا سباحة. قلت له: ألا توجد قوارب ولو صغيرة؟ قال: لا أدري ولكن أعتقد عدم وجود قوارب هنا ، أخيراً شاهدنا الجسر، فحمدنا الله كثيراً لأنه حتي الآن لم تصادفنا أية قوات أمريكية وإن كانت الطائرت تحوم طوال الوقت في المنطقة، قال حامد: خلف هذا الجسر تقع النعيمية ونستطيع أن نري الفلوجة رأي العين من هناك ، بدأت أشعر ببعض الارتياح، ولكن ما إن عبرنا الجسر الصغير علي الممر المائي حتي وجدنا بعض السيارات تصطف علي جانبي الطريق وبها بعض المسافرين، وسرعان ما شاهدنا قوات أمريكية تغلق الطريق، ليس بحواجز إسمنتية كما كانوا يغلقون الطريق السريع، ولكن بكومة كبيرة من التراب وخلفها جنود في دبابات وعربات مدرعة.
          أوقفنا سيارتينا إلي جوار الطريق وقلت للزملاء: سنذهب لنكرر المحاولة أنا وليث مرة أخري، اتجهت إلي الجنود الذين كانوا قريبين للغاية، وما إن اقتربت حتي صرخ عليَّ أحدهم أن أتوقف مكاني ولا أتقدم، وقفت ورفعت له هويتي الصحفية وقلت له: أنا صحفي ونحن فريق تليفزيوني من قناة الجزيرة الفضائية ، ونريد التحدث إلي قائد الحاجز؟ جاءني قائدهم وتحرك نحوي فيما كان الآخرون في وضع استعداد تام لإطلاق النار.
          قال قائدهم وكان يبدو عليه التوتر الشديد: ماذا تريد؟ قلت له: نحن فريق من قناة الجزيرة الفضائية، وهذه هوياتنا ونريد الدخول إلي الفلوجة؟ . توقعت أن يتعامل معي مثل قائد الحاجز الآخر الذي كان علي الطريق السريع والذي تعامل معنا بأدب واحترام، وطلب منا أن يخبر قائده، لكن هذا القائد كان متوتراً وصارماً إلي حد بعيد، ولم يفتـــح أي مجال للحوار أو النقاش أو التفاهم، وقال بلهجة حازمة: هذه منطقة عسكرية مغلقة وغير مسموح لأحد بالدخول قلت له: ولكننا صحفيون؟ قال بنفس اللهجة التي لا تحتمل النقاش: قلت لك غير مسموح لأحد بالدخول وعليك الابتعاد الآن عن هذه النقطة .
          كان من بين الناس القليلين الذين يقفون في المكان أحد الأطباء الذين يعملون في مستشفي الفلوجة، وكان قد أبلغني أنه من الصباح يحاول الدخول إلي المدينة لكن كل الطرق التي ذهب إليها وجدها مغلقة. قلت لقائد الحاجز الأمريكي: هل يمكن أن تسمح لهذا الطبيب أن يدخل؟ قال بحزم: قلت لك ممنوع، وعليك أن ترحل وفريقك الآن من هنا . قلت له: سؤال أخير، هل يمكن أن تسمح لي بأن أفتح جهاز الستلايت وأن أرسل لمحطتي التليفزيونية رسالة من هذا المكان؟ استشاط الجندي غضباً هذه المرة وقال لي بلهجة حازمة وقد بدا أن صبره قد نفد: إن لم تغادر المكان خلال خمس دقائق أنت وفريقك التليفزيوني سأفتح عليك النيران .
          أدركت أنه لا مجال للمزيد من الكلام فاستدرت عائداً وبعد بضع خطوات من المسير جاءني اتصال هاتفي من مقر الجزيرة الرئيسي في الدوحة وكان معي منتج نشرة الأخبار للساعة الثانية عشرة ظهراً، وقال لي: نريد أن نأخذ معك مداخلة للنشرة. ثم حوَّلني علي الهواء مباشرة حيث كان معي الزميل عبد الصمد ناصر مقدم نشرة الأخبار، وطلب مني عبد الصمد إعطاء المشاهدين صورة عن الوضع حول الفلوجة وفي أي المناطق نحن متواجدون الآن. أعطـــيته صورة مختصرة ومركَّزة عن وضع المدينة وحصار القوات الأمريكية لها، وعدم وجود أية طرق مفتوحة لإمكانية الدخول.
          في هذه الأثناء أعاد الضابط الأمريكي صراخه عليّ مرة أخري من خلال ميكرفون كان يحمله علي ظهر المدرعة، بضرورة الابتعاد وإلا أطلق علينا النار، اختصرت مداخلتي وأسرعت الخطي بالابتعاد عن المكان حتي نتواري بعيداً عن الحاجز الأمريكي وطلبت من الزملاء أن يتصلوا بي في وقت لاحق لأننا في وضع خطر.
          عدت إلي حيث كان الزملاء وطلبت منهم أن يتحركوا بالسيارات ولكن ليس بعيداً وإنما حتي نتواري عن الجنود بشكل لا يتمكنون فيه من رؤيتنا، وكان في المنطقة أشجار كثيفة توارينا خلفها حتي نتدبر أمرنا ونعرف ما الذي ينبغي علينا فعله، وعلي بعد خمسين متراً فقط وجدنا طريقاً منحدراً يؤدي إلي مخزن لبيع أسطوانات الغاز، فنزلنا بالسيارات في المنحني ووقفنا تحت أشجار كثيفة، وقلت لحامد: هل نحن لا زلنا بعيدين عن الفلوجة؟ قال وهو يشير إلي منازل لا يزيد بُعدها عنا أكثر من كيلو مترين: هذه هي الفلوجة يا أحمد . قلت له: إذا كانت هذه هي الفلوجة أعتقد أننا نستطيع أن نذهب سيراً علي الأقدام لا سيما وأننا في الضفة الأخري من المجري المائي . قال: لكن كيف نذهب والطريق مكشوف والطائرات المروحية كما تراها تحوم في السماء، ونحن نرتدي سراويل وقمصاناً وأهل المنطقة لا يرتدون إلا الجلباب، ومعنا أجهزة ثقيلة لا نستطيع حملها . قلت له: فلنحاول تدبر الأمر ولكن ابحث لنا في أمر الذهاب سيراً علي الأقدام لا سيما إن كنت تعرف أحداً من أهل المنطقة يكون دليلاً لنا ، قال: سأحاول تدبر الأمر .
          كان حامد رجلاً بكل معني الكلمة طوال الرحلة، لم أكن أطلب منه شيئاً أو أسأله عن شيء ويجيبني جواباً سلبياً علي الإطلاق، كان دائماً إيجابياً إلي حد بعيد، وكان أخبرنا بالمكان وأهله وطرقه، وكان شجاعاً ومقداماً، وكلما واجهنا أمراً صعباً كان يكفي أن ألتفت إليه ودون أن أطلب منه في كثير من الأحيان ليقول لي مطمئناً ومجيباً: أنا حاضر يا أبا ندي ـ وندي هي ابنتي الكبري ـ حيث أن ولدي محمد لم يكن ولد بعد ولكنه كان جنيناً في أيامه الأخيرة في بطن أمه ينتظر القدوم للحياة في أي لحظة وقد ولد بعد معركة الفلوجة الأولي بأيام ـ كما أن حامداً ينتمي إلي عشيرة الجميلات إحدي أكبر عشائر الفلوجة، والبعد العشائري في هذه المناطق له اعتبارات كثيرة، وكان في أخلاقه متواضعاً ودوداً يحظي باحترام الناس وتقديرهم، كما أنه كان هادئاً ويقدر المسؤولية ويعرف كيف يتصرف في أحلك الظروف بروية ويوظف الأمور بشكل صحيح، والناس لا تعرفهم إلا في الأسفار والشدائد، وكان حامد من أفضل من صحبت في الأسفار والشدائد كما سأبين فيما بعد. وقد لعب حامد دوراً أساسياً من خلال كل هذه الخصال في نجاح مهمتنا وتذليل كل الصعاب التي واجهتنا، أما أهله آل حديد فكانوا من أكرم الناس وأجودهم وقد وسعونا بقلوبهم قبل أن يسعونا في بيوتهم خلال الأيام التي قضيناها تحت الحصار في الفلوجة.
          قال حامد: سأذهب إلي قريب لنا أعرفه هنا ربما يدلنا علي طريق ندخل منه إلي الفلوجة يكون غير مطروق أو لم يغلقه الأمريكان بعد، وسوف أعود بعد قليل . ذهب حامد ووقفت أتأمل منازل الفلوجة التي كنت أراها واضحة عبر منطقة صحراوية جرداء تعرف بصحراء النعيمية، وظللت أفكر بأيّة وسيلة تكفل لنا الدخول إليها، ووضعت عدة سيناريوهات كانت كلها مليئة بالأمل والعزم والتصميم علي دخول المدينة، من بينها أن ندخل أنا وحامد سيراً علي الأقدام ومعنا هواتفنا التي تعمل عبر الأقمار الاصطناعية فقط حتي لو اضطررنا أن ننتظر إلي الليل لنتواري عن أعين القوات الأمريكية وندخلها تحت ستر الليل، ومن هناك ننقل ما نشاهده إلي مشاهدي الجزيرة عبر الهاتف، لكن نحن في النهاية قناة تليفزيونية ولسنا راديو، والتليفزيون صورة ومن ثم فوجود الكاميرات هام للغاية معنا، لذا فكرت أيضاً أن نأخذ المصورين معنا أو أحدهما، لكن ما هي أهمية الصورة إذا تم تصويرها ولم تبث ليشاهدها الناس، إذن لا بد من جهاز البث أيضا.
          وبينما كنت مستغرقاً في التفكير والبحث عن سيناريوهات مختلفة للدخول إلي المدينة، وأنا أدعو الله أن يجد لنا منفذاً، لمحت سيارة بيضاء صغيرة قادمة من جهة الفلوجة، من خلال هذه المنطقة الصحراوية القاحلة، وكانت السيارة تتهادي وتقترب ببطء شديد شيئاً فشيئاً من المكان الذي كنا فيه.
          وقفت أرقبها وقلت في نفسي: لننتظر سائقها ونسأله من أين هو قادم ربما يكون قادماً من الفلوجة، ويدلنا علي طريق ندخل منه ، لم تفارق السيارة عيني وأنا أرقبها تتهادي بين الوديان فتظهر تارة وتختفي أخري، حتي اقتربت ووجدتها تتجه عبر طريق ترابي ضيق نحونا، فأسرعت تجاهها وحينما وصلت أشرت إلي سائقها فتوقف وكان رجلاً في عقده الرابع، وكانت السيارة من نوع تويوتا كريسيدا من النوع القديم، قلت له: من أين أنت قادم؟ لاحظ لهجتي المصرية، فتوجَّس قليلاً ثم قال وهو ينظر إليَّ شزراً: وماذا تريد؟ قلت له: لا شيء.. نحن من قناة الجزيرة الفضائية هل تعرف قناة الجزيرة؟ لم يجبني بالإيجاب أو النفي ولكن بنفس الوجه القلق تساءل: قناة الجزيرة؟ وماذا تريد؟ قلت له: نحن نريد أن ندخل إلي الفلوجة حتي ننقل ما يحدث فيها إلي الناس من خلال التليفزيون، ومن الصباح ونحن ندور علي الطرق فوجدناها كلها مغلقة، لذا نبحث عن أي طريق يمكن أن يدخلنا إلي المدينة، ولو ساعدتنا نكون لك من الشاكرين ، بدأ الرجل يطمئن لي قليلاً ثم قال لي: أنا قادم فعلاً من الفلوجة، وهذا الطريق لم يغلقه الأمريكيون لأنهم ربما لا يعرفونه، فهو طريق ترابي يسير بين الوديان القاحلة كما تراه لكنه خطر، وكان المهربون يستخدمونه من قبل، ولولا أني كنت بحاجة إلي بعض الاسمنت لأرمم جانباً من بيتي ما خرجت، وهذه هي المرة الرابعة التي ذهبت وجئت فيها من هذا الطريق اليوم بعدما أغلق الأمريكيون كل الطرق المؤدية للمدينة، لكنني قررت أن تكون هذه هي الأخيرة لأن الطيران يحوم في المكان، وهناك قتال متقطع هنا وهناك، ولدي أطفال صغار ولا أريد أن أجازف أكثر من ذلك . كدت أطير من الفرحة بعدما عرفت منه أن هناك طريقاً يمكننا الدخول منه إلي المدينة، فقلت له: أرجو أن تساعدنا في الدخول من هذا الطريق، لأنك ستكون بذلك تساعد أهلك من أهل الفلوجة بأن ننقل للناس معاناتهم وهم تحت الحصار وكذلك ما يدور في المدينة . نظر الرجل إليَّ وكأنه لا يستوعب ما أقول أو أنه يتعجب له، ففكَّرت أن أعرض عليه مبلغاً مالياً يكون مغرياً لا سيما بعدما رفض طلبي وقال: لا لن أعود مرة أخري فالطريق خطر للغاية .
          وفي اللحظة التي هممت أن أفاتحه وأن أعرض عليه بعض المال، لمحت حامداً عائداً من مهمة البحث عن طريق آخر، فاتجهت نحوه مسرعاً لأسأله أولاً ماذا عنده فربما أجد عنده مدخلاً يكون أكثر أماناً من هذا الطريق، فأبلغني أن كل من سألهم أخبروه أن كل الطرق مغلقة حتي الطرق الزراعية الفرعية التي ربما لم يكن يعرفها إلا أهل الفلوجة. قلت له وأنا أشير إلي الرجل الذي كان في السيارة: إن هذا الرجل قادم من الفلوجة ويقول إنه استخدم طريقاً للمهربين يمر عبر هذه السهول والأودية، وقد حاولت إقناعه بأن يدخلنا من نفس الطريق لكنه خائف ويقول بأن الطريق خطر، وكنت علي وشك أن أعرض عليه مبلغاً من المال مقابل أن يدخلنا لكني رأيتك قادماً، فقلت لتحاول أنت معه بطريقتك، وأعتقد أنك لو عرضت عليه مبلغاً مغرياً من المال ربما يقبل . قال حامد: دعني أراه وأتحدث معه أولاً .
          عدت برفقة حامد إلي الرجل الذي لم يكن بعيداً عنا، وما إن رآه حامد حتي بدا أنه يعرفه، سلم عليه سلام من يعرفه، لكن الرجل لم يتعرف علي حامد سريعاً، وبعدما عرّفه حامد بنفسه وذكره ببعض الأشياء من بينها أن حامداً قد حضر حفل زفافه قبل سنوات طويلة، تذكره الرجل ودخلا في حديث ودّي بينهما، فاستبشرت خيراً، وبدأ حوار بين حامد والرجل الذي ينتمي إلي بيت المسالمة وهم يسكنون أطراف النعيمية ويُعتبرون من أحد أفخاذ عشائر الجميلات التي ينتمي إليها حامد، وبدأت مناقشة ولكن من نوع آخر كانت العشيرة والأقارب هي المحور الأساسي فيها، ولأني كنت قلقاً ومتعجلاً فقد ذكَّرت حامداً بصوت خفيض بأن يعرض علي الرجل مبلغاً من المال ربما يشجعه ذلك علي أن يغير رأيه ويصحبنا في الدخول إلي المدينة، قال حامد لي: لا هذا عيب في عرف العشيرة دعني أقنعه بطريقتي .
          تركته ووقفت أرقب الموقف ويدي علي قلبي، خوفاً من أن يصرّ الرجل علي موقفه ويرفض، والطريق بحاجة إلي دليل ومن ثم نجد صعوبة في الذهاب، كنت أعرف أن الرجل يخاطر بالمجيء معنا وكان هو قلقا أيضاً وأخذ يحكي لنا عن الطائرات المروحية التي تحوم في سماء المنطقة وتقصف أي هدف يتحرك، لكني في النهاية كان لدي أمل في إقناعه.
          تحوَّل الرجل من الرفض إلي التردد وسرعان ما وافق، وقال وهو يركب سيارتنا: توكلوا علي الله ، لا أستطيع أن أصف مقدار الفرحة التي غمرتني حينما وجدت الرجل يركب معنا في سيارة أبي عمر، قلت له: تعال هنا إلي جوار أبي عمر أنت تعرف الطريق . قال: لا اجلس أنت مكانك وأنا سأجلس خلف السائق وأوجهه ، قبل أن نتحرك أخبرت الزملاء بالوضع وخطورته، وقلت لحامد: لا ينبغي أن نجبر أحداً من الزملاء علي أن يخوض هذه التجربة الخطرة معنا، فالله هو الحافظ، ولكن من الممكن أن تقصفنا هذه الطائرات المروحية بالصواريخ أو يرانا هؤلاء الجنود من وراء التلال فيطلقوا علينا قذائف الدبابات لأن الطريق مكشوف وخطر كما يبدو، لذا يجب أن نضع الزملاء جميعاً في الصورة ونخيرهم بين العودة إلي بغداد أو مواصلة الطريق معنا.
          أبلغت الزملاء بالوضع وخطورته لكني لم أجد تردداً من أحد، بل كانوا كلهم عازمين علي مواصلة الطريق إلي الفلوجة، قلت لهم: دعونا نرفع أكفنا إلي السماء وأن ندعو الله أن يحفظنا أو يعمي عيون الأمريكيين عنا . دعونا كلنا من صميم قلوبنا وانطلقنا.
          ركب المهندس سيف مع سيارة البث وكان بها الأجهزة وطبق الستلايت علي سطحها وكان يقودها فرقد، بينما ركبنا جميعاً ومعنا الدليل المسالمي في السيارة التي يقودها أبو عمر. مشينا بداية في طريق ترابي فرعي كان ينحدر الي الوادي ويدور من خلف الأبنية فاختفينا بذلك عن رصد الجنود الذين كانوا يغلقون الطريق الرسمي الي الفلوجة عبر النعيمية، وكنت أخشي أن يرصدونا من بين ثنايا البيوت لكن المسالمي طمأنني بأنه تأكد في تحركاته السابقة أنهم لم يرصدوه، كنت ألهث بالدعاء طوال الوقت وعيني علي السماء أرقب الطائرات المروحية التي كانت تحلق من بعيد، وعيني كذلك علي الطريق الذي بدأ يسوء وتكثر فيه الحفر والارتفاعات والانخفاضات والتجمعات الترابية التي يمكن أن تنغرس فيها عجلات السيارة، وكانت عيني في نفس الوقت ترقب من المرآة الجانبية لسيارتنا سيارة الستلايت التي كانت تتحرك خلفنا ولكن ببطء، فقلت لأبي عمر: لا تبتعد عن سيارة الستلايت كثيراً لأنهم عرضة للانغراس في التراب أو الحفر أكثر منا بسبب ثقل الأجهزة، كما أنهم مجبرون علي أن يسيروا ببطء في هذا الطريق الصعب .
          سألت المسالمي عن هذا الطريق فقال: ان المهربين كانوا يستخدمونه في تهريب السجائر والسلع التي كانت تفرض عليها ضرائب كبيرة في عهد صدام حسين، لكنه أصبح مهجوراً بعد سقوط صدام، وأهل المنطقة يعرفونه وان كانوا لا يستخدمونه لوجود طرق أخري كثيرة بديلة وممهَّدة .
          كانت كل دقيقة تمر علينا كأنها دهر، وكنا نتوقع في أي لحظة أن تقصفنا الطائرات أو الدبابات التي تطوق المدينة ولم نكن نراها، وفي مثل هذه الأوقات يشعر الانسان أن قلبه معلَّق بين السماء والأرض، وقد شعرت بقلبي كذلك، رغم أني مررت بمواقف لا تقل صعوبة عن تلك أثناء تغطيتي للحرب في أفغانستان والبوسنة والهرسك.
          نظرت في المرآة الجانبية للسيارة فوجدت المسافة بيننا وبين سيارة جهاز البث أصبحت كبيرة، فطلبت من أبي عمر أن يتوقف حتي تقترب منا سيارة البث، فقال الدليل المسالمي: هناك خطر كبير لو توقفنا. قلت: اذن هديء كثيراً من سرعتك هم في خطر أكبر منا ويمكن أن تنغرس بهم السيارة في أي حفرة من تلك الحفر الترابية العميقة ولا يجدون من ينقذهم سوانا. سارَ أبو عمر بهدوء حتي اقتربت منا ســــيارة البث، في هذه الأثناء كنا نقترب شيئاً فشيئاً من بيوت الفلوجة، وأنا أكاد أحسب كل سنتيمتر نتجاوزه في الطريق ونقترب فيه أكثر من البيوت، وخيل اليَّ في تلك اللحظة أنه لو أطفأ أبو عمر محرك السيارة، لسمعنا دقات قلوبنا جميعاً وهـــي تكاد تخرج من صدورنا، ونحن نعد أنفاسنا ونتلهف للوصول الي أطراف المدينة.
          لم أكن أصدق بيني وبين نفسي أن تلك البيوت التي نقترب منها هي بيوت الفلوجة، كنت أعتقد أنها بيوت قرية أخري مجاورة لها وبعدها سنقطع طريقاً خطراً آخر الي الفلوجة، لذلك حينما وصلنا الي أطراف البيوت قلت للمسالمي: كم بقي من الوقت حتي نصل الي الفلوجة؟ قال هو وحامد في صوت واحد: هذه هي الفلوجة، هذا حي الشهداء الذي يقع جنوب المدينة .
          فجأة وقبل أن أتكلم خرجت علينا مجموعة مسلحة لا تقل عن خمسة أشخاص وهم يحملون الأسلحة الرشاشة فاعترضوا طريقنا وقطعوه وهم يشهرون أسلحتهم في وجوهنا وكأنه كمين مدبر، وطلبوا منا بلهجة حازمة أن نتوقف. أسقط في يدي وقلت في نفسي: لقد أنجانا الله من الأمريكيين ولكننا وقعنا في كمين في يد هؤلاء ولم أكن أدري هل هم قطاع طرق أم من المقاومة؟ وكان قطع الطرق منتشراً الي حد بعيد في العراق آنذاك، أوقف أبو عمر السيارة بشكل مفاجيء، وكنت أجلس في المقعد الأمامي فكانت الأسلحة كلّها موجهة نحوي ونحوه، حينها نظر دليلنا المسالمي اليهم بغضب من الشباك الجانبي حيث كان يجلس خلف السائق وبدا أنه يعرفهم وهم يعرفونه فقد كانوا من أهل المنطقة، حيث صرخ فيهم وطلب منهم أن يبتعدوا ويبدو أنهم تعرفوا عليه، وسرعان ما انخفضت الأسلحة ووجهت فوهاتها الي الأرض، وفتحوا لنا الطريق ولم يتركنا المسالمي حتي وصلنا الي الطريق المعبَّد، وقال: ها أنتم قد وصلتم وهذا الطريق يصل بكم الي قلب المدينة. نزلت من السيارة فعانقت الرجل ولم أكن أعرف كيف أشكره، فقــلت له: وكيف ستعود؟ قال: سأدبر أمري. لا زلت أذكر وجه هذا الرجل المسالمي البسيط وملامحه وشواربه وملابسه التي تدل علي أنه أحد هؤلاء الكادحين في الحياة، ولولا أن الله سخَّره لنا ما استطعنا الدخول الي الفلوجة، ولما قمنا بهذه التغطية التي كنا مصدر الأخبار المصوَّرة الوحيد لكل وسائل الاعلام في العالم من خلالها، حيث اكتشفنا بعد ذلك أننا الفريق التليفزيوني الوحيد الذي تمكَّن من دخول المديــــنة وقدم هذه التغطيات الي العالم والتي استمرت حتي رفع الحصار عن المدينة بعدما فشل الأمريكيون في اقتحامها وبدأت هزيمتهم في العراق بعد معركة الفلوجة الأولي.

          تحت وابل النيران في الفلوجة

          قلت لحامد وأنا أكاد أكون غير مصدِّق أننا نجحنا في اختراق الحصار الأمريكي لمدينة الفلوجة وأننا أصبحنا داخلها بالفعل: أهذه هي الفلوجة حقاً يا حامد؟ قال بثقة واطمئنان: نعم هذه هي مدينتي الفلوجة وهذا هو حي الشهداء. ويمكننا أن نتوجه منه الي حي نزال ثم الي وسط المدينة . قلت وأنا أريد أن أزيد نفسي اطمئناناً: هل هذه بيوتها وهذه شوارعها؟ قال حامد: نعم . قلت: هل معني ذلك أننا لن نواجه أية حواجز أمريكية تعيدنا مرة أخري الي بغداد أو تمنعنا من الدخول؟ قال حامد: لقد تخطينا كل الحواجز ونحن الآن أصبحنا تحت الحصار والنيران تماماً مثل أهل الفلوجة .
          رفعت كفي الي السماء وأنا أشكر الله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه أن سهَّل لنا اختراق الحصار الأمريكي ودخول المدينة، سألني حامد قائلاً: الي أين تريدنا أن نذهب؟ الي بيتنا حيث سنقيم لنضع أغراضنا ونهييء مكان اقامتنا ثم نذهب للمدينة؟ أم تحب أن نذهب مباشرة الي المدينة ؟ قلت له: نذهب أولاً الي السوق والي قلب المدينة، حتي نري كيف هي حال الناس، فالناس في أنحاء الدنيا يريدون أن يعرفوا ماذا يحدث داخل الفلوجة وما هي حقيقة الحصار المضروب حولها، وما هي مشاعر أهلها .
          ذهبنا الي قلب المدينة حيث مطاعمها الشهيرة التي عادة ما يجتمع عندها الناس لا سيما وقت الغداء، وقـــد وصلنا هناك في الساعة الواحدة ظهراً.
          وأذكر أن من أشهر تلك المطاعم مطعم البادية و زار زور الفلوجة و الحاج حسين الكبابجي ، وجدنا معظم المحلات مغلقة والشوارع كانت شبه خالية، لكن الناس بمجرد أن شاهدونا وتعرفوا علينا خرجوا وتجمَّعوا حولنا من كل حدب وصوب، وأخذ كل منهم يتحدَّث الينا بما عنده، فطلبت منهم أن يعطوا الفرصة لبعضهم البعض حتي نسمــــع من كل منهم علي حدة، لأننا موجودون هنا من أجل نقل أصواتهم الي الدنيا، وطلبت من ليث وحسين أن يسجِّلا تصريحات لبعضهم.
          أثناء ذلك جاءني اتصال عبر الهاتف من الزملاء في الدوحة يسألون أين وصلنا؟ واذا كان هناك بارقة أمل لدخولنا الي الفلوجة أم أننا في طريق عودتنا الي بغداد؟ قلت لهم: اننا الآن في قلب المدينة لقد نجحنا في اختراق الحصار الأمريكي ونحن الآن في قلب مدينة الفلوجة .
          أخبرني منتج نشرة الأخبار آنذاك أن هناك نشرة أخبار علي الهواء، وحوَّلني مباشرة الي مقدم النشرة الزميل عبد الصمد ناصر، فأكدت له وللمشاهدين أننا تمكَّنا من اختراق الحصار ودخلنا الي مدينة الفلوجة، ونحن الآن في قلبها محاصرين مع أهلها.
          وقد علمت بعد ذلك أن هذا الاعلان عن قدرتنا علي اختراق الحصار ودخول المدينة كان ضربة قاصمة للقوات الأمريكية التي كانت تحاصرها وتمنع الجميع من دخولها لا سيما الصحافيين، ولم يتمكن أي فريق تليفزيوني آخر من دخول المدينة طوال أيام حصارها سوانا، لكني لم أفصح لأحد في ذلك الوقت علي الاطلاق عن الطريقة التي دخلنا بها، ولم أوردها بالتفصيل الا في هذا الكتاب.
          وتحدثت في تلك النشرة الي مشاهدي الجزيرة عبر الهاتف عما رأيته للوهلة الأولي، وكان من بين ما قلته: ان المدينة خائفة والناس خائفون وكثير من المحلات مغلقة . وكان هذا وصفا مجازيا عن حالة الناس، فالاعلام له لغته المختصرة المباشرة والمثيرة والمحفِّزة في نفس الوقت، تلك اللغة التي تنقل الحقيقة الي الناس بعبارات دائماً موجزة ومصورة ومثيرة لأنها تختزل أحداثاً كبيرة في ثوان قليلة. لكني بعد انتهاء هذه النشرة كان بعض أهل الفلوجة يجوبون الأسواق غاضبين بحثاً عني، وكلما مررت بتجمُّع قال الناس لي: لقد مرَّ بعض الناس هنا وسألوا عنك وعن فريق الجزيرة .
          لم أكن قلقاً، فعادة ما يسأل الناس عنا وربما كان لديهم أخبار أو معلومات يريدون تزويدنا بها، ولم أكن أعلم علي الاطلاق أنهم غاضبون منا، وأخيراً وجدني بعض هؤلاء فقالوا لي وهم غاضبون: كيف تقول عنا أننا خائفون يا أحمد منصور؟ نحن لسنا خائفين، الأمريكيون هم الخائفون، نحن لا نقبل من أحد أن يصفنا بالخائفين، ويجب عليك أن تعتذر عن هذا الوصف الذي وصفتنا به في نشرات الأخبار القادمة .
          قلت لهم: هل تقبلون أن تسجلوا هذا الكلام أمام الكاميرا وتقولوه بألسنتكم وأنا أبثه في النشرات القادمة؟. قالوا: نعم. وأذكر أني لم أجد شخصاً واحداً يقبل أن توصف المدينة وأهلها بالخوف، وانما وجدت الجميع وبجرأة كبيرة وبعضهم حتي من الأطفال والعجائز يتحدّون الاحتلال الأمريكي والحصار الذي فرضه علي المدينة بل ويتوعَّدون، بينما استهجن آخرون أن تقوم القوات الأمريكية بمحاصرة ثلاثمئة ألف مدني هم سكان المدينة وأغلبهم من النساء والأطفال والعجائز بحجة تسليم بعض الفتية الذين مثلوا بجثث بعض المرتزقة الأمريكيين الأربعة في الحادي والثلاثين من آذار (مارس).
          وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

          تعليق


          • #6
            احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق 6

            احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق (6)
            طائرات قصفت الفلوجة بشكل عشوائي ودمرت معظم الطرق المؤدية للمدينة لتمنع هروب المواطنين
            اكثر من 11 ألف جندي امريكي شاركوا بالمعركة ضد رجال المقاومة

            يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. نشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .

            بداية الدمار في المدينة

            أبلغنا السكان أن الطائرات قصفت بعض المنازل في حي الجولان الذي يقع شمال غربي المدينة، فذهبنا الي هناك فوجدنا السكان مجتمعين حول بيت سقطت بعض القذائف علي سطحه فاخترقته ودمرت أجزاء منه، بينما نالت قذائف أخري بعض المنازل المجاورة وقال بعض الحضور: انها قنابل عنقودية ، لأنها تناثرت علي البيوت.
            وكان بعضهم يمسك بأجزاء من القذائف التي سقطت علي المكان، فقمنا بتصوير كل هذا، وتحدث صاحب البيت الينا وسجلت توقيع التقرير في مواجهة الكاميرا والذي عادة ما يكون في نهاية التقارير الاخبارية من وسط هذا البيت المدمَّر، حيث أعددت أول تقرير اخباري من المدينة حتي يبث علي شاشة الجزيرة في نشرات الأخبار التالية.
            وقبل أن أغادر المكان كانت مكبرات الصوت التي تطوف بها آليات أمريكية علي الجانب الآخر من نهر الفرات الملاصق لحي الجولان تطلب من السكان تسليم الذين قاموا بعملية قتل وسحل الجنود في شوارع المدينة. وكان المتحدث يتكلم اللغة العربية حيث كان أحد العرب المرتزقة العاملين مع قوات الاحتلال، فلم يكن المرتزقة كلهم أجانب بل هناك مرتزقة عراقيون وعرب يعملون مع قوات الاحتلال مترجمين أو حتي حراسا أمنيين، ولأن الصوت كان قريباً فقد طلبت من المصور أن يأتي معي لأقرب مكان يمكن أن نري فيه تلك الآليات التي كانت تذيع هذه البيانات، لكن السكان حذرونا وقالوا: انهم يطلقون النار علي كل من يرونه، لكننا وجدنا الآليات تقترب حتي تمكنت أنا من رؤيتها من بين فراغات البيوت.
            ذهبنا بعد ذلك الي سوق المدينة، فالأسواق عادة ما تعطي صورة عن واقع حال الناس بشكل قريب، كان الباعة الذين عادة ما يدخلون الخضار الي المدينة في الليل أو الصباح الباكر لا زال لديهم بعض الخضروات والفاكهة معروضة في السوق، لكن الناس كانوا مضطربين الي حد بعيد ولا يعرفون ما هي أبعاد ما يمكن أن يسفر عنه حصار المدينة.
            بعد ذلك ذهبنا الي بيت آل حديد الذي كان مقر اقامتنا وذلك حتي نعد جهاز الستلايت للبث ونرسل ما لدينا من صور ومعلومات الي مقر قناة الجزيرة في الدوحة. ويقع بيت عائلة زميلنا حامد حديد في شارع السد التابع لحي نزال الذي يقع وسط المدينة من ناحية الجنوب الشرقي، وشارع السد الذي يقع فيه البيت هو الذي يفصل حي نزال عن الحي الصناعي الذي يقع عند مدخل المدينة الشرقي الذي يربطها مع بغداد عبر الطريق العام الذي يقطع قلب الفلوجة ويتجه الي مدينة الرمادي عاصمة محافظة الأنبار.
            كان أهل حامد واخوته في انتظارنا لا سيما شقيقه الأكبر سامي أبو عماد الذي كان نعم العون لنا هو وولداه عماد وزياد طوال الوقت. أفرغوا لنا غرفة الصالون الرئيسية وكانت فسيحة وكبيرة، فوضعنا فيها أغراضنا وأدخلنا سيارة البث داخل البيت حيث أعد المهندس سيف جهاز البث للعمل، وكانت أول مشاركة حية لي من الفلوجة في نشرة أخبار منتصف اليوم، وأعتقد أنها كانت تبث آنذاك في الساعة الرابعة مساء بتوقيت الدوحة، وقد اخترنا سطح المنزل ليكون مكاناً مرتفعاً أظهر من خلاله للمشاركة في نشرات الأخبار.
            ولأن بيوت الفلوجة كلها متقاربة في الارتفاع حيث تنتشر البيوت أفقياً وتتكوَّن من طابق أو طابقين، فلم يكن هناك مجال لظهور خلفيات واسعة للمدينة لكن مسجد الخلفاء الراشدين كان دائماً في خلفيتنا بمآذنه العالية.
            قدمت في تلك النشرة صورة موجزة لكل ما رأيناه داخل المدينة دون أن أعطي أية تفصيلات عن كيفية دخولنا اليها، ثم أعددت أول تقرير اخباري مصوَّر لنشرات الأخبار، حيث تم بثه في النشرات التالية، وكان موضوعه عن محاولاتنا دخول المدينة وقد احتوي علي صور من تلك التي صوَّرها ليث لي سرّاً وأنا أتفاوض مع القائد الأمريكي لحاجز اغلاق الطريق السريع المؤدي الي الفلوجة عبر الطريق السريع، وكذلك صور للافتات المؤدية الي المدينة علي الطرق المختلفة التي كانت كلها مغلقة، وطلبات القوات الأمريكية لأهل المدينة عبر مكبرات الصوت أن تسلم اليهم ما كانت تسميهم الأشرار .
            كما نقلنا بالصور ما ذكره أهل المدينة عن سقوط عدد من الصواريخ علي أنحاء متفرقة منها لا سيما حي الجولان مما أدي الي مقتل ثمانية من المدنيين. وظهر أحد المدنيين في التقرير وهو يتحدث عن اسقاط قنابل عنقودية علي منطقة الجولان وكان آخر يمسك ببعض بقايا تلك القذائف.
            كما تحدثنا عن أول بيان أصدرته القوات الأمريكية وكان يقضي بفرض حظر التجول علي المدينة من السابعة مساء وحتي السادسة صباحاً. وقد ظل هذا التقرير يُبث طوال نشرات الأخبار النهارية وجزءًا من نشرات المساء. ثم طلب مني الزملاء في الدوحة أن أعد تقريراً آخر للنشرات الليلية، ولأن اعداد تقرير تليفزيوني لنشرات الأخبار مدته لا تزيد عن دقيقتين يقتضي جهد نهار كامل من المراسل فقد كان طلب اعداد تقرير آخر لنشرات الليل أمراً مجهداً، فقمت بجولة أخري مسائية داخل المدينة للوقوف علي آخر المستجدات.
            ومع دخول الليل كنت أقف أمام مسجد الخلفاء الراشدين الذي يقع في الشارع العام في مواجهة شارع السد الذي يقع فيه بيت حامد لأسجل توقيع التقرير الذي بث في نشرات الأخبار تلك الليلة وتحدثت فيه عن عملية الحل الحذر ، وهو الاسم الذي أطلقه الأمريكيون علي عمليتهم التي كانوا يقومون بها في الفلوجة، حيث ألقت الطائرات بالمنشورات التي تحذر سكان المدينة من التقاعس عن تسليم المتهمين بقتل المرتزقة الأمريكيين وسحلهم في الشوارع. كما تحدثت عن قرار القوات الأمريكية بفرض حظر التجول علي المدينة من السابعة مساء وحتي السادسة صباحاً، ونقلت صوراً التقطناها بعد السابعة مساء لرجل مسن معه طفله لا يجد مكاناً يعالجه فيه بعدما وجد المستوصفات الطبية الخاصة كلها مغلقة، التزاماً بقرار حظر التجول الذي فرضته القوات الأمريكية بعد السابعة، ولم تكن المستشفي الميداني التي أسَّسها أطباء مستشفي الفلوجة داخل المدينة مكان العيادة الشعبية قد افتتحت بعد.
            كما تضمَّن هذا التقرير صوراً خاصة تمكَّن الزملاء من التقاطها للقوات الأمريكية وهي علي جسر الفلوجة الحديدي القديم الذي كانت قد عُلِّقت عليه بعض جثث المرتزقة في الحادي والثلاثين من آذار (مارس) حيث كانت القوات الأمريكية ترابط علي الجسر وتحتله. وهو الجسر الذي كان يربط بين طرفي المدينة عبر نهر الفرات، وكان يصل بين مستشفي المدينة التي كانت تقع علي الضفة الأخري من النهر وبين المدينة.
            كان احتلال الجسر من قبل الأمريكيين يعني أن أهل المدينة لن يستطيعوا الذهاب الي المستشفي العام، وأذكر أنني تمكنت من الوصول مع المصور ليث بمساعدة بعض سكان المنطقة الي مكان لا يبتعد عن الجسر الا عشرات الأمتار حيث تمكن ليث من تصوير الجنود بوضوح تام، وتم بث الصور كانفراد خاص للجزيرة عبر التقرير. تحدثت أيضاً عن قرار اتخذ في المدينة بتعطيل الدراسة الي أجل غير مسمي، وقد ظهرت في نشرة الساعة التاسعة مساء في بث مباشر مع الزميل جميل عازر الذي كان يقدم النشرة.
            ولأن المعارك كانت مشتعلة بين القوات الأمريكية وأنصار مقتدي الصدر في الجنوب أيضاً، فاني أذكر أن الزميلة أطوار بهجت ـ التي استشهدت بعد ذلك في سامراء في 22 شباط (فبراير) من العام 2006 بعد حادث تفجير مرقد الامامين علي الهادي والحسن العسكري ـ كانت معي في بث مباشر أيضاً من مدينة الكوفة، وتحدثت في تقريري المباشر عن أصوات الانفجارات والاشتباكات التي لم تتوقف وكانت تسمع من أطراف المدينة المختلفة ونقلت عن شهود عيان أن الطائرات الأمريكية قد قصفت معظم الطرق المؤدية الي المدينة حتي تمنع هروب السكان منها أو دخولهم اليها.
            وفي مذكراته التي نشرها تحت عنوان عام قضيته في العراق وصف الحاكم الأمريكي بول بريمر أحداث ذلك اليوم بايجاز في صفحة 400 قائلاً: أخبرني الجنرال سانشيز أنه قبل شروق الشمس أقامت قوة من 1300 رجل من المارينز وقوات فيلق الدفاع المدني، وقوات الجيش العراقي الجديد، حواجز حول مدينة الفلوجة، وفرضت عليها حصاراً، ودخلت مركبات همفي المزوَّدة بمكبرات الصوت مدعومة بالمركبات المصفَّحة الفلوجة، وأعلنت عن حظر التجول من الغروب الي الفجر وهددت بالقضاء علي المتمردين الذين يرفضون تسليم أسلحتهم والاستسلام، والوضع هناك معقَّد وخطير، علي غرار الأزمة التي نواجهها في مدينة الصدر والجنوب .
            تحدَّث بريمر عن 1300 جندي لكن أعداد الجنود الأمريكيين كانت أكبر من ذلك بكثير حيث كان الذين هاجموا المنطقة الصناعية 2000 جندي حسب تصريح قائدهم كما سيأتي فيما بعد، وبالتالي فان تقديرات بعض الخبراء أشارت الي أن القوات التي أحاطت بالفلوجة وحاصرتها في المعركة الأولي كانت تزيد عن أحد عشر ألف جندي أمريكي خلاف المتعاونين من العراقيين

            مصادر الأخبار

            كانت كل مرافق المدينة من الكهرباء والماء والهاتف لا زالت تعمل في هذا اليوم الأول من الحصار الخامس من نيسان (ابريل)، وكان استمرار عمل شبكة الهاتف له دور كبير في حصولنا علي المعلومات من كافة أطراف المدينة وما حولها، فقد كان لحامد أقارب ومعارف في كل أطراف المدينة، وكان يتصل دائماً بهم عبر الهاتف لمعرفة ما يدور في تلك الأماكن، كما كان يتأكد من أية معلومات تصل الينا عن أي حادث وقع في أي مكان عبر الاتصال بأناس يعرفهم في تلك الأماكن، ويطلب منهم التأكد من صحة المعلومة بطرق وضوابط مختلفة استندت اليها من خلال خبرتي المهنية الطويلة وضوابط العمل الاخباري في تغطية الحروب، حيث بدأت حياتي المهنية كمراسل حربي وغطيت الحرب في أفغانستان لمدة ثلاث سنوات، ومن بعدها عايشت في الكويت طوال شهرين الغزو والاحتلال العراقي للكويت الذي قام به صدام حسين في آب (اغسطس) 1990 .
            كما قمت بعد ذلك بتغطية الحرب في البوسنة والهرسك، وعملت سبع سنوات مدير تحرير لواحدة من أوسع المجلات السياسية انتشاراً في الخليج، ومن ثم فقد تدرجت في العمل الصحفي من أول درجات سلمه وعملت في الميدان والادارة، وأعرف كيف تكون الضوابط المهنية عامل النجاح الأساسي في أي عمل. كما أننا نعمل في قناة اخبارية لها مصداقيتها العالمية في صناعة الأخبار، لذلك وضعنا بعض القواعد الهامة للتأكد من صحة المعلومات التي نرسلها الي مركز قناة الجزيرة في الدوحة لبثها، أقلها أن نتأكد من صحة الخبر من مصدرين علي الأقل لتلك الأخبار التي لا نراها رأي العين أو نقوم بتصويرها أو الحصول علي صور لها.
            كما أننا لم نكن نغطي أحداث الفلوجة فقط بل كل المناطق الخاصة بها وكل محافظة الأنبار، فقد كان مراسلنا في الرمادي حسام علي دائم الاتصال بنا، كذلك كنا علي اتصال مع مراسلين آخرين في القائم وحديثة، وكان هناك متعاونون في أماكن أخري عديدة يتصلون بنا ويبلغوننا بتطورات الموقف في مناطقهم، وهذا أوقع علينا عبئاً ومسؤولية كبيرة في التأكد من دقة وصحة الأخبار التي نبثها.
            لذلك فانه وفق هذه الضوابط التي وضعناها كنا نستبعد كثيراً من الأخبار، وكنا نعتبر أن تجنُّب نشر خبر صحيح ولكن غير مؤكَّد أفضل مئات المرات من نشر خبر نكتشف بعد ذلك أنه غير صحيح. وقد وقعت لنا طرائف عديدة في هذا المجال، أذكر من بينها أن حامداً تلقي اتصالاً علي الهاتف وأنا كنت أجلس الي جواره حيث أبلغه المتصل بعدما أخذ حامد كل بياناته، بأن طائرة مروحية أمريكية أسقطت في منطقة عامرية الفلوجة، وهي احدي القري الملاصقة للفلوجة، فقلت له: اسأله في أي ساعة؟ وهل تشتعل فيها النيران أم لا؟ وهل شوهد جنود أمريكيون قتلي أم جرحي فيها؟ وكيف ومتي وصلت قوات أمريكية لانقاذ أو تفقد من كان علي متن الطائرة؟ وغيرها من الأسئلة الأخري الكثيرة التي لا نهاية لها والتي أشبه ما تكون تحقيقاً أكثر منها استعلاماً.
            وكان الرجل يجيب علي كل الأسئلة وكنت أدوِّن ما يقوله حيث كان حامد يعيد اجابات الرجل بصوت مرتفع، وفي النهاية قلت له: اسأله ما لون الطائرة؟ ورغم ما كنا فيه من هم فقد غرقنا جميعاً في الضحك بعد هذا السؤال، كذلك من كثرة تفاصيل الأسئلة التي وجهناها للرجل حيث وضعناه تحت تحقيق كامل وسألناه أسئلة لم تخطر علي باله، وطلبنا منه اعادة التأكد من بعض الاجابات التي أعطاها لنا وأهم شيء أن يتأكد من لون الطائرة، حيث تطلي الطائرات المروحية عادة اما باللون الصحراوي الأصفر أو اللون الأخضر، فاذا كانت تطير فوق مناطق خضراء أو بساتين عادة ما يستخدمون الطائرات ذات اللون الأخضر، واذا كانت تطير فوق أماكن صحراوية استخدموا الطائرات ذات اللون الصحراوي، وكان كثير من الذين يتصلون بنا ليبلغونا عن تدمير طائرات أو آليات نقول لهم صوِّروها وأحضروا لنا الصور.
            ورغم الصعوبة البالغة في الحركة كان بعضهم يأتينا بصور عبر كاميرات شخصية، وكنت دائماً أقول للزملاء: اذا لم تكن كل معطيات الخبر صحيحة فلن يكون خطؤنا كبيراً اذا لم ننشرها، أما اذا كان الخبر غير صحيح، فسوف يكون خطؤنا كبيراً فكل العالم ينقل عنا، وبالتالي فيجب أن نكون أكثر دقة فيما نقدم. لذلك فقد تجنبنا نشر كثير من الأخبار التي اتضح أنها كانت صحيحة فيما بعد لأننا لم نتأكد منها وفق الضوابط الشديدة التي وضعناها، وهذا ما جعلنا مصدراً هاماً ليس لنقل الخبر فقط وانما لصناعته.
            وفي نشرة حصاد اليوم المسائية الرئيسية تم بث التقرير الثاني الذي أعددته لنشرات الليل، وكان فيه تطورات عديدة عما حدث في المدينة في النصف الثاني من اليوم، حيث قصفت الطائرات الأمريكية في الساعة الرابعة والنصف عصراً منزل أحد المواطنين في حي المعلمين بصاروخ أحدث حفرة كبيرة في مدخل البيت وهشمت أجزاء منه، وظهر صاحب المنزل في التقرير وشرح ما حدث، ثم ظهرتُ علي نشرة الأخبار في بث مباشر وكان مقدم نشرة الحصاد الزميل جمال ريان وكانت معه الزميلة ليلي الشايب، وجمال ريان هو ملك نشرات الأخبار كما أطلق عليه زميلنا سامي حداد في المقابلة التي أجريتها في برنامجي بلا حدود مع بعض الزملاء بمناسبة مرور عشر سنوات علي انطلاق قناة الجزيرة في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2006.
            كان جمال ينفعل في تقديمه للأخبار والأحداث وكأنه يعيشها، وبالتالي فانه يجعل المشاهد يعيش فيها معه ومع المراسلين ومع الناس الذين ينقل عنهم الحدث، فكنت أشعر حينما يكون جمال علي الطرف الآخر في الدوحة أنه يشاركني تغطية المعركة من الفلوجة.
            وقد تصادف أنه في الوقت الذي كانت فيه نشرة الحصاد تبث في الحادية عشرة ليلاً أن كانت الفلوجة تتعرض لقصف شديد من القوات الأمريكية المحاصرة لها، وكانت الطائرات المروحية تجوب أنحاء المدينة وكذلك طائرات الاستطلاع، وقامت معركة طاحنة بالقذائف بين المقاومة والقوات الأمريكية استمرت حوالي نصف ساعة خلال وقت الحصاد وما قبله، ولأننا كنا في الليل فلم نكن نري سوي برق بعض القذائف من بعيد، أما الأصوات فقد كانت واضحة تماماً، وقد قمت وأنا علي الهواء مباشرة بتغطية جانب من هذه الانفجارات والهجمات، وأشرت في التقرير المباشر الي تصاعد العمليات في أطراف المدينة وأن القوات الأمريكية قصفت سيارات كانت تتحرك بعد موعد فرض حظر التجول كان بها مدنيون، كما أبلغنا سكان بعض المناطق عبر الهاتف، فقد علم كل أهل الفلوجة وما حولها بمكان اقامتنا في بيت آل حديد، فكان الهاتف لا يكف عن الرنين حتي ان بعض السكان الذين كانوا تحت الحصار كانوا يتصلون بنا حتي نساعدهم في البحث عن مخرج.
            كان كثير من السكان الذين يسكنون في الأحياء التي تقع في أطراف المدينة مثل الحي العسكري قد غادروها الي أماكن أكثر أمناً لدي أقارب لهم داخل المدينة، كما كنت أشاهد من علي سطح منزل حامد دخاناً في بعض أطراف المدينة جراء قصف الطائرات الأمريكية، علمنا أنه كان يتصاعد من بيوت قصفت من حي الجولان الذي كان أكثر أحياء المدينة تعرضاً للقصف بسبب وجوده علي خط تماس رئيسي مع القوات الأمريكية التي كانت علي الجانب الآخر من نهر الفرات.
            وكانت لدينا معلومات مؤكدة من مراسلينا بأن هناك معارك طاحنة اشتعلت في هذا اليوم الأول لحصار الفلوجة في معظم أنحاء الأنبار في مدن الرمادي وحديثة والقائم، والخالدية، وبروانة. ومن القرارات التي كانت القوات الأمريكية قد اتخذتها في ذلك اليوم هو الغاء كافة رخص حمل السلاح لأهل الفلوجة، حيث ان القوات الأمريكية سبق وأن منحت العراقيين رخصاً لحمل السلاح للدفاع عن أنفسهم بعدما انتشرت عمليات السلب والنهب وانعدام الأمن في كل أنحاء العراق بعد الاحتلال.

            تعطل جهاز البث

            انتهي حصاد اليوم في الساعة الثانية عشرة ليلاً، لكن المعارك في الليلة الثانية للحصار لم تتوقف طوال الليل بين المقاومة العراقية والقوات الأمريكية، وبعد انتهاء الحصاد أذكر أن الزميل عمرو الكحكي كان منتج نشرات الأخبار الليلية بعد الحصاد وحتي الصباح، وطلب مني أن أعد تقريراً ثالثاً أرسله بعد الساعة الثانية عشرة ليلاً حتي يتم بثه في نشرات الأخبار الصباحية، أضمنه آخر التطورات التي وقعت في المدينة حتي منتصف الليل حتي يكون المشاهدون علي تواصل مع آخر التطورات من خلال نشرات الليل التي تشاهد في الولايات المتحدة واليابان والدول الأخري، رغم الارهاق الحاد الذي كنا فيه جميعاً الا أني وعدت عَمْراً أني سأعد التقرير وأرسله قبل أن أنام.
            وبالفعل جلست وأعددت التقرير الثالث لنشرات الأخبار، وهذا رقم قياسي يمكن أن يعدّه أي مراسل من ساحة حرب، فأقصي ما يمكن فعله تقريران صباحي ومسائي، أما ثلاثة تقارير في يوم واحد فهذا أمر مرهق للغاية لكن الله وحده هو الذي كان يعيننا، وفي ساحات الحروب والظروف غير الطبيعية لا يدري الانسان حجم الطاقة التي يهبها الله له فيقوم بأداء أعمال ما كان له أن يقوم بها في الأيام العادية علي الاطلاق، وكانت نوبة عمرو هي النوبة الثالثة للعاملين في غرفة الأخبار، فهم يبدلون أعمالهم حينما تنتهي نوباتهم، لكن المراسلين لا سيما في ساحات المعارك يعملون طوال الوقت بالليل والنهار، ويلبون كل المطالب علي قدر ما يستطيعون لكل نوبات العمل الثلاث.
            أعددت التقرير واخترت الصور وسجلت الصوت وانتهيت منه تقريباً قرب الثانية بعد منتصف الليل، كان المهندس سيف لا زال مستيقظاً فطلبت منه أن يقوم بتشغيل جهاز البث حتي نرسل التقرير للدوحة، وطلبنا من الزملاء في قسم البث في الدوحة وكذلك عمرو الكحكي أن يستقبل التقرير، وكانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل تقريباً، الا أن الكارثة وقعت.
            لقد تعطَّل جهاز البث... نعم تعطَّل جهاز البث، وبقينا أكثر من ساعة نحاول تشغيله لبث التقرير الثالث الي الدوحة ولكن دون جدوي، باءت كل المحاولات بالفشل. ان تعطل الجهاز يعني أننا لن نستطيع أن نكمل ما نقوم به، فالصور هي الأساس ومراسل تليفزيون بدون صور لا يساوي شيئاً، قلت لسيف: انس التقرير الآن وهيا بنا نخلد قليلاً الي النوم حتي نستطيع التحرك مع انقضاء مهلة حظر التجول في السادسة صباحاً لنعرف ماذا حدث في المدينة أثناء الليل، أما الجهاز فحاول اصلاحه في الصباح . وأبلغت الزملاء في الدوحة قرب الثالثة فجراً أننا لن نتمكن من ارسال التقرير لأن جهاز البث قد تعطل، والزملاء مرهقون للغاية وفي الصباح ان شاء الله سوف نعد تقارير جديدة.

            حصاد الليلة الثانية

            حاولت ألا أفكِّر في تعطُّل جهاز البث حتي أستطيع النوم ولو قليلاً، ولكن أنَّي لي أن يطرق النوم جفوني، فأنا بطبيعتي لا أنام بعمق وانما نومي خفيف للغاية وأي صوت ولو خافت يوقظني، علاوة علي ذلك فأنا لا أنام قبل أن ينام عقلي ويكف عن التفكير، وهذا ما أعاني منه بشكل دائم، وأنَّي لي أن أوقف تفكيري في ليلة مثل هذه! اضافة الي كل ذلك كيف أنام وأصوات الانفجارات ودوي الاشتباكات لم تنقطع طوال الليل؟! وكان بعضها يبدو قريباً منا الي حدٍّ بعيد، بل كان يهتز له البيت. ومع محاولات دؤوبة غفوت قليلاً ثم استيقظت علي صوت أذان الفجر؛ فالفلوجة مدينة المساجد والمآذن، لذلك فان أصوات الأذان تأتي اليك بشكل واضح ومرتفع في أي مكان تكون فيه، ورغم أني لم أغفُ سوي لحظات لكن كل حواسي كانت يقظة، وجلسنا بعد الصلاة نرتب ما الذي ينبغي علينا أن نقوم به مع بداية انقضاء ساعات حظر التجول في السادسة صباحاً.
            قام حامد باجراء بعض الاتصالات مع معارف وأقارب له في أطراف المدينة لنعرف الأماكن التي تعرضت للقصف، وكان من الطبيعي أن تكون في أطراف المدينة في الحي العسكري وحي الجولان، وبعض الأحياء الأخري، ولأن مستشفي المدينة كانت تحت سيطرة القوات الأمريكية علي الضفة الأخري من نهر الفرات والمستشفي الميداني لم تكن قد افتتحت بعد، فلم يكن هناك سوي مستشفي خاص واحد يمكن أن يستقبل الجرحي في المدينة هو مستشفي الدكتور طالب الجنابي الذي كان يقع في الحي العسكري علي المدخل الشرقي للمدينة من جهة بغداد.
            وحتي نعرف عدد القتلي والجرحي والأماكن التي قصفت كان لا بد أن نتوجه أولاً للمستشفي ثم بعد ذلك نقوم بزيارة بعض المدارس لنري طبيعة الحياة الدراسية في اليوم الثاني للحصار وكيف يتعايش الناس مع ما حولهم. وكان أهم شيء لدينا في تلك اللحظة هو كيف نصلح جهاز البث.
            بقي حامد في البيت يقوم ببعض الاتصالات ويجري بعض الترتيبات مع المهندس سيف الذي كان يحاول اصلاح الجهاز، ووضعنا خطة أن أتجه أنا الي شرق المدينة حيث الحي العسكري وأحاول الوصول الي حيث تقف القوات الأمريكية عند مدخل المدينة، وأقوم بتصوير المناطق والبيوت التي قصفت أثناء الليل، ثم أذهب الي مستشفي الدكتور طالب الجنابي للحصول علي آخر المعلومات عن عدد الاصابات من القتلي والجرحي. وجاء معي المصوران ليث وحسان والسائق أبو عمر، وكان من بين الترتيبات التي كان حامد سيقوم بها هو الاتصال بزميلنا حسين دلي مراسل الجزيرة في الفلوجة الذي كان يقيم في حي الجمهورية في وسط المدينة، وكان معه كاميرا صغيرة، ليعرف ما ان كان قد حصل علي صور لأية عمليات قصف تمت في تلك المناطق، واتفقنا أن نعود الي مقرنا مرة أخري في بيت آل حديد قبل الثامنة صباحاً حيث طلب منا الزملاء في الدوحة أن يكون لي ظهور مباشر في نشرة أخبار الجزيرة هذا الصباح التي عادة ما تبث في الثامنة صباحاً، لنوافيهم بآخر تطورات ما حدث في الليلة الثانية من الحصار وما شاهدناه وقمنا بتصويره في الصباح من آثار القصف.
            بعد ذلك أخبرت حامداً أني لن أستطيع أن أعدَّ التقارير الاخبارية لنشرات الأخبار وأتابع تقديم التقارير المباشرة علي الهواء في نفس الوقت، علاوة علي ادارة فريق العمل، ووضع خطط التغطية للنشرات الاخبارية، لذا عليه أن يستعد للقيام باعداد التقارير الاخبارية وتقديمها كمراسل، فلا بد أن نقوم بتوسيع وتوزيع دائرة ومهام العمل، لأن العمل المطلوب منا أكبر من طاقتنا بكثير لا سيما بعدما علمنا أننا بالفعل الفريق التليفزيوني الوحيد الموجود داخل المدينة.
            ورغم أن حامداً لم يكن قد أعد أي تقرير اخباري من قبل سوي مرة واحدة، الا أني قلت له: ان الحروب كما تصنع قادة عسكريين وزعماء سياسيين فانها أيضاً تصنع صحفيين وعليه أن يستعد أن يكون صحفياً تصنعه حرب الفلوجة . وقد أبلغت رئيس التحرير في الدوحة أحمد الشيخ بذلك فرحب ولم يمانع. وأعد حامد بالفعل أول تقرير اخباري وقد صحبته في تصوير معظم أجزائه علاوة علي استخدام بعض الصور التي التقطها سيف وليث في رحلتهما الصباحية معي، وقد نجح حامد في اعداد وتقديم التقارير بعد ذلك. وأذكر أني جلست معه مرة واحدة ورتبت معه كيف يكتب للصورة، وراجعت معه تقريراً واحداً أو اثنين علي الأكثر ثم أكمل هو باقي التقارير الاخبارية التي كانت تبث في نشرات الأخبار طوال الأيام التالية بعد ذلك بالتنسيق مع قسم المراسلين في الدوحة.
            في نهاية شارع السد الذي يقع فيه بيت آل حديد يقع الطريق العام للفلوجة الذي يربط شرق المدينة القادم من بغداد بغربها المتجه الي مدينة الرمادي، ولا يبعد هذا الطريق عن بيت آل حديد سوي مئتي متر تقريباً، ما ان قطعناها واتجهنا شرقاً وأصبح الحي الصناعي الي يميننا وحي الضباط الي يسارنا حتي قال ليث الذي كان يجلس الي جوار أبي عمر في المقعد الأمامي للسيارة: انظر يا أحمد ولكن بحذر علي يمينك وتحديداً علي أسطح ورش الحي الصناعي . نظرت فاذا بي أجد ما لم أكن أتوقعه.. يا الهي... انهم الجنود الأمريكيون هناك علي الأسطح ولا نبعد عن مرمي نيرانهم سوي أمتار قليلة. وحتي لا يحدث أي ارتباك من قبل الفريق قلت لأبي عمر: استمر في سيرك بهدوء ولا تتردد .
            كان مكتوب علي مقدمة سيارتنا بخط كبير وواضح باللغتين العربية والانجليزية عبارة صحافة وأعتقد أنهم بالعين المجردة أو من خلال المناظير كانوا يستطيعون قراءتها جيداً وأن يحددوا تفاصيلنا وتفاصيل كل ما معنا، ولأن الكاميرات التليفزيونية شكلها مريب من بعيد وتبدو حينما يضعها المصور علي كتفه ويبدأ التصوير كأنه يحمل مدفعاً مضاداً للطائرات أو قاذفاً عديم الارتداد، لذا فان ليثاً بشجاعته وذكائه فتح الكاميرا وهي علي ركبتيه وأخرج عدستها من طرف الشباك وأخذ يصور أسطح ورش الحي الصناعي التي كان الجنود الأمريكيون قد أخذوا مكامنهم عليها، وكانت هذه أول صور خاصة تبثها الجزيرة عن الجنود الأمريكيين داخل الفلوجة.
            ولأن مستشفي الدكتور طالب الجنابي التي كانت وجهتنا الأولي لنعرف من خلال زيارتنا لها حجم الاصابات التي وقعت أثناء الليل، وكذلك الأحياء والبيوت التي تعرضت للقصف في الحي العسكري، فقد كان علينا اكمال الطريق الي آخره حيث تقع المستشفي في الحي العسكري علي مدخل المدينة من الجهة المعاكسة للجهة التي كنا نمشي فيها. بعد ذلك بدت لنا بوضوح تام دبابتان أمريكيتان تسدان الطريق وكانت فوهات المدافع موجَّهة لنا تماماً، وكانت الدبابتان تقفان تماماً عند مدخل المدينة خارج نطاق المنازل والحي الصناعي الذي كانت كل محلاته مغلقة ولا يوجد بها أحد، وحينما وصلنا قرب نهاية ورش الحي الصناعي تراءت لنا قوات أمريكية اضافية تقف بكثافة علي جانبي الطريق وخلف الدبابات وأصبحنا نري الجنود الأمريكيين بشكل واضح مع سيارات ومدرَّعات كثيفة، فأصبحنا تحت مرمي نيرانهم من كل الجهات، ولذلك حاولنا أن نحافظ علي هدوئنا بشكل كبير، وبقينا كذلك حتي استدرنا يساراً من المدخل الذي يعيدنا الي مستشفي الدكتور الجنابي.
            وكانت المستشفي تري من علي الطريق العام لكنها كانت علي بعد حوالي مئة متر الي الداخل من الطريق العام. وجدنا أمام المستشفي سيارة بيك أب تعرَّضت للقصف ولا زالت سحب الدخان تتصاعد منها، لكن الدخان كان مختلطاً برائحة كأنها كانت رائحة لحم آدمي يحترق، نظرت الي ليث والي حسين حتي يتقدم أحدهما ليستطلع ما في السيارة ثم يقوم بتصويره. تخوف حسين لكن ليثاً كان مقداماً فتقدم نحو السيارة وسرعان ما عاد مسرعاً ومضطرباً يسد أنفه بيد ويضع يده الأخري علي فمه، قلت له: ماذا بها؟ قال: جثة شخص محترق في الصندوق الخلفي، أما كابينة السيارة فانها ملطخة بالدماء. ودعاني للذهاب لأري، لكن نفسي انقبضت وتألمت ولم أذهب، فصور ضحايا الحروب التي قمت بتغطيتها في أفغانستان والبوسنة والهرسك لا زالت عالقة في ذهني ولا أريد اضافة المزيد من الصور المؤلمة الي ذاكرتي، فهذه سيارة مدنية وتقف أمام مستشفي، فمن المؤكد أنها جاءت بجرحي أو مرضي، لكن الأمريكيين لم يراعوا ذلك وقاموا بقصفها، لكني قلت: لنتأكد مما حدث من ادارة المستشفي.
            وفي مدخل المستشفي كانت بعض بقع الدماء تغطي الأرضيات، وبعض الكتل الاسمنتية للواجهة متناثرة حيث كان واضحاً أن المبني تعرض هو الآخر للقصف، فيما كان أحد العمال يقوم بغسل الأرضيات من آثار الدماء، وما ان أخبرت موظفة الاستقبال أننا فريق قناة الجزيرة حتي جاء الدكتور طالب الجنابي صاحب المستشفي ومديره واستقبلنا، وأخبرني أنه يقيم الآن في المستشفي مع بعض الأطباء، وأنه قد حولها الي مستشفي طواريء عام لكل أهل المدينة بعدما سيطرت القوات الأمريكية علي المستشفي العام للمدينة ومنعت الجرحي والأطباء من الذهاب اليها، وقال: ان القصف لم يتوقف طوال الليل حتي علي مبني المستشفي، الذي كان يبدو القصف وبعض الحطام علي واجهته ومدخله، وقام الزملاء بتصويره. وقال انه أخبر القوات الأمريكية بموقع المستشفي حتي يتجنبوا قصفه وأنهم ترددوا علي المستشفي عدة مرات ويعرفون موقعه جيداً، كما أنه يرفع لافتة كبيرة وعلامة مضيئة تشير الي أنه مستشفي، ومع ذلك فقد قامت القوات الأمريكية بقصفه في الليلة الماضية.
            ثم سألته عن السيارة التي تقف أمام باب المستشفي وكان الدخان لا يزال يتصاعد منها، فقال: انها جاءت في الرابعة فجراً وكان فيها جريح حمله أبوه وأخوه حيث وضعوه في الصندوق الخلفي للسيارة بعدما قصفت القوات الأمريكية بيتهم، لكن ما ان وصلت السيارة الي باب المستشفي حتي تم قصفها من قبل القوات الأمريكية التي يمكن رؤيتها علي مسافة قريبة من المستشفي، فأصيب الأب وقد حاولنا انقاذهما لكن اصابتهما كانت بالغة فاستشهدا، أما الجريح الذي كان في السيارة فقد استشهد هو الآخر وجثته لا زالت محترقة في صندوق السيارة الخلفي كما رأيتموها.
            قمت بعد ذلك بزيارة بعض الجرحي وتصويرهم، وسجلت نداء قمنا ببثه بعد ذلك للدكتور الجنابي طالب فيه بعدم قصف المستشفي والتعرض للجرحي أو السيارات التي تحملهم، كما تحدث عن الوضع الخطير الذي بدأ يحيط بالمدينة.
            بعد ذلك توجهنا للحي العسكري الذي يقع خلف المستشفي، حيث كانت بعض البيوت فيه قد تعرضت للقصف أثناء الليل فقمنا بتصويره. ثم توجهنا الي مدرسة متوسطة الوفاق لتصوير مسار اليوم الدراسي فلم نجد في المدرسة سوي عشرين طالباً من أصل خمسمئة طالب هم عدد طلاب المدرسة. وأبلغني مدير المدرسة محمد هويدي أنه لم يستطع أن يمنح الطلبة اجازة لأن لديهم امتحانات ولأن الحي العسكري الذي يقع في طرف المدينة ـ وهو حي سكني وسمّي بالحي العسكري نسبة الي أن سكانه من الذين يعملون في الجيش ـ كثيراً ما يتعرض للقصف ومن ثم فان الطلاب كثيراً ما يتغيبون. كما أخبرني السكان أن القصف طوال الليل كان عشوائياً وشديداً وأن معظم سكان الحي قد نزحوا عنه الي أقاربهم الذين يقيمون في وسط المدينة أو بعض الأحياء الأخري التي يتوقعون أن تكون أكثر أمناً. حاولت أن أعود الي بيت حامد قبل الثامنة حتي نرسل الصور التي لدينا ونداء الدكتور طالب الجنابي، وأن أشارك مع الزملاء في الجزيرة هذا الصباح لكن الأمر كله كان متوقفاً علي اصلاح جهاز البث الذي تعطل في الليل.
            وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

            تعليق


            • #7
              احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق 7

              احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق (7)
              احداث الفلوجة اشعلت مدن الانبار وامريكا كانت تخفي حجم خسائرها حتي عن جنودها
              صور بثتها الجزيرة لموقع امريكي يحترق اغضبت الامريكيين فقصـفوا بعنـف عشوائي

              يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. بنشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حوها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .
              ا


              مخاطرة تبديل جهاز البث

              حينما عدت الي بيت آل حديد كان المهندس سيف لا يزال يحاول اصلاح جهاز البث، لذا شاركت في نشرة أخبار الثامنة صباحاً عبر الهاتف وقدمت صورة صوتية لما رأيناه في الصباح، بينما بقي المهندس سيف علي اتصال مع مهندس أجهزة البث في مكتب بغداد معظم الوقت في محاولة لاصلاح الجهاز لكن المحاولات كلها باءت بالفشل.
              وفي العاشرة صباحاً تقريباً قمت بالاتصال بالزميل علي سالم رئيس قسم الهندسة في قناة الجزيرة ربما نجد لديه حلاً، فوجدته في باريس، فأبلغته بالمشكلة التي نحن فيها، وطلبت منه أن يحاول وهو علي الهاتف مع المهندس سيف لمراجعة كافة الأشياء التي يمكن أن تساعدنا في اصلاح الجهاز، بقي علي ما يزيد علي نصف ساعة علي الهاتف مع سيف، شعرت خلالها أن الأمر معقد ويتعلق بقطعة بها عطب ولا بد من تغييرها حتي يعمل الجهاز.
              تشاورت في هذه الأثناء مع حامد وسألته ان كان هناك جهاز آخر في مكتب بغداد غير الجهاز الذي في الكوفة مع أطوار والجهاز الآخر الذي يستخدمونه في بغداد، فقال: حتي لو كان هناك جهاز رابع ماذا سنفعل؟ قلت له: اتصل واسأل وان كان هناك جهاز بديل يمكننا أن نفكر بعد ذلك ما الذي يمكن أن نقوم به .
              أبلغنا الزملاء في مكتب بغداد أن لديهم جهازاً، لكنه قديم ولم يستخدموه منذ مدة، وهو أقل كفاءة من الجهاز الذي معنا لأنه يعمل عبر الأقمار الاصطناعية من خلال شبكة الانترنت وليس عبر الترددات المباشرة مثل الجهاز الذي معنا، وبالتالي فان المهندس سيف الذي معنا لا يستطيع تشغيله، وانما هناك مهندس خاص اسمه سيف أيضاً هو الذي يقوم بتشغيله، قلت لحامد: هذا خبر سار وجيد، لكن عليك يا بطل أن تقوم بمغامرة . قال: ما هي؟ قلت له: أنا أعتقد أن الطريق الصحرواي الذي دخلنا منه أمس ربما يكون لا زال مفتوحاً ولم تغلقه القوات الأمريكية بعد، ماذا علينا لو جربنا وحاولنا ادخال الجهاز من هناك ؟، فكَّر حامد قليلاً ثم أجري بعض الاتصالات، وكان دائماً عند حسن الظن، فقد كان مقداماً وشجاعاً لا يخاف ولا يتردد، فقال لي: أنا جاهز، وقد اتصلت بالزملاء في مكتب بغداد ونسقت معهم أن يأتوا بالجهاز الي منطقة أبو غريب، سأحاول الخروج من نفس الطريق وآمل أن يكون مفتوحاً، فاذا خرجت منه التقيت معهم في نقطة قريبة وأدخلنا جهاز البث الجديد . لم يكن الأمر سهلاً علي الاطلاق وكان بحاجة الي شجاعة كبيرة، فحجم المخاطرة كبير للغاية لكن جهاز البث هو روح عملنا وقلبه.
              ودَّعت حامداً ودعوت له بالسلامة. واتجه حامد ليخرق الحصار الأمريكي ذهاباً واياباً في مهمة خطرة للغاية بينما ذهبت أنا مع ليث الي قلب المدينة، وبقيت علي اتصال مع حامد عبر الهاتف، ولم أكن أصدق بداية أنه نجح في الخروج من الفلوجة من نفس الطريق، وبقيت مخاطرة العودة، أما نحن فقد كان حجم المخاطرة التي كنا نقوم بها كبيراً أيضاً. فكنا نري الناس متجمعين في بعض المناطق وهناك ما يشبه الفوضي في بعضها الآخر. ذهبنا الي منطقة الجولان حيث الاشتباكات لم تتوقف طوال الوقت، ووقعنا عدة مرات تحت نيران معارك طاحنة اندلعت بين المقاومة والقوات الأمريكية هناك، وبقينا محاصرين طيلة ساعتين في أحد الشوارع الجانبية لا نستطيع أن نتحرك بسبب شدة القتال بين المقاومة وقوات الاحتلال، وسمعنا صوت انفجار ضخم أبلغنا بعض السكان بعده أن مروحية أمريكية قد أسقطت في طرف حي الجولان، وحينما تحركنا لنقوم بالتصوير نصحنا السكان بالعودة حيث ينتشر القناصة الأمريكيون علاوة علي القتال المتواصل هناك.
              كانت الشوارع مليئة بالمتاريس والأحجار وبدأ عقال الأمن ينفلت في أنحاء المدينة، وظهر المسلحون يجوبون بعض الشوارع في مظاهر تدل علي أن المواجهة في هذا اليوم الثاني للحصار السادس من نيسان (أبريل) قد تطورت. أما السوق القديم فقد كان مغلقاً وسوق الخضار لم يعد به الا بعض الخضروات الجافة مثل البصل والثوم لكن معظم المحلات كانت مغلقة، وكان القلق والاضطراب بادياً علي وجوه كثير من الناس، لكن أحد العراقيين قال لي جملة سجلتها وتم بثها في التقرير الذي أعده حامد ولم أنسها: نحن أهل الفلوجة، اما أن نعيش بعز، واما أن نموت شهداء .
              في طريق العودة الي بيت آل حديد كانت الحركة مضطربة في الشوارع الي حد كبير وكانت هناك اشتباكات متقطعة، ونصحنا كثير من الناس بأن نسلك الشوارع الجانبية والخلفية لأن القوات الأمريكية تقدمت علي محور الشارع العام في محاولة لاختراق المدينة والدخول اليها. ووقعت اشتباكات عنيفة مع المقاومة في الجهة الشرقية من المدينة، وكان واضحاً أن القوات الأمريكية حاولت اختراق المدينة في آن واحد من المحورين الشرقي والغربي، أي من جهة الحي الصناعي وحي الجولان في آن واحد محاولة قياس حجم المقاومة وتقدير قوة نيرانها وتحديد الجهة الأضعف.
              فمن الجهة الشرقية تقدمت القوات الأمريكية بالفعل علي الطريق العام ووصلت الي مسجد الخلفاء الراشدين الذي يقع في مواجهة شارع السد، لكن بعض رجال المقاومة تصدوا لها وأطلقوا عليها بعض القذائف فارتدت الي مواقعها خارج المدينة مرة أخري، ومعني وصولها الي مسجد الخلفاء الراشدين أنها أصبحت علي بعد عشرات الأمتار من بيت عائلة آل حديد حيث كنا نقيم.
              تركنا السيارة التي كانت معنا للأمان بعيداً، وسلكنا الشوارع الخلفية سيراً علي الأقدام حتي لا نتعرض لنيران القوات الأمريكية حيث كانت الاشتباكات لا زالت قائمة بينها وبين رجال المقاومة في المدخل الشرقي للمدينة وان كانت متقطعة. وحينما اقتربنا من مسجد الخلفاء الراشدين كان هناك بعض رجال المقاومة قمنا بتصويرهم بعدما سمحوا لنا لكنهم رفضوا الحديث الينا. وفجأة تكهرب الجو مرة أخري وطلبوا منا الابتعاد بعدما أعطاهم قائدهم أمراً بالتحرك تجاه المنطقة الصناعية التي كانت القوات الأمريكية قد بدأت بالسيطرة عليها وعادت الاشتباكات مرة أخري.
              عدنا الي بيت حامد من الشوارع الخلفية سيراً علي الأقدام، وكانت المفاجأة التي في انتظارنا مذهلة، فقد كنت علي اتصال مع حامد طوال الوقت وفي آخر مكالمة أكد لي أنه أحضر الجهاز وفي طريقه للعودة الي الفلوجة، فكنت كأني في حالة حلم لا أصدق ما يحدث، لقد عاد حامد بالفعل خلال ثلاث ساعات ومعه جهاز بث آخر،... يا الله... هل يمكن أن يصدق هذا؟ نجح حامد في اختراق الحصار ذهاباً واياباً، ومن نفس المنطقة الصحراوية التي دخلنا منها، لم يكن الأمريكيون قد تعرفوا علي هذا الطريق بعد كما توقعت، ولم يكونوا قد أغلقوه، قال حامد وهو يعانقني: المهمة نجحت يا أبا ندي . قلت له وأنا غير مصدق: هل أحضرت الجهاز؟ قال: نعم ، قلت له: أين هو ؟، قال: لقد دخلنا الي المنطقة تحت الاشتباكات العنيفة التي اندلعت بين رجال المقاومة والقوات الأمريكية لذا لم نتمكن من احضار السيارة الي هنا فتركناها في أحد الشوارع الخلفية، وبعدما تهدأ الاشتباكات وتنسحب القوات الأمريكية سوف نأتي بها .

              رشيد والي

              فجأة سمعت ضحكة رشيد والي المجلجلة المتميزة تأتي من غرفة الصالون، فتيقنت أن الجهاز قد وصل بالفعل، ورشيد والي ـ رحمه الله ـ كان من أميز العاملين في مكتب قناة الجزيرة في بغداد من السائقين، كان مرحاً وكثير الدعابة ولا يكف عن الضحك حتي في أحلك اللحظات، وكان من أشجع الزملاء ورجل المهمات الصعبة لذا كان الزملاء يطلقون عليه في المكتب لقب المنقذ .
              لم يكن رشيد مجرد سائق بل كان يساعد في كافة الأعمال التي يحتاجها فريق العمل، لذا كان الجميع يحبونه ويحبون صحبته، والغريب أنه كان يريد البقاء معنا في الفلوجة، كان يجوب أرض العراق من شمالها الي جنوبها ومن شرقها الي غربها يتحرك مع الزملاء في كل الاتجاهات، وكان رجلاً شهماً وكما يقول المصريون ابن بلد يعتمد عليه، سافرت معه للمرة الأولي من عمان الي بغداد في شهر تموز (يوليو) من العام 2003، وكنت بعد ذلك أقول لهم حينما أذهب الي بغداد أرسلوا لي رشيداً، ورغم أني أحب الصمت والتأمل في الأسفار الطويلة لا سيما عبر البر، الا أن رشيداً كان من أكثر الناس أنساً في السفر.
              قال رشيد بعدما أحضر الجهاز: سأبقي معكم ويعود أي من السائقين بالجهاز المعطل الي بغداد . قلت له: لا أيها البطل عليك أنت أن تعود به، الأمر بحاجة الي شجاعة وجرأة مثل التي لديك، فأنت ستخترق الحصار الأمريكي مرة أخري . وفعلاً عاد رشيد بالجهاز المعطل الي بغداد وذهب معه فرقد وسيف مهندس جهاز البث المعطل وبقي معنا سيف أيضاً ولكن مهندس البث الخاص بالجهاز الجديد.
              لم تمض علي هذه الحادثة الا عدة أسابيع حتي بلغني خبر مؤلم، لقد استشهد رشيد والي، كان يصحب عبد العظيم وليثاً وسيفاً في كربلاء لتغطية اجتياح القوات الأمريكية لها، وكان يرافق ليثاً فوق سطح الفندق ويعمل معه كمساعد مصور، وكانوا يقومون بتصوير القوات الأمريكية من فوق سطح فندق بعد بث حيّ قدمه عبد العظيم، وبينما كان رشيد يطل من بين فتحات السطح ويخبر ليثاً بأماكن تواجد القوات فيقوم ليث بتوجيه الكاميرا حيث توجد القوات الأمريكية، فجأة أطلق قناص أمريكي النار علي رشيد فأصابه في رأسه اصابة قاتلة، فاستشهد علي الفور، رحمه الله. وكان ذلك في مدينة كربلاء ليلة الجمعة الحادي والعشرين من ايار (مايو) من العام 2004 ، أي بعد أحداث الفلوجة هذه بشهر ونصف فقط. وقد ترك رشيد ـ رحمه الله ـ خلفه ستة أطفال، وكان ثاني الشهداء الذين قدمتهم الجزيرة بعد طارق أيوب ـ رحمه الله ـ الذي استشهد أيضاً بعدما قصفت الدبابات الأمريكية مقر قناة الجزيرة في بغداد في 9 نيسان (أبريل) 2003.
              الذين يشاهدون الجزيرة لا يشاهدون سوانا نحن الذين نظهر علي الشاشة لكن هناك كثيرون لا يري أحد صورهم أو يعرف أشكالهم ربما يكونون أكثر تضحية منا وبعضهم يدفع حياته ثمناً للحقيقة، ومن هؤلاء الشهيد رشيد والي رحمه الله الذي دفع حياته ثمنا للحقيقة.

              العودة للبث من جديد

              كان الجهاز الجديد يعني أن روحنا قد عادت الينا، قمنا بتشغيل الجهاز وأرسلنا ما كان لدينا من صور الي الدوحة، وسرعان ما اندلعت معركة طاحنة فوق رؤوسنا، وقد غامر ليث وقام بتصوير الطائرات المروحية التي كانت تحوم وتقصف من فوقنا تماماً، وبعضها اقترب منا لمسافة قصيرة حتي انه خيل اليّ وكنت أقف علي سطح البيت الي جوار ليث أن الطيار قد رآنا رأي العين وأنه سوف يستدير ويعود ليطلق النار علينا، فقلت لليث: كفي ما أخذناه من صور . ونزلنا بسرعة الي داخل البيت ونحن نتوقع القصف، في الوقت الذي كان فيه رجال المقاومة يقومون باطلاق النيران علي الطائرات.
              في هذه الأثناء قامت القوات الأمريكية مرة أخري تحت حماية الطائرات في محاولة جديدة لاختراق المدينة، لكن معارك طاحنة نشبت بينهم وبين رجال المقاومة. وفي هذه الأثناء شاركت في نشرة أخبار الظهيرة بينما كنا نسمع صوت الآليات الأمريكية تخترق شارع السد في عمليات مطاردة لرجال المقاومة الذين أطلقوا النيران عليها، وقدمت وصفاً لما يدور وما رأيناه من الصباح وقمنا ببث الصور الحديثة التي حصلنا عليها، وبعد قتال شرس انسحبت القوات الأمريكية وتراجعت مرة أخري الي مواقعها علي الطريق العام شرق المدينة.
              وفي محاولة الاختراق الثانية للمدينة في هذا اليوم وقع حادث مؤلم علي مرآي منا، فقد كان ليث مدخناً فانتهت سجائره فخرج يبحث عن مكان يشتري منه السجائر بعدما هدأت المعارك قليلاً، وكان هناك كشك لبيع السجائر أمام مسجد الخلفاء ولا يبعد عنا أكثر من مئتي متر. ذهب ليث فأحضر سجائره منه وعاد، قبل أن تندلع هذه الاشتباكات ويقوم الجنود الأمريكيون بهذا التقدم داخل المدينة حيث وصلوا الي باب المنزل الذي كنا نقيم فيه في شارع السد، كما تخطوا مسجد الخلفاء، لكنهم انسحبوا مرة أخري الي أطراف المدينة بعدما تعرضوا لمقاومة عنيفة، وكانوا أثناء تقدمهم قد أطلقوا قذيفة علي كشك السجائر فنسفوه هو وصاحبه الذي كان يجلس في داخله، وحينما انسحبوا خرجنا جميعاً لنقوم بتصوير ما أسفرت عنه المحاولة الفاشلة لاختراق المدينة، فوجدنا بقايا من أشلاء الرجل بينما دُمِّر الكشك. وكان ليث أكثر المتأثرين لأنه تذكر حواراً دار بينه وبين الرجل قبل لحظات من موته.
              كذلك قام الأمريكيون خلال عملية التوغل هذه داخل المدينة بعمليات تفتيش لبعض البيوت في حي الضباط وحي نزال قبل انسحابهم، وأبلغني شخص كان بيته ملاصقاً لمسجد الخلفاء الراشدين أنه فوجيء بالجنود داخل بيته وقد نزلوا عليه من السطح ولا يعرف كيف تسلقوا ودخلوا، وكان يجلس بين أولاده، فدب الرعب في نفوس الجميع، وقام الأمريكيون بتفتيش البيت بحثاً عن سلاح ومقاومين ثم خرجوا مرة أخري، وقد سجلنا أقوال الرجل وقمنا ببثها في النشرات اللاحقة.
              نزلنا الي قلب المدينة مرة أخري وأعدّ حامد توقيع الكاميرا لأول تقرير له من السوق القديم الذي كان مغلقاً وبعض محلاته مدمرة جراء قصفٍ قال سكان المنطقة ان الطائرات قامت به أثناء الليل. كما وجدنا بياناً ألقته القوات الأمريكية من الطائرات المروحية فيه صور بعض الأطفال الذين قاموا بسحل جثث الأمريكيين الأربعة في شوارع الفلوجة ويطلبون تسليمهم مقابل مكافأة مالية. في نفس الوقت حصلنا علي نداء موجه من أهالي الفلوجة الي الأمين العام للأمم المتحدة والهيئات الدولية يطلبون منها أن تتدخل من أجل فك الحصار المضروب علي المدينة.
              عدنا بعد ذلك الي البيت حتي نبث آخر الأخبار فوجدنا خبراً مؤلماً، فقد قام جنود القناصة الذين كانوا يتقدمون مع القوات الأمريكية أثناء اقتحامهم شارع السد بقنص ابنة أحد جيران بيت آل حديد، وكانت تقف في شباك البيت تنظر الي الجنود الأمريكيين الذين كانوا قد تقدموا ووصلوا الي الحي الصناعي المواجه لنا، وحينما اقترب أبوها لمحاولة انقاذها بعدما أصيبت أطلقوا عليه النار أيضاً فأصيب لكن الفتاة التي كان عمرها ثمانية عشر عاماً استشهدت بينما نقل أبوها للمستشفي.
              قدمت هذه المعلومات في تقرير مباشر مع الزميلين ليلي الشايب وجميل عازر، وقد أدت هذه الأحداث الي أن تصبح الفلوجة الخبر الأول في نشرات أخبار الجزيرة، كما كانت الصور الخاصة والكثيرة والمميزة التي التقطها الزملاء لا سيما للطائرات المروحية القريبة والتي تناقلتها وكالات الأنباء ومحطات التلفزة العالمية نقلاً عن الجزيرة توحي بأن الأمر جد خطير في الفلوجة.
              وقد استضاف جميل عازر في نشرة تالية الجنرال مارك كيميت نائب قائد القوات الأمريكية في العراق وسأله قائلاً: هل فوجئتم بهذا الحجم من المقاومة في الفلوجة؟ قال كيميت: نحن نقترب من مرحلة تسليم السلطة الي الشعب العراقي، وقد كنا نتوقع تصعيداً ونحن نري ذلك الآن . ثم سأله جميل: عدد القتلي والجرحي من المدنيين في العمليات التي تتم يدل علي أن ما يحدث هو عملية انتقام وليس محافظة علي الأمن ؟ فقال كيميت: بالتأكيد لا يوجد أي انتقام من جانب قواتنا وانما العمليات القتالية التي نقوم بها تتم في أماكن صعبة وهي في اطار الدفاع عن النفس .
              هكذا قال كيميت أنهم كانوا يدافعون عن أنفسهم، وأنا لا أدري أي دفاع عن النفس من قوات محتلة ومعتدية ضد ثلاثمئة ألف مدني محاصرين في الفلوجة، علاوة علي المعارك الأخري الطاحنة التي كانت تجري في أماكن أخري من العراق.
              وفي حوار أجراه الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر في هذا اليوم مع محطة تليفزيون ان بي سي الأمريكية قال رداً علي سؤال حول الحصار الأمريكي للفلوجة: لقد لقي الهجوم علي الأمريكيين في الأسبوع الماضي استهجاناً عالمياً.. وقلت في ذلك الوقت اننا لن نتساهل مع تلك الهجمات والجيش يريهم الآن أننا جادون وأضاف: أصدقاؤنا في العراق يشكلون %90 من الشعب العراقي، وهم يشاطروننا رؤيتنا بشأن العراق .
              أما هيئة علماء المسلمين فقد أصدرت بياناً في هذا اليوم السادس من نيسان (أبريل) اعتبرت فيه أن ما يجري في العراق من عمليات عسكرية ضد المدنيين سواء في المدن السنية أو الشيعية هو وصمة عار علي جبين قوات التحالف.. وقال البيان: ان ما يجري الآن في بغداد في أحياء الأعظمية والكاظمية ومدينة الثورة والشعلة والنجف الأشرف والفلوجة وفي مدن عراقية أخري من استهداف المدنيين من أبناء وطننا وحصارهم بالدبابات، وقذفهم بحمم الطائرات لهو وصمة عار علي قوات التحالف .

              اندلاع المقاومة في أنحاء العراق

              بدأ الليل يرخي سدوله فيما كانت المعارك تشتعل في أطراف وأحياء المدينة المختلفة، وكان القصف المدفعي المتواصل وأصوات الانفجارات تأتي من كل اتجاه، وكان واضحاً أن أحداث الفلوجة أشعلت كل مدن الأنبار، ففي هذا اليوم قمنا ببث أخبار عن هجوم قامت به المقاومة في الرمادي علي القوات الأمريكية قتل خلاله أكثر من اثني عشر من الجنود الأمريكيين، وكان انفراداً حصل عليه مراسلنا في الرمادي حسام علي الذي أكد لنا أن معركة طاحنة تدور بين القوات الأمريكية ورجال المقاومة في منطقة الملعب وسط المدينة، وأن عشرات من الجنود الأمريكيين سقطوا قتلي وجرحي جراء هجوم بمدافع الهاون علي تجمع لهم.
              قمنا ببث الخبر في الساعة الثانية عشرة ظهر الثلاثاء، ثم أكده بيان صدر عن الجيش الأمريكي نشر في اليوم التالي الأربعاء جاء فيه: أن اثني عشر جندياً أمريكياً قد قتلوا وأصيب أربعة وعشرون آخرون في الرمادي بعد معركة استمرت سبع ساعات .
              وفي هذا اليوم كذلك اندلعت معركة طاحنة بين القوات الأمريكية ورجال المقاومة في الصقلاوية التي تبعد خمسة عشر كيلو متراً شمال غرب الفلوجة.
              علاوة علي ذلك كان أنصار مقتدي الصدر في مواجهة مع القوات الأمريكية في مدينة الصدر في بغداد وكذلك في النجف في الجنوب، كما أن المقاومة العراقية سعت لتخفيف الضغط عن الفلوجة فقامت بتكثيف عملياتها في بغداد والموصل وبعقوبة وديالي وسامراء وتكريت وأماكن أخري، فاشتعلت المقاومة ضد الاحتلال في شتي أنحاء العراق، حتي ان بول بريمر الحاكم الأمريكي في العراق وصف تلك الأحداث في مذكراته التي نشرت طبعتها العربية دار الكتاب العربي في لبنان تحت عنوان عام قضيته في العراق في فصل كامل تحت عنوان الاصطدام بالحائط ، كان مما قاله فيه في صفحة 404: قدم لي رئيس المحطة تقييماً عاماً عن الوضع في العراق، ويبدو أن مدير الاستخبارات المركزية في لانغلي طلبه قبل أسبوع، كان التقييم مفرطاً في التشاؤم، فينتظرنا فشل كارثي، حيث اننا مقبلون علي انهيار مضطرد في العراق . أربع صفحات من هذا القبيل، يشتم منها بأنها دعوة تقليدية الي حماية ظهرك لقد اهتزت الوكالة بالضربات المتتالية التي تعرضت لها في السنوات الأخيرة، بحيث يشدد كل ما يكتبونه علي الجوانب السلبية .

              الهزيمة الأولي للقوات الأمريكية في الفلوجة

              تصاعدت حدة القصف في أطراف الفلوجة، وكنا نسمع أصوات القصف والانفجارات تأتينا من كافة الاتجاهات، وبعد صلاة المغرب مساء الثلاثاء السادس من نيسان (ابريل) جاءنا الي بيت حامد بعض أهل الفلوجة، وبدا أن حامداً يعرف أحداً منهم، وأخبرونا أن رجال المقاومة شنوا هجوماً شديداً علي القوات الأمريكية التي تغلق طريق النعيمية، وبعد معركة طاحنة مع القوات الأمريكية نجح رجال المقاومة في تدمير الموقع وأصيب عدد كبير من الجنود الأمريكيين، وقد جاءت الطائرات المروحية فأجلت القتلي والجرحي وهرب باقي الجنود وأصبح الموقع خالياً والنيران تشتعل فيه.
              كان الخبر بالنسبة لنا سبقاً اعلامياً مميزاً، ولم يأت هؤلاء لاخبارنا فقط بل طلبوا منا أن نذهب معهم حتي للتأكُّد من صدق هذه المعلومات وأن نقوم بتصوير الموقع، وأبلغونا أن الطريق آمن ولم يعد فيه أحد من القوات الأمريكية وأنهم قادمون لتوهم من هناك وأن المسافة بيننا وبين هذا الموقع بالسيارة لا تزيد عن ربع ساعة من الطريق المعبَّد، وهذا الموقع نفسه الذي حاولنا الدخول منه أول يوم وهددنا قائده باطلاق النار علينا ان لم نبتعد؛ وهو قريب من الطريق الذي دخلنا منه والذي تمكنا صباحاً من ادخال جهاز البث منه أيضاً.
              كان الأمر مخاطرة كبيرة، فبداية حاولت أن أتأكد من حامد أن هؤلاء الناس ثقات وأن الخبر الذي حملوه لنا لا يحتمل الكذب وأنهم ليس وراءهم نوايا سيئة بالنسبة لنا، فأكد حامد لي أنهم من أهل المدينة ويعرفهم معرفة جيدة، وقد تحمَّس حامد للذهاب وبقي أن يقبل أحد المصورين أن يذهب معه لا سيما وأن حجم المخاطرة عال ومن الممكن أن يعود الأمريكيون في أي لحظة ويشنوا هجوماً علي المكان لاسترداده، أو تقوم الطائرات بقصفه حتي لا يتمكن رجال المقاومة من الحصول علي أية أسلحة أو أوراق أو أجهزة به، وربما تكون القوات الأمريكية قد عادت بقوات أكبر لاسترداده، لكن ليثاً لم يتردد، كان كعادته مقداماً وشجاعاً.
              ودَّعناهم ونحن خائفون عليهم ودعونا لهم بالسلامة، وبقيت علي قلق شديد واتصال بهم طوال الوقت، كان الأمر في غاية الصعوبة وكان أهون عليَّ أن أكون معهم من أن أجلس في حذر وترقب وقلق عليهم طوال الوقت، فحينما وصلوا الي مركز القوات الأمريكية في النعيمية وجدوه بالفعل يحترق ولم يجدوا أي جندي أمريكي في المنطقة، وكانت هذه أول هزيمة مدوية للقوات الأمريكية التي تحاصر الفلوجة، وقام ليث بتصوير المكان حتي انه قام بتصوير علب الطعام التي لم يكن الجنود قد تناولوها، وكان واضحاً أن الهجوم قد وقع عليهم وهم يتناولون عشاءهم.
              لم نعرف عدد الجنود الأمريكيين الذين قتلوا وجرحوا في هذا الهجوم الذي يبدو أنه قد خلف عدداً كبيراً من القتلي والجرحي، ولم تفصح القوات الأمريكية عن أية تفاصيل عن هذا الهجوم، وكانت تكتفي دائماً في بياناتها العسكرية بالقول ان عدداً من جنودها قتلوا في الأنبار. وحينما عدت الي بيانات الجيش الأمريكي التي نشرت في هذا اليوم وجدت تبريراً عن عدم ذكر عدد القتلي والجرحي أو نتائج العمليات التي تعرضوا لها. في أحد التقارير يقول: ان نشر معلومات اضافية عن هذه الوقائع قد يعرض الجنود لأخطار أكبر .
              عاد حامد وليث بعد حوالي ساعة وكانوا مثل العائدين الي الحياة، عانقناهم وكأنهم فارقونا منذ عام وهنأناهم علي السلامة وعلي الصور المميزة التي تناقلتها وسائل الاعلام العالمية بعد ذلك نقلاً عن الجزيرة، وكان ليث يتصبَّب عرقاً كمن كان يركض دون توقف منذ عام. أخذنا منه الشريط وقمنا ببثه للدوحة بينما جلس يدخن كعادته وكأنه غير مصدق أنه قد عاد سالماً.
              أثارت الصور حينما قمنا ببثها ردود فعل واسعة، فقد كانت تأكيداً علي أن وضع القوات الأمريكية يسوء حول المدينة رغم احكامها لحصارها، وقد جن جنون الأمريكيين فأصبحوا يقصفون بشكل عشوائي في كل اتجاه، بعد بث صور هذه الهزيمة المدوية لهم، وبعد ساعة من بث هذه الصور جاءنا خبر مؤلم للغاية من زميلنا حسين دلي حيث أبلغنا أن طائرة أمريكية قامت بقصف بيت في حي الجولان في الفلوجة، مما أدي الي مقتل أكثر من عشرين معظمهم من النساء والأطفال وأنه الآن في موقع البيت المنكوب يقوم بعملية تصوير للضحايا الذين كانوا ينتشلون من بين الأنقاض.

              مذبحة حي الجولان

              في هذا اليوم قرر الدكتور رافع العيساوي مدير مستشفي الفلوجة العام التي كانت تقع تحت سيطرة القوات الأمريكية وكذلك أطباء المستشفي تحويل العيادة الشعبية التي كانت تقع في قلب المدينة في شارع العيادة الشعبية في حي الجمهورية الي مستشفي ميداني، فقد كان عدد القتلي والجرحي في ارتفاع مستمر ولم يكن الناس يجدون مكاناً لاسعافهم الا مستشفي الدكتور طالب الجنابي التي كانت في طرف المدينة الشرقي ولم تكن كافية، كما أنها كانت تحت مرمي نيران القوات الأمريكية طوال الوقت. كذلك قاموا بتحويل عدة عيادات أخري كانت تتواجد في أطراف المدينة الي مستشفيات ميدانية لكن الضغط الرئيسي كان علي العيادة الشعبية بسبب موقعها في قلب المدينة.
              بعد ذلك أصبحنا علي اتصال دائم بالدكتور رافع العيساوي حيث كان مصدراً رئيسياً لنا يطلعنا دائماً علي أعداد القتلي والجرحي الذين كانوا يصلون الي المستشفي الميداني من أهل الفلوجة، كما كنا نرتب له مداخلات في نشرات الأخبار حتي يعطي الصورة عن الوضع الطبي وأعداد القتلي والجرحي في المدينة بشكل رسمي.
              بدأ الأمريكيون يفقدون صوابهم جراء الضربات المتتالية التي يتعرضون لها من قبل رجال المقاومة في الفلوجة وما حولها، فأصبحوا يردون علي هذه الهجمات بالقصف بجنون وفي كل اتجاه، فكثر الضحايا من المدنيين، ووقعت في تلك الليلة مذبحة مؤلمة ذهب ضحيتها عائلة من ستة وعشرين فرداً لم ينج منهم سوي رجل واحد وطفل رضيع. كان الرجل الناجي يدعي خميس صالح النمراوي، وكان يسكن في منطقة قريبة من تواجد القوات الأمريكية في أطراف المدينة فلجأ ومعه أشقاؤه الأربعة وزوجاتهم وأبناؤهم الي أحد بيوت الجولان ونزلوا ضيوفاً علي عائلة أخري أقارب لهم ظناً منهم أن المكان أكثر أمناً من بيتهم الموجود في أطراف المدينة. لكن البيت الذي لجؤوا اليه في أول يوم لاقامتهم فيه تعرض لقصف من الطائرات الأمريكية فهدم المنزل علي كل من فيه، ولم ينج سوي الرجل وطفل رضيع.
              وصل حسين دلي الي البيت أثناء اخراج الجثث من تحت الأنقاض وقام بتصوير الحادث بالكامل، وقمنا بعد التأكد من كل المعلومات ببث الخبر بداية كخبر عاجل في نشرة أخبار حصاد اليوم في الحادية عشرة ليلاً، وشاركت في بث مباشر في تلك النشرة التي كان يقدمها جمال ريان وايمان بنورة وقدمت تفصيلاً لأحداث اليوم، وكان من أهمها أن الغذاء بدأ ينفد في مدينة الفلوجة كما أصبحت هناك أزمة بنزين، وكذلك قمنا بتوجيه نداء وصلنا من الدكتور رافع العيساوي بدعوة أهل الفلوجة للتبرع بالدم حيث ان عدد الجرحي في ازدياد، كما أن الامكانات الطبية بها عجز كبير، وأصبح هناك مشكلة أخري هي مشكلة دفن الموتي، وأكدت خبر مجزرة الجولان وأخبرتهم أن الصور في الطريق الينا.
              كان الانتقال من حي الجولان حيث وقعت المذبحة في شمال غرب المدينة الي حي نزال حيث كنا نقيم في جنوب شرق المدينة أمراً في غاية الخطورة مع فرض حظر التجول والقصف العشوائي الذي كانت تقوم به القوت الأمريكية لكل ما يتحرك علي الأرض في ذلك اليوم، الا أن حسين دلي خاطر ووصل الينا قبيل انتهاء الحصاد في الساعة الثانية عشرة ليلاً، وقمنا ببث الصور الي الدوحة وطلبنا من الزملاء تنبيه المشاهدين بأن الصور فيها مناظر مؤلمة، حيث كانت أشلاء الأطفال والنساء ممزقة ومبعثرة وملطخة بالدماء والتراب وكانت شديدة الايلام لكل من شاهدها حيث انها لا زالت ماثلة في مخيلتي.
              الكآبة ملأت نفوسنا جميعاً وغمرنا الألم وأدركنا بأن ما هو آت أعظم مما قد مضي، وأن هذه الحادثة تظهر أن القوات الأمريكية تعاني بشدة وسوف تواصل مثل تلك الجرائم خلال الأيام القادمة.
              لم أستطع النوم في هذه الليلة رغم الارهاق الشديد وعدم تمكني من النوم في الليلة السابقة، فقد هزتني صور أشلاء الأطفال الممزقة التي قمنا ببثها، كما أن القصف أصبح شديداً للغاية ويبدو أن المعركة أخذت تتطور بشكل كبير، ولأن المقاومة تتحرك عادة في الليل فقد كان واضحاً أن هناك هجمات علي القوات الأمريكية من كافة الاتجاهات، وأن نجاح المقاومة في تدمير الوجود الأمريكي في النعيمية قد أعطي المقاومة دافعاً لتصعيد الهجمات ودفع القوات الأمريكية في نفس الوقت لمحاولة الانتقام ومحاولة استرداد زمام الأمور التي سبق وأن أشار الحاكم الأمريكي بول بريمر الي أنها وصلت الي مرحلة انهيار مضطرد... .
              جلسنا في الصباح ننتظر الساعة السادسة حيث ينتهي حظر التجول حتي نبدأ تحركنا في أنحاء المدينة ونعرف ماذا تم في الليل من هجمات. وفي هذا اليوم قسمنا أنفسنا ثلاثة فرق؛ الفريق الأول: حامد ومعه ليث يذهبان الي وسط المدينة حيث العيادة الشعبية التي أصبحت مستشفي ميدانياً، وكذلك الي حي الجولان ويقومان بتصوير كل المستجدات هناك والمنزل الذي قصف في الليل وجرت فيه المذبحة. أما الفريق الثاني: فهو حسين دلي، وكان حسين يقوم وحده بجهد فريق حيث كان يحمل كاميرا صغيرة ويتحرك في وسط المدينة كلما وقع قصف أو هجوم يقوم بتصويره ويحضر لنا الصور. أما الفريق الثالث فيتكون مني ومعي المصور حسان وأبو عمر السائق، وعلينا الذهاب الي أخطر الأماكن في شرق المدينة حيث تتواجد القوات الأمريكية ومستشفي الدكتور طالب الجنابي والحي العسكري والمنطقة الصناعية.
              ما ان استدارت السيارة بنا من شارع السد الي الطريق العام شرقاً وأصبح الحي الصناعي الي يميننا وحي الضباط الي يسارنا حتي هالنا ما رأينا، فقد وجدنا في مواجهتنا دبابتين أمريكيتين تسدان الطريق ومدفعيتها موجهة نحونا تماماً، بينما كانت قوات أمريكية بأعداد كبيرة تقوم بتمشيط الحي الصناعي الي يميننا، فيما كانت قوات أخري كبيرة فوق أسطح الورش فيما بدا أنها تمهد لعملية اقتحام جديدة للمدينة، ارتبكنا جميعاً لبرهة لكني قلت لأبي عمر: لا تتردد وواصل الطريق . قال: الدبابات تغلقه ومدفعيتها موجهة الينا . قلت له: لو رجعنا لقصفونا، كما أن القوات التي تملأ الحي الصناعي ترصدنا، وشارة صحافة واضحة علي مقدمة السيارة، لا تخف واصل طريقك واذا وصلنا الي الدبابات أبلغناهم أننا صحافيون فاما أن يفسحوا لنا الطريق واما أن يردونا .
              وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

              تعليق


              • #8
                احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق 8

                احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق (8)
                فرار افراد القوات العراقية المساندة للامريكيين من معركة الفلوجة . وانطلاق التكبير من عشرات المآذن بوقت واحد اثار ذعر المارينز

                الجثث تتراكم في المدينة والمقبرة لم تعد تتسع . والمشيعون المجروحون يفجرون غضبهم بفريق الجزيرة

                يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. ننشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .





                كان القلق مستبداً بنا جميعاً، فنحن تحت القصف وفي عداد الموتي في أي لحظة، والقوات الأمريكية دائماً لديها مبرر لكل ما تقوم به، وكما قتل عشرات الصحافيين منذ بداية الحرب علي يد القوات الأمريكية آخرهم كان في الفلوجة مصور تليفزيون محطة ان بي سي الأمريكية يوم الجمعة 26 آذار (مارس) 2004 لأنه كان يقوم بتصوير اشتباكات عنيفة وقعت شرق المدينة وتكبدت القوات الأمريكية فيها خسائر كبيرة لكن لم يعلم أحدٌ عن تفصيلاتها شيئاً لأن الكاميرا والشريط قد دمرا مع المصور وبالتالي فمن الممكن أن نقتل نحن أيضاً ونصبح مجرد أرقام في أعداد الصحافيين الذين يقتلون كل يوم في العراق، لذلك فان أصعب اللحظات تلك التي يجد الانسان فيها نفسه فجأة تحت وابل النيران ولا يستطيع أن يفعل شيئاً سوي أن يختار ما بين أحسن الخيارات السيئة، وهكذا اخترت أن نواصل الطريق ونذهب في مواجهة الدبابات التي كانت تغلق الطريق أفضل من أن نثير الشبهات ونعود بشكل مضطرب فيطلقون النار علينا.
                لم يكن حسان في نفس جرأة ليث في التصوير فحينما طلبت منه أن يقوم بتوجيه عدسة الكاميرا للقوات الأمريكية الموجودة علي أسطح ورش الحي الصناعي وتصوير الدبابتين اللتين تسدان الطريق في مواجهتنا، كان مرتبكاً وخائفاً ولم يستطع ذلك. وحتي لا أظلمه فقد كان الأمر مربكاً ومخيفاً الي حد بعيد، وهذا أمر أستطيع أن أقدره وألتمس العذر لصاحبه في هذه اللحظات المميتة، فالحياة في ظل الموت وتحت وابل القصف والنيران أمر ليس سهلاً أن يتحمله الانسان، كما أن تصرفات الانسان في هذه اللحظات لا تخضع لأي معطيات طبيعية لأن العقل في كثير من الأحيان يفقد القدرة علي التركيز أو التفكير الصائب، لذلك فان كثيراً من المصورين الحربيين وحتي المراسلين يعانون من أمراض نفسية بعد نهاية الحروب جراء ما يتعرضون له وما يشاهدونه.
                وفي دورة تدريببة للمراسلين الحربيين أخذتها علي يد ديفيد سايمور أحد المدراء السابقين في محطة بي بي سي عرض لنا ديفيد فيلماً أنتجته بي بي سي عن مراسلين ومصورين حربيين سابقين قاموا بتغطية الحروب في أفغانستان والبوسنة والهرسك وأماكن أخري وكيف أن حياتهم قد دمرت بسبب ما لاقوه وشاهدوه في الحروب، فبعضهم أصيب بأمراض نفسية وآخرون أصبحوا مدمنين علي الشراب، لكن أيضاً هناك كثيرون احترفوا هذه الأعمال عشرات السنين ولا زالوا يقومون بأعمالهم دون خوف.
                بدأنا نقترب شيئاً فشيئاً من الدبابات، وطلبت من أبي عمر أن يحافظ علي سرعته فلا يسرع ولا يبطيء فنحن تحت مرمي نيران عشرات المدفعية والبنادق من كل الاتجاهات وأخطرها ـ دون شك ـ مدافع الدبابات التي في مواجهتنا والتي يمكن أن تحولنا مع السيارة التي نركبها الي بخار بقذيفة واحدة. كانت دقات قلوبنا تزداد كلما اقتربنا من الدبابات، والمشكلة أنه لم يكن هناك فتحة جانبية في الطريق للعودة الا في نهايته قرب المستشفي، ولم نكن ندري هل الدبابات تقف خلفها أم أمامها، لكننا قررنا ألا نعود وأن تكون وجهتنا واضحة الي المستشفي.
                وحينما اقتربنا من الدبابات وجدناها تقف تماماً في نهاية فتحة العودة التي تؤدي الي المستشفي. كانت مدفعيتها موجهة لنا تماماً وحينما استدرنا للعودة لم تكن المسافة الفاصلة بيننا وبين الدبابات تزيد عن عدة أمتار، لم نتوقف ولم يوقفنا الجنود الذين كانوا فوق الدبابات ولم يتحدثوا الينا، فقط كانوا يراقبوننا وأيديهم علي الزناد، توجهنا مباشرة الي مستشفي الدكتور الجنابي التي كانت علي بعد أمتار من مكان الجنود الذين ظلوا يراقبوننا الي أن وصلنا الي المستشفي، وحينما دخلنا اليها وجدنا الدماء تغطي جانباً من أرضيات المدخل مما أوحي لنا أن الليلة كانت ليلاء دامية.
                جاء الدكتور الجنابي فرحب بنا وأبلغنا أن المستشفي تعرض أيضاً للقصف من القوات الأمريكية في الليلة الماضية، وكانت آثار القصف بادية علي واجهة المبني كما أنه استقبل كثيراً من الجرحي أثناء الليل كان من بينهم خميس النمراوي، الذي فقد عائلته المكونة من ستة وعشرين فرداً في الجولان ولم ينج سواه وطفل صغير، وأدخلنا الدكتور الجنابي الي غرفة كان بها طفلان جريحان أحدهما الطفل الناجي من مذبحة الجولان وكان عمره لا يزيد عن عام واحد بينما كان الآخر عمره حوالي عام ونصف وكانا يبكيان والضمادات تغطي جسديهما، لم أستطع أن أتحمل بكاءهما مع الضمادات التي كانت تلف جسديهما لكننا قمنا بتصويرهما وبُثت الصور علي شاشة الجزيرة في هذا اليوم.
                أما خميس النمراوي، فحينما قابلته وجدته يهذي، وغير مصدق لما جري ويقول منادياً الطفل الذي نجا والذي كان في غرفة أخري: أنا أعرف صوته أحضروه لي.. فقط أريد أن أشم رائحته.. أريد أن أري هذا الصغير.. أرجوك يا دكتور.. أرجوك هذا صوت بكائه أعرفه من بين ألف طفل . كان مصاباً في رأسه ويده ورجله. قمنا بتصويره وقمنا ببث هذه الصور المؤلمة علي شاشة الجزيرة، ورغم أني كنت أقدِّر الصدمة التي يعيشها لكني قلت له: أرجو أن تخبرني باختصار بما حدث وكيف نجوت وحدك والطفل؟ قال: انضم الينا ثلاثة من اخوتي مع زوجاتهم وأبنائهم طلباً للأمن وفراراً من القصف الأمريكي علي بيوتهم، فكنا أربعة رجال وأربع نساء والباقون من الأطفال، وكان عددنا جميعاً ستة وعشرين فرداً، جاءت الطائرة فقصفت المنطقة فقاموا جميعاً وهربوا الي غرفة واحدة للاحتماء من القصف، وكنت أنا في طرف البيت ويبدو أنهم من الفزع لم ينتبهوا للرضيع الذي كان نائماً فتركوه أو نسوه في الغرفة التي كانوا فيها، ثم جاءت الطائرة وقصفت الغرفة التي احتموا فيها طلباً للأمان فاستشهدوا جميعاً ولم يبق سواي والطفل، أما القتلي فهم 16 طفلاً و8 رجال ونساء هذه باختصار هي القصة .
                وقد تكررت قصة هذه العائلة مع أكثر من شخص، فقد وجدت بعد ذلك يوم الجمعة شخصاً نجا وحده وقتلت كل عائلته اسمه صالح العيساوي، حينما ذهبت لأتحدث معه وجدته مثل المأخوذ الذي لا يكاد يعي أو يصدق ما حدث له أو ما يدور حوله.
                وقد تصدَّرت قصة هذه العائلة الخبر الرئيسي في معظم وسائل الاعلام العالمية في ذلك الوقت بعدما قمنا ببثها، أما الجنرال مارك كيميت نائب قائد القوات الأمريكية حينما واجهه الصحافيون بما قمنا ببثه من صور تلك العائلة المنكوبة لم يجد جواباً يقدمه للصحافيين الا بقوله: فقط قوموا بتغيير هذه القناة التي تبث الأكاذيب .

                في المقبرة القديمة

                بعد الانتهاء من تصوير الجرحي في مستشفي الدكتور طالب الجنابي عدنا من طريق خلفي دلنا عليه بعض السكان الي مقر فريق الجزيرة في بيت آل حديد في حي نزال وذلك حتي نتجنب قدر المستطاع أن نكون تحت نيران القوات الأمريكية، وقمنا ببث الصور الي مقر الجزيرة في الدوحة وشاركت مع الزميلة لينا زهر الدين في نشرة الأخبار الصباحية، كما وافيت الزملاء في غرفة الأخبار بالتفاصيل علي أن يقوم أحد الزملاء في الدوحة باعداد تقرير داخلي من خلال الصور لعدم وجود وقت لدينا، اذ كان عليَّ أن أعود الي وسط المدينة مرة أخري وذلك بعدما علمت أن جنازة ابنة جارنا التي قتلها القناص الأمريكي بالأمس سوف تشيع في المقبرة القديمة للبلدة في وسط المدينة الساعة العاشرة.
                أخذت المصوِّر حسان وذهبنا للمقبرة، لكني ذهلت من هول ما رأيت. لم تكن هناك جنازة واحدة، ولكن كانت هناك نعوش وجنائز كثيرة، وكان الناس في المقبرة غاضبين وثائرين، وحينما بدأنا تصوير الجموع المحتشدة في المقبرة اذا بأحد الحضور يوجه كمّاً هائلاً من السباب الي الصحافيين ويتهمهم بأنهم عملاء للأمريكان، ورفع صوته علي مسمع من الناس وهو يوجه الكلام الينا بأننا عملاء ونقوم بتصوير الجموع حتي نعطي الصور للأمريكان.
                أصابني الرجل من خلال اتهاماته هذه بألم شديد؛ فأسوأ شيء في الحياة أن تقابل بنكران جميل وأنت تقوم به، ونظرت الي وجوه الناس الذين كانوا يملأون المقبرة علّ أحدهم ينصرني أو يدافع عني فلم أجد، كان الناس ينظرون الي ولم يعلق أحد علي ما يردده الرجل أو يطلب منه السكوت، شعرت أن الناس جميعاً مجروحون ومتألمون، لكن اتهاماً مثل هذا في لحظة مثل هذه يمكن أن يدفع أي شخص من المسلحين الذين كانوا يملأون المقبرة الي أن يقتلنا، فالرجل لا يلقي علينا تهمة بسيطة، وانما يتهمنا بالعمالة للأمريكيين بين أناس مجروحين بقتلاهم وجرحاهم الذين قتلهم الأمريكيون، حاولت ألا يشغلني الرجل عما جئت لأجله، لكن المكان كان ضيقاً ومزدحماً والرجل كان يلاحقنا في حركتنا والناس ينظرون الينا وما من نصــــير، فأنا الغريب بينهم ولم يكن معي أي من الزملاء من أهل الفلوجة حتي يدفع عنا أو يحمينا، ورغم أن حسان المصور من أهل بغداد الا أنه وان كان عراقياً لكنه غريب عن المدينة مثلي.
                في مثل هذه المواقف أتعامل مع من أمامي بطريقتين لا ثالث لهما: الأولي أن أتجاهل من أمامي وهذا غالباً ما أفعله فنادراً ما أرد علي اتهامات فارغة توجَّه لي من أحد حتي ما يكتب عني في الصحافة وما أكثره، أما الثانية فهي أن أهاجم من أمامي هجوماً شديداً فأرد له الصاع صاعين، لكني لا أتخذ موقف الدفاع علي الاطلاق ولا أسمح لأحد أن يضعني في دائرة الاتهام علي عمل مهني أقوم به، فوجدت بعدما تأملت سريعاً في الأمر أن الموقف لا يحتمل سوي التجاهل، وأخيراً جاء رجل ممن كانوا يقفون في المقبرة نحوي وقال: لا ترد عليه يا أحمد واصبر فالناس مجروحة والرجل لا يعرفكم فأرجو أن تتحمل وأن تصبر ولا ترد عليه .
                كظمت غيظي وطلبت من حسان أن نتحرك بعيداً عن هذا الرجل الذي يؤذينا بالكلام، وذهبنا قرب مدخل المقبرة فوجدنا جمعاً كبيراً من الناس عند مسجد المقبرة جاؤوا بجنائز أخري عديدة، وما ان رآني الناس أحمل ميكروفون الجزيرة ومعي الكاميرا حتي تجمعوا حولي وأخذوا يتصايحون وهم غاضبون بشكل لم أستطع معه تمييز ماذا يريدون، لكني سمعت بعضهم يتهموننا بأننا لم نفعل شيئاً رغم أننا ننقل الصورة الي الناس منذ بداية الحصار، وكأننا المسؤولون عن رفع الحصار وايقاف القصف الأمريكي عنهم.
                وجدت الوضع مضطرباً بشكل كبير وكان لابد أن أغير تكتيكي في التعامل وأن أستخدم وسيلة الهجوم بعدما تكاثر الناس علينا، فلا بد أن أحمي نفسي وأحمي زميلي حسان المصور معي وأن أسعي للسيطرة علي الموقف بسرعة قبل أن يفلت الزمام وأجد منهم من يتهمنا أيضاً بالعمالة للأمريكيين أو يحاول ايذاءنا، فصعدت بسرعة علي درجات سلم جانبية كانت مرتفعة قليلاً عن الأرض يؤدي الي سلم مئذنة مسجد المقبرة، وصحت في الناس بصوت عال وغاضب وهم يتصايحون أن ينصتوا ويستمعوا الي، وبقيت أطلب منهم الهدوء حتي سكتوا فقلت لهم: أيها الناس رغم أني سمعت من بعضكم كلاماً مؤذياً الا أني أبلغكم أني لست خائفاً من أحد ولست عاتباً علي أحد فأنا أعيش معكم معاناتكم وأعرف أنكم جميعاً مجروحون، نحن هنا لننقل معاناتكم الي العالم ونحن نعيش بينكم نواجه ما تواجهون، فمصيرنا الآن ومصيركم واحد، لكن حالة الغضب هذه لن تساعدكم ولن تساعدنا علي نقل هذه المعاناة الي العالم، فاما أن تساعدوني وتتعاونوا معي أنا وزملائي واما أن أترككم وأذهب الي مكان آخر من المدينة، فالسكان كلهم يعانون ونحن تحت الخطر ننتقل بين أطراف المدينة وأحيائها كلما سمعنا عن قصف أو شهداء أو جرحي، فان لم تتعاونوا معي فسوف أذهب وقد أخليت مسؤوليتي أمام الله وأنتم الذين تعرقلون مهمتي، نحن لسنا مسؤولين عن صمت العالم علي الجريمة التي ترتكب بحقكم، لكن دورنا هو أن نوصل صوتكم الي العالم، واذا آذيتمونا أو لم تتعاونوا معنا لن تجدوا من ينقل معاناتكم غيرنا، فأرجو أن تتعاونوا معنا وأعدكم ببث كل ما تقولونه الي العالم عبر شاشة الجزيرة، فأنا هنا وزملائي من أجل هذه المهمة فلا تعرقلونا ولا تتهمونا بالباطل أو تتركوا بعض الناس يتهموننا وتقفون صامتين لا تدافعون عنا .
                شعرت بالارتياح بعد هذه الكلمة، وأصبح الناس طوع بناني بشكل لم أتوقعه وسمعت منهم تجاوباً وقبولاً واستحساناً، قلت لهم: اذن سأنزل الآن بينكم ومعي الميكروفون وزميلي سيصور بالكاميرا وأرجو أن تختاروا من بينكم من يتحدث باسمكم، حتي لا تكون هناك فوضي، لكني لن أنزل حتي تهدأوا وتحدِّدوا من الذي سوف يتكلم باسمكم، وأعدكم بنقل كل ما تريدون عبر شاشة الجزيرة الي العالم .
                هدأ الناس واختاروا شخصين للحديث، الأول كان من وجهاء الفلوجة واسمه الشيخ عبد الوهاب القيسي حيث وجه نداء من أهل المدينة الي العالم تحدث فيه عن الأوضاع المؤلمة التي وصلت اليها المدينة، وقد أبلغني المشاركون في الجنازة، أن هذه مقبرة قديمة ولم تعد تستخدم، لكنهم أعادوا فتح بعض القبور القديمة واضطروا لدفن الشهداء الجدد فيها بعدما بلغ عدد الشهداء في خلال اليومين الماضيين حوالي خمسين شهيداً بقي بعضهم يومين دون دفن بسبب عدم وجود مكان لدفنهم.

                تحت الحصار والقصف ونيران القناصة

                بقيت في المقبرة حوالي ساعة، ثم عدت مع حسان سيراً علي الأقدام الي بيت آل حديد في حي نزال حتي أبث الصور التي أخذناها من المقبرة والمناطق الشرقية للمدينة، والنداء الذي وجهه الشيخ عبد الوهاب القيسي، مع الصور التي جاء بها حامد من وسط المدينة والمنطقة الغربية والشمالية الغربية حيث حي الجولان المشتعل دائماً بالمواجهات والمعارك.
                وصلت الي بيت آل حديد مع وصول حامد، لكن الوضع كان قد أصبح أكثر خطورة في حي نزال، فقد كانت القوات الأمريكية تقوم بعملية اقتحام جديدة للمدينة ووصلت الي مسجد الخلفاء الراشدين وبدأت في التوغل باتجاه حي نزال عبر شارع السد الذي يقع فيه بيت آل حديد، لذلك سلكنا الطرق الخلفية الجانبية لبيت آل حديد لأن شارع السد في ذلك الوقت قريب الي حد بعيد من الاشتباكات. وصلت الي البيت في الوقت الذي كانت فيه نشرة أخبار الثانية عشرة ظهراً تقريباً علي وشك البث وكان يقدمها الزميل بسام القادري، وشاركت مباشرة في النشرة في الوقت الذي تصاعدت فيه الاشتباكات خلال لحظات وأصبحت علي أشدها من فوقنا ومن تحتنا ومن حولنا حتي ان القوات الأمريكية وصلت الي المدخل الرئيسي لبيت حامد وسمعت الجنود وهم يصيحون ويطاردون بعض رجال المقاومة، كما كانت الطائرات المروحية تقوم بعمليات قصف وتمشيط للمنطقة كجزء من الهجوم البري الذي بدأت الفرقة القتالية الأولي للمارينز بقيادة العقيد جون تولانز تقوم بتنفيذه.
                وعلي الهواء مرت الصواريخ من فوق رأسي أكثر من مرة أثناء البث المباشر، أحدها مر تماماً من فوق رأسي محدثاً انفجاراً هائلاً واضطررت أن أقفز من علي المنصة الخشبية التي كنت أقف عليها وأنا أبحث عن ملجأ، فقد شعرت بأن الصاروخ الذي مر تماماً من فوق رأسي كأنه انتزع قلبي، فانبطحت علي الأرض بسرعة وكذلك فعل كل الزملاء وقد بقيت جالساً علي الأرض أكمل التقرير من شدة القصف حولنا، ولم ينقطع البث حيث كان معي زميلي بسام القادري مقدم النشرة يتابع معي.
                أما ليث فقد كان بطلاً بعدما اهتزت الكاميرا من يده انتزعها من علي الحامل بسرعة واستعاد السيطرة عليها بالتصوير متماسكاً قدر المستطاع، بينما كانت الطائرات المروحية تحوم فوق رؤوسنا وتقصف حولنا، وتصوب نيرانها إلي بعض المنازل بينما كان رجال المقاومة يطلقون الصواريخ والقذائف تجاه الطائرات، معركة مرعبة بكل المقاييس، وكانت علي الهواء مباشرة.

                الاستراتيجية العسكرية للقوات الأمريكية

                لاحظنا أن القوات الأمريكية بدأت بالتوغل في شارع السد حيث نقيم وأصبح الجنود يفتشون البيوت بشكل انتقائي، وتوقعنا أن يطرقوا الباب علينا في أي لحظة إلا أنهم لم يفعلوا، وقام ليث متخفياً بتصوير الآليات والجنود من بين فتحات سور السطح وكانت صوراً مميزة انفردت بها الجزيرة أيضاً، وقد ذكر الناطق باسم الجيش الأمريكي في تصريحات نقلتها الوكالات في هذا اليوم: إن الدبابات والمدرعات الأمريكية دخلت المنطقة الصناعية جنوب الفلوجة تساندها مروحيات كوبرا وطائرات آي سي 130 ، وأوضح أن ألفين من مشاة البحرية يشاركون في الهجوم، وأكد أن قوات المارينز تمكنت من السيطرة علي المنطقة بعد اشتباكات استمرت ست ساعات تعرضت خلالها لإطلاق نار من رشاشات وقذائف هاون من قبل مقاتلين تمركزوا علي سطوح المباني .
                ولنا أن نتخيل أن الذين قاموا بالهجوم من هذه الجهة فقط ألفا جندي من المارينز، فكم كان عدد الذين يحيطون بالفلوجة؟ أو الذين كانوا يهاجمون المناطق الأخري مثل حي الجولان الذي كان القتال حوله أكثر شراسة، وفشلت القوات الأمريكية في احتلاله، وقد قدرت بعض المصادر عدد القوات الأمريكية التي حاصرت الفلوجة ولم تستطع دخولها آنذاك بحوالي أحد عشر ألف جندي أمريكي هذا خلاف الذين شاركوا من قوات الحرس الوطني، أو الجيش العراقي الجديد، وقد أدلي الكابتن ساليفان الضابط في الكتيبة الأولي التي كانت تقوم بالهجوم بتصريحات للوكالات في هذا اليوم قال فيها: إن الهدف من العملية اعتقال المتمردين والإرهابيين ، هذه الأعداد من الجنود تنفي ما ذكره بريمر في مذكراته بأن الجنود الذين قاموا بحصار المدينة كانوا 1300.
                كنا نراقب القوات الأمريكية وهي تتحرك في شارع السد متجهة إلي حي نزال، وبعد قليل قاموا بقصف مخزن لإطارات السيارات مواجه لبيت آل حديد فاشتعلت فيه النيران وقمنا بتصويره بسهولة كبيرة من علي سطح البيت، وأرسلنا الصور إلي الجزيرة حيث تم بثها واستخدامها في نشرات الأخبار، ولاحظنا أن القوات تقدمت بالآليات والمدرعات من الطريق العام ودخلت حتي وسط المدينة، لكن المقاومة كانت تلاحقها، ويبدو أنهم قرروا أن يحققوا هذه المرَّة تقدُّماً أكثر من الأيام السابقة، فتقدموا علي محوري الحي الصناعي وحي نزال حيث كنا نقيم، وبالتالي أصبحنا في هذا اليوم الأربعاء 7 نيسان (ابريل) لا نستطيع استخدام شارع السد الذي يوجد فيه الباب الرئيسي لبيت آل حديد.
                وبينما كان حامد يتحدث بصوت عال من الهاتف يجمع معلومات عن التحركات الأمريكية في بعض الأماكن وأنا كنت أتحدث كذلك علي الهاتف بصوت عال مع الزملاء في الدوحة، كنا مثل خلية النحل، فجأة نزل إلينا ليث من غرفة السطح يسيطر عليه الخوف والهلع وهو يصيح: يا قوم.. أخفضوا أصواتكم القوات الأمريكية تحاصرنا .
                سكتنا جميعا ولفنا صمت رهيب، ما هذا!! القوات الأمريكية تحاصرنا؟ بعد ذلك قلنا له: كيف؟ قال: إنهم في المبني المواجه لنا، يقومون بهدم الشبابيك ويضعون أكياس الرمال حيث يتمترس القناصة خلفها .
                من ناحيتي كنت أتوقع أن يتقدم الجنود الأمريكيون مثل أمس الثلاثاء ثم يتراجعون مرة أخري تحت ضربات المقاومة، لكنهم في هذه المرة تقدموا بكثافة إذ كانوا أكثر من ألفي جندي حسب تصريح الناطق العسكري الأمريكي، وقرروا أن يتخذوا مواقع متقدمة، وكان في مواجهة بيت حامد في جهة الحي الصناعي مصنع، وبجواره فندق مرتفع عادة ما يقيم فيه العمال الذين يعملون في المنطقة الصناعية من غير أهل الفلوجة، يصل ارتفاعه إلي أربعة طوابق، وكان ارتفاعه يشكل لنا مشكلة دائمة أثناء تصوير الطائرات من علي السطح وهي تحوم إذ كان يحجبها حينما تكون خلفه.
                ولأن بيوت الفلوجة كلها منخفضة لا تزيد عن طابقين فكان هذا المبني المرتفع يمثل قيمة كبيرة للقناصة الأمريكيين يستطيعون من خلاله منع الحركة في حي كامل، وهذا ما حدث بالفعل، فقد اتخذوا من أسطح المبني وغرفه مكامن للقنص، وكان عدد القناصة المتواجدين فيه كبيراً وقد استطعت عدة مرات أن أراهم، بل وتمكن ليث من تصويرهم وقمنا ببث الصور علي شاشة الجزيرة، حيث كان كل قناص معه مرافق عادة ما يكون محدد الأهداف الذي يقدر له المسافة وسرعة الرياح والمعلومات الأخري الخاصة بالأهداف المراد قنصها، وكان استخدام القناصة بهذه الكثافة بداية لتغير الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في الفلوجة حيث أصبح كل من يتحرك طفلاً أو شيخاً أو امرأة أو رجلاً هدفاً للقناصة، وأصبحوا يعتمدون علي القناصة منذ ذلك اليوم بشكل كبير. وقد علمت بعد ذلك أن المقاومة قامت بنسف هذا الفندق وتسويته بالأرض بعدما أصبح القناصة الأمريكيون يقيمون فيه بشكل دائم حتي بعد انتهاء معركة الفلوجة الثانية.
                أيضاً بدأ الأمريكيون في الاعتماد علي الطائرات المقاتلة من طراز إف 16 بعدما نجحت المقاومة في إسقاط عدد كبير من الطائرات المروحية، كما أعلنت المقاومة في ذلك اليوم عن تدمير 12 مدرعة وسيارتي جيب، إضافة إلي ثلاث طائرات مروحية إحداها كانت في حي الجولان.
                هذا الوضع المتردي للقوات الأمريكية جعل وزارة الدفاع الأمريكية ـ كما نشرت في هذا اليوم صحيفة يو اس إيه توداي كبري الصحف الأمريكية وأوسعها انتشاراً ـ تقوم بإلغاء كل العطل والإجازات لقوات الاحتلال الأمريكية في العراق بما فيها إجازات كانت مقررة لأربعة وعشرين ألف جندي. كما أكدت صحيفة نيويورك تايمز أن قيادة القوات الأمريكية في العراق بدأت في وضع خطط من أجل استقدام مزيد من القوات الأمريكية إلي العراق بعد الأحداث الأخيرة.
                ولم تكن الهزيمة التي لاحقت الأمريكيين في ذلك الوقت في خسائرهم المباشرة فقط، بل إن القوات العراقية التي كان من المفترض أن تدعمهم تخلت عنهم وفرَّ كثير من رجالها، وقد عبر عن ذلك الحاكم الأمريكي للعراق آنذاك بول بريمر بنفسه فقال في الصفحة 411 من مذكراته عام قضيته في العراق : وفيما تقدم المارينز إلي أعماق المدينة ـ الفلوجة ـ كانت الشرطة العراقية أو قوات الدفاع المدني التي تساندهم من الخلف تهجر مواقعها أو تنتقل إلي الجانب الآخر، وقد أمسك بقائد الشرطة المحلية وهو يتعامل مع المتمردين، وأثبت جنود الدفاع المدني العراقيون أنهم عديمو الفائدة وفقاً لضابط كبير في المارينز، وقد فر نحو نصف الكتيبة الأولي للجيش العراقي الجديد وهم في طريقهم إلي الفلوجة، وتغيب عن العمل في يوم الثلاثاء 6 نيسان (ابريل) نحو ثلث قوة الدفاع المدني في بغداد المكونة من خمس كتائب، وبلغت نسبة التغيب في الكتائب المجندة من مدينة الصدر %80 ، كما تغيب رجال الشرطة العراقيون في كل أنحاء الجنوب أو كانوا سلبيين .
                هكذا كان الوضع متردياً للقوات الأمريكية في كل الاتجاهات حسب شهادة بريمر.

                قصف مسجد عبد العزيز السامرائي

                كانت أصوات التكبير تنطلق من مساجد الفلوجة طوال الوقت، وكانت دعوات الناس للصبر والجهاد لا تتوقف، وكان يمكن أن يقوم بذلك شخص واحد داخل كل مسجد إلا أن انطلاق التكبير من عشرات المآذن في وقت واحد ربما سبب إرهاباً وخوفاً وهلعاً ورعباً شديداً للقوات الأمريكية، وجعلها تتخيل أن المساجد مليئة برجال المقاومة الذين يحضون الناس علي القتال.
                وسعياً منها لإسكات هذه المآذن قامت بالهجوم والاعتداء علي بعض المساجد مدعية أن رجال المقاومة يتحصنون بها. فبعد توغلهم داخل المدينة يوم الأربعاء 7 نيسان (ابريل) صعد القناصة علي مآذن مسجد الخلفاء الراشدين المرتفعة واتخذوا منها مواقع لقنص السكان في حي الضباط وحي نزال والحي العسكري، واتصل بنا أحد سكان حي الضباط وقال إن قناصاً أمريكياً فوق مئذنة مسجد الخلفاء الراشدين قنص ابنه البالغ من العمر ثمانية عشر عاماً فأرداه قتيلاً.
                كما بدأت تصلنا تقارير من المستشفي الميداني وملحقاتها تفيد بأن عدد الذين يصلون إلي المستشفي شهداء وجرحي جراء إصابتهم برصاص القناصة الأمريكيين في ازدياد وأن من بينهم أطفالاً ونساء وعجائز، حتي إني رأيت في المستشفي بعد ذلك شيخاً في الخامسة والسبعين من عمره مصاباً بنيران القناصة، وكذلك بعض الأطفال، وقمنا ببث صورهم جميعاً بعد ذلك. وأبلغنا مرافق لأحد الجرحي في المستشفي الميداني وسجلنا إفادته وقمنا ببثها في نشرات الأخبار، أن القناصة قتلوا طفلين من إخوته وأصابوا والده.
                في نفس الوقت قامت القوات الأمريكية بالهجوم علي مسجد عبد العزيز السامرائي في حي نزال حيث يوجد مقر هيئة علماء المسلمين، ولم نكن نحن بعيدين عن المسجد إلا عدة مئات من الأمتار، فقبل أن يقتحموه قاموا أولاً بقصفه بالصواريخ، وقد اعترف الليفتنانت كولونيل برينان بايرن الناطق باسم الجيش الأمريكي في بغداد بهذا وقال للصحافيين: إن طائرة أمريكية من طراز كوبرا قامت بقصف مسجد عبد العزيز السامرائي في مدينة الفلوجة للقضاء علي المتحصنين بداخله . فيما قال ناطق آخر إن طائرة من طراز إف 16 ألقت علي المسجد صاروخاً وقنبلتين وزن كل منهما 225 كيلو غراماً موجهة بالليزر. وأضاف المتحدث: إن أكثر من أربعين ممن سماهم الأشرار قتلوا داخل المسجد. وقال الناطق الأمريكي: لقد بتنا نسيطر علي %25 من المدينة بعد ثلاثة أيام من القتال الضاري . وأكدت القيادة العسكرية الأمريكية أنهم قرروا أن يقصفوا المسجد بعدما جرح خمسة من عناصر المارينز برصاص مسلحين متحصنين في داخله، وأكد علي هذا الكابتن في مشاة البحرية بروس فريم في تصريحات أدلي بها من المقر العام للقيادة العسكرية الأمريكية في تامبا في ولاية فلوريدا في الولايات المتحدة: بحسب المعلومات الأولية التي تلقيناها، أصيب خمسة من المارينز بإطلاق نار مصدره المسجد مما أدي إلي قصفه بالطائرات .

                القصف بطائرات إف 16

                في هذا اليوم بدأت الطائرات المروحية، تختفي من سماء المدينة وتظهر الطائرات المقاتلة من طراز إف 16. وبعدما تمكن زميلنا حسين دلي من تصويرها وهي تقصف حي الجولان وقمنا ببث الصور اعترف الناطق العسكري الأمريكي باستخدام طائرات إف 16 ، فمن الصعب أن تتمكن المقاومة من اصطياد تلك الطائرات التي تملك هامشاً كبيراً من المناورة، وحجماً هائلاً من النيران والتدمير من ارتفاع شاهق. وكان استخدام الطائرات المقاتلة في ضرب مناطق مدنية يعني أيضاً تحقيق حجم هائل من الدمار والخراب والضحايا في نفس الوقت.
                وبالفعل لم ينته هذا اليوم إلا وقد كان هناك ما يزيد علي مئة وخمسين من سكان الفلوجة قد سقطوا بين قتيل وجريح معظمهم من النساء والأطفال، علاوة علي تدمير عدد كبير من المنازل في أحياء الجولان والضباط والعسكري والمعلمين ونزال والصناعي. وأذكر أن حسين دلي حينما أبلغنا هاتفياً أنه تمكن من تصوير طائرات إف 16 وهي تقصف حي الجولان بكاميرته الصغيرة، طلبت منه أن يأتي فوراً بالصور التي مثلت إدانة كبيرة للقوات الأمريكية، وأجبرتهم بعد بثها علي الاعتراف بأنهم أدخلوا طائرات إف 16 ساحة المعركة بدلاً من الطائرات المروحية. لكن حسيناً تأخر وحينما اتصلنا به مرة أخري قال لنا: إنه ليس بعيداً عنا ربما لا يبعد عنا أكثر من مئة متر لكن القناصة يقطعون الطريق ويطلقون النار علي كل من يتحرك باتجاهنا، وهناك شارع يقع تحت نيران القناصة لا بد أن يعبره حتي يصل إلينا، لذا فإنه يكمن في أحد التقاطعات وسوف ينتهز الفرصة ويهرب من نيران القناصة ليكمل طريقه إلينا أو يبقي حتي يرخي الليل سدوله ويعبر الشارع في الليل. طلبت منه أن يكون حذراً وأن يبقي كامناً إلي الليل إن كان مجيئه الآن يشكل خطراً علي حياته، لكنه لم يبق إلي الليل وانتهز أول فرصة للإفلات من نيران القناصة وأفلت منهم، وحينما جاء عانقته بحرارة وقلت له جملة ذكرني بها بعد ثلاث سنوات، قال لي: لم أنس حينما أحضرت صور طائرات إف 16 حينما عانقتني وقلت لي: أنت بطل بحق يا حسين، أنت بطل . وقد كان حسين كذلك بالفعل ومثله معظم الزملاء، وقدمت لحسين مفاجأة أخري فقلت له: لا بد أن تشارك أنت في البث المباشر القادم، وتروي للمشاهدين ما قامت به الطائرات المقاتلة في تدمير مساكن المدنيين وقتلهم، فأنت الذي قمت بالتصوير وعايشت المعركة .
                شعر حسين بالمفاجأة والارتباك إلي حد بعيد وقال: لم أظهر قط أمام الكاميرا علي الهواء . قلت له: ستظهر اليوم، إذا كنت لم تخف من طائرات إف 16 هل تخاف من الكاميرا ؟ جرَّأته وأصبح مستعداً، لكن للأسف كان هناك بث من واشنطن، فتأجل البث من الفلوجة في تلك النشرة، وعاد حسين إلي وسط المدينة مرة أخري حتي يقوم بتصوير الشهداء والجرحي الذين وصلوا إلي المستشفي، وقد قام بتغطيات كثيرة بعد ذلك لا سيما في فترة الحرب الثانية علي الفلوجة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2004 .
                وأذكر أيضاً أنه كانت بين تلك الصور المميزة التي قمنا ببثها في هذا اليوم صور التقطها حسين لبعض رجال المقاومة في حي الجولان، حيث كانوا يطلقون نيران أسلحتهم علي القوات الأمريكية التي كانت ترابط في الجهة المقابلة من نهر الفرات وكذلك علي الطائرات الأمريكية المهاجمة.
                وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

                تعليق


                • #9
                  رد: احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق 10

                  احمد منصور يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق (10)
                  2004/4/9 . أكثر الأيام دموية وألما في حياة أطفال الفلوجة
                  امريكا تستهدف قناة الجزيرة باعتبارها احد أسباب استمرار القتال
                  03/10/2007

                  يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. و نشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .


                  كان يوم الجمعة الدامي التاسع من نيسان (ابريل) 2004 من أكثر الأيام دموية وألماً في حياة أطفال الفلوجة، كانت الصورة الأولي التي آلمتني هي صور الأطفال الصغار الذين خرجوا مع عائلاتهم في جموع كبيرة يرفعون الاعلام البيضاء يطلبون الأمن والأمان ليخرجوا من المدينة عبر صحراء النعيمية، ثم رأيت أشلاء بعضهم بعد ذلك وقد جاءت بها سيارات الإسعاف إلي المستشفي بعدما قصفتهم الطائرات الأمريكية وهم يحاولون عبور الطريق المكشوف سيراً علي الأقدام لكن الموت الذي هربوا منه عاجلهم في طريق الهروب.

                  صورة الألم

                  أما الصورة الأكثر ألماً والتي مزقتني فقد كانت لعائلة تتكون من جدة عجوز مسنة ومعها زوجة ابنها وأحفادها، كانت تقف علي جانب الطريق في الزحام تبحث عن سيارة تنقلها وأحفادها إلي خارج المدينة، لكن كل السيارات كانت ممتلئة والزحام علي أشده ولا يقوي علي الحصول علي مكان في سيارة من تلك السيارات المكشوفة النقل ونصف النقل إلا الأقوياء من الناس، والمرأة كانت هرمة، ناديت ليثاً أن يقوم بتصوير تلك العائلة، لكن ليثاً لم يقم بتصويرهم فحسب بل تعاطف معهم، وحينما جاءت سيارة نقل وتزاحم عليها الناس رق قلبه فقام بمساعدة هذه العجوز وأحفادها حتي تركب علي ظهر سيارة النقل مع عشرات من النساء والأطفال والعجائز الذين كانوا يفرون من الموت، وانطلقت السيارة مع عشرات السيارات الأخري في اتجاه النعيمية للخروج من دائرة الموت في الفلوجة، لكن صورة هذه المرأة التي ترك كل يوم عاشته في الحياة أثراً علي وجهها لم أنسه. انشغلت بعد ذلك في الأهوال التي كانت تحيط بي لكني بعد ما يقرب من ساعتين رأيت سيارة ميكروباص سوداء لا زلت أذكر لونها جاءت مسرعة إلي المستشفي وكنت وقتها علي الهواء مباشرة مع الجزيرة ولكن عبر الهاتف، لأننا لم نكن قد تمكنا من تشغيل جهاز البث بعد، وكنت أصف للمشاهدين عبر الهاتف بعضاً مما يدور حولنا من أهوال، وحينما جاءت هذه السيارة مسرعة أدركت أن فيها بعض المصابين، فناديت ليثاً أن يأتي مسرعاً لتصوير من فيها، وقمت أنا بفتح الباب الأوسط للسيارة الميكروباص بمجرد وقوفها حتي يقوم ليث بالتصوير قبل أن يزدحم الناس وأنا أتوقع أنها كانت تحمل بعض الجرحي؛ لكني صرخت من هول ما رأيت يا ألله.... يا ألله... رحمتك يا ألله ، لقد كانت جثة المرأة العجوز وأحفادها الصغار أشلاء متكدسة فوق بعضها داخل السيارة، إنها العجوز....إنها هي التي ساعدها ليث قبل ساعتين حتي تهرب من الموت مع أحفادها، لكن الموت كان بانتظارهم هناك عند مخرج المدينة، فقد قصفتهم الطائرات الأمريكية عند مخرج النعيمية، لكن وجه واحدة من الأطفال كان مغطي بعضه بالدماء الممزوج بالتراب جعلني أصرخ وأبكي كما أبكي الآن وأنا أسطر هذه السطور ألماً من هذه الصورة المؤلمة والمرعبة التي أجدها دائماً في مخيلتي، وأبكي كلما تذكرتها.
                  تجمع الناس ومن هول ما رأوا أخذوا يهتفون بعبارات سمعها الجميع عبر شاشة الجزيرة علي الهواء مباشرة من خلال الهاتف الذي كان في يدي لا إله إلا الله.... أمريكا عدو الله . وكان معي الزميل محمد كريشان علي الهاتف الذي سمعته وأنا أشاهد شريط البث بعد ذلك، وهو يقول لي: هل تسمعني يا أحمد ؟ ثم علَّق: يبدو أن أحمد ترك الميكروفون للمتظاهرين حوله .
                  لقد كنت أبكي من هول ما رأيت وما كنت أريد أن يسمع أحد صوتي، لم أحتمل المشهد الذي كان مؤلماً لا سيما الأطفال وأشلاءهم الممزقة، وأتحدَّي أن يحتمل أي شخص لديه ذرَّة من الإنسانية أن يري مثل ذاك المشهد ولا يبكي، بل رأيت بعض الرجال ممن ساعدوا في إنزال الجثث من السيارة يصرخون من الألم.
                  كنت أريد أن ألملم شتات نفسي سريعاً حيث كنت علي الهواء، فقد كان المشهد مريعاً وبشعاً ومخيفاً ومؤلماً، لا سيما وأن أغلب الضحايا كانوا من الأطفال، علاوة علي العجوز التي لا زلت أذكر شيئاً من ملامح وجهها الذي تركت الأيام التي عاشتها خطوطها وآثارها عليه، حيث اننا ساعدناها حتي تهرب من الموت لكنها كانت في طريقها إليه هي وأحفادها دون أن تدري، وأنا أتعجب دائماً كيف أن بعض المشاهد في حياتنا رغم أن عمرها الزمني لا يكون إلا ثواني لكنها تبقي في مخيلتنا باقي العمر ولا تزول، وكلما تراءت لنا تتراءي لنا بكل الظروف والملابسات والملامح المحيطة بها.

                  جراحات علي الطرقات

                  في هذا اليوم... الجمعة الدامي 9 نيسان (ابريل) 2004 حينما رأيت عند المستشفي هذه الطفلة التي كانت تبكي وهي حائرة ضائعة تبحث عن أهلها وكان الناس كلهم ضائعين في تلك اللحظات... رأيت صورة ابنتي رهام في وجهها، وأنا الغريب لا أدري ماذا أفعل لها. كانت تنادي أمها، ولا أدري أين كانت أمها في هذه المتاهة والضياع، صرخت بأعلي صوتي علي ليث وحسين كاميرا... كاميرا حتي يسمع صوتي أحدهم فيأتي ليصورها بوجهها المذعور ولهفتها وضياعها وبكائها، ولكن أي كاميرا؟ أمسكت الطفلة بيدي وأنا أحاول أن أهدئها وأذهب بعض الخوف عنها، ثم قلت لأحد المسعفين: أرجو أن تأخذها وتساعدها للبحث عن أهلها. فأخذها واختفت عن عيني، لكني شعرت أنها أخذت جانباً من نفسي، حتي إني بقيت طوال اليوم أفكر فيها هل وجدت أهلها؟ وهل لا زالت حية أم حصدها الموت مع من حصد في ذلك اليوم؟
                  أما المستشفي فكلما دخلت إليها أفزعتني مشاهد الأطفال الذين لم يكونوا يكفون عن الصراخ، وقد رأيت الأطباء يجرون لبعضهم العمليات الجراحية لإنقاذ حياتهم هكذا في الطرقات، لأن المستشفي كانت عبارة عن عيادة غير مجهَّزة علي الإطلاق لمثل هذه الحالات، وكانت رائحة الجروح والدماء والموت تغطي المكان كله، وفي هذه الأجواء كثيراً ما كنت أبحث عن مكان لا يراني فيه أحد، لا أفعل فيه شيئاً سوي أن أجهش بالبكاء من هول ما كنت أري، ربما يذهب البكاء شيئاً من الصراخ والألم الذي كان يعتصرني، ثم أجفِّف دمعي الذي كان يأخذ معه بعض الضغوط والآلام التي كانت تمزق كياني وأحاول العودة لطبيعتي حتي أمارس عملي، فأنا في النهاية يجب أن أكون رابط الجأش رغم كل ما أري، حتي أستطيع أن أواصل نقل مآسي أهل الفلوجة إلي العالم من جديد.
                  بقيت أعاني مع الأطفال طوال أيامي في الفلوجة من أول لحظة إلي آخر لحظة، فقبل منتصف الليل في تلك الليلة وقبل أن أذهب لأرتاح قليلاً مررت بالمستشفي فسألتهم إن كانت هناك حالات جديدة، فقالوا هذه عائلة من ثلاثة أجيال جد وعم وطفل، فأبي اليوم أن ينتهي دون أن أعيش مع أطفال الفلوجة معاناتهم منذ أن أصبحت إلي أن أمسيت.
                  وفي اليوم التالي العاشر من نيسان (ابريل) وفي آخر زيارة لي إلي المستشفي كان هناك العديد من الشهداء والجرحي الجدد من الأطفال، وقد رأيت وجه طفلة شهيدة كانت مغطاة وينتظرون تكفينها حتي يذهبوا بها إلي المقبرة، لذلك فإن حجم المعاناة النفسية التي كنت أعانيها من خلال معاناة أطفال الفلوجة كانت كبيرة، ويكفي أن تتخيل للحظة واحدة أن هذا الطفل الذي يعاني هو ابنك أو ابنتك حتي تدرك كم كانت المحنة أليمة.

                  سينما الواقع

                  بعدما أخذ المسعف تلك الطفلة التي رأيت فيها وجه صغيرتي رهام ليساعدها في البحث عن أهلها، شعرت أني لو تركت نفسي لما أري وأشاهد فسوف أفقد السيطرة علي نفسي ثم علي ما حولي، ورغم أني شاهدت مآسي كثيرة في تغطيتي للحروب في أفغانستان والبوسنة والهرسك من قبل، إلا أن ما شاهدته في الفلوجة كان له طابع خاص لا سيما في يوم الجمعة الدامي، وضعت رأسي بين يدي حتي أستطيع أن أهديء من روعي وأجمع شتات نفسي وأقود فريق العمل بشكل أفضل، لا سيما وأنه كان أمامي يوم طويل مليء بالعناء وبحاجة إلي حسن التخطيط والإدارة حتي نستطيع أن ننقل هذا الواقع المؤلم إلي الناس.
                  قلت لليث وحسان: أرجو أن تحاولا تصوير كل ما تستطيعان من هذه المشاهد أما أنا فسوف أذهب مع حامد للبحث عن مكان يمكن أن يقوم فيه سيف بوضع جهاز البث لأننا يجب أن نرسل هذه الصور فوراً إلي الدوحة.
                  فجأة تلفّتّ حولي فلم أجد حقيبة يدي ولا حقيبة ملابسي، وكان في حقيبة يدي كل ما أحتاجه، علاوة علي جهاز الكومبيوتر والكاميرا الصغيرة، ولا أدري أين ذهبت في الزحام كما أن أغراضنا التي كنا وضعناها إلي جوار أحد الحوائط لا أدري أين ذهبت هي الأخري.
                  قلت لحامد الذي كان يحاول مع المهندس سيف البحث عن مكان لوضع جهاز البث: لا أجد حقيبتي ولا أدري أين ذهبت، لقد كانت في يدي. لكني في تلك اللحظات التي عشنا فيها الأهوال الأولي للموقف شعرت أن تركيزي كان مشتتاً ورغم أن هذا الأمر لم يستغرق سوي لحظات جمعت بعدها شتات نفسي إلا أن هذه اللحظات نفسها هي التي ضاعت فيها الحقيبة.
                  وبينما كنت أتكلم مع حامد وجدت شخصاً يرتدي ملابس المسعفين يقول لي: حينما وجدتك مشغولاً بعملك، أنا أخذت حقيبتك وحفظتها لك في هذا المبني في مقر الحزب الإسلامي . قلت له: أرجو أن تأتي معي لإحضارها فأنا أريد بعض الأغراض منها . كان المبني عبارة عن سينما يفصل بينها وبين المستشفي الميداني قطعة أرض فضاء كان بها سيارة الإسعاف التي قصفتها القوات الأمريكية في حي نزال، وكان بها بعض المساعدات التي جاء بها الهلال الأحمر. لكني حينما دخلت إلي مقر الحزب الإسلامي الذي كان عبارة عن سينما في السابق هالني ما رأيت، لقد كان هناك عشرات الجرحي ممدَّدين علي أسرَّة موضوعة علي المسرح وفي الأرضيات، ورائحة الجروح والدماء تغالبها رائحة المواد المطهرة تزكم الأنوف، فالمكان غير صحي علي الإطلاق وقد كانوا يتغلبون علي ذلك بالمواد المطهرة، كما أن المستشفي الميداني ضاق بالجرحي ولا يعرفون أين يذهبون بهم، فكان هذا امتداداً للمستشفي الميداني.
                  تأكدت بعد ذلك من وجود الحقيبة ثم تركتها هناك في إحدي المكاتب فأنا لا أستطيع حملها طوال الوقت وأريد أن أتفرغ لوضع استراتيجية عمل للفريق في هذا اليوم العصيب.

                  مشاكل الميدان

                  بدأت بعد ذلك أدرك بعضاً مما حولي، وأرسم خريطة ذهنية للمكان، فقد كان هناك بعض الباصات وسيارات الإسعاف التي تمكنت من دخول المدينة أمس الخميس 8 نيسان (ابريل)، وأبلغني الدكتور رافع العيساوي مدير المستشفي أن كثيراً من الحالات الحرجة من الجرحي لا سيما إصابات الرأس تم نقلها أمس إلي بغداد وحالات أخري نقلت في الصباح الباكر علاوة علي حالات يتم تجهيزها الآن حتي يتم نقلها.
                  تدارست الأمور مع الزملاء واتفقنا أن أفضل مكان نعمل من خلاله هو تواجدنا هنا إلي جوار المستشفي الميداني، فهو يقع في قلب المدينة تقريباً، ويعتبر أهم مصدر للأخبار والمعلومات، علاوة علي أننا بحاجة إلي مكان فيه كهرباء من أجل عمل جهاز البث، مع احتمالات نقص البنزين أو تعطل مولد الكهرباء.
                  تكلمنا مع الدكتور رافع العيساوي أن نضع جهاز البث فوق المستشفي فلم يمانع، وبدأ سيف يعد الجهاز للعمل، بينما اجتمعت بالزملاء في جانب من ساحة المكان ووضعنا استراتيجية سريعة للعمل بعدما انضم إلينا عبد العظيم وحسين دلي، يقوم خلالها عبد العظيم وحسين دلي بالتحرك حيث تتحرك سيارات الإسعاف التي تتوجه إلي أماكن القصف فيقومون بتصويرها وجمع معلومات من تلك الأماكن، وعمل تقارير إخبارية للبث علي مدار اليوم عن الأحداث، فنكون بذلك علي اطلاع وثيق بكل أماكن المدينة التي تتعرض للقصف، ونعد أكثر من تقرير يبث مع التغطية المباشرة.
                  أما حامد فيكون هو منسق فريق العمل بيننا وبين الدوحة، إلي جانب قيامه بجمع المعلومات من فريق العمل الذي يتعاون معنا في كل مناطق الأنبار كما كنا نعمل في الأيام السابقة، علاوة علي الذين يتعاونون معنا من أطراف المدينة وبعض أماكن قضاء الفلوجة والذين نجحنا في ترتيب علاقات معهم خلال الأيام الماضية. ويقوم الجميع بإمدادي بكل هذه المعلومات التي أضيف إليها المعلومات التي كان عليَّ جمعها من المستشفي سواء من الأطباء أو الجرحي أو الفرق الطبية المساعدة أو فرق الإغاثة التي جاءت للمستشفي، حيث كان عليَّ أن أطوف علي كل هؤلاء وأن أحصل علي كل ما هو جديد، وقد فرض عليَّ هذا الأمر البقاء بين الأطباء والجرحي وجثث الشهداء التي كانت تأتي إلي المستشفي لجمع المعلومات منهم طوال الفترات التي لا أكون فيها علي الهواء، ثم أقوم بتنسيق وترتيب كل هذه المعلومات للبث المباشر الذي كان من المفترض أن نشارك فيه بمجرد تركيب وتشغيل جهاز البث.
                  وعلاوة علي ذلك رتبت مع حامد أن نقوم باستضافة بعض وجهاء المدينة والمسؤولين عن العمل الإغاثي فيها إن استطعنا.
                  أما ليث وحسان فيقومان بعملهما في التصوير، أما أبو عمر السائق فقلت له أن يكون مساعداً لكل من المهندس سيف والمصورين ليث وحسان، وأبلغت الزملاء في غرفة الأخبار في الدوحة أن منسق الفريق هو حامد وعليهم أن يتصلوا به إذا احتاجوا شيئاً وليس بأي شخص آخر حتي يكون العمل منظماً ويتلقي الفريق أوامر العمل من جهة واحدة، وانطلق كل منا ليقوم بعمله انتظاراً لإعداد الجهاز للبث.
                  دخلت إلي المستشفي لأجمع المعلومات من الأطباء والجرحي وعائلات الشهداء، وانطلق عبد العظيم وحسين دلي لتصوير المناطق المنكوبة حينما تذهب سيارات الإسعاف إليها، وأخذ حامد يجمع معلوماته، وسيف يرتب الجهاز للبث... لكن المشكلة وقعت، فجهاز البث لم يعمل.
                  اتصل الزملاء من الدوحة عدة مرات حتي أشارك في التغطية المباشرة والخاصة التي أعدتها قناة الجزيرة في ذلك اليوم التاسع من نيسان (ابريل) 2004 بمناسبة الذكري الأولي لاحتلال العراق والتي بدأت في التاسعة صباحاً، لكن جهاز البث لم يكن يعمل، وكنت حريصاً علي ألا يعمل سيف في أي جو من التوتر، فلم يكن الجهاز يرسل أي إشارة للدوحة علي الإطلاق، وبقي سيف ما يقرب من ثلاث ساعات يحاول تشغيل الجهاز دون جدوي.
                  في هذه الأثناء شاركت عبر الهاتف عدة مرات مع الزميل محمد كريشان الذي كان في بغداد، ومع عبد القادر عياض أيضاً الذي كان يشارك كريشان من بغداد، وأعتقد أن المشاركة الأولي كانت في نشرة التاسعة صباحاً من الدوحة، وقد أعطيت في هذه المداخلات وصفاً لأهوال الصباح في هذا اليوم ورغم محاولاتي التعبير بالوصف عما كان يحدث، إلا أن الصورة كانت أبلغ مئات المرات من أي تعبير وصفي.
                  في النهاية قال سيف: الجهاز لن يعمل من هنا يا أحمد فالمكان منخفض للغاية، ويجب أن يكون الجهاز في مكان مرتفع وغير محاط بمبان مرتفعة مثل هذا المبني الذي كان أمام المستشفي الميداني.
                  كانت العيادة الشعبية التي كان يقع فيها المستشفي الميداني عبارة عن مبني من طابق واحد وفي مكان منخفض، وكانت أمامه عمارة مكوَّنة من ثلاثة طوابق كانت أعلي المباني في المنطقة وكانت عبارة عن عيادات طبية خاصة، فقال ليث وهو يشير إليها: هذا هو أفضل مكان يعمل من فوقه جهاز البث. قلت له: جيد ولكن أين صاحبها حتي نستأذن منه، إننا في النهاية يجب أن نصعد علي سطحها لنضع عليها الأجهزة. قلت لحامد: أنت من أهل المدينة وعليك أن تبحث لنا عن صاحبها وتستأذنه حتي يسمح لنا. أخذ حامد يسأل بعض الناس لكن الناس كانت ضائعة في ذلك اليوم، ولم يكن أحد يملك يقظة ذهنية حتي يرد علي مثل هذا السؤال.
                  في النهاية قلت لهم: ما رأيك يا حامد أن ننقل الأجهزة إلي أعلي المبني ونقوم بتشغيلها وإذا جاء أحد واعترض أو طلب منا أن نغادر البناية نغادرها لكني أعتقد أنك بعلاقتك مع أهل المنطقة يمكن أن تحل الأمور .

                  وقف نار بشرط
                  خروج فريق الجزيرة

                  لم نكن في ذلك اليوم نشاهد قناة الجزيرة أو أي تليفزيون آخر، ولم أكن أدري أن الجزيرة قد بثت خبراً عاجلاً من الصباح الباكر من مصادرها في بغداد أن الإدارة الأمريكية طالبت بخروج فريق الجزيرة من مدينة الفلوجة كشرط أساسي لقرار وقف إطلاق النار الذي أعلنه الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر من جانب واحد ابتداء من الساعة الثانية عشرة ظهر هذا اليوم. ولم يكن الإعلان الأمريكي عن وقف إطلاق النار في هذا اليوم من أجل العراقيين أو سكان الفلوجة الذين كانوا يقصفون وتهدم عليهم بيوتهم أو تقوم طائرات إف 16 والطائرات المروحية باصطياد الهاربين من الموت منهم خارج المدينة، وإنما كان من أجل إنقاذ القوات الأمريكية التي كانت تحاصر الفلوجة والتي أصبحت محاصرة بعد قطع الإمدادات عنها والسيطرة علي الطرق المؤدية إليها من قبل المقاومة. فقد تمكن الزملاء في قناة الجزيرة من تصوير عشرات الشاحنات التي كانت تحمل الإمدادات للقوات الأمريكية وهي تحترق علي طول طريق أبو غريب الفلوجة، كما أن طريق ذراع دجلة البالغ طوله مئة وخمسين كيلو متراً وهو الطريق البديل للطريق الدولي السريع الذي يربط بين بغداد وعمان ودمشق أصبح تحت سيطرة المقاومة.
                  ونشرت وكالة الأنباء الفرنسية تقريراً في هذا اليوم 9 نيسان (ابريل) 2004 يؤكد علي أن مئات المسلحين العراقيين بالبنادق الرشاشة والقذائف المضادة للدروع قد تمكنوا من السيطرة علي الطريق الذي يصل أبو غريب مع الفلوجة غرب بغداد . وأكد التقرير علي أن الرمايات كانت كثيفة علي مسافة خمسة عشر كيلو متراً من الفلوجة . ونقل عن أحد المقاتلين قوله: قولوا للعالم إنه ليس لدينا بديل سوي الموت أو النصر . ونقلت عن آخر كان يحمل رشاشاً ويحمس المقاتلين قائلاً لهم: اعلموا أن سكان الفلوجة يشدون علي أياديكم ويطلبون منكم السيطرة علي الطريق ما استطعتم .
                  في هذا اليوم الجمعة 9 نيسان (ابريل) 2004 أُعلن عن صلاة جمعة موحدة في كل المساجد بين السنة والشيعة في العراق، وربما كانت هذه هي المرة الأولي والأخيرة التي يحدث فيها ذلك، فقد وحدت معركة الفلوجة الجميع، وكانت معظم خطب الجمعة عن الفلوجة وما يحدث فيها، وأمَّ المصلين في جامع أم القري في بغداد الدكتور حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين الذي دعا أهل العراق إلي الاعتصام تضامناً مع الفلوجة وأهلها المحاصرين وقال: نهيب بجميع إخواننا أن يعتصموا يومي السبت والأحد وإذا أمكن الاثنين أيضاً حتي نظهر لقوات الاحتلال رفضنا لما يحدث في الفلوجة . وتصاعد الغضب لدي الدكتور الضاري أثناء تأديته لخطبة صلاة الجمعة حتي دعا المصلين إلي الجهاد قائلاً: إلي الجهاد... إلي الجهاد.. إن معركة الفلوجة هي معركة التاريخ ومعركة العراق، وأحباؤكم في الفلوجة، يقاتلون ويرحبون بالموت والشهادة . ثم تضرع إلي الله بالدعاء قائلا: اللهم عليك بأمريكا وبريطانيا ومن والاهم، اللهم عليك بالكفر والكافرين والشرك والمشركين . وقد كانت معركة الفلوجة كما وصفها الدكتور الضاري بحق معركة التاريخ، ومعركة العراق لقد كانت بداية الهزيمة الكبري للقوات الأمريكية في العراق.

                  السنة مضطربون جدا
                  ووضع الشيعة سيء

                  لم يخل مسجد من المساجد من خطبة شبيهة، لذلك كان إعلان بريمر عن وقف إطلاق النار هو محاولة لإنقاذ القوات الأمريكية وليس كما قال في بيانه الذي تناقلته وكالات الأنباء في ذلك اليوم: تعليق العمليات العسكرية في العراق بهدف إتاحة عقد لقاء بين أعضاء من مجلس الحكم الانتقالي العراقي ومسؤولين من المدينة مع قادة قوات التحالف .
                  وقال بريمر: خلال فترة التعليق هذه تحتفظ قوات التحالف بالحق في الدفاع عن نفسها وستبقي مستعدة تماماً لاستئناف العمليات الهجومية ما لم يحدث تقدم ملموس في المناقشات . وأضاف: إن تعليق العمليات العسكرية سوف يسمح للوزارات العراقية المختصة بتقديم المساعدات والإمدادات الأخري والسماح لسكان الفلوجة بتفقد قتلاهم وجرحاهم .
                  هذا الذي أدلي به بريمر إلي وكالات الأنباء لنقله في ذلك الحين وهو عبارة عن تضليل وأكاذيب لا سيما ما يتعلق بتقديم المساعدات والإمدادات الأخري والسماح لسكان الفلوجة بتفقد قتلاهم وجرحاهم لأنه كان يقول هذه الأكاذيب في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الأمريكية تدك المدنيين الذين يحاولون الفرار من المدينة ـ كما سبق وأن ذكرت ـ كما قتلت في هذا الوقت وبعد صلاة الجمعة بعض الذين كانوا يقومون بعمليات تشييع لبعض الشهداء في المقبرة.
                  أما الواقع الحقيقي فقد كتبه بريمر بعد ذلك في مذكراته التي نشرها تحت عنوان عام قضيته في العراق ، في الصفحة 421 حيث قال: قبل اجتماع مجلس الأمن القومي في وقت متأخر من هذا اليوم الجمعة، اتصلت برايس لتحضير الرئيس للأخبار السيئة، قلت: الوضع في الفلوجة ليس جيداً، ونحن نحاول الإقدام علي خطوة من جانب واحد، ولكنها قد لا تنجح، السنة مضطربون جداً، وقد نواجه موجة من الاستقالات من المجلس، ووضع الشيعة سيء أيضاً .
                  إذن القضيـــــة كلهــــا كانت الوضع السيء الذي يعيشه الأمريكيون وليس أهل الفلوجة، ومن ثم فإني أكاد أجزم هنا ومن خلال متابعتي للوضع ومعايشتي له في ذلك الوقت أن الوفد الذي تحرك من قبل مجلس الحكم للتفاوض مع وجــــهاء الفلوجــــة، والذي أعلن عن تشكيله في هذا اليوم حقَّق مصالح قوات الاحتلال التي كانت تمــــر بموقف عصيب أكثر مما حقَّقَ مصالح أهل الفلــــوجة، الذين كان معظمهم إما خرجوا من المدينة تحت القصف أو يلملمون جراحهم وآلامهم داخل المدينة. لكن العراق كله انتفض معهم ووضعت القوات الأمريـــــكية المحاصرة للمدينة تحت القصف والحصار، ولم يكن أمام الأمريكيين كما قال بريمر سوي الإقدام علي خـــطوة من جانب واحد وهي الإعلان عن وقف إطلاق النار لمحاولة امتصاص الغضب وإرسال الوفد للتفاوض من أجل كسب مزيد من الوقت، وتخـــــفيف الضغط عن قواته.
                  مفاوضات الحزب الاسلامي

                  وهنا برز ممثلو الحزب الإسلامي في العراق الذي كان يشارك في مجلس الحكم، ورغم أن ممثل الحزب كان الدكتور محسن عبد الحميد إلا أن العضو الحقيقي كان حاجم الحسني الذي يبدو أنه كانت له علاقات خاصة مع الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر، فقد كان الحسني يحمل الجنسية الأمريكية ويتحدث الإنكليزية بطلاقة، وقد تحدث بريمر عن حاجم الحسني في كتابه عدة مرات لا سيما ما قام به الحسني في التفاوض حول الفلوجة. ومع حاجم الحسني الذي كان يحمل الجنسية الأمريكية كان هناك إياد السامرائي الذي يحمل الجنسية البريطانية وكان كلاهما نائبين لمحســــن عبد الحميد وكلاهما كانا يتقنان اللغة الإنكليزية ويحملان الجنسية الأمريكية والبريطانية وجاءا من وراء البحار مثل كثيرين من الذين شاركوا في العملية السياسية في العراق.
                  وقد نقلت الوكالات تقارير في هذا اليوم مفادها أن كلاً من حاجم الحسني وإياد السامرائي نائبي عضو مجلس الحكم محسن عبد الحميد عقدا مباحثات مع الحاكم الأمريكي بول بريمر من أجل الاتفاق علي انسحاب القوات الأمريكية من مشارف الفلوجة وفك الحصار عنها .
                  وأصدر الحزب الإسلامي بياناً في هذا اليوم قال فيه: نتيجة للجهود الحثيثة التي بذلها الحزب، وبعد الاتصالات والمفاوضات التي جرت وتجري مع الجهات الأمريكية المعنية، ولغاية صباح اليوم، تم الاتفاق علي إيقاف العمليات العسكرية المتبادلة في الفلوجة وما حولها اعتباراً من الثانية عشرة ولمدة 24 ساعة .
                  لكن نائب قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال مارك كيميت خرج علي وسائل الإعلام نافياً ذلك وقال: لا يوجد اتفاق علي وقف إطلاق النار... لا اتفاق بين المتمردين وقوات التحالف . وأعلن الكولونيل برينان بيرن قائد الفرقة الأولي لقوات المارينز التي كانت تقود الحصار والهجوم علي الفلوجة: إن تعليق العمليات العسكرية انتهي، ولم يستغرق سوي تسعين دقيقة موضحاً أن رجاله تلقوا أوامر باستئناف العمليات الهجومية .
                  هذا في الوقت الذي رصدت فيه من علي سطح مبني مجمع العيادات الطبية الذي كنا نبث من فوقه علي الهواء مباشرة من مدينة الفلوجة في هذا اليوم، معارك حية دارت في حي الجولان بين رجال المقاومة وطائرات مروحية أمريكية واستمرت المعارك أكثر من ساعة، وقمنا بتغطيتها علي الهواء مباشرة، وحينما واجه الزميل محمد كريشان الجنرال مارك كيميت أثناء حوار أجراه معه وبث علي الهواء علي شاشة الجزيرة بأن هذا خرق لوقف إطلاق النار من قبل القوات الأمريكية قال كيميت: إن القوات الأمريكية كانت في حالة دفاع عن النفس وهذا يعكس حجم ومقدار التخبط الكبير الذي يحيط بالقوات الأمريكية والإدارة الأمريكية بشكل عام.
                  ومع تأكيدي في ذلك الوقت علي أن وقف إطلاق النار الذي أعلن من قبل القوات الأمريكية والذي أكد قائد الفرقة الأولي للمارينز الكولونيل برينان بيرن أنه استمر لمدة تسعين دقيقة، وتأكيد نائب قائد القوات الأمريكية أن خرق وقف إطلاق النار هذا كان للدفاع عن النفس، قامت القوات الأمريكية بعمليات هجومية قمنا بتصويرها علي الهواء وتقديمها للناس، كل ذلك لم يكن إلا لصالح القوات الأمريكية بالدرجة الأولي، لقد كان أهل الفلوجة في وضع مأساوي بكل المعايير لكن القوات الأمريكية كان وضعها أسوأ بكثير من كل النواحي.

                  بريمر يطالب بخروج
                  فريق الجزيرة من الفلوجة

                  كان أحد الشروط التي حملها أعضاء مجلس الحكم الذين أوكلهم بريمر بالتفاوض مع وجهاء الفلوجة هو إخراج فريق الجزيرة من المدينة، وقد سُرِّب الخبر وبثته قناة الجزيرة صباح ذلك اليوم، لكني لم أعلم به إلا حينما أبلغني به وضاح خنفر مساء ذلك اليوم كما سأذكر تفصيلاً فيما بعد. وكان هذا الشرط الذي فرضته سلطات الاحتلال علي سكان المدينة هو بداية للضغوط المباشرة علينا لإخراجنا من المدينة.
                  وقد تعرض بريمر في مذكراته لنا عدة مرات، حيث قال في الصفحة 407 : لكن تليفزيون الجزيرة كان يعرض فيلماً لما يزعم بأنهم مدنيون غير مسلحين قتلوا في الفلوجة .
                  ويقول في الصفحة 411 : تقدمت فرقة المارينز الأولي في الفلوجة، وواجهت مواقع دفاعية في العمق مزودة بمدافع رشاشة ومدافع هاون ويحميها المسلحون والقناصة، كان العدو يقاتل من المدارس والمستشفيات والشقق السكنية والمساجد، مثلما فعلت قوات صدام، وفيما ازدادت حدة القتال ارتفعت الإصابات، وكانت الجزيرة توثِّق كل إصابة .
                  وفي الصفحة 412 قال: ودون أن أعطي مصداقية للجزيرة أشرت إلي أن الإصابات في صفوف المدنيين تحدث في أي حرب . ثم يتحدث بشكل مباشر في الصفحة 422 عن إيقاف عملنا وشرط قيام وفد مجلس الحكم بإخراجنا من المدينة بقوله: تحدثت أنا وأبي زيد وسانشيز وبلاكويل، لمدة نصف ساعة أخري، فقال جون إنه يتفهم أن الوضع السيء لا يسمح بمواصلة الهجوم علي الفلوجة الآن، وبحثنا، هل سيتمكن وفد مجلس الحكم من تهدئة الأمور، بالشكل الكافي لكي توقف الجزيرة نقلها للأخبار .
                  إذن كانت مهمة رئيسية لوفد مجلس الحكم: إيقاف الجزيرة نقلها للأخبار، ومن ثم فقد أصبح مطلب خروجنا من المدينة رسمياً صباح الجمعة التاسع من نيسان (ابريل)، وبالتالي فكل ما تبع هذا القرار سواء من إطلاق النار علينا، أو نشر الإشاعات في المدينة أن كل من يؤوي فريق الجزيرة في بيته سوف يتم قصف هذا البيت، أو دفع بعض ضعاف النفوس للضغط علينا للخروج من المدينة، لأننا أحد أسباب استمرار القتال، كل ذلك كان بتخطيط وترتيب أمريكي أكد عليه الحاكم الأمريكي بريمر في كتابه وحمله أعضاء مجلس الحكم كطلب أول من أهل المدينة حينما التقوا به في جامع الحضرة المحمدية صباح السبت العاشر من نيسان (ابريل) 2004.
                  وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

                  تعليق


                  • #10
                    احمد منصورہ يكشف خبايا معركة الفلوجة وهزيمة امريكا في العراق 11

                    احمد منصور يستعيد وقائع معركة الفلوجة.. هزيمة امريكا في العراق (11)
                    المقاومة تفاجئ الاحتلال بالسيطرة التامة علي سامراء بينما الأنظار كانت معلقة علي الفلوجة

                    يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. نشر فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .


                    صعدت إلي سطح مبني العيادات الطبية المواجه للمستشفي الميداني والذي كان أعلي مبني في المنطقة ويكشف معظم أرجاء المدينة، فوجدت المهندس سيف وليثاً يقومان ببث الأشرطة التي تم تصويرها صباحاً إلي الدوحة، وكانت الفرحة تعلو وجهيهما وهما يبلغانني بأن جهاز البث قد تم تشغيله، وأننا سنكون علي الهواء مع الدوحة بعد انتهاء بث الصور.
                    اخترنا مكاناً أقف فيه للتغطية، وكان حي الجولان الذي كان يشهد اشتــــباكات دامية لا تتوقف مع القوات الأمريكية يقع خلفي، وأمامي طريق النعيمية الذي كان طـــــريق الهروب من الموت صباحاً والذي خرج منه عشرات الآلاف من سكان المدينة، منهم من تمكَّن من الخــــروج ومنهم من عاد جثة هامــــدة أو جريحاً بعد ذلك، وكان هناك هدوء مشوب بالحذر يســــيطر علي المديـــنة.
                    بدأت البث علي الهواء وأخذت أقدم وصفاً تفصيلياً لهذا اليوم الدامي في الفلوجة (2004/4/9)، أثناء ذلك اندلعت معارك عنيفة بين المقاومة والقوات الأمريكية في حي الجولان الذي كان من أكثر أحياء المدينة اشتعالاً منذ بداية الحصار، وعادت الطائرات المروحية للقتال إلي جوار طائرات إف 16 التي كانت قد دخلت المعارك بشكل مباشر خلال الأيام الماضية.
                    وشاهد العالم كله من خلال شاشة الجزيرة علي الهواء خرقاً أمريكياً لوقف إطلاق النار الذي أعلنه بريمر وكيميت، ومعارك تقوم بها الطائرات المروحية، وقمنا بتصوير الطائرات وهي تصب حممها علي البيوت والسكان ورجال المقاومة في آن واحد، في نفس الوقت أجريت حوارات مع كل من الدكتور رافع العيساوي مدير مستشفي الفلوجة الذي أعلن أن عدد الشهداء رسمياً قد بلغ أربعمئة وخمسين شهيداً منذ بداية الحصار للمدينة في الخامس من نيسان (ابريل) وحتي الآن التاسع من نيسان (ابريل)، بينما زاد عدد الجرحي عن ألف جريح، كما أجريت حوارات مع كثير من أهل المدينة الذين تزاحموا علينا حينما علموا بمكان وجودنا وكان كل منهم يؤكد علي حقهم في الدفاع عن المدينة وأنهم لن يخرجوا منها وسوف يواجهون القوات الأمريكية المعتدية.
                    في نفس الوقت كانت جثث الشهداء والجرحي تفد إلي المستشفي الميداني فيتم تكفين الشهداء وإرسالهم للمقبرة إما مع أحد أقاربهم أو مع متطوعين، ويتم علاج الجرحي وإرسال الحالات الخطيرة إلي بغداد، حيث كان يسمح لسيارات الإسعاف وسيارات الإغاثة بأن تدخل وتخرج من المدينة.
                    وعلمنا في ذلك الوقت أن المقاومة نجحت بشكل كامل في حصار القوات الأمريكية المحاصرة للفلوجة من كل الاتجاهات تقريباً، وفك الحصار عن المدينة من منطقة النعيمية، حيث لم تكن هناك أية قوات أمريكية وإنما القصف كان يطال المدنيين الذين كانوا يقومون بعبور الطريق من الطائرات الأمريكية.

                    كيميت اتهمني بالكذب

                    كنت قلقاً من أن يعرف صاحب البيت الذي كنا نبث من فوقه بوجودنا فيأتي حرصاً علي بيته ويطلب منا المغادرة، لكني فوجئت برجل جاء أثناء وجودي في البث علي الهواء ومعه بعض مرافقيه كان يتحدث مع حامد، وسرعان ما دبت في المكان حركة عرفت تفاصيلها أثناء استراحة من البث، فقد علم صاحب البيت بوجودنا فعلاً، وجاء ليؤكد علينا البقاء في مكاننا بل وعرض علينا أية مساعدة إضافية نحتاجها ليقدمها لنا. كان رجلاً شهماً للغاية، عرفت من حسين دلي وأكّد لي حامد أن اسمه محمود خضير أبو جمال. ولأن وجود خط أرضي للهاتف كان مهماً للغاية حتي نتمكن من رصد ما يحدث في أطراف المدينة وما حولها، فقد قام الدكتور عبد الملك العاني صاحب صيدلية الشفاء التي كانت قريبة من مبني المجمع الطبي بإمدادنا بخط الهاتف الخاص بالصيدلية عبر سلك طويل إلي سطح الطابق الثالث حيث كنا، وقد ساعدنا هذا كثيراً في بقاء اتصالاتنا قائمة مع كل أطراف المدينة.
                    ورغم أننا كنا نرصد المدينة كلها من سطح هذا المبني إلا أن بعض أهل المدينة جاؤوا إلينا وحذرونا من البث من هذا المكان لأننا مكشوفون ويمكن قصفنا أو اصطيادنا من قبل القناصة الأمريكيين، لكن لم يكن لنا خيار آخر، إما أن نبث من هذا المكان الذي كان يكشف المدينة، أو ننزل وننعزل عن متابعة الأحداث، فاخترنا البقاء علي سطح المبني رغم المخاطر ومنها أننا كنا عرضة للقصف.
                    أذكر هنا أن كثيراً من المشاهدين سألوني بعد ذلك لماذا لم أكن أرتدي السترة الواقية للرصاص في معظم الأحيان التي كان يقع فيها علينا القصف، وهنا أُوضح لكل من تابعنا وسأل نفس السؤال، فنحن لم يكن معنا للأسف سوي سترتين فقط واقيتين للرصاص ولم يكن معنا أية خوذات لحماية الرأس، لأننا تحركنا من بغداد إلي الفلوجة قبل موعدنا الذي كان محدداً، ولم ندرك أننا سنعيش أحداث معركة. ولأن المصورين كانوا أكثر عرضة للخطر مني لذا أعطينا كلاًّ منهما درعاً واقية من الرصاص وبقينا نحن تحت حماية أقدارنا رغم أننا كنا جميعاً كذلك.
                    لم تتوقف الاشتباكات رغم الإعلان الأمريكي لوقف إطلاق النار الذي لم نشعر به نحن في المدينة علي الإطلاق. ثم هاجمني الجنرال مارك كيميت علي شاشة الجزيرة بالاسم في حوار مع الزميل محمد كريشان وادعي أني أروِّج الأكاذيب من الفلوجة كما سأفصل فيما بعد. بعدها قامت الدبابات الأمريكية المرابطة علي الضفة الأخري من نهر الفرات بإطلاق نيران مدافعها الرشاشة الثقيلة علينا أثناء صلاة المغرب لكن والحمد لله لم يصب أحد من الزملاء بأذي، ونزلنا بعدها أسفل المبني بعدما تعهد لنا صاحب البيت بحماية الأجهزة التي تركناها هناك لأنها كانت أثقل من أن ننقلها إلي أي مكان آخر.

                    عيّن نفسه
                    حارسا شخصيا لي

                    أثناء وجودي علي سطح مبني العيادات الطبية، لم أكن مشغولاً سوي بالأحداث التي كانت تدور حولي والبث والصور وغيرها، وكان هناك كثير من الناس يأتون ويذهبون وكان حامد هو الذي يتعامل معهم. وأذكر أنه في صباح ذلك اليوم عرض علينا كثير من الناس المساعدة رغم أن كلاً منهم كان مشغولاً بنفسه أو بعائلته، ومن بين الذين عرضوا المساعدة رجل كان في العقد الرابع من عمره كنت مرتاباً منه في البداية حينما وجدته ملاصقاً لنا ويساعدنا في العمل دون أن نطلب منه، لكن حينما سألت حامداً عنه أخبرني أنه يعرفه معرفة جيدة وهو شخص موثوق يدعي منذر محمد عبيد. كان منذر قد تطوع ليكون مساعداً وخادماً لفريق الجزيرة دون أن نطلب منه، فكان هذا التصرف منه يمثل كرماً ونبلاً وأريحية عرف بها أهل الفلوجة، فكنت كلما تلفت عن يميني أو يساري وجدت منذراً، كما أنه كان يأتينا بالأخبار، ويقدم لنا ما يستطيع من خدمات.
                    وأذكر له أنه حينما رأي الشمس تحرق وجهي حيث بقيت واقفاً علي السطح تحت شمس الظهيرة حتي غربت، أحضر لي طاقية حتي أضعها علي رأسي وأحتمي بها من لهيب الشمس في الأوقات التي لا أكون فيها علي الهواء، وقد رفض استرجاعها حينما أعطيتها له مساء ذلك اليوم وقال: أرجو أن تحتفظ بها حتي تتذكرني . وقد وجدتها بعد ذلك ضمن ملابس الفلوجة التي لا زالت زوجتي تحتفط بها في مكان خاص في أحد ادراج خزانة ملابسي.
                    رأيت منذراً للمرة الأولي صباح يوم الجمعة أثناء الزحام الشديد والهول الذي سبق أن وصفته، ففي وسط هذه الأهوال وبينما كنت أصرخ علي ليث وحسان لتصوير المشاهد المختلفة لما يحدث فوجئت برجل ينظر إليَّ بشكل غريب ثم تقدم نحوي وأمسك بتلابيبي وجذبني من ملابسي ثم أخذ يلقي علي كمًّا من الاتهامات أمام الناس أقلها أننا عملاء للأمريكان، وكان واضحاً أنه قد التبس عليه الأمر بيني وبين مراسل أحد القنوات التليفزيونية الأخري كان قد ادعي أنه دخل الفلوجة وأنه يرسل تقاريره من هناك، فكان أهل المدينة غاضبين تماماً مما يقدمه لأنه لم يكن يعكس حقيقة ما يدور داخلها. ورغم أني عادة ما أتسامح في مثل هذه المواقف إلا أني قدرت أن هذا الموقف لا يحتمل التسامح أو الدفاع عن النفس وإنما الهجوم المباشر، لا سيما وأن الناس كانوا مسلحين ومهتاجين حولنا، والفوضي ضاربة أطنابها في كل مكان، فدفعت الرجل عني بقوة، وصرخت فيه وفي الناس الذين كانوا سلبيين ويكتفون بمشاهدة ما يحدث، وطلبت منهم أن يتحركوا ليبعدوه عني، ثم وجهت كلامي للجميع قائلاً لهم كيف يسمحون له أن يتطاول علينا ونحن نقوم بنقل معاناتهم إلي العالم ونقدم الحقائق عما تقوم به القوات الأمريكية إلي الدنيا. في هذه الأثناء ظهر منذر مع آخرين، حيث أخذوا الرجل بعيداً عني واعتذروا لي، وبقي منذر إلي جواري كأنما عيَّن نفسه حارساً شخصياً لي دون أن أطلب منه ودون أن أشعر بذلك.
                    وأذكر له أنه جاء لنا بغداء حينما كنا مشغولين بالبث علي الهـــــواء من علي سطح المبني بعد صلاة الجمعة، كما ظل معنا إلي نــــهاية اليوم يلبي مطالبنا ويطلعنا علي ما يحدث في المنطقة حولنا.
                    وحتي أكمل المشهد للرجل الذي تطاول علي يوم الجمعة ودفعه منذر عني فقد ذهبت في اليوم التالي السبت 10 نيسان (ابريل) صباحاً إلي المستشفي لأحصل علي آخرِ المعلومات، فوجدت رجلاً يأتي نحوي ويقول لي: أنتظرك هنا من السادسة صباحاً يا أحمد أما تعرفني ؟ قلت له: لا . قال: أنا الذي تطاولت عليك بالأمس وجذبتك من ثيابك، وقد جئت لأعتذر إليك عما بدر مني فلم أكن أعلم أنك أحمد منصور فقد التبس عليَّ الأمر ولم أكن أقصدك، ولكن كنت أقصد شخصاً آخر، والله ما نمت أمس حينما علمت أن الذي تطاولت عليه هو أحمد منصور وليس الشخص الآخر الذي كان في ذهني، فقد كنت مشوشاً وغاضباً مثل كل الناس، وحينما علمت بعد ذلك أني تطاولت عليك أنت حزنت كثيراً وخفت أن أموت دون أن أعتذر إليك عما بدر مني، وأرجو أن تسامحني . ضممت الرجل وقبلته في رأسه وقلت له: لا عليك لقد نسيت ما حدث، وأنا ألتمس الأعذار للناس لا سيما في مثل هذه الأجواء، وأرجو أن تسامحني أنت أيضاً لأني دفعتك عني وصرخت في وجهك، لأن الوضع لم يكن يحتمل مني غير ذلك في ظل وجود أناس مسلحين كثيرين كان يمكن أن يطلق أي منهم الرصاص علي وعلي زملائي بناء علي اتهاماتك لنا.
                    ثم أعطاني الرجل ورقة وهو يقول: لقد كتبت هذه الورقة قبل أن أنام أمس حتي تصلك وبها اعتذار مكتوب مني عما قمت به، وقد جئت إلي المستشفي بعد صلاة الفجر وبقيت أنتظرك حتي تأتي وقلت إذا لم تأت أعطيها للأطباء حتي يوصلوها إليك إذا رأوك.
                    فتحت الورقة فوجدت بها كلمات اعتذار وأسف كتبت بلغة بسيطة تنم عن قلب طيب ونفس رفيعة، فطويتها ومسحت دموعي وأنا أضم الرجل مرة أخري، وأطلب من الله المغفرة لي وله.

                    مكالمة هاتفية ترفع المعنويات

                    في مساء هذا اليوم الجمعة التاسع من نيسان (ابريل) بعدما نزلنا من علي سطح المبني بعد صلاة المغرب، قمت بالاتصال بوضّاح لأبلغه بأننا تعرضنا لإطلاق النار من قبل القوات الأمريكية، فأبلغني أن الشيخ حمد بن ثامر رئيس مجلس الإدارة الذي كان دائم الاتصال بنا والاطمئنان علينا يجلس معه ويود الحديث معي. كلمني الشيخ حمد وشجعني وطلب مني أن أبلغ الزملاء تحياته، ولأن التعب والإرهاق كان ملمًّا بكل الزملاء فقد طلبت من الشيخ حمد أن يسلم هو عليهم جميعاً واحداً تلو الآخر فقد أبلوا بلاء حسناً وكانوا جميعاً عرضة للموت والخطر. وكنت أقدم له كل شخص وأعرّفه بدوره وعمله فيتحدث معه الشيخ فيشكره ويشد من أزره، ورغم أنه ربما لم يكن يعرف أياً منهم معرفة شخصية إلا أنه تحدث معهم جميعاً حديث العارف بهم القريب منهم. وقد لعبت هذه المكالمة الهاتفية دوراً كبيراً للغاية في شد أزر الزملاء ورفع معنوياتهم ومنحهم طاقة كبيرة رغم الإرهاق الشديد الذي كان يلم بالجميع.
                    وأود أن أشير هنا إلي الدور العظيم الذي لعبه الدعم المعنوي الكبير الذي قدمه رئيس مجلس الإدارة الشيخ حمد بن ثامر لنا في تغطية هذه الأحداث كلها، فقد كان دائم الاتصال بي ودائم الشد من أزرنا فيما نقوم به، وهذه من الأمور الهامة التي ساعدتنا علي القيام بدورنا علاوة كذلك علي ما قام به الزميل وضاح خنفر مدير قناة الجزيرة وباقي الزملاء في غرفة الأخبار، الذين كنا نسمع دائماً منهم الكلام الطيب حينما يتصلون بنا ويتحدثون إلينا، ونشعر بحرصهم علينا وتقديرهم لجهودنا وأمنياتهم الدائمة لنا أن نعود سالمين من مهمتنا.

                    العشاء مع شهيد

                    بعد انتهاء المكالمة الهاتفية المطوَّلة، مع الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني رئيس مجلس الإدارة والزميل وضاح خنفر مساء يوم الجمعة الدامي، وجدت جميع الزملاء منتشين وسعداء بهذا الاتصال والكلام الطيب الذي سمعوه، فالتقدير المعنوي هام للغاية في مثل هذه المواقف، وربما يغفل عنه كثير من الناس لكن مفعوله ساحر علي أناس مجهدين ويتعرضون للموت في كل لحظة وهو أن يجدوا أن هناك من يشعر بهم وبما يقومون به ويقدره حتي لو بكلمات بسيطة.
                    رغم الإرهاق الشديد الذي كان ملمّاً بالجميع، قلت لهم: ماذا سنفعل الآن ؟ قال حسين دلي: سيأتي معي حسان وليث وأبو عمر والمهندس سيف لتناول العشاء والمبيت في منزلنا. وكان هناك ثلاثة رجال يقفون معنا وجدتهم يحملون أغراضنا لم أكن أعرفهم لكني كنت قد رأيت بعضهم يساعدون الزملاء طوال الوقت، فعرّفني حامد عليهم. كان أحدهم زوج شقيقته واسمه حسين علي سمير وشقيقه نزار، وشخص ثالث يدعي عمر فاروق، وأبلغني حامد أنني سأذهب أنا وهو وعبد العظيم إلي بيت زوج شقيقته حسين علي سمير لتناول العشاء هناك، وكان بيته لا يبعد سوي بيتين أو ثلاثة من مبني العيادات الطبية الذي كنا نبث من علي سطحه طوال اليوم. ودعنا حسين دلي مع الزملاء الذين ذهبوا معه، وكان ليث وحسان وأبو عمر سوف يعودون صباحاً إلي بغداد مع إحدي القوافل بعد فتح الطريق، بينما سيأتي حسين دلي مع سيف عند الساعة السابعة عند مجمع العيادات الطبية، ويقوم عبد العظيم وحامد بدور ليث وحسان كمصورين علاوة علي إعدادهم التقارير حتي يقوم الزملاء من بغداد بإرسال مصورين بدلاً من حسان وليث.
                    رحب بنا حسين علي سمير في بيته، وقدم لنا العشاء مع اعتذارات مصاحبة بأننا نستحق إعداداً أفضل من هذا، غير أنه تم ترتيب الأمر علي عجل، وقال لنا: عشاؤكم أنتم جميعاً وفريق الجزيرة هنا غداً السبت في بيتنا إن شاء الله.
                    تحدثنا علي العشاء عما دار في المدينة طوال اليوم وسألت حسين سمير هل سيخرج من المدينة أم سيبقي فيها؟ قال: لن أخرج مهما فعل الأمريكيون. هذه بلدنا، وهم المعتدون علينا . وكان له طفل عمره ست سنوات اسمه عليّ جاء يسلم علينا وجلس معنا، فداعبت علياً قائلاً: وأنت هل سترابط مع أبيك في المدينة أم ستخرج يا علي ؟ قال علي ابن الست سنوات: بل سأبقي مع أبي لن أخرج .
                    بعد العشاء بقي حامد ليبيت في بيت أخته، بينما ذهبت مع عبد العظيم إلي بيت عمر فاروق الذي تناول العشاء معنا لنبيت في بيته الذي كان علي الجانب الآخر من المستشفي الميداني.
                    أذكر أنه أثناء تناولنا للعشاء في بيت أخت حامد اتصل بي الزملاء لأشارك في نشرة أخبار العاشرة حول القصف الذي تعرضنا له مساء اليوم من القوات الأمريكية، وأذكر أن جمال ريان كان هو الذي يقدم نشرة الأخبار، وجمال كان ينسجم كثيراً معي حينما أكون معه من الفلوجة، ومن بيت عمر فاروق شاركت مرة أخري مع جمال ريان ولكن في نشرة حصاد اليوم بينما كانت الطائرات المقاتلة تفرغ قنابلها علي بعض أطراف المدينة.
                    كان بيت عمر فاروق بيت كبير العائلة، وبيوت العوائل في الفلوجة يمكن أن يعيش فيها الأب مع أبنائه المتزوجين كل في غرفتين أو أكثر أو شقق منفصلة داخل البيت، وكان واضحاً أن عائلة عمر من العوائل التي خرجت من الفلوجة، وبقي وحده في البيت، حيث أكرمنا بحسن ضيافته في تلك الليلة ونمنا جميعاً في غرفة نومه الكبيرة التي كانت تقع علي السطح في الطابق الأول، اخترت النوم علي الأرض كما أحب دائماً، وحينما مددت يدي في جيوبي لأخرج ما فيها قبل النوم، وجدت علبة صغيرة من البسكويت كان أحد الأطباء قد أعطاها لي صباحاً في المستشفي حتي أفطر عليها لكني وضعتها في جيبي ونسيتها، كما وجدت أشياء أخري كثيرة كان لها تأثير كبير في نفسي في ذلك الوقت، منها قطعة من الشيكولاته الصغيرة أعطاها لي أحد الناس ليعبر عن حبه وتقديره.
                    يا إلهي!! ليس من السهل أن يجد الإنسان ألفاظاً يكسو بها بعض المعاني الجميلة التي يشعر بها في بعض لحظات الحياة ومنها مثل هذه اللحظات التي يعبر فيها الناس عن حبهم بما تجود به نفوسهم من أشياء تبدو في قيمتها صغيرة لكنها في معانيها كبيرة كبيرة.

                    إخراجنا من الفلوجة

                    حاولت النوم لكني لم أستطع كالعادة، فأصوات الاشتباكات والقصف لم تتوقف طوال الليل، وفي الصباح الباكر جاء منذر، وقابلني وأنا في طريقي من بيت عمر فاروق إلي المستشفي وكنت أسير وحدي وإذا به يقول لي: كيف تمشي وحدك هنا يا أحمد؟ الوضع خطير للغاية وعند المستشفي هناك أشخاص مسلحون وأشكالهم مشبوهة يسألون عنك وينتظرون قدومك، وقد سألتهم ماذا تريدون فلم يخبروني، فبقيت واقفاً معهم حتي ذهبوا وقالوا: سنعود مرة أخري. فجئت لأحذرك . قلت له: لا عليك يا منذر ؟ يجب أن أذهب إلي مبني العيادات الطبية لأن لدينا مشاركة علي الهواء في نشرة الأخبار الصباحية، كما أنه يجب أن أذهب إلي المستشفي أولاً حتي أحصل علي آخر الأخبار .
                    بقي منذر معي مثل ظلي، وفي المستشفي عرفت أن القصف في الليل كان علي أحياء المعلمين والضباط ومعاوني الضباط والجولان، وكان هناك رجل يقف في حاجة إلي متطوعين وسيارة إسعاف من أجل نقل جثة شقيقه من تحت أنقاض بيته الذي قصفته الطائرات الأمريكية الساعة الواحدة ليلاً في حي المعلمين فانهار عليه. قمنا بتشغيل جهاز البث والمشاركة في الجزيرة هذا الصباح من فوق مبني العيادات الطبية الذي قمنا بالتغطية من علي سطحه يوم الجمعة، لكن الوضع كان خطراً للغاية في هذا اليوم السبت العاشر من نيسان (ابريل)، والجميع حذرنا من البقاء فوق المبني لا سيما بعدما أطلقت الدبابات الأمريكية النار علينا مساء أمس.
                    عرض علينا عمر فاروق أن ننقل أجهزة البث وكل شيء إلي بيته، لكن المشكلة أننا لن نظهر من فوق السطح وإنما من حديقة البيت، لأننا علي السطح سنكون في خطر مثل الذي نحن فيه هنا. في هذه الأثناء جاءنا حسين سمير زوج أخت حامد وشقيقه نزار، ليطمئنوا علينا وليؤكد حسين علينا العشاء الليلة عنده في بيته، وساعدونا في نقل الأجهزة والأغراض الثقيلة إلي بيت عمر فاروق، شكرناه علي اهتمامه وعلي دعوة العشاء.
                    بعد مشاركتي في الجزيرة هذا الصباح وإطلاع مشاهدي الجزيرة علي آخر التطورات في المدينة وما حدث أثناء الليل، ذهبت إلي المستشفي بينما ذهب عبد العظيم إلي مسجد الحضرة المحمدية، لمتابعة وفد مجلس الحكم الذي كان يُنتظر وصوله للتفاوض مع وجهاء المدينة حول شروط وقف إطلاق النار ورفع الحصار الكامل عن المدينة.
                    كنت أقف خارج المستشفي أجمع المعلومات من بعض أهالي الجرحي والشهداء، بينما كان المسعفون يقومون بتجهيز جثث بعض الشهداء الجدد وتكفينها، حتي يتم دفنها،.... فجأة وجدت يداً تمتد نحوي وتجذبني بلطف من بين الناس، فالتفت فإذا به أحد الأطباء في المستشفي، استجبت له ودخلت معه المستشفي ظناً مني أنه سيطلب مني تصوير بعض حالات الجرحي أو يقدم لي معلومات جديدة، لكنه قال لي: الوضع قلق بالنسبة لك فأرجو ألا تظهر مكشوفاً هكذا، حيث أبلغنا كثير من أهل المدينة بأنهم قلقون عليك، وأن المدينة مليئة بالجواسيس ويمكن بعد اتهامات الجنرال مارك كيميت لك أمس وبعد إطـــــلاق النار الذي تعرض له فريق الجزيرة علي سطح المبني أمــــس أن يتم تصفيتك بشكل أو بآخر لا سيـــما وأنك تتحرك مكشـــوفاً ودون حراسة أو مرافقـــين في المــطقة .
                    قلت له: ماذا أفعل؟ هذا عملي ويجب أن أقوم به، وأنا لا أستطيع البقاء في مكان مغلق، وعليَّ أن أجمع المعلومات بنفسي من الناس، علاوة علي ما يقوم به الزملاء، أما قدرنا فهو بيد الله وليس بيد البشر . قال: أنا أفهم ذلك، ولكن تعال اجلس معنا قليلاً في الداخل .
                    كانت الغرفة ضيقة للغاية وكان يجلس فيها الدكتور رافع العيساوي مدير المستشفي وبعض الأطباء فرحبوا بي جميعاً وأوسعوا لي مكاناً، بينما كان آخرون يقومون بتضميد الجرحي في الخارج لبعض الحالات التي وصلت صباح اليوم، سمعت تلميحات وأحياناً تصريحات مباشرة من الحضور تشبه تلك التي حدثني عنها الطبيب الذي أخذني، وطلب مني الجميع أن آخذ حذري. شكرتهم ثم خرجت واستكملت ما كنت أقوم به وعدت بعد ذلك إلي بيت عمر فاروق بعدما اتصل بي الزملاء في الدوحة وطلبوا مني المشاركة في نشرة الأخبار القادمة.
                    كان عبد العظيم قد عاد أيضاً قرب الثانية عشرة بعدما قام بتغطية زيارة وفد مجلس الحكم الذي كان يضم حاجم الحسني نائب عضو مجلس الحكم عن الحزب الإسلامي وممثل عن عضو مجلس الحكم غازي الياور، وممثل عن عضو مجلس الحكم الباجه جي، ومن أهل الفلوجة الدكتور أحمد حردان ممثل الحزب الإسلامي في المدينة والشيخ عبد الله الجنابي الذي أصبح بعد ذلك رئيساً لما عرف بمجلس شوري المجاهدين في الفلوجة، وآخرين، وكان المطلب الأول غير المعلن والذي عرفه عبد العظيم ونقله لي هو ما سبق أن بثته الجزيرة، وما أكَّد عليه بريمر في مذكراته، وهو خروج فريق الجزيرة من الفلوجة، وتحديداً أحمد منصور.
                    أما الشروط الأخري المعلنة فقد ذكرها بريمر في الصفحة 420 من مذكراته وقال: يجب أن يسلم شيوخ المدينة قتلة رجالنا ونريد أيضاً أسماء المقاتلين الأجانب هناك، وعلي المتمردين التخلي عن أسلحتهم، وإذا أطلقوا النار علينا فسوف نرد. اتصلت بحاجم حاملاً هذا الاقتراح، كانت الساعة 10 و 45 دقيقة صباحاً"، كان هذا صباح الجمعة كما ذكر بريمر لكن الوفد لم يتمكن من الدخول إلي الفلوجة يوم الجمعة بسبب قطع الطريق والقصف الشديد علي المدينة ودخل صباح السبت، وقد زادت وكالتا رويترز والفرنسية شروطاً أخري من بينها: تسليم قائمة من عناصر الشرطة العراقية التي تحولت إلي قتال القوات الأمريكية في المدينة . من خلال هذه الشروط يتضح أن أياً منها باستثناء إخراج فريق الجزيرة من المدينة أو إيقاف البث ليس في قدرة أهل الفلوجة تحقيقه أو القيام به، كما أنها كلها كانت شروط الاحتلال ومطالبه، وكان هناك إجماع علي أن مهمة الوفد صعبة، وكذلك هذه الشروط صعبة التحقيق، وليس هناك مقابل لأي منها سوي وعد بوقف إطلاق النار الذي لم يتوقف رغم إعلان الجنرال مارك كيميت عنه.
                    ففي الوقت الذي كان فيه الزميل عبد الصمد ناصر معي علي الهواء مباشرة في نشرة الثانية عشرة ظهراً كانت الطائرات من طراز سي 130 التي تملك قوة نارية هائلة، والطائرات المقاتلة من طراز إف 16 تقوم بقصف المدينة، وحينما سألني عبد الصمد عن سريان وقف إطلاق النار صمت وقلت له: سوف تجيبك هذه الطائرات التي تقصف أنحاء المدينة الآن وأنت معي علي الهواء . وحاول عبد العظيم الذي كان يقوم بالتصوير بسبب عودة ليث وحسان إلي بغداد أن يلاحق الطائرات بالكاميرا، لكن حركة الطائرات كانت أسرع منه، كما أننا كنا في حديقة المنزل وليس في مكان مرتفع، غير أن أصوات القصف كانت واضحة للغاية.
                    وفي هذا اليوم لم ينقطع دوي الانفجارات والقصف في أنحاء المدينة، وكانت سحب الدخان الأسود تتصاعد من أماكن مختلفة بعد كل غارة تقوم بها الطائــــرات الأمريكية، وقد نقلت الوكالات عن السرجنت الأمريكي شون هيلي الذي كانت تنتشر وحدته العسكرية في المنطقة الصناعية في الفلوجة في هذا اليوم قوله: الرمايات مستمرة بالكثافة نفسها، كما كانت في الأيام السابقة، المتمردون لا يصدقون أن هناك وقفاً لإطلاق النار والنساء والأطفال لا زالوا يفرون من المدينة .
                    أما المقدم برينان بيرن الذي كانت قواته تقود حصار المدينة وقتال أهلها فقد قال: لم أتلق أية تعليمات بوقف إطلاق النار، سأواصل القتال حتي إشعار آخر . وأضاف: لا أعرف ما قيل في بغداد، ولم أتلق من قيادتي حتي الآن أي أمر بوقف المعارك .
                    في هذا اليوم تصاعدت المواجهات في أنحاء مختلفة من العراق بين رجال المقاومة والقوات الأمريكية التي حاولت السيطرة علي طريق الإمدادات الذي يربط بغداد بالفلوجة عبر أبو غريب، بينما نفذ معظم أهل بغداد إضراباً تضامناً مع الفلوجة واستجابة للدعوة التي وجهها الدكتور حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين، كما تواصلت المعارك في أماكن أخري كثيرة في الأعظمية وأبو غريب في بغداد، وفي مدن الكوت والحلة والرمادي وبعقوبة والموصل؛ وفي الجنوب كذلك في كربلاء والنجف حيث كان جيش المهدي يواصل تمرده بسبب قرار القوات الأمريكية القبض علي زعيمه مقتدي الصدر.
                    لكن الحدث الأكبر كان في مدينة سامراء حيث تمكن رجال المقاومة من السيطرة التامة علي المدينة وعلي كل مراكز الشرطة وأسلحتها وأجهزتها وسياراتها ابتداء من يوم الجمعة التاسع من نيسان (ابريل) حيث فرت القوات الأمريكية من داخل المدينة وبقيت محاصرة لها من الخارج وعاجزة عن اقتحامها، لقد كان الوضع كما وصفه بريمر إننا مقبلون علي انهيار مضطرد في العراق .
                    وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

                    تعليق


                    • #11
                      الجنرال مارك كيميت عبر فضائية قطر: مراسلكم يغذي المشاهدين بالأكاذيب

                      الجنرال مارك كيميت عبر فضائية قطر: مراسلكم يغذي المشاهدين بالأكاذيب
                      الامريكان يلاحقون الجزيرة. عبارة انتشرت في أنحاء المدينة كالنار في الهشيم
                      احمد منصور يستعيد وقائع معركة الفلوجة. هزيمة امريكا في العراق
                      (12 ـ 14)
                      05/10/2007

                      يكشف الاعلامي المعروف احمد منصور ومقدم البرنامج الشهير (بلا حدود) علي قناة الجزيرة القطرية تفاصيل وخفايا معركة الفلوجة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 التي تابعها وغطاها من الميدان، ويري ان المعركة كانت بمثابة هزيمة للاستراتيجية الامريكية في العراق. فصول من الكتاب تكشف عن حجم الجرائم التي ارتكبتها امريكا في العراق وفي المدينة التي حولتها لأنقاض وشردت اهلها ولا تزال بعد كل الجرائم تفرض حصارا عليها مع ان المعركة انتهت منذ اربعة اعوام .

                      بين كل نشرة أخبار وأخري كنت أقوم بجمع الجديد من الأخبار والمعلومات، بينما كان الزملاء الذين بقوا معي، حامد وعبد العظيم وسيف، كل يقوم بعمله، كان عبد العظيم يعد تقريراً عن زيارة وفد مجلس الحكم، بينما كان حامد يعد تقريراً آخر عن نتائج عمليات القصف وخرق وقف إطلاق النار الذي تقوم به القوات الأمريكية، وسيف كان مسؤولاً عن تشغيل جهاز البث.
                      قمنا نؤدي صلاة الظهر في الساعة الواحدة والنصف تقريباً يوم السبت العاشر من نيسان (ابريل) 2004، ولأني كنت المسافر من بين الحضور فقد صليت بهم الظهر قصراً وأكملوا هم الصلاة، ثم قمت بعدها لصلاة العصر جمع تقديم، عندها جاءت الطائرات وكانت قريبة للغاية منا بحيث اخترقت جدار الصوت بشكل أفزعنا ثم أطلقت صاروخاً بدا أنه قريب تماماً منا، كان الزملاء قد أنهوا صلاة الظهر، بينما كنت لا أزال أصلي العصر، فانطلقوا بالكاميرات ركضاً إلي الخارج حيث مصدر انفجار الصاروخ الذي أطلق، بعدما أنهيت صلاتي خرجت أستطلع الأمر خارج البيت فوجدت الغبار يتصاعد من مكان قريب، قلت لأذهب إلي المستشفي حيث هناك الخبر اليقين.

                      حسين سمير يقصف بصاروخ

                      في طريقي إلي المستشفي لقيني بعض الناس وقالوا: إلي أين تذهب؟ لقد قصفوا البيت الذي كان فيه فريق الجزيرة أمس، واستشهد صاحبه. دار رأسي.... أي بيت؟ بيت حسين دلي أم بيت حسين سمير؟ لقد نمنا أمس في ثلاثة أماكن، الزملاء ناموا لدي حسين دلي، وحامد في بيت زوج شقيقته حسين سمير، وأنا وعبد العظيم في بيت عمر فاروق، كان البيت الأقرب الذي أعرفه هو بيت حسين سمير. قلت لأذهب أولاً إلي المستشفي لأعرف التفاصيل من هناك.
                      حينما وصلت إلي باب المستشفي الميداني وجدت أحد المسعفين يخرج بحمالة للجرحي غارقة بالدماء، وقبل أن أسأل أو أعرف ماذا جري رأيت نزاراً شقيق حسين سمير الذي ساعدنا كثيراً أمس وصباح اليوم منهاراً تماماً ويجهش بالبكاء، وما إن رآني حتي هرول نحوي وارتمي علي كتفي وهو يبكي ويقول: استشهد حسين يا أحمد... استشهد حسين ؛ قصفوه بصاروخ، لكن رجلاً وراءه كان يقول لي: لا يزال علي قيد الحياة وسوف يسعفونه إن شاء الله.
                      شعرت أن الدنيا تدور بي، يا إلهي حسين سمير زوج أخت حامد الذي تناولنا العشاء في بيته أمس، والذي كان من المفترض أن نتناول العشاء في بيته اليوم، والذي كان معنا في الصباح وساعدنا في نقل الأجهزة والأغراض إلي بيت عمر فاروق استشهد؟، أخذت أهديء من روع نزار شقيق حسين حتي أفهم منه ما حدث، لكنه كان منهاراً تماماً ويبكي بصوت مرتفع، ولأن الرجل ارتمي علي كتفي فقد بقيت معه أواسيه، بينما كان الناس يركضون هنا وهناك، وسمعت بعض الناس يقولون بصوت مرتفع: إنهم يلاحقون فريق الجزيرة، ويقصفون الأماكن التي يذهبون إليها، لقد كانوا في بيت حسين سمير أمس ولهذا قصفوه وقتلوه ، هذه العبارة انتشرت مثل النار في الهشيم في أنحاء المدينة.

                      منبوذون في المدينة

                      بعد نصف ساعة قضيت معظمها في المستشفي جالساً مع نزار شقيق حسين أواسيه وأهديء من روعه، عدت إلي بيت عمر فاروق فوجدت الأجواء متغيرة وغير طبيعية في البيت، فقد وجدت رجالاً متجهمين رأيتهم للمرة الأولي داخل البيت، وشعرت بأجواء غير مريحة، فسألت عبد العظيم: من هؤلاء الرجال يا عبد العظيم؟ فقال: هم أعمام عمر فاروق جاؤوا يطلبون منه إخراجنا من البيت بعدما انتشرت شائعة في المدينة بعد استشهاد حسين سمير أن القوات الأمريكية تتقصد البيوت التي يتواجد فيها فريق الجزيرة فتقصفها، وقالوا له: إذا لم تخرجهم من البيت فسوف يأتي الأمريكيون لقصف البيت وتدميره. لكن عمر فاروق رفض في البداية، ولأنهم أعمامه فقد أصرّوا عليه فالرجل يشعر بالحرج الشديد معنا، فاضطر أن يبلغنا في النهاية بضغوط أعمامه عليه، لذا علينا أن نبحث عن بيت آخر، ولكن بعد الغداء حيث أن الجيران قد أعدوا لنا الغداء وسوف يحضرونه بعد قليل .
                      قلت في نفسي: أي غداء؟ وأي طعم للغداء يمكن أن نشعر به في هذه الأجواء؟ وأين سنذهب؟ إني لا أستبعد أن نشر هذه الشائعة في المدينة وراءه الذين لهم مصلحة في إخراجنا منها، يريدون أن يخيفوا أهل الفلوجة منا، بحيث يتم تضييق الأبواب علينا ويقوم أهل الفلوجة أنفسهم بإخراجنا منها طالما أننا رفضنا الخروج بعد طلب الأمريكيين واشتراطهم ذلك، كما أن هذا البيت هو الأقرب إلي المستشفي، فأني لنا أن نجد مكانا آخر مثله؟ وطالما انتشرت هذه الشائعة فإن أحداً لن يؤوينا وسوف نصبح منبوذين في المدينة، لقد كان منزل حسين سمير هو البديل لو أُخرجنا من منزل عمر فاروق، ولكن حسيناً استشهد . قلت لعبد العظيم بعد صمت طويل وتفكير: هل هناك مكان آخر يمكن أن نذهب إليه ويكون قريباً من المستشفي ؟ قال: سنبحث، لكن ليس هناك الآن مكان .
                      لم يكن حامد قد علم أن زوج شقيقته قد استشهد، فقد كانت إصابته قاتلة في الرأس لكنه حينما نقل إلي المستشفي كان لا زال ينبض والأطباء يحاولون إسعافه، وكان معه اثنان آخران إصابتهما خفيفة، لكن إصابة حسين سمير كانت قاتلة، ولأن حامداً كان يعد تقريراً عن أحداث اليوم، وحتي يكون بعيداً عن أجواء التوتر في المستشفي فقد طلبت منه أن يعود هو إلي البيت لإكمال التقرير حتي يمكن بثه في نشرة الجزيرة منتصف اليوم ، وحينما ينتهي منه يمكنه العودة ليكون إلي جوار زوج أخته.
                      عاد حامد وعدنا إليه بعد ذلك، لكن عبد العظيم أبلغني بعدها بدقائق أن حسيناً استشهد وطلب مني أن أُبلّغ حامداً بهذا الخبر المؤلم والمحزن، فقلت له: لن نبلغ حامداً إلا بعدما ينتهي من إعداد تقريره الذي تضمن للمصادفة صوراً لزوج أخته بعد إصابته مباشرة. كانت المعلومات التي عندي حتي هذه اللحظة والتي كان أهل المدينة يتحدثون فيها وكذلك أول خبر جاءني من الزملاء أن حسيناً قُصف بصاروخ أمام بيته، لكن الذي علمته بعد ذلك أن حسيناً قصف بصاروخ مع اثنين آخرين بعد خروجهم من مسجد الراوي حيث كانوا في طريقهم إلي البيت بعد صلاة الظهر، وأن الطائرة قصفتهم في الشارع، لكن الإشاعات التي ملأت المدينة والتي وصلتني حتي هذه اللحظة والتي سمعت بعض الزملاء يرددونها هي أن الطائرات قصفت بيت حسين وليس وهو في الطريق إلي بيته كما حدث، وهذا ما جعل أعمام عمر فاروق يطلبون منه إخراجنا من البيت، وأخذت الإشاعة تنتشر بأن الطائرات الأمريكية تلاحق فريق الجزيرة في البيوت التي يذهبون إليها أو يقيمون فيها، وهذا ما أبلغت به الشيخ حمد بن ثامر رئيس مجلس الإدارة حينما اتصلت به بعد ذلك لأبلغه بالوضع الذي أصبحنا فيه بعد هذا الحادث حيث كان علي اتصال دائم واطلاع مستمر علي أوضاعنا طوال الوقت.
                      لاحظت أن عمر فاروق الشاب الطيب المضياف الكريم الخدوم الذي لم يتركنا من يوم الجمعة كان خجولاً منا للغاية، وكان يشيح بوجهه بعيداً عني حرجاً مني، فأنا الغريب من بين الحضور، وأنا المطلوب خروجي من المدينة كلها وليس من بيته فقط، وإلا فباقي الزملاء كلهم من أهل الفلوجة باستثناء المهندس سيف الذي كان من بغداد لكنه من أهل العراق في النهاية، والإشاعات تملأ المدينة لا سيما بعد انتقادات الجنرال كيميت لي بالاسم وقصفنا مساء أمس، بأن القوات الأمريكية تلاحق أحمد منصور وفريق الجزيرة حتي يخرجوا منها، كما أن الجزيرة بثت ذلك، ووفد مجلس الحكم طلب ذلك بشكل واضح، وطلب الخروج من المدينة كان رسمياً وأشار له بريمر في مذكراته، وهذا يعني أنه كانت هناك مطاردة لنا بكل الوسائل حتي نخرج من المدينة ونكف عن تغطية أحداث المعارك والانتهاكات التي تقوم بها القوات الأمريكية لسكانها المدنيين.

                      خروج اجباري

                      شعرت أن الأمور انقلبت رأساً علي عقب في وقت قصير، وكان استشهاد حسين سمير قد أخاف الناس جميعاً منا، لذا جلست أنا وعبد العظيم وسيف وحامد ـ فلم يعد سوانا من فريق الجزيرة في المدينة ـ لنتباحث في الأمر، وقال سيف: إن القوات الأمريكية سوف ترصدنا في أي مكان نذهب إليه من خلال إشارة الستلايت التي نرسلها من علي الأجهزة إلي القمر الاصطناعي ومن المؤكد أنهم يرصدونها كإشارة معادية، وربما هذا سوف يمثل خطورة دائمة علي المكان الذي نتواجد فيه أو المنطقة بشكل عام . ثم تحدث عبد العظيم وحامد عن الظروف التي أصبحنا فيها بحيث لم يعد لنا مكان نأوي إليه، وحينما تحدثت في النهاية قلت لهم الكلام الذي ربما كانوا يشعرون بالحرج من قوله لي والذي يجب أن نتكلم فيه بصراحة فقلت: أنتم في النهاية من أهل المدينة، ويمكن أن تذهبوا إلي بيت أي من أقاربكم أو معارفكم، أما أنا فبصراحة شديدة أصبحتُ المشكلة لكم ولأهل المدينة، فكلما رآني أحد أمشي في الشارع حذرني من أن هناك من يتتبعني أو يسأل عني، والأمريكيون يتوعَّدونني ويطالبون بخروجي من المدينة، والجنرال كيميت وجَّه لي اتهامات بالاسم أمس، ووفد مجلس الحكم أبلغكم في الصباح بضرورة خروجي، وأنا جئت إلي هنا وأقمت بين الناس من أجل نقل الحقيقة وتقديمها للعالم حتي نحفظ عليهم دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وأعتقد أننا والحمد لله قد حققنا ما نستطيع من هذا، كما أن كل شيء في الحياة يكون ناجحاً إذا تم في توقيته، وكما وقَّت الله لنا الدخول، ونجحنا في دخول المدينة في الوقت المناسب وأدينا رسالتنا وواجبنا، ليس هناك مجال للعناد في البقاء أكثر من ذلك، بالنسبة لي، ولا أريد أن يقال إن بقائي أحد أسباب استمرار القصف علي المدينة حتي أخرج، كما أن الحصار يعتبر انتهي ولو جزئياً حيث يخرج الناس الآن ويدخلون إلي المدينة وإن كان من الطرق الفرعية .
                      شعرت بارتياح لا سيما من حامد وعبد العظيم، فأنا في النهاية ضيف عليهم قبل أن أكون زميلاً لهم، وقد أكرموني أكرمهم الله وأكرمني أهلهم ومعارفهم، ووفَّروا كل الأسباب والوسائل التي جعلت دوري ودور جميع الزملاء ودور قناة الجزيرة ناجحاً ومميزاً في تغطية أحداث معركة الفلوجة وحصارها، وأعطي لها السبق في تغطيتها لكل أحداث المعركة، وينبغي أيضاً ألا أسبب لهم حرجاً أكثر من ذلك، حيث إنهم يستطيعون تدبير أمر أنفسهم، لأنهم من أهل المدينة أولاً وأخيراً، حينها قال المهندس سيف: أنا سأخرج معك إن خرجت وأبقي معك إن بقيت . قلت له: وجهاز الستلايت من الذي سيديره؟ قال: إذن سأذهب إلي بغداد لرؤية أهلي وزوجتي وأولادي، وطالما أن الطريق قد فتح فسوف أعود خلال يوم أو يومين . قلت له: لا بأس . ولم يمانع حامد وعبد العظيم، وقالوا: ربما لو توقفنا عن البث يوماً أو يومين نكون قد أعطينا الفرصة لأهل المدينة أن يعرفوا أن الأمريكيين لن يتوقفوا عن قصف المدينة حتي لو خرجنا منها ، كما أن أمر الخروج والدخول من وإلي المدينة أصبح سهلاً الآن.

                      الجزيرة و... أمريكا!

                      بعد يوم طويل ودامٍ كانت الشمس تميل فيه نحو المغيب، وقفت أرقب الاشتباكات المتقطعة بين رجال المقاومة والقوات الأمريكية المحاصرة لمدينة الفلوجة من علي سطح مبني المجمَّع الطبّي الذي اتخذناه مقراً للبث وذلك في يوم الجمعة التاسع من نيسان (ابريل) 2004 ، في نفس الوقت كنت أتابع مع الزملاء آخر الأخبار والتطورات لما يحدث في أنحاء المدينة وعلي أطرافها من مصادرنا المختلفة داخل المدينة وخارجها، ونترقب أي اتصال من مقر قناة الجزيرة في الدوحة لنوافيهم بآخر ما لدينا من أنباء، في هذه الأثناء بلغنا أن انفجاراً وقع في العاصمة بغداد انشغل الزملاء هناك بتغطيته، وهذا سبب تأخر الزملاء في الدوحة عن الاتصال بنا.
                      ورغبة مني في التعرف علي الصورة قررت أن أتصل بالزميل وضاح خنفر مدير قناة الجزيرة كي أسأله عن آخر التطورات لديهم، وكيف سيقومون بتغطية أحداث باقي اليوم، وما هو المطلوب منا إخبارياً للمشاركة في البث خلال الساعات القادمة حتي نعد أنفسنا له، وما إذا كانوا سيعودون إلينا لأية تغطية مباشرة أم أمنح الزملاء العاملين معي في الفلوجة قسطاً من الراحة التي لم يذوقوها منذ الصباح الباكر، كما أن سطح المبني الذي نقدِّم تغطيتنا منه خطر جداً ومكشوف إلي حد بعيد، ويمكن اصطيادنا بسهولة من قبل القناصة الأمريكيين أو بالقصف العادي أو حتي بالمدفعية الرشاشة ومن كافة الجوانب، فالقوات الأمريكية كانت لا تبعد عنا إلا بضع مئات من الأمتار، وكثير من الناس كانوا يحذروننا منذ الصباح بأن مكاننا مكشوف وسهل القصف، ولكن ماذا نفعل؟ إنه أفضل مكان يمكن أن نمارس عملنا منه.
                      ما إن سمع وضاح صوتي علي الهاتف حتي قال لي بدعابة أعهدها منه دائماً حينما تكون هناك مشكلات سياسية بعد أحد برامجي: دمرتنا يا أحمد منصور... هل سمعت ما قاله عنك الجنرال مارك كيميت نائب قائد القوات الأمريكية في العراق؟ ، قلت له متعجباً: الجنرال كيميت!! ماذا قال كيميت؟
                      قال: الآن وعلي شاشة الجزيرة . قلت له: للأسف أنت تعلم أني لا أتابع إلا ما حولي من معارك، ولا يوجد بالقرب مني جهاز تليفزيون لأتابع ما يبث .
                      قال: لقد انتقدك الجنرال مارك كيميت بشدة وشن عليك هجوماً شديداً وتحدث عنك بالاسم وقال في مقابلة أجراها معه الزميل محمد كريشان: إن مراسلكم أحمد منصور يغذي مشاهدي الجزيرة بالأكاذيب من الفلوجة . ما إن سمعت من وضاح ما قاله عني الجنرال كيميت ورغم كل ما أنا فيه من هم وإرهاق وعناء ومعاناة ومرارة انفجرت في الضحك، وقلت له: هل تمزح يا وضاح أم أنت جاد؟ قال: بل أنا جاد جداً ويمكنك البحث عن أي تليفزيون قريب ومشاهدة ذلك، فنحن سوف نبث تلك التصريحات التي قالها عنك في نشرات الأخبار القادمة؟ .
                      قلت له: لكن ما أعرفه أنه ليس معهوداً من المسؤولين سواء كانوا عسكريين أو سياسيين أن يهاجموا صحفيين بالاسم ودائما يهاجمون قناة الجزيرة دون تحديد لأسماء مذيعين أو مراسلين؟ . قال: هذا ما حدث؟ ولدي خبر آخر لكن أرجو ألا تنزعج منه. قلت له: ما هو؟ قال: بلغنا أن القوات الأمريكية تطالب بخروجكم من الفلوجة، وتعتبر خروج فريق الجزيرة من الفلوجة هو الشرط الأول لأي عملية لوقف إطلاق نار تقوم بها، وهذا أمر لم يعلنوه صراحة لكننا علمنا به من مصادر لنا قريبة من الوفد الذي سوف يرسلونه غداً صباحاً للتفاوض مع وجهاء المدينة حول وقف إطلاق النار، وقمنا أيضاً ببث هذا الخبر منذ الصباح في نشرات الأخبار بعدما تأكدنا من صحته، ومن المقرر أن يصل الفلوجة اليوم أو غداً وفد يمثل مجلس الحكم من بين أعضائه حاجم الحسني الذي يمثل الحزب الإسلامي والشيخ غازي الياور ـ الذي عينوه رئيساً للعراق بعد ذلك ـ، لكن لا عليك يمكنك أن تواصل عملك وفريق الجزيرة، حتي تتضح الأمور بشكل جلي ، قلت له: إن خروجنا من المدينة والناس يموتون من حولنا ولا يوجد غيرنا لنقل هذه المآسي عبر التليفزيون إلي العالم هو أمر غير أخلاقي من قبلنا إذا قمنا نحن به، كما أن معظم السكان المحاصرين هنا من الرجال والنساء والأطفال والعجائز، يعتبروننا نافذتهم علي العالم، لذا فإننا لن نغادر المدينة إلا إذا أجبرنا علي ذلك . قال وضاح: لا عليك واصل عملك أنت وزملاءك والله معكم .
                      أبلغت وضاحاً أيضاً أن المصوِّرَيْن ليثاً وحسيناً وصل بهما التعب مبلغه ولم تعد بهما قوة لمواصلة العمل لذا سوف يعودان إلي بغداد غداً السبت صباحاً مع بعض القوافل التي تمكنت من دخول المدينة لنقل الأغذية والمساعدات الطبية وإخلاء الجرحي، وسوف يقوم حامد وعبد العظيم بالتصوير بدلاً منهما حتي يأتينا مصوران بدلاً منهما من بغداد.

                      أنا... والجنرال

                      أيضاً هناك أمر آخر وهو ما اتصلت معك بشأنه: هل ستعودون إلينا مرة أخري لأية تغطيات مباشرة خلال الساعة القادمة علي الأقل أم أعطي الزملاء هنا فرصة للاستراحة ؟ قال: وقع قبل قليل تفجير في بغداد قرب مكتب قناة الجزيرة، والزملاء هناك مشغولون بتغطيته، ولو منحت الزملاء عندك فرصة للاستراحة يكون أفضل وربما نعود إليك بعد ساعة .
                      انتهت مكالمتي مع وضاح، وقلت للزملاء وأنا أري الإجهاد يفتك بهم جميعاً وبي: يمكننا الاستراحة لمدة ساعة، ولكن كونوا حذرين ربما نعود للبث في أي لحظة؟ قال المهندس سيف: هل أعطي مولد الكهرباء راحة هو الآخر أم أتركه؟ قلت له بابتسامة مرهقة: أعطه راحة هو الآخر لقد تعب كثيراً.
                      كان الجنرال مارك كيميت يعقد مؤتمرات صحفية يومية في مقر قيادة القوات الأمريكية في بغداد صباحاً ومساء، يتحدث فيها للصحفيين عن التطورات العسكرية اليومية من وجهة النظر الأمريكية الرسمية، وكنت أنا من الفلوجة مع فريق قناة الجزيرة نعكس وجهة النظر والحقائق علي الأرض من خلال الصور والناس والأحداث، فكنا في مواجهة أو بالأحري معركة إعلامية غير مباشرة طوال الوقت أنا من الفلوجة وهو من بغداد.
                      ورغم محاولات كيميت في مؤتمراته الصحفية صرف أنظار الصحفيين عن الفلوجة بالحديث عن أحداث أخري في مناطق مختلفة من العراق أهمها ما كان يحدث في كربلاء والنجف من مواجهات بين أنصار مقتدي الصدر والقوات الأمريكية، إلا أن تغطيتنا لأحداث الفلوجة قفزت بها إلي الخبر الأول علي شاشات التلفزة العالمية بسبب وجودنا وحدنا هناك وتغطيتنا لحرب يقوم بها أقوي جيوش العالم متسلِّحاً بكل الأسلحة الفتاكة ضد مدينة رفض أهلها الإهانة والذل والضيم الذي مارسه الأمريكيون عليهم طوال عام، وإلا لو غابت الجزيرة ولم تكن موجودة في الفلوجة في نيسان (ابريل) 2004 ـ كما قال كثير من المراقبين ـ لحدث للمدينة في ذلك الوقت ما حدث لها بعد ذلك في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2004 ، فقد كانت خطة إخضاع الفلوجة كما أشار بريمر في مذكراته جاهزة للتطبيق.
                      لم يكن الجنرال كيميت يستطيع الفكاك من حصار الصحفيين له بالأسئلة عما يدور في الفلوجة لا سيما وأننا كنا المصدر الرئيسي بل والوحيد للصور والأخبار التي تبث من المدينة، بينما كان هناك كالعادة صحفيون أمريكيون مصاحبون للقوات الأمريكية ينقلون الصورة من طرفها الآخر، ولم تكن لدي الجنرال كيميت سوي إجابة واحدة كلما قال له أحدهم الجزيرة نقلت كذا وقالت كذا من الفلوجة ما ردك؟ فظل يجيب علي الجميع: الجزيرة تبث الأكاذيب ما عليكم سوي تغيير القناة لتتحاشوا الأكاذيب التي تروجها . وقامت قناة الجزيرة ببث تصريحات الجنرال كيميت هذه مرات عديدة خلال أيام عملنا في الفلوجة، بل إنها في النهاية صنعت منها دعاية إعلانية كانت تبثها علي مدار الساعة.
                      ولا شك في أن الوضع المحرج للقوات الأمريكية التي كانت تحاصر المدينة قد بلغ مداه يوم الجمعة ـ كما أشار الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر في مذكراته التي نشرت تحت عنوان عام قضيته في العراق ـ بعدما أصبحت هي الأخري محاصرة من قبل قوات المقاومة التي تداعت من شتي أنحاء العراق وقطعت كافة الإمدادات عن القوات الأمريكية بل وقطعت الطرق أيضاً، وأصبح المأزق الأساسي الذي تواجهه القوات الأمريكية هو التغطية التي كنا نقوم بها من داخل المدينة.
                      وتأكيداً لما ذكره وضاح لي من أن القوات الأمريكية قد اشترطت خروجنا من المدينة لتحقيق أي وقف لإطلاق النار، ما ذكره بول بريمر في الصفحة 422 من مذكراته ـ التي سبق وأن أشرت إليها ـ حيث قال عما حدث في يوم الجمعة 9 نيسان (ابريل) صباحاً: تحدثت أنا والجنرال جون أبي زيد وسانشيز وبلاكويل لمدة نصف ساعة أخري، فقال جون إنه يتفهم أن الوضع السياسي لا يسمح بمواصلة الهجوم علي الفلوجة الآن، وبحثنا هل سيتمكن وفد مجلس الحكم من تهدئة الأمور بالشكل الكافي لكي توقف الجزيرة نقلها للأخبار .
                      إذن كانت مهمة أساسية لوفد مجلس الحكم كما قال بريمر أن يتم إيقاف الجزيرة عن بث الأخبار من الفلوجة، وهذا ما أبلغه الوفد للزميل عبد العظيم محمد في اليوم التالي السبت 10 نيسان (ابريل) صباحاً، وهذا أيضاً ما دفع كيميت بعد عدة أيام من مهاجمتنا كقناة في المؤتمرات الصحفية إلي أن يهاجمني أنا شخصياً في حواره مع الزميل محمد كريشان علي شاشة الجزيرة يوم الجمعة 9 نيسان (ابريل).
                      وأذكر هنا أن الزميل أحمد السامرائي وهو كان أحد مصوري قناة الجزيرة الذين يغطون المؤتمرات الصحفية للجنرال مارك كيميت في مقر قيادة القوات الأمريكية في بغداد أبلغني أن الجنرال كيميت كان غاضباً مني للغاية وتحدث معه أكثر من مرة شاكياً مني بمرارة ومن التغطية التي كنا نقوم بها من الفلوجة، لا سيما وأن كيميت كان يتعرض لحصار يومي ومواجهة من الصحفيين لسؤاله عما نقوم ببثه من أخبار الدمار والخراب والقتل واستخدام الأسلحة المحرمة وقتل النساء والأطفال وغير ذلك من الأحداث الأخري المصورة. وكان الزملاء في نشرات الأخبار المختلفة ينقلون لي في أسئلتهم ما يقوله الجنرال كيميت عن الأوضاع في الفلوجة وأقدم لهم بالصور والدلائل الدامغة الحقائق علي الأرض والمخالفة تماما لما يقوله كيميت، فكان الجنرال يبدو أمام الجميع أنه هو الذي يروِّج الأكاذيب وليس أنا.
                      بقيت أنا والجنرال كيميت ـ دون أن أدري ـ منذ دخولي إلي الفلوجة حتي خروجي منها في معركة ليس بالسلاح وإنما علي شاشات التلفزة، هو يدَّعي ما يريد، وأنا أخرج بالصور والحقائق الدامغة المنافية تماماً لكل تصريحاته. وكان واضحاً أن كيميت كان يشاهدني ويتابعني بدقة ويتم ترجمة ما أقدمه للمشاهدين له، وربما ليس هو فقط الذي كان يتابعني ـ كما ظهر فيما بعد ـ ولكن كان كل صانعي القرار في الولايات المتحدة يتابعون ما يبثه فريق الجزيرة من الفلوجة، بينما كنت نادراً ما أتابع مؤتمراته الصحفية لأني كنت طوال الوقت إما أدور في أنحاء المدينة لأرصد وأتحقق من معاناة أهل الفلوجة ومآسيهم، وإما أتابع مع الزملاء ما يقومون به حتي نقدم صورة دقيقة عن الأحداث ما استطعنا، ولم أكن أعلم بادعاءات كيميت إلا من خلال ما ينقله الزملاء لي.

                      بوش وبلير: الجزيرة.. الجزيرة

                      لم يكن الهجوم الذي شنه الجنرال مارك كيميت ضدي في التاسع من نيسان (ابريل) إلا مقدمة لحرب قام معظم أركان الإدارة الأمريكية بشنها علي قناة الجزيرة بشكل عام، وجانب منها علي أحمد منصور بشكل خاص بسبب تغطيتي التليفزيونية لمعركة الفلوجة.
                      المسؤولون الأمريكيون وعلي رأسهم وزير الدفاع آنذاك دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفويتز الذي أصبح رئيساً للبنك الدولي ثم أجبر في أيار (مايو) من العام 2007 علي الاستقالة بعد الفضيحة المدوية بتورطه بمحاباة عشيقته لم يتوقفوا عن شن هجمات متكررة علي قناة الجزيرة منذ بداية الحرب علي العراق في 19 اذار (مارس) من العام 2003 وحتي معركة الفلوجة الأولي في نيسان (ابريل) من العام 2004 واتهامها مرات عديدة بأنها تروِّج الأكاذيب و تسيء لجهود أمريكا في العراق و تتعاون مع مقاومين عراقيين وتبث السم والكذب و تؤيد صدام حسين وتعارض التحالف . واعتبرها توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الحليف الأكبر لأمريكا في تصريحات نشرت له في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2003 بأنها أسوأ أعداء العراق الحقيقيين .
                      وكانت كل هذه الاتهامات تزيد من مصداقية الجزيرة ومكانتها لدي المشاهدين ليس في العالم العربي فحسب وإنما في جميع أنحاء العالم، حتي أصبح شعار قناة الجزيرة يحتل المرتبة الخامسة من حيث الشهرة كعلامة تجارية عالمياً بشكل عام والأولي بين وسائل الإعلام بشكل خاص، وكانت هذه الهجمات والانتقادات ضد قناة الجزيرة تتم بشكل دائم دون توقف، وفي بعض الأحيان كان الناطق باسم قناة الجزيرة آنذاك الزميل جهاد بلوط يرد علي بعضها وفي أحيان كثيرة لا تعلق الجزيرة علي شيء.
                      لكن الهجوم علي قناة الجزيرة أثناء وبعد تغطيتنا لمعركة الفلوجة الأولي أخذ منحي آخر، فالهجوم العام تحوَّل إلي تحديد شخص بالاسم لأول مرة هو أحمد منصور ، ولغة الاتهام أخذت بعداً آخر في تصريح أدلي به وزير الدفاع آنذاك دونالد رامسفيلد حمل روح التهديد والعداء والكراهية للجزيرة، فقد قال غاضباً في الخامس عشر من نيسان (ابريل) 2004 وعلي شاشات التليفزيون من خلال المؤتمر الصحفي الذي كان يعقده في وزارة الدفاع في واشنطن وتحديداً كان يعلق علي تغطيتنا لمعركة الفلوجة: أستطيع القول وبشكل قاطع إن ما تفعله الجزيرة عمل شرير وغير دقيق ولا يمكن تبريره . وكان هذا التصريح قبل يوم واحد من الاجتماع الذي عقد بين الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير في السادس عشر من نيسان (ابريل) 2004 والذي أخبر فيه بوش بلير بأنه ينوي قصف مقر قناة الجزيرة في الدوحة وبعض مكاتبها في الخارج. أما الرئيس جورج بوش الذي كان يتجنب ذكر اسم الجزيرة بشكل مباشر في ذلك الوقت، فقد عبــر عما سبـــبته تغطية الجزيرة لمعركة الفلوجة من حـــرج له ولإدارته بعد اجتماع عقده مع مساعديه للأمـــن القومي في تصريحات نقلتها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في عددها الصادر يوم الخميس التاسع والعشرين من نيسان (ابريل) من العام 2004 جاء فيه: إن صور القتال الشرس في الفلوجة ستثير تمردات في أرجاء العراق وغضباً في أرجاء العالم العربي .
                      أما يوم الثلاثاء 27 نيسان (ابريل) 2004 فقد نقلت المصادر الإخبارية المختلفة ومنها قناة الجزيرة أن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول قد خصص الجزء الرئيسي من اجتماعه مع وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني في لقاء تم بينهما في مقر وزارة الخارجية في واشنطن للحديث عما تبثه قناة الجزيرة من أخبار حول وضع القوات الأمريكية في العراق بشكل عام والتغطية التي قام بها فريق قناة الجزيرة لمعركة الفلوجة علي وجه الخصوص.
                      وقد قال باول للصحفيين أمام مقر الخارجية الأمريكية في أعقاب الاجتماع: إن الصداقة بين البلدين تسمح لنا ببحث القضايا الصعبة التي تعترض علاقتنا مثل مسألة تغطية قناة الجزيرة ، بينما رفض وزير الخارجية القطري التعليق في شكل بدا فيه الأمر وكأن الجو كان متوتراً للغاية بين الطرفين.

                      وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

                      تعليق

                      يعمل...
                      X