إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

البحث العلمي في العالم العربي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • البحث العلمي في العالم العربي

    البحث العلمي في العالم العربي

    حواس محمود




    يشكل البحث العلمي عاملاً مهماً وشرطاً ضرورياً لتقدم أي مجتمع، وتزداد أهمية هذا العامل مع التقدم الهائل للعلوم والتكنولوجيا ودخول العالم الثورة الثالثة أي ثورة المعرفة والمعلومات والاتصالات، مما يحتم على دول ومجتمعات العالم المعاصر تقديم المزيد من الدعم للباحثين للوصول إلى نتائج مهمة تخدم قضايا المجتمع.

    ويشمل البحث العلمي كل جوانب الحياة الاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية، وقد استطاعت الدول التي أولت البحث العلمي العناية والاهتمام المطلوبين توظيف الكثير من نتائجه للوصول إلى حلول ناجحة للقضايا والمشكلات الاجتماعية.

    وتبدو الحاجة أكثر إلحاحاً في العالم العربي لتطوير آلية البحث العلمي في ظل الحاجات المتزايدة للتنمية في عصر المعلوماتية والاتصالات، وبما أن البحث العلمي لم يأخذ الدور الذي يجب أن يلعبه حتى الآن في معالجة المشكلات العالقة في العالم العربي، فقد ازدادت الحاجة للمزيد من دعمه في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

    تعريف البحث العلمي:

    يعرف خبير اليونسكو في مجال البحث العلمي (جون ديكنسون) البحث العلمي بأنه: (استقصاء منهجي في سبيل زيادة مجموع المعرفة)، ويعرفه آخرون بأنه: (استقصاء دقيق نافذ وشامل يهدف إلى تحصيل حقائق جديدة تساعد على وضع فرض جديد موضع الاختبار أو مراجعة نتائج مسلم بها) وهنالك صعوبة في تعريف شامل للبحث العلمي، لكن ذلك لا يعني تعريفه بأنه: (الوسيلة للوصول إلى الحقيقة النسبية واكتشاف الظواهر ودرجة الارتباط فيما بينها، وذلك في مختلف مجالات المعرفة، والبحث العلمي لا يقتصر على أسرار المادة والكون المحيط بنا بل يشمل الأحداث اليومية لحياة الإنسان).

    واقع البحث العلمي في العالم العربي:

    يمكن الاشارة إلى أن 90 في المائة من المنشورات البحثية في العالم العربي لها صلة مباشرة بالمشاكل المحلية، وتفيد دراسة لليونسكو بأن الانتاجية العلمية في العالم العربي متدنية جداً، فقد كان هنالك على سبيل المثال سبعة آلاف باحث وكان من المتوقع أن ينتج هؤلاء ما بين (8000 و 14000) بحث سنوياً، إلا أن المنشور فعلاً بلغ (847) بحثاً أي بحدود (10 في المائة) من المتوقع، وجاء في دراسة حول هذا الموضوع – نشرت في مجلة المستقبل العربي، أن أعمال البحث العلمي في البلدان العربية ذات طبيعة تطبيقية صرف، إذ إن (38 في المائة) من منشورات هذه الأعمال في الطب، (20 في المائة) منها في الزراعة، (17 في المائة) منها في الهندسة، ومثلها في العلوم الأساسية و(8 في المائة) منها في الاقتصاد والإدارة، وارتفع الإنتاج الكلي من تلك المنشورات في العالم العربي من (465) منشوراً في عام 1967 إلى نحو (6000) في العام 1995، وبلغ معدل النمو السنوي منذ عام 1967 في مجل منشورات العالم العربي (10 في المائة) وان كانت النسب مختلفة من قطر لآخر، وقد سجلت أعلى نسبة في المملكة العربية السعودية بواقع (25 في المائة) تلتها حتى العام 1990 الكويت بنسبة (20 في المائة)، وأن معدل إنتاج البحوث بالنسبة للبلدين إلى الفرد الواحد من السكان في كلا القطرين يضاهي المعدل السائد في أقطار النمور الآسيوية، وتجدر الاشارة إلى أنه في عام 1990 كانت البلدان الرئيسية الثلاثة في ترتيب الإنتاج البحثي هي مصر37 في المائة والعربية السعودية 20 في المائة والكويت 12 في المائة، وفي العام نفسه بدأ نصيب الفرد في الكويت من هذا الإنتاج يصل إلى معدل الدول الأوروبية.

    الإنفاق على البحث العلمي:

    استطاعت الدول المتقدمة أن توجد آليات وتعتمد على وسائل تمكنها من توفير الميزانيات اللازمة للإنفاق على البحث العلمي وتنويع مصادره، إضافة إلى الإنفاق عليه بسخاء من ميزانياتها، بينما في البلدان العربية تواجه المؤسسات البحثية والجامعية الكثير والكثير من المعوقات والتحديات، ومن أهمها انخفاض مستويات التمويل، وتدني إسهام القطاع الخاص في شؤون التعليم العالي والبحث العلمي، إذ إن نسبة تمويل البحث العلمي تكاد لا تصل إلى 1 في المائة في الموازنات العامة!

    والناظر إلى واقع التمويل العربي للبحث العلمي، يجد أنه يختلف كثيراً عن المعدل العالمي للإنفاق على البحث العلمي، ويزداد التخلف عاماً بعد عام، حتى لو تقدم معدل الإنفاق العربي على البحث العلمي في الفترة من عام 1970م وحتى عام 2005م، إذ إن هذا التقدم حدث بشكل نسبي وضئيل جداً مقارنة بالوضع العالمي المتسارع. فهذا الارتفاع الذي حدث خلال هذه الفترة الطويلة هو ببساطة شديدة عبارة عن ارتفاع نسبة الإنفاق على البحث العلمي قياساً إلى الناتج المحلي من 0.31 في المائة عام 1970م إلى 0.67 في المائة عام 1990م. ومن ثم فلا تأثير لهذا الارتفاع الضئيل على الفجوة الكبيرة بين الأقطار العربية والمجموعات الدولية في هذا المجال.

    وتختلف الأقطار العربية فيما بينها من حيث حجم الإنفاق على البحث العلمي. والملاحظ أن نسبة الإنفاق على البحث العلمي بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي لم تتعد 0.5 في المائة في الأقطار العربية كافة لعام 1992م، وهي نسبة ضئيلة عند مقارنتها بمثيلاتها في السويد وفرنسا حيث بلغت 2.9 في المائة، و2.7 في المائة على التوالي.

    وفي عام 1999م كانت نسبة الإنفاق على البحث العلمي في مصر 0.4 في المائة، وفي الأردن 0.33 في المائة، وفي المغرب 0.2 في المائة، وفي كل من سوريا ولبنان وتونس والسعودية 0.1 في المائة من إجمالي الناتج القومي. و(0.07 في المائة) في بقية البلدان العربية، وتؤكد ذلك إحصائيات اليونسكو لعام 1999م. أما إحصائيات سنة 2004م للمنظمة العالمية نفسها، فتقول إن الدول العربية مجتمعة خصصت للبحث العلمي ما يعادل 1.7 مليار دولار فقط، أي ما نسبته 0.3 في المائة من الناتج القومي الإجمالي.

    في حين نلاحظ أن الإنفاق على البحث العلمي في إسرائيل (ما عدا العسكري) حوالي 9.8 مليارات (شيكل)، أي ما يوازي 2.6 في المائة من حجم إجمالي الناتج الوطني في عام 1999م، أما في عام 2004م فقد وصلت نسبة الإنفاق على البحث العلمي في إسرائيل إلى 4.7 في المائة من ناتجها القومي الإجمالي علماً بأن معدل ما تصرفه حكومة إسرائيل على البحث والتطوير المدني في مؤسسات التعليم العالي ما يوازي 30.6 في المائة من الموازنة الحكومية المخصصة للتعليم العالي بكامله، ويصرف المتبقي على التمويل الخاص بالرواتب، والمنشآت، والصيانة، والتجهيزات، على العكس تماماً مما يحدث في البلدان العربية، إذ إن أغلب الموازنة المخصصة للبحث العلمي تصرف على الرواتب والمكافآت والبدلات وغيرها. والجدير بالذكر أن المؤسسات التجارية والصناعية في إسرائيل تنفق ضعفي ما تنفقه الحكومية الإسرائيلية على التعليم العالي.

    وإذا قورن وضع إسرائيل بالدول المتقدمة الأخرى، نجد أنها تنافس وتسبق كثيراً الدول الغنية والبلدان المتقدمة في هذا الميدان، فنجد أن نسبة الإنفاق على البحث العلمي من إجمالي الناتج الوطني في السويد وصلت إلى 3.3 في المائة، و2.7 في المائة في سويسرا واليابان، وهي تتراوح من 2 إلى 2.6 في المائة في كل من فرنسا والدنمارك والولايات المتحدة، وما يتراوح بين 0.5 في المائة إلى 1.9 في المائة في بقية الدول المتقدمة في العامين الأخيرين.

    هذا، ويتبين أن إسرائيل تعتمد بشكل كبير على المراكز البحثية القائمة داخل الجامعات ومؤسسات التعليم العالي. وتبلغ معدلات الإنفاق الحكومي على البحوث داخل الجامعات أعلى نسبة في العالم أي حوالي 30.6 في المائة، بينما يصرف القطاع الخاص ما نسبته 52 في المائة من الإنفاق العام على الأبحاث والتطوير، وتحتل إسرائيل المركز الثالث في العالم في صناعة التكنولوجيا المتقدمة بعد (وادي السيليكون) في كاليفورنيا وبوسطن، والمركز الخامس عشر بين الدول الأولى في العالم المنتجة للأبحاث والاختراعات. أما بالنسبة إلى عدد سكانها قياساً إلى مساحتها فهي الأولى في العالم على صعيد إنتاج البحوث العلمية.

    وفي تحقيق أجراه المحرر الاقتصادي لمجلة (ديرشبيغل) الألمانية (إريش فولات)، حول أثر المهاجرين الروس في الاقتصاد الإسرائيلي والتقدم التكنولوجي الكبير الذي بلغته بفضلهم، يتبين أنه يتم تداول أسهم أكثر من 100 شركة إسرائيلية في البورصة التكنولوجية تجاريها كندا فقط في هذا المجال. وأن إسرائيل تصدر اليوم من بضائع التكنولوجيا العالية 40 في المائة من إجمالي صادراتها.

    إن إلقاء نظرة متأنية إلى ما يجري في قطاع البحث العلمي في إسرائيل ومراقبة التطور المذهل لصناعة التكنولوجيا العالية هناك، واستغلال إسرائيل، وعملها المتنامي على توسيع أسواق لمنتجاتها وجذب رؤوس أمول أجنبية، تجعلنا نعي أي تحد سوف تحمله لنا الأعوام القادمة من هذا القرن في حال تحقق السلام مع إسرائيل. فالمواجهة العلمية- الاقتصادية لزمن السلم ربما قد تكون أصعب بكثير من المواجهة في زمن الحرب!

    وبالنسبة للتمويل في الجامعات ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الدراسات التي تصف واقع تمويل البحث العلمي الجامعي، موضحة أهم الأسباب المؤدية إلى ضآلة حجم الإنفاق المالي عليه، مقارنة بالواقع العالمي.

    ضآلة حجم الإنفاق المالي على الأبحاث العلمية:

    يعود قصور الجامعات في البحث العلمي إلى عدم تخصيص ميزانية مستقلة ومشجعة للبحوث العلمية، إضافة إلى أن الحصول على منحة بحثية يستغرق إجراءات طويلة ومعقدة مع قلة في الجهات المانحة. كما أن معظم الجامعات في الدول النامية تركز على عملية التدريس أكثر من تركيزها على البحوث العلمية لأسباب عدة. كما أن الدول المتقدمة ترصد الميزانيات الضخمة للبحوث العلمية لمعرفتها بالعوائد الضخمة التي تغطي أضعاف ما أنفقته، في حين يتراجع الإنفاق على البحوث العلمية في الدول العربية بسبب النقص في التمويل الذي تنفق نسبة كبيرة منه على الأجور والمرتبات.

    هذا، ولقد أنفق العالم في عام 1990م مبلغ 450 مليار دولار على البحث العلمي والتطوير، وكان إسهام الدول النامية أقل من 4 في المائة.
    ومن جانب آخر فإن مخصصات البحث العلمي في الدول المتقدمة تزداد عاماً بعد آخر، إذ تتضاعف كل ثلاث سنوات تقريباً، وتتجاوز نسبة مخصصات البحث العلمي في بعض الدول المتقدمة 4 في المائة من إجمالي الناتج القومي.

    يعد القطاع الحكومي الممول الرئيس لنظم البحث العلمي في الدول العربية، حيث يبلغ حوالي 80 في المائة من مجموع التمويل المخصص للبحوث والتطوير مقارنة بـ3 في المائة للقطاع الخاص، و7 في المائة من مصادر مختلفة. وذلك على عكس الدول المتقدمة وإسرائيل حيث تتراوح حصة القطاع الخاص في تمويل البحث العلمي ما بين 70 في المائة في اليابان و52 في المائة في إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

    وهذا الإسهام الضعيف من قبل القطاع الخاص للمؤسسات البحثية يرجع إلى عدم تقدير القطاع الخاص لقيمة البحث العلمي وجدواه. إضافة إلى عدم كفاية الميزانيات التي ترصدها المراكز والجامعات ومؤسسات المجتمع للبحث العلمي، وإلى الفساد المالي والإداري الملحوظ في الجامعات ومراكز البحوث العربية.

    ومن النماذج العربية الجيدة في دعم البحث العلمي، نموذج دولة الكويت، التي فرضت نسبة معينة من أرباح الشركات لدعم (مؤسسة الكويت للأبحاث العلمية) تقدم كمعونة من القطاع الخاص، كمورد إضافي لحركة البحث العلمي في جامعاتها ومراكزها البحثية.

    وينبغي هنا أن نؤكد أن القطاع الخاص عند دعمه للبحث العلمي سيكون هو أول المستفيدين من نتائجه على المدى الطويل. وأمثلة ذلك كثيرة في العالم فكم من الشركات الكبرى التي تبنت ودعمت بحثاً ما في إحدى الجامعات وعند الوصول إلى النتائج كانت هي أول المستفيدين من هذا البحث. ومن ثم يعود عليها عائد مادي كبير لامتلاكها حق الاكتشاف والتبني. ونجد في أغلب جامعات العالم أن هنالك مراكز بحثية تقوم على تمويلها ودعمها الشركات الكبرى أو القطاع الخاص عامة. وقد توصلت هذه المراكز (نتيجة لهذا الدعم) إلى حلول لمشكلات أو طورت اختراعاً عاد بالمردود الجيد على الشركات الداعمة. كما أن هذه الشركات قد تبيع نتائج البحوث التي دعمتها لقطاعات أخرى. بل (وليس بالضرورة) امتلاك هذه الشركات لنتائج البحث، ففي كثير من الحالات يشارك عدد من الشركات لدعم بحث ما، ولا تستفيد من ذلك سوى أن يذكر اسمها من ضمن الداعمين. وهذا له مردود دعائي كبير على مستهلكي منتج الشركة، وذلك على المدى الطويل، فهو يدلل على مركز الشركة الرفيع وتقديرها للبحث العلمي ويعطيها السمعة الحسنة والمتميزة أمام عملائها.

    مشكلات ومعوقات البحث العلمي في العالم العربي:

    إن معوقات البحث العلمي تنحصر في الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية التي يواجهها المجتمع بشكل عام، وبالتحديد فإن مثبطات البحث العلمي تنحصر في المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يواجهها، وهي لا تنفصل عن إشكاليات المجتمع بشكل عام، حيث يعتبر العلم وتطبيقاته في مجال الإنتاج من أهم المظاهر المميزة لنهاية القرن العشرين.

    ومن أهم مشكلات البحث العلمي:

    1- تدني مستوى الإنفاق على البحث العلمي: إن البحث العلمي يتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً على المنشآت البحثية كالمباني والمختبرات وتجهيزاتها وكذلك المكتبات ودور النشر والمجلات العلمية والدوريات التي تنشر فيها نتائج البحوث، إضافة إلى تعويضات العاملين في هذا المجال، ولذلك فإن الباحثين يعانون من قلة الإنفاق على البحث العلمي، وهذا يحول دون قدرتهم على متابعة دراساتهم وأعمالهم بعد رفض طلباتهم في المساعدة والتمويل بحجة عدم وجود رصيد لهذه الغاية، مما يضطرهم للتخلي عن بعض البحوث وعدم استكمالها وهذا ما يضيع الكثير من الوقت والجهد من دون فائدة.

    2- نقص التجهيزات العلمية والتقنية: إن الكثير من البحوث الهادفة تتطلب تقنية حديثة عالية تضمن الوصول للنتائج المرجوة، ويشكل غيابها حلقة مفرغة تحول دون تحقيق النتائج المرجوة وتعاني الدول العربية من نقص الموارد المخصصة لهذه الغاية مما يضعف القدرة البحثية بشكل عام.

    3- نقص الفنيين والمتخصصين في التقنيات الحديثة:

    وهذا يظهر في حال توفر الأجهزة الحديثة الضرورية للبحث العلمي، حيث يلاحظ غياب التقنيين المؤهلين للإشراف على حسن سير العمل على هذه الأجهزة وإصلاحها في حالة التعطل، وينتج عن ذلك تعطل هذه الآلات لفترات طويلة والاستعانة بالخبرات الأجنبية الباهظة التكاليف وبالتالي يتم هدر الوقت والجهد والمال.

    4- غياب المؤلفات والمراجع الضرورية لعمل الباحث:

    تحتاج المكتبات العربية للعديد من المؤلفات والمراجع الضرورية والمهمة وخاصة الجديدة منها، لمواكبة التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل، وهذا ما يعيق عمل الباحث ويفصله عن مجريات الثورة العلمية والتقنية المعاصرة

    5- انعدام أجواء البحث العلمي:

    يقصد بأجواء البحث العلمي ظهور الأفكار الجديدة والأفكار المقابلة لها وكذلك وجود ما تسمى (المجتمعات العلمية) أي تجمعات العلماء والباحثين، والتي تتجسد في الجمعيات العلمية العامة والمتخصصة والنوادي العلمية والفكرية التي يتم فيها تبادل الأفكار والآراء والإسداء المتبادل للنصائح في مجال البحث العلمي، ولمثل هذه الأجواء دور مهم في تحريض العملية البحثية والإبداعية، فالباحث يستثيره للعمل الخلاق تحدي الأفكار الأخرى أو بمعنى آخر، أن الخلق يولد الخلق، وللأسف الشديد فإن العديد من أقطار العالم العربي يفتقر إلى مثل هذه الأجواء للبحث العلمي، ولا ننسى أيضا مشكلة الهدوء الذي لا بد منه للتركيز والخلق والإبداع الذي لا يتوفر بنسبة كافية في العالم العربي.

    6- ظروف عمل ومكانة العلماء والباحثين في المجتمع العربي:

    بالنسبة لظروف عمل الباحثين العرب يمكننا الاستشهاد بقول للدكتور محمد عبد الحليم مرسي الذي يقول: (إن الذي يعيش في الخارج المتقدم لبعض الوقت، ويرى الظروف الطيبة الميسرة والمريحة التي يعمل فيها العلماء والباحثون، قد يجد بعض العذر لعلمائنا عندما تقل إنتاجيتهم العلمية والأسباب كثيرة ومتنوعة، فابتداء بالراتب المغري الذي يسد حاجة العالم وأسرته إلى السكن الممتاز المؤمن بجانب عمله، إلى توفير كل مستلزمات عمله، إلى هيئة من المساعدين الذين يفهمون عمله، ويجهزون له مختبره ويحافظون على نتائج تجاربه، إلى المساعدة على نشر أبحاثه، إلى تأمين الدعوة لحضور المؤتمرات العلمية، إلى احترام رأيه وآدميته ... إلخ. كل هذه الظروف وغيرها تجعل الفرد يتفرغ تماماً للبحث العلمي والدراسة والاطلاع، وبالتالي الإنتاج والإبداع). ولسنا بحاجة للقول إن الكثير من الأقطار العربية لا تتوفر فيها هذه الظروف للباحثين، حتى في حدودها الدنيا ولذلك يهاجر العديد من العلماء والباحثين والخبراء إلى الدول الأجنبية وتتشكل من جراء ذلك ظاهرة ما تسمى (هجرة الأدمغة أو نزيف الأدمغة).

    أما بالنسبة لمكانة العلماء والباحثين في المجتمع العربي فإن التقدير الاجتماعي يلعب دوراً هاماً في تشجيع العلماء والباحثين على المزيد من العمل والتضحية والعطاء العلمي، ولا يمكن أن يوجد هذا التقدير إلا في مجتمع يدرك أهمية الدور الذي يقوم به العلماء والباحثون داخل المجتمع.

    ينظر المجتمع العربي الحالي نظرة لا تليق بالبحث العلمي من حيث أولويته على كثير من الأنشطة والمجالات، وربما يتعلق ذلك بالتنشئة الاجتماعية التي أكسبت الجماهير العربية الحالية هذه النظرة السالبة نحو البحث العلمي، وأصبح الناس غير مدركين لخطورة تدهور البحث العلمي العربي، وتأخره عن ركب الحضارة.

    وتلعب القيم السائدة في زمان ما دوراً أساسياً في توجيه المجتمع في هذا الاتجاه، فهكذا كانت قيمنا الأصيلة المستمدة من الدين الإسلامي الحنيف في المجتمعات العربية تحض على تقدير واحترام العلم والعلماء (العلماء ورثة الأنبياء) وكان لنتيجة التقدير أن سطعت شمس حضارة العرب والإسلام على بقاع شاسعة من المعمورة، أما في وقتنا الراهن فالتراجع ملحوظ، للأسف، ولهذا التراجع أثره السلبي الخطير في تقدم مسيرة التنمية والحضارة في العالم العربي

    7- غياب سياسات واضحة للبحث العلمي: تفتقر معظم الدول العربية إلى سياسات واضحة للبحث العلمي والتي تتضمن تحديد الأهداف والأولويات والمؤسسات والمراكز البحثية اللازمة وتوفير الإمكانات المادية والضرورية لتفعيل وتطوير البحث العلمي وهذا ما يؤدي إلى تناثر الجهود وغياب التنسيق وعدم تحقيق الغايات.

    التقدم العلمي التكنولوجي وسبل تطوير البحث العلمي في العالم العربي: أدت التكنولوجيا دورا مهما ومتزايد الأثر في زيارة قوة ورفاهية الدول المتقدمة، وتشير الدراسات إلى أن مساهمة التقدم التقني في زيارة إنتاجية العمل في الولايات المتحدة تساوي 80- 90 في المائة. إن التقدم التكنولوجي مسؤول عن 90 في المائة من الزيارة في متوسط دخل الفرد الأمريكي خلال الفترة (1900- 1960)، فيما كانت الزيارة في استخدام رأس المال مسؤولة عن (10 في المائة) فقط، لقد عرفت الدول العربية عملية نقل التكنولوجيا منذ زمن محمد علي الكبير، ولقد أنفق العالم العربي مبالغ طائلة على نقل التكنولوجيا (خالية المعرفة) أو (المفتاح باليد)، حيث انفق خلال الفترة (1950 - 1967) مبلغ (65 مليار دولار) شملت (13 دولة).

    لقد واجهت عملية نقل التكنولوجيا العديد من المحددات، والتي يمكن أن نذكرها وهي: الحاجز الاجتماعي، غياب القاعدة العلمية التي باستطاعتها ملاءة التكنولوجيا المنقولة مع البيئة، القرار العربي، تكلفة نقل التكنولوجيا (التقانة)، وبما أن البحث العلمي عنصر هام للتنمية الشاملة، لذلك على العالم العربي اعتماد البحث العلمي، وتوفير العوامل والسبل التي تطوره والتي تتحدد بما يلي:

    1- وضع استراتيجية عربية للبحث العلمي ونقل التكنولوجيا وتوطينها، تستنبط منها الخطط البحثية القطرية، على أن يراعى في إعداد هذه الخطط تجنب الازدواجية الضارة والتوجه نحو التنسيق بين الأقطار العربية في إجراء البحوث المشركة.

    2- شبكة المعلومات العربية: هذه الشبكة تضم معلومات مفصلة عن اختصاص الباحثين العرب والبحوث التي قاموا بها وكذلك البحوث التي يقوم بها باحثون في العالم والتي يمكن أن يستفيد منها الباحث العربي.

    3- الصندوق العربي للبحث العلمي : مهمته كبيرة، حقيقة أن هنالك الكثير من الباحثين في العالم العربي وضمن الاختصاص الواحد في عزلة عن بعضهم بعضاً، في حين أن الكثير من هؤلاء الباحثين يرتبطون بمشاريع وبحوث مشتركة مع باحثين من الدول المتقدمة، ومن هنا فإن مثل هذا الصندوق سيفتح قنوات ما بين الباحثين العرب الأمر الذي نفتقده في الوقت الراهن.

    4- المركز العربي لنقل وتقييم التكنولوجيا: هذا المركز مهم ليكون قاعدة معلومات لجميع أنواع التكنولوجيا، على سبيل المثال: هل سيكون نقل التكنولوجيا في قطاع محدد على شكل تسليم مفتاح باليد؟ أم سيعتمد على فك الحزمة التكنولوجية؟ أم هل بالإمكان القيام بعملية التكنولوجيا العكسية في قطاعات معينة؟ وهذا ما قامت به اليابان في بداية الأمر.

    5- تنشيط اللقاءات العلمية عن طريق عقد المؤتمرات العلمية والندوات بصفتها إحدى الوسائل على ما يجري في العالم العربي من ناحية، وتبادل الآراء والخبرات بين العلماء العرب من ناحية أخرى.

    6- تشجيع القيام بالبحوث العلمية المشتركة عن طريق فرق عمل عربية بين قطرين وأكثر.

    7- تأسيس جمعيات علمية عربية تعمل على التقريب بين العلماء والباحثين العرب وتزيد من فرص اللقاءات، ودعم الجمعيات العلمية القائمة حالياً، وتوفير مستلزمات إنجاحها.

    8- إصدار الدوريات العلمية المتخصصة، واستخدام الحواسب الإلكترونية المتطورة في عمليات الطباعة مما يوفر الوقت والجهد، إلا أن ذلك يتطلب تدريب الكوادر الفنية العاملة في الطباعة على اتقان استخدام هذه الحواسب.

    9- إعفاء جميع المطبوعات العلمية من جميع الضرائب والرسوم المالية والجمركية عند التصدير أو الاستيراد.

    الخاتمة: مما سبق نصل إلى نتيجة مؤداها أن البحث العلمي يعتبر مرتكزاً أساسياً لأي تنمية في العالم العربي سواء اقتصادية، اجتماعية – بشرية – تكنولوجية، وإليه يستند تطوير المستويات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وحتى السياسية، ولذلك فالعالم العربي يمكنه الاستفادة من تجار الدول المتقدمة الأخرى في مجال البحث العلمي والتقدم التكنولوجي كاليابان والصين والنمور الآسيوية وغيرها من الدول، التي اعتمدت إلى حد كبير على إمكاناتها الذاتية وكذلك على الإرادة الذاتية الواثقة والقادرة على تنمية وإدارة البحث العلمي، من دون الوقوع في التبعية العلمية والتكنولوجية للدول المتقدمة تكنولوجياً.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X