مع إعلان الانتخابات البلدية كان الاعتقاد السائد هو ظهور التكتلات القبلية وقد يذهب البعض الى الخوف من التجربة لما قد تفرزة من إحياء لتلك النزعات وعلى عكس التوقعات

كانت النزعة القبلية غائبة كتاب جيد انقلة اليكم وهو من الكتب القلائل في مجال دور الدوله والقبيلة في العالم العربي

اسم الكتاب: القبيلة والسلطة.. القومية والإثنية في الشرق الأوسط

تحرير: سيرغويربا
الناشر: ساكي بوكس، لندن
عرض/ كامبردج بوك ريفيوز


يتناول هذا الكتاب علاقة القبيلة بالسلطة في عدد من البلدان العربية، وبعض دول الجوار -تحديدا إيران- والحالة الكوردية.
والسؤال المركزي الذي يطرحه محررا الكتاب، فالح عبد الجبار وهشام داوود، وكذا ينسحب على معظم مساهمات الكتاب هو كيف ولماذا يستمر حضور القبيلة بشكل طاغ في السياسة العربية؟

فما أن يظن أن القبيلة العربية قد انتهت وقام على أنقاض حطامها أنظمة دول حديثة تعتمد الدساتير ومفاهيم المواطنة والولاء للدولة عوض الولاء للقبيلة، حتى تعاود هذه القبيلة الظهور مرة ثانية بشكل أقوى وأشد.
ويرى المحرران أن الارتداد إلى صيغ العصبيات الضيقة -القومية والإثنية والدينية- في زمن العولمة وتفتت الولاءات الصغيرة، يعود إلى تفاقم ضغوطات الحداثة على التشكيلات الاجتماعية التي فشلت في إنتاج بدائل مطمئنة للولاء القبلي.
إضافة إلى ذلك فإن الدولة العربية والشرق أوسطية الحديثة، اتكأت على القبيلة طيلة مراحل طويلة من عمرها القصير، إما لاستدعاء شرعيات منقوصة، أو للاستقواء على خصومها، أو لتوسيع نطاقات سلطاتها، مما أدى إلى إنعاش القبيلة وتكريس حضورها.
ابن خلدون وحضوره الدائم
يحضر ابن خلدون ونظرياته عن (النسب والعصبية والرياسة ودورات الملك) بكثافة في الكتاب من أول فصوله حتى آخرها. ويُفهم من أكثر من مساهمة أن أهمية النظرية الخلدونية في فهم وتفسير مركزية القبيلة في التاريخ العربي لا تتوقف على توصيفاته التاريخية للحقبة التي عاشها، بل تمتد إلى عصرنا الحالي حاملة بعض التطبيقات المهمة.
يرى ابن خلدون أن صراع العصبيات الصغرى -تنافسات القبائل- يُحسم لصالح عصبية غالبة سرعان ما يؤول إليها الملك، وبه ومن خلاله تعمل على إعادة صياغة الولاءات والعصبيات الصغرى بحيث تخلق روحا جماعية بين القبائل المتصارعة، معتمدة على شرعية دينية تستدعيها من هنا أو هناك.
لكن دينامية وحراك العصبيات الصغرى يخفت ويشتد بالتوازي مع منعة وقوة العصبية الغالبة، التي ستنخرط في دورة الملك الحتمي، الذي ما أن يصل ذروته حتى تبدأ بالهبوط والانحدار الناتج عن فساد يولده الترف والدعة.
في تلك الأثناء تكون عصبية أخرى ترقب الانحدار لتتلقف راية الرياسة وتصعد لتأخذ مكانها في دورة الملك التي تتابع الدوارن.
ويتفق ويختلف المساهمون في الكتاب مع ابن خلدون في هذا الجزء أو ذاك من نظريته، لكنهم لا يستطيعون التخلي عنه.

العراق الحالة الأكثر بروزاً
في قلب الكتاب يأخذ العراق نصيب الأسد من التحليل، فهو الحالة الدراسية الأهم، والعلاقة بين السلطة والقبيلة فيه هي محور مساهمات عديدة. فقد كتب فالح عبد الجبار عن (الشيوخ والمنظرون.. تفكيك وبناء القبائل تحت حكم الدكتاتورية في العراق بين 1968 و1998)، وكتب هشام داوود عن (دولنة القبيلة، وقبلنة الدولة في حالة العراق)، وكتب كيكو ساكي عن (القبيلة كأداة للسيطرة الحكومية في العراق.. ملاحظات حول الجيش والحكومات والمجلس الوطني).
لكن قبل الإشارة إلى خلاصات تلك المساهمات يجدر التوقف عند مساهمة أخرى ناقشت وضع القبيلة مع السلطة قبل قيام الدولة العراقية الحديثة، أي خلال حقبة الاستعمار البريطاني.
هذه المساهمة كتبها (توبي دوج) الأكاديمي البريطاني، وفيها يعود إلى مرحلة الانتداب البريطاني على العراق ويحلل علاقة الإدارة الاستعمارية بالقبائل وشيوخها والسياسة التي اتبعتها تلك الإدارة اعتمادا على تحليلات وكتابات السوسيولوجي العراقي الشهير (حنا بطاطو).
ابتداء يذكرنا دوج، وعلى سبيل المقارنة، بأن الأتراك الذين سبقوا البريطانيين في حكم العراق كانوا قد تبنوا سياسة بطشت بالقبائل وشيوخها نظرا لطبيعة نظرتهم لكيفية إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
فتلك السياسة كانت تعتمد على الحكم المباشر ولا تؤمن بتفويض وسطاء للاعتماد عليهم في تنفيذ السياسة. ولهذا فقد كانت علاقتهم عدائية وشرسة مع القبائل، بل إن تلك القبائل والقبلية بشكل عام تعرضت لانتكاسات متتالية في العهد العثماني بسبب تلك السياسة، وبسبب التحديث القسري والفوقي الذي فرضه الأتراك على أكثر من مجال من مجالات الحياة.
على العكس من ذلك اتبع البريطانيون سياسة أكثر دهاء، وتمثلت في التقرب من شيوخ القبائل واستخدامهم كوسطاء للحكم المحلي. فعوضا عن التورط في حكم الأقاليم والبوادي والأرياف، أضفى الحكم البريطاني شرعية سلطوية محلية على الوضع القبلي القائم. النتيجة المباشرة للاعتراف البريطاني بسلطة شيوخ العشائر وتوظيفها كانت مفاجئة، وينتقدها (حنا بطاطو) ويشير (توبي دوج) إلى هذا النقد. هذه النتيجة متمثلة في إنقاذ القبلية من اندثار محقق، إذ كانت تسير في منحنى هابط بسبب ضغوطات التحديث والفقدان التدريجي لسلطتها. وفي لحظة الاقتراب من شبه الانقراض كان الاستعمار البريطاني يقدم لها طوق النجاة عن طريق تجديد شرعيتها ومنحها سلطة جديدة على أتباعها.
على أن النظرة البريطانية للدور الذي يمكن لشيوخ القبائل أن يلعبوه، ومعه القبائل ذاتها، لم يأت من حاجة سياسية فحسب. بل كان جزءا من تنظير أشمل يرى أن القبيلة المنضبطة وذات الدور القيادي تلعب دورا في الانتقال بالمجتمعات التقليدية من طورها البدائي إلى أطوار الحداثة.
وينقل دوج عن اللورد لوغارد -أحد عتاة الفكر الإمبريالي ونقل رسالة التحضر الغربي إلى الشعوب البدائية- يقينه في الداروينية الاجتماعية، فهو يرى أن تلك الشعوب - وخاصة الأفريقية - لا بد وأن تتطور وفق منحنى خطي ينقلها من الحالة البدائية المتخلفة إلى الحالة المتحضرة. لكن هذا الانتقال لا يتم بشكل فجائي، بل يجب أن يأخذ وقته ويتم تدريجيا ووفق مراحل توسطية.
وهو يرى أن القبلية ومرحلة المجتمع الأبوي المسير تقع في منطقة وسيطة، وتنقل المجتمع من بدائيته خطوة واسعة نحو تحضره. ولهذا فإن اعتراف الإدارة الاستعمارية بسلطة الشيوخ وتعزيزها كان مرده إلى هذا الاعتقاد. ولهذا أيضا كان اللورد لوغارد يحتقر الأفارقة المتغربين من النخب التي تحاول تقليد الأوروبيين في كل شيء، لأنه كان يعتقد أنهم يحرقون المراحل ويستعجلون التغيير بشكل يضر به.
آخرون مثل جون غلوب (غلوب باشا) كانوا يأسون للاندثار التدريجي للحياة القبلية ونظامها الأبوي ويرون فيهما نقاء تنتقده المجتمعات الغربية.
في العراق الحديث، وكما يرى فالح عبد الجبار وهشام داوود، التقطت الحكومات الأيدولوجية أهمية الحضور القبلي في العراق، فحاولت التعامل معه وفق أكثر من سياسة. أولها سياسة الاحتواء والسيطرة وتقريب القبائل من السلطة بحيث تصبح أحد أركان النظام القائم، فكان أن نشأت (قبلية حكومية) هي المتحالفة والمستفيدة من النظام، والتي يستفيد النظام منها. مقابلها كانت هناك (قبلية اجتماعية) أو ثقافية ظلت بعيدة شيئا ما عن الحكم، لكنها ظلت تسيطر على فضاءات اجتماعية خاصة بها، ولها سيطراتها المميزة المختلطة بشرعيات دينية خاصة في الجنوب الشيعي.

بين الأكراد تميزت القبيلة بأنها لم تحتو على مرجعيات أحادية، أي أن شيخ القبيلة لم يكن هو مرجعيتها الدينية الأولى.
لكن الأهم من ذلك هو أنه خلال حقبة حكم البعث تمت (قبلنة) الدولة، وفي سنوات ما بعد الحرب العراقية الإيرانية ثم بعد حرب الخليج الأولى، انتهى النظام عمليا إلى الاعتماد الكلي على عدد محدود من القبائل والعوائل. وأصبحت الدوائر الضيقة في الحكم بيد شبكات من الأقارب المخلصين للنظام. أما القبائل الأبعد والأقل استفادة من الوضع القائم فقد كانت هي الأخرى يعاد إنتاجها وتثار حميتها (للدفاع عن الوطن)، إن ضد إيران أو ضد الولايات المتحدة. لكن في كل الأحوال، فإن التلاعب بالقبلية كان قد أدى إلى تعزيز نفوذها وإعادة كثير من المجد الضائع لها، على حساب أشكال تنظيمات الدولة المدنية نفسها.
السلطة والقبيلة في السعودية والمغرب وإيران
في الجزيرة العربية بشكل عام، وكما تشير (مضاوي الرشيد)، المحاضرة في الإنثروبولوجيا السياسية في جامعة لندن، لعبت معادلة القبيلة/السلطة الدور المركزي في نشوء الدولة الخليجية الحديثة وخاصة السعودية.
فمن رحم القبيلة نشأت وتطورت الدولة. وبين تجاذبات القبائل وادعاء الشرعية والتنافس على اكتساب سلطات دينية، كانت الحروب والصراعات تحسم السيطرة لهذه القبيلة أو تلك لفترة أو أخرى.
في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت (فدراليات القبائل) هي التي تسيطر على الأراضي الشاسعة التي يعيش فيها البدو الرحل مقابل (إمارات) صغيرة تسيطر على المناطق التي يعيش فيها البدو المستقرون حول الواحات، أو الحضر، وذلك في مناطق نجد والحجاز وعسير والحسا.
(فدراليات القبائل) ساهمت في صعود وهبوط سلطة الإمارات المستقلة بسبب التغير المستمر في الولاءات والتحالفات القائمة على تبدل المصالح وأنماط الاقتصاد. وكلما كانت تلك الإمارات تقوى كانت تمتلك قدرة أكبر على التلاعب في التحالفات القائمة بين القبائل. وهذه الدينامية المستمرة ظلت هي الملمح الأساسي للعلاقة بين القبيلة والسلطة في الجزيرة العربية خلال العقود التي سبقت قيام الدولة السعودية سنة 1932.
تقول مضاوي الرشيد إن نظرية ابن خلدون في حتمية وجود عصبية قبلية وشرعية دينية معا لتحقق الزعامة والملك والسيطرة لا تنطبق تماما في حالة الجزيرة العربية. ففي بعض المراحل نشأت سيطرة وسلطة تعتمد على القبيلة بشكل أساسي من دون اعتبار للشرعية الدينية، وفي مراحل أخرى كانت الشرعية الدينية هي الأساس من دون أن يرافق ذلك عصبية إثنية غالبة. وأهم إمارتين كانتا في قلب التشكيل القبلي/السلطوي هما إمارة آل الرشيد وإمارة آل سعود. الأولى -وكانت مثالا على النوع القبلي من الإمارات- استمرت خلال الفترة 1835-1921، الثانية خلال الفترة 1744-1818 كانت مثالا على النوع الديني.
هل ثمة مفارقات أو تشابهات كبيرة في أنماط العلاقات بين القبيلة والسلطة في المغرب العربي والمشرق العربي؟ هذا ما قد يحاول القارئ إدراكه عند قراءة المساهمة القيمة (لكينث براون) عن المغرب وعنوانها (إطلالات جديدة على القبيلة والسلطة في مغرب القرن العشرين). يرصد فيها براون كيفية التحول الديموغرافي السريع في نسب السكان بين الريف والمدن.
ففي حين كانت نسبة سكان الريف والصحاري في أوائل القرن العشرين تكاد تصل ضعف سكان المدن، فإن نسبة سكان الريف في عقد التسعينيات انخفضت إلى أقل من 40%. أضعف هذا الوضع مكانة القبائل المغربية وسهل من السيطرة الملكية على المغرب عقب انتهاء الاستعمار الفرنسي. وبينما استمرت تمردات الريف المغربي في الظهور من آن لآخر وحتى حقبة السبعينيات، فإن إحكام السيطرة الملكية منذ أوائل الثمانينيات وحتى الآن كان قمينا بأن ينهي ويشرذم أية شبكات أو مراكز قوى قبلية يمكن أن تشكل تحديا للحكم المركزي.
يقول براون إن ثمة مسلمات نظرية إزاء (نظرية القبلية) التقليدية لا تنطبق تماما في الحالة المغربية، أولها أحادية التحليل القائلة بأن العلاقات القبلية تتحدد وفق خط الدم والقرابة الأبوية، أي من رجل لرجل. ففي الحالة المغربية هناك تداخل وتشابك يكسر هذه الأحادية، خاصة في ظل الانتساب إلى العائلة الهاشمية وسلالة النبي محمد. فهذا الخيط من السلالة وكما هو معروف يعود إلى فاطمة بنت النبي، أي أنه في نهاية المطاف لا يستمر من رجل إلى رجل.
المسلمة الثانية التي يناقشها براون ويرى خلافها موجودا في المغرب هي اعتبار القبيلة وحدة إثنية وتاريخية. ففي المغرب يراها براون جهوية جغرافية في المقام الأول، أي أن الانتساب إليها قائم على السكن في تلك الجهة أكثر مما هو قائم على قاعدة الدم والانتماء الإثني القبلي. ولهذا فإنها -أي القبيلة- تصبح مركبا اجتماعيا معقدا ومتداخلا يلجأ إليه الناس والسكان طوعا واختيارا، وتمارس القبيلة سلطتها عليهم وتمنحهم حمايتها.
وبالتوازي مع تفتيت الشبكات القبلية واختراقها من قبل (المخزن)، أصبحت الدولة لها اليد الطولى في تحديد وتشكيل الوجهة التي تتخذها التشكيلات القبلية. وبينما احتفظت القبيلة ببعض وظائفها التاريخية مثل إضفاء ثقافية اختلافية تفرق هذه المجموعة السكانية عن تلك ويشعر الفرد بولاء خاص تجاهها وتشرف على قبر هذا الولي أو ذاك في ذلك السياق، فإن مكانتها السياسية وسلطتها السياسية ضعفت إلى حد كبير.
يبقى أن مساهمة براون لا تبدو مكتملة بسبب عدم إيلائها القبائل البربرية معالجة موسعة وخاصة بها، وتعميم البحث والنتائج على القبائل المغربية بشكل عام. إذ من المؤكد أن سياق تطور قبائل البربر، وهمومها وعلاقتها مع (المخزن)/ السلطة يختلف بشكل كبير عن نظيره الخاص بقبائل العرب المغاربة.
فاريان سباحي -وهو أكاديمي وباحث إيراني من فرنسا- تناول جانبا محددا من تاريخ القبلية الحديث في إيران، وعالج في مساهمته (برنامج الخيمة البيضاء)، وهو برنامج تعليمي لتأهيل البدو الإيرانيين ومحو أميتهم كان نظام الشاه البهلوي قد اعتمده في الفترة ما بين 1953 أي فترة انهيار حكومة مصدق، و1979 قيام الثورة الإسلامية.
خلال تلك السنوات، وبتمويل أميركي عمل النظام على إرسال ألوف من المعلمين إلى المناطق البدوية والريفية بهدف تعليم البدو والمساعدة في استقرارهم.
البرنامج المذكور نجح نجاحا بيّنا، ويرى سباحي أن ذلك يعود إلى عدة أسباب منها أن المبادرة نفسها جاءت أصلا من البدو وقادتهم ولم تكن مفروضة عليهم، كما أن المعلمين أنفسهم كانوا من البدو، رغم أنهم لم يكونوا الأكثر تأهيلاً، لكن ذلك أظهر البرنامج وكأنه جهد محلي ليس خارجي، إلى غير ذلك من الأسباب.
لكن الأهم من ذلك هو أن الأجيال البدوية التي تعلمت وتأهلت كانت في مرحلة تاريخية لاحقة جزءا من الثورة الإسلامية التي ستطيح بنظام الشاه نفسه. فبعد سنوات من التأهيل والاستقرار شهدت الأرياف والبوادي الإيرانية موجات هجرة واسعة نحو المدن. وكان هؤلاء المهاجرون يسكنون هوامش المدن وأحياءها الفقيرة تبعا لما هو سائد في بقية مدن العالم الثالث الكبرى التي شهدت هجرات مشابهة. وفي تلك الهوامش والأحياء المعدمة كانت الاستجابات لدعوات الثورة والتمرد هي الأعلى والأكثر حساسية، ومن هنا وجد النظام الشاهنشاهي نفسه يسدد فاتورة لم تكن بالحسبان.