إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

لن أقود سيارة بعد اليوم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لن أقود سيارة بعد اليوم

    لن أقود سيارة بعد اليوم
    خبر مدهش لا يكاد يصدق, تناقلته وكالات الأنباء العالمية واهتمت به محطات الإرسال والقنوات الفضائية وتوجت به الصحف صفحاتها الأولى بالبنط العريض وباللون الأخضر المبهج, وسعدت به بعض النساء السعوديات سعادة بالغة, وأنا واحدة من النساء اللواتي أسعدهن الخبر الذي يقول: لقد سمح في السعودية للنساء بقيادة السيارات. ما كدت أتثبت من صحة الخبر حتى كنت من أوائل المتقدمات لنيل رخصة القيادة, ولقد عانيت وغيري من بعض معلمي القيادة من همزهم ولمزهم وقلة حياء بعضهم خاصة عندما يعلموننا كيفية الإمساك بالمقود وكيفية ربط الحزام. ولا أخفيكم أني تغاضيت كثيراً كي أحصل على الرخصة, وقد حصلت عليها أخيراً.
    عندما جلست خلف عجلة القيادة في أول صباح لي مع الرخصة أحسست بنشوة لا توصف وأطفالي يتهامسون خلفي, ربما لأنهم يرون أمهم لأول مرة تقود السيارة, ولكن نشوتي بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً عندما تحركت السيارة ودخلت في خضم السيارات, ياله من منظر رهيب في ذلك الصباح, لقد كنت أذهب يومياً إلى المدرسة مع السائق في نفس الشارع فلم أره أبدا بهذا الازدحام, هل كنت مشغولة عنه بمراجعة أوراقي وتحضيري أم لأنني لم أكن مسؤولة عن القيادة؟ لقد خفت كثيراً. كيف سأخرج من هذا الزحام بسلام؟ ولكنني تمالكت نفسي وثبتها وركزت على الطريق ووصلت أخيراً بسلام وأنا أحمل همَّ العودة. ومع الأيام انزاح الخوف واعتدت على الذهاب والإياب وإيصال الأولاد والعودة بهم, وصارت لدي الجرأة على مزاحمة السيارات, فقط كانت تشغلني العباءة ويضايقني اللثام, فكرت في وضع العباءة بجانبي أو خلفي على أن ألبسها عندما أصل ولكن هذا سيجعلني مكشوفة, ثم إذا نزلت من السيارة سأكون مكشوفة بثيابي ريثما أحكم وضع العباءة. أصبحت محتارة إلا أني قررت تحمل مضايقة العباءة على أن أتكشف ومع ذلك لم أسلم من نظرات المارة والفضوليين, فما إن أقف عند الإشارة حتى تمتد الأعناق وتحملق العيون مما أصابني بحرج شديد, ولكني وطنت نفسي على الصبر والتعود.
    لم يمض إلا القليل حتى أصدرت إدارة المرور أمرا يقضي على السائقات أن يكشفن عن وجوههن, وأخذت الصحف تنتقد هذا الأمر واحتججنا واحتج أولياء الأمور دون فائدة, فحجة إدارة المرور أن كشف الوجه ضروري لمعرفة أن صاحبة الرخصة هي فعلاً التي تقود السيارة, وقد يستغل الإرهابيون ذلك فيقود أحدهم السيارة على أنه إمرأة وفي هذا مخاطر أمنية مؤكدة.
    لم يكن لدي حل إلا الامتثال لأوامر المرور, فركبت السيارة وأنا في غاية الضيق, كيف سأكشف وجهي وفي هذا مخالفة لما أدين به من كتاب الله وسنة رسوله, ولكن لأن هناك بعض الآراء المذهبية تجيز كشف الوجه إذا أمنت الفتنة, فلن أضع زينة على وجهي وسأحكم غطاء رأسي, ومع ذلك فقد كنت أقود السيارة وأنا في تضارب ومقاومة نفسية: هل حقا أنا سافرة في الشوارع وبين آلاف العيون؟ وأحس أحيانا أني أرتعش وأن يدي لا تثبت على المقود. وفجأة وجدت نفسي أرتطم بسيارة أمامي وترتطم بي سيارة من خلفي.
    حضر المسؤولون وفحصوا الموقع وحددوا نسبة الخطأ واقتادوني إلى إدارة المرور, وحضر زوجي واستلم الأطفال الذين أصيب بعضهم بإصابات خفيفة وهم يصطرخون خوفاً وألماً. أما أنا فكنت فزعة, خائفة, مرتبكة, تائهة لا أدري ما أفعل وما أقول وأنا محمولة في سيارة المرور لا أدري إلى التوقيف أم إلى السجن. وأطفالي الذين تركتهم مع أبيهم يبكون متى أعود إليهم, هل سيطول حبسي أم ماذا؟ لم أفق مما أنا فيه إلا في غرفة التوقيف في إدارة المرور. أهذه غرفة التوقيف التي يؤخذ إليها من يرتكب الحوادث ريثما يتم البت في أمرهم؟ يالها من غرفة, لقد كانت مكتظة بالموقوفات رغم سعتها. استقر بي المقام بين أكوام النساء , كلهن مثلي لم يصدقن ما هن فيه وكلهن يندبن حظهن وكلهن يتلهفن على الخروج من أجل أطفالهن.
    كان أسوأ يوم يمر بي منذ خلقت. فقد مكثت في تلك الغرفة المشؤومة من الصباح حتى المساء وعندما حضر زوجي وأخرجني بعد دفع الغرامات والتعويضات لم أصدق أني خرجت.
    ولم أجد كلمة أرد بها على زوجي الذي أخذ يواسيني ويخفف عني , وأخيراً وصلنا إلى الشقة , قابلني أطفالي فرحين يتعلقون بي ويعرقلون خطواتي المتعجلة للدخول إلى الدار, كنت متلهفة عليهم أتحسس رؤوسهم وأطرافهم فوجدتهم بخير, الحمد لله لم يصب أحد منهم إصابة كبيرة, وأخيراً دخلت الدار ,هل أنا حقا في داري وعلى سريري؟ كنت ساهمة لا أتجاوب مع رقة زوجي وعطفه, ويبدو أنه أراد أن يقول لي أنه غير غاضب مني بسبب الحادث فمد لي يده برخصة القيادة التي استرجعها من المرور وهو يقول: لا عليك فهو حادث عادي ولم يؤثر علينا كثيراً والحمد لله لم تحدث إصابات, وإليك الرخصة فعودي إلى طبيعتك وانسي ما حدث. مددت يدي وأخذت الرخصة دون أن أتكلم ومددت يدي الأخرى إلى مقص كان بجوار السرير وأخذت الرخصة بعنف وانفعال وأنا أقول: لن أقود السيارة أبداً أبداً أبداً وإذا بالمقص يميل على إصبعي بقوة جعلتني أصرخ من الألم ووجدت نفسي أجلس القرفصاء مذهولة وأنفاسي تتلاحق ولساني يلهج بالحمد والشكر لله, لقد كان حلماً, وأقسمت أن لا أقود السيارة وإن أذنوا لنا بالقيادة.
    محمد يوسف الشاذلي _ المدينة المنورة
    الوطن

يعمل...
X