إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الديمقراطية لا تتطلب شروطا تعجيزية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الديمقراطية لا تتطلب شروطا تعجيزية

    ردا على بعض أفكار د. محمد جابر الأنصاري:

    الديمقراطية لا تتطلب شروطا تعجيزية
    بقلم: د. منصور الجمري (19 نوفمبر 2000)

    لا شك أن الدكتور محمد جابر الأنصاري يعتبر أحد مفكري الخليج المعاصرين، الذين يستحقون أن تقرأ كتاباتهم، سواء اتفق المرء أو اختلف مع وجهات النظر المطروحة. غير أن أهمية الدكتور الأنصاري الأخرى هو أنه ومنذ مجيء الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة إلى الحكم في البحرين العام 1999، أصبح مستشارا للأمير وأحد المقربين المعتمدين. ولا شك أن تعيين مفكر لمنصب مؤثر أمر جيد خصوصا وأن تاريخ المنطقة يحدثنا عن مستشارين من خارج البلاد وليس من داخلها.

    ولهذا فإن تصريحات الدكتور الأنصاري لها أهميتها إذا أخذنا بعين الاعتبار احتمال تأثيرها على القرار السياسي في البحرين. وعلى هذا الأساس فان هناك تصريحات معينة تثير المرء أكثر من غيرها لأنها قد تستبطن اتجاهات حرجة. والأمل أن يتسع صدر الدكتور الأنصاري لمناقشة بعض أفكاره التي يطرحها في مقابلاته وكتبه.

    يشير الأنصاري إلى أنه "لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين"، وحديثه عن الديمقراطية يركز على ضرورة وجود "المدينة" وأن من أسباب عدم وجود الديمقراطيين في عالمنا العربي أن المدينة تم "ترييفها" او"بدونتها"، وأنه ما لم تكن هناك حياة "مدينية"، فإن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق. هذه بعض الأفكار التي يطرحها الدكتور الأنصاري داعيا من خلالها إلى "تسييس السياسة"، وتطوير القاعدة المدينية التي تستطيع ممارسة الديمقراطية (أنظر مثلا المقابلة المنشورة في مجلة الزمان الجديد، عدد10، منتصف أغسطس 2000).

    التركيز على موضوع المدينة والريف والبادية يحمل بعض الصحة، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن الفكرة التي يركز عليها الانصاري تحمل شروطا ربما كانت تعجيزية. فالدكتور الأنصاري يدعو العرب أخذ الخبرة من بلدان مثل الهند والصين واليابان. وهذا شيء جميل، فالهند أكبر بلد ديمقراطي في العالم واستطاع أن يبقى ديمقراطيا منذ استقلاله بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن الهند معظمها من الريف، والهنود (وصل عدد نسمتهم البليون هذا العام) متنوعون وأكثرهم لا ينتمي للطبقة الوسطى.

    إضافة لذلك، فإن بلدان أخرى مثل البرازيل التي يبلغ عدد سكانها 160 مليون، ليست كلها حياة "مدينية". بل أن هناك الريف الواسع، وهناك من يسكن في غابات الأمازون ويستطيع الإدلاء بصوته بواسطة محطات إنترنت متنقلة توفرها الحكومة في أوقات الانتخابات.

    وحتى في بلدان مثل بريطانية (أول دولة صناعية في العالم)، وأمريكا، فإن الريف لم ينته أبدا. بل إن حزب المحافظين البريطاني يعتمد في أصواته على الريف البريطاني. وهناك مسلسل إذاعي يومي (من أكثر المسلسلات شعبية بث منذ أكثر من ثلاثين عاما) اسمه (The Archers)، وهو مخصص فقط لحياة الريف البريطاني وكيف يتطور مع الزمن.

    وكذلك الولايات المتحدة، فإن الريف له قوته في الانتخابات بل أن الحديث حاليا في البلاد المتقدمة هو "العودة إلى الريف"، في عصر المعلومات والانترنت. فشركة الاتصالات البريطانية، مثلا، تبث دعايات تجارية باستمرار بأنها تعطي الفرصة للعمل من خلال المنازل البعيدة والكائنة في الريف.

    ثم ان الريف نفسه تغير. ففي البحرين هناك مناطق يطلق عليها ريف، ولكن الساكنين فيها لايعملون في الزراعة. بل ان الغالبية العظمى منهم يعملون في وظائف حكومية او في شركات صناعية وتجارية. في الوقت نفسه هناك مناطق تسمى مدن ولكن التسمية سياسية وليست حقيقية. اذ ان المدن الفعلية في البحرين هي المنامة والمحرق ولو اردنا إضافة اسم ثالث فجد حفص هي الاكثر تأهيلا لاسم مدينة. كل هذا يوضح ان التفريق بين مدينة وريف - فيما يخص البحرين - ليس دقيقا.

    أما الحديث عن القبلية، فهو صحيح نوع ما. ولكن أيضا القبلية ليست كلها غير ديمقراطية. فالقبائل العربية قبل الإسلام كانت تتفاهم فيما بينها وتأخذ القرارات بصورة جماعية-ديمقراطية. والرسول (ص) كان من المشاركين في "حلف الفضول" قبل الإسلام، وعندما بعثه الله بالرسالة الإسلامية ألغى جميع الأحلاف الجاهلية ما عدا حلف الفضول. حتى أنه قال (ص): "لو دعيت إليه لأجبت"، بمعنى أنه كان يعتبره قائما. وحلف الفضول كان من أعظم الاتفاقيات "الديمقراطية" لأنه يأخذ بجميع آراء القبائل التي اتفقت فيما بينها على الدفاع عن المظلوم. كما أن "صحيفة المدينة" التي كتبها الرسول (ص) مع قبائل المدينة (من يهود ومشركين) والأنصار والمهاجرين، هي من أعظم الوثائق الديمقراطية رغم اعتمادها على عناصر قبلية.

    كان الرسول (ص) يدعو الاعراب، اي عرب البادية، للانتقال للحياة الحضرية والتشريعات الاسلامية تتحدث بالفعل عن حياة تتمركز في المدن (مدينة الرسول، مكة المكرمة، وبعد ذلك الحواضر الاسلامية اللاحقة مثل دمشق والقاهرة وبغداد والقيروان واسطنبول واصفهان وبخارى وفاس، الخ). ولكن التشريعات هذه لم تشترط الغاء انماط الحياة الاخرى.

    نعم، عندما تسيطر القبيلة على المجتمع الحضري-المديني وتلغي الأطراف الأخرى، فيحصل لدينا ما حصل في التاريخ الإسلامي واستمر حتى يومنا هذا. ولكن هذا أمر يرجع لبنية التركيبة السياسية الحاكمة وليست التركيبة المجتمعية لعامة المسلمين. فالقبيلة الأموية والعباسية وغيرهما لم تستطيعا السيطرة على القبائل الأخرى وعلى الحواضر الاسلامية إلا باستخدام العسكر. واعتمدت الدولة العباسية على العسكر الذين استجلبوا من خارج المنطقة لحماية القبيلة المتغلبة. ولهذا فإن "المماليك"، أي العسكر العبيد، كانوا هم عصب الدولة القبلية في التاريخ الاسلامي وأصبحوا هم أصحاب السيادة بعد سيطرتهم على القبائل التي استوردتها في بادىء الامر.

    إننا نؤمن بأن الديمقراطية ممارسة بالأساس، تماما كما هي السباحة. فكما أن الإنسان لا يتعلم السباحة من خلال القراءة، فكذلك الديمقراطية. والسباحة يمكن أن يتعلمها المرء في حوض سباحة، في البحر، في النهر، في عين، أو في أي مكان مماثل.

    الحديث أن الديمقراطية لا يمكن نقلها حرفيا إلى بلادنا العربية كلام صحيح. ولكن الديمقراطيين لديهم أمثلة من تاريخهم الإسلامي (ولو أنها كانت محدودة)، ولديهم تجارب الشعوب المختلفة. فتماما كما أن الشخص الذي ينوي السفر من بلد إلى بلد فإنه يستخدم الطائرة او الباخرة او السيارة اوالقطار، ولا يصر على استخدام الجمل بحجة أن تلك الوسائل هي نتاج الآخرين، فإنه أيضا قد توصلت التجارب الإنسانية إلى ضوابط وأسس ومبادئ ومفاهيم لإدارة الدولة الحديثة، وهذه النظم المتطورة التي تعتمد على رأي الشعب تسمى بمجموعها "ديمقراطية". إننا مطالبون بالأخذ بأحسن ما أنتجته التجارب الإنسانية في هذا المجال، وليس هناك ما يمنع أن تتم صياغة تجاربنا ولكن حسب الضوابط المتفق عليها إنسانيا، خصوصا وإنها لا تتعارض مع ديننا الإسلامي الحنيف.

    إن ما نفهمه من الديمقراطية لا يتطلب الشروط التعجيزية المذكورة في طرح الأستاذ الأنصاري. الديمقراطية هي نظام تكون نتيجته حكومة-ذاتية (self-government) . أي أن المجموعة البشرية التي تنتهج الديمقراطية تستطيع أن تحكم نفسها بنفسها، أي من خلال هيئة نابعة منها. وهذا يتطلب أن تكون هناك مساواة وأن تتخذ القرارات بوسائل تحدد رأي الاغلبية - دون ان تحرم الاقلية من المشاركة أو من الحقوق. والديمقراطية -في أفضل حالاتها- تعطي أفرادها (المواطنون) فرصة المشاركة في صنع القرار بوسائل مباشرة أو غير مباشرة. وغير المباشرة تعني انتخاب ممثلين عن المجموعة الأكبر لمناقشة واتخاذ القرارات، وأن يخضع هؤلاء الاشخاص للمحاسبة من خلال انتخابات دورية.

    والديمقراطية تعني أن الحكومة خادمة للشعب وليست سيدة له. السيادة للشعب، الذي يوافق على الدستور أو الاتفاق أو النظم والقواعد الأساسية. ولذا فإن أي دستور، وأي تغيير دستوري، لا يخضع لاستفتاء شعبي، أو لموافقة هيئة منتخبة تمثل الشعب، فليس مقبولا في عالم اليوم. نعم، قد تفرضه حكومة دكتاتورية بالقوة ولكنها لا تستطيع أن تحصل على الشرعية باستخدام القوة، وألا لتحول العالم أجمعه إلى مجتمع الغاب.

    إن ما نفهمه من الديمقراطية هو أن يحتوي الدستور الموافق عليه شعبيا (بواسطة استفتاء شعبي او جمعية تأسيسية منتخبة) على حقوق أساسية للمواطنين لا يمكن التلاعب بها أو الاعتداء عليها تحت أي عذر كان. هذه الحقوق الأساسية تتضمن حرية التعبير عن الرأي، حرية الممارسة للأديان (حرية الممارسة لأهل البلاد وللمقيمين والوافدين عليها)، حرية التجمع والتنظيم، الحق في محاكمة عادلة أمام قضاة عدول مستقلون عن السلطة التنفيذية، المساواة أمام القانون، إلخ. ولا تستطيع حكومة دستورية أن تخترق هذه الحقوق الأساسية، ويتطلب هذا ضمانات مثل حرية الصحافة وموازنة السلطات لكي لا تطغي سلطة أو فئة على المجتمع.

    هذه المفاهيم ليست معقدة ولا تتطلب المستحيل لتطبيقها في مجتمعاتنا، فإذا كان بإمكان الهنود ومن يسكن الأدغال في البرازيل أن ينعم بها، فنحن أهل الإسلام أحق بها، لأن "الحكمة ضالة المؤمن، وهو أحق بها انا وجدها .
    التعديل الأخير تم بواسطة د.تركي فيصل الرشيد; الساعة 12-09-2008, 04:01 PM.
    الدكتور تركي فيصل الرشيد

    رجل أعمال . استاذ زائر كلية الزراعة في جامعة اريزونا توسان - مقيم في الرياض .
    يمكن متابعته على تويتر
    @TurkiFRasheed


  • #2
    مشاركة: الديمقراطية لا تتطلب شروطا تعجيزية

    اخوي الطيب / تركي

    احب ان اعرب عن اعجابي بما طرحت من موضوع مميز وشيق عن الديمقراطيه( وهي تتلخص بان الشعب
    هو المعني بهذا الديمقراطيه بواسطة الاستفتاء من خلال الجمعيات بالانتخاب) .

    احب ان اعرب عن مدى احترامي واعجابي بالموضوع المميز عن موضوع ( الديمقراطيه) , جميل منك ماكتبت
    وجميل انا اقراء عن هذا الشعور للمحب لوطنه ووطنيته ...اخي لك منى الاعتزاز والافتخار بمثلك وامثالك.

    اخوك
    فريد بن حسن السندي الانصاري

    تعليق


    • #3
      مشاركة: الديمقراطية لا تتطلب شروطا تعجيزية

      عزيزي فريد الانصاري


      مرحبا بك في انتخاب كوم
      واتمنى ان لا تبخل علينا بما تجد من مقالات جيدة خدمة الشأن العام
      شي جميل ومتعب


      مع تحياتي
      الدكتور تركي فيصل الرشيد

      رجل أعمال . استاذ زائر كلية الزراعة في جامعة اريزونا توسان - مقيم في الرياض .
      يمكن متابعته على تويتر
      @TurkiFRasheed

      تعليق

      يعمل...
      X