إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

طبيبات, ممرضات, فنيات, وأخصائيات.. بارعات

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • طبيبات, ممرضات, فنيات, وأخصائيات.. بارعات

    طبيبات, ممرضات, فنيات, وأخصائيات.. بارعات

    د. غازي عبداللطيف جمجوم


    لم يتمالك زميلنا رئيس قسم تقنية المختبرات الطبية نفسه من الصياح مستعجبا عند استعراض النتائج النهائية لهذا العام حيث فاقت درجات الامتياز عند الطالبات بشكل ملحوظ مثيلاتها عند الطلبة في كل السنوات, بل تجاوزت في السنة الأولى العشرة أضعاف, وتخرج ست طالبات بامتياز في أول دفعة متخرجة, مقابل طالب واحد حصل على هذه الدرجة. هذا الاكتساح من قبل الطالبات لم يكن متوقعا على ضوء أن برنامج الطلاب بدأ في الجامعة قبل برنامج الطالبات بعشرين سنة, وأن برنامج الطالبات عانى, ولا يزال يعاني, من نقص في التجهيزات وهيئة التدريس. ومع ذلك فإن شطري الطلبة والطالبات يواجهان نفس الامتحانات ويُقوّمان بنفس الطريقة ونفس الأساتذة. رجعت بي الذاكرة عدة سنوات حين تمت الموافقة بصعوبة على فتح هذا التخصص للطالبات في وجه معارضة قوية من كثير من اعضاء هيئة التدريس بالقسم. كانت هناك اسباب مختلفة للمعارضة منها الخوف من عدم تلقي الدعم الكافي لتوفير المختبرات اللازمة وتجهيزها, ومنها صعوبة توفير عضوات هيئة تدريس لتدريس الطالبات. أما بعض الاساتذة فقد أعلنوها صراحة أنهم يخشون من منافسة الخريجات للخريجين على الوظائف التي بدأت تقل, وأنهم يرون الاحتفاظ بالوظائف للشباب الذين يتحملون, بالقدر الأكبر, مسؤولية تكوين الأسر وفتح البيوت, بينما يمكن للفتيات الاكتفاء بمهنة ربة البيت, وهي الأفضل لهن. هذه المعارضة لم تستطع الوقوف أمام الحشد الكبير من الطالبات الراغبات في الالتحاق بهذا التخصص حتى اضطرت الكلية إلى مضاعفة عدد الطالبات المقبولات عدة مرات عن العدد الذي حددته في البداية, وحتى تجاوز عددهن, في بعض السنوات عدد الطلاب الملتحقين. نفس الشيء حصل في كليات صحية أخرى منها, على الأخص, كليات طب الأسنان في أغلب جامعاتنا, وهي من الكليات المفضلة عند الطالبات, وحتى كليات الصيدلة التي أنشأت أقساماً للطالبات مؤخرا.
    التفوق الكمي والنوعي للطالبات في المهن الصحية, أو كثير منها, في الواقع ليس مستغربا. مهنة التمريض, على سبيل المثال, قام بها النساء في الحروب لتمكين الرجال من التفرغ للاقتتال. والتمريض جزء أساسي من التطبيب أو الطبابة, ولذا فما المانع أن يمتد دور النساء الى كافة التخصصات الاخرى في الطب وطب الاسنان والمختبرات الطبية والعلاج الطبيعي وغيرها. وبينما تشكل النساء في كثير من دول العالم الاغلبية الساحقة في مجالات معينة منها التمريض والمختبرات, يبرز الرجال في مجالات اخرى مثل الجراحة. وتتناسب طبيعة المرأة مع بعض الفروع مثل طب الأطفال, كما تظهر الحاجة لها, خاصة في مجتمعنا, في طب النساء والولادة, وفي العلاج الطبيعي للنساء. وتثني المناوبات الليلية والحالات الطارئة النساء عندنا عن التخصص في بعض المهن الصحية. وبصفة عامة فإن الحاجة الى الجنسين في كافة المهن الصحية, بما فيها التمريض, واضحة, حيث يكملان بعضهما البعض وفقا للظروف المختلفة وجنس المريض وعمره.
    المجال الصحي من أوسع المجالات التي نحتاجها بشدة ونستقدم فيها الكثير من المختصين, من الجنسين, من الخارج. والتقدم الحاصل في انخراط بناتنا في هذه المهن وتفوقهن فيها يدعو الى الاعتزاز. وهو لم يأتِ الا بسبب اصرارهن وعزيمتهن. ومن المفيد ان نسترجع بعض المعوقات التي وقفت امام انخراط المرأة في المهن الصحية والتغيرات التي حدثت خلال الاعوام الماضية في نظرة مجتمعنا نحو هذا الموضوع.
    لا زلت أذكر المعاناة التي عانتها طالبات أول دفعة بكلية الطب في الرياض, وكيف كانت نصيحة كبار المسؤولين لهن بتجنب متاعب الطب والخلود الى الراحة في المنزل وانتظار الزوج الذي قد لا يأتي اذا ما اصررن على العمل في هذه المهنة. وها نحن نرى من بناتنا طبيبات بارعات يحققن شهرة واسعة ومع ذلك يتمكن من بناء اسر ناجحة. وعندما أُنشئت كلية طب الاسنان في الرياض, لم يكن في نية الجامعة عمل حساب للطالبات. ولكن الاوامر جاءت سريعاً من جهات عليا, وتم التحاق الطالبات بعد سنوات قليلة من الطلبة. وعندما كنت في كلية الطب بأبها سعت الكلية الى انشاء قسم للطالبات, وكانت نصيحة عميدي الكليتين الاقدم تجربة, في الرياض وجدة, الا نتورط في ذلك, لأن (مشاكل تدريس الطب للبنات كثيرة) ولأن المردود الاقتصادي ضعيف, حيث إن كثيرا من الطالبات والخريجات يتركن المهنة حالما تسنح لهن فرصة دخول القفص الذهبي. وقد استغربت أن يُطلب تطبيق مثل هذه المبررات, على وجاهتها, في أبها, بينما هي فشلت (بجدارة) في الرياض وجدة والدمام.
    ومع ذلك فقد أغنتنا الإدارة العليا في الجامعة برفضها عن متابعة هذا الموضوع, وتأخر افتتاح طب البنات في أبها سنوات عديدة رغم مطالبة الكلية والمجتمع المستمرة به, إلى أن تحقق مؤخرا. كليات الطب التي أُنشئت بعد ذلك في القصيم والمدينة وجيزان, على ما أذكر توصلت الى النتيجة التي لا مفر منها وبادرت بافتتاح أقسام الطالبات من البداية.
    وعندما أُسديت نفس النصيحة بالتريث في افتتاح قسم الطالبات الى عميد كلية الطب الجديدة في الطائف بادر بالاعتراف بأنه لن يتمكن من الانتظار طويلا, وان عليه تبرير التأخير وعمل خطة واضحة للتغلب على العوائق في أقصر فرصة ممكنة, وهو تفكير واقعي جيد.
    المهن الصحية, في أغلبها مهن مناسبة للفتيات, وقد اثبتن اصرارهن على الالتحاق بها, وتفوقن في دراستها وبرعن في ممارستها, ومن واجب المجتمع تجنب وضع العوائق أمامهن للالتحاق بهذه المهن, بل مساعدتهن على التوفيق بين مسؤولياتهن الأسرية والمهنية, ومن ذلك التوسع في مراكز حضانة الأطفال في المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية والمجمعات الطبية, والسماح بالعمل لنصف الدوام بنصف الراتب لمن يرغبن في ذلك, وتسهيل الاجازات الممتدة بدون راتب, للسماح للمهنيات الصحيات القيام بواجبات الأمومة وتربية الأطفال على أكمل وجه, ثم العودة الى وظائفهن عندما تتهيأ لهن الظروف المناسبة, ويجب الا ننسى ان الجهد والمال المبذولين في تدريب المهنيات الصحيات لا شك سوف ينعكسان على زيادة الوعي الصحي للمجتمع وتقديم رعاية صحية أفضل لكافة أفراده, حتى في الأوقات التي لا تتمكن فيها الممارسة الصحية من مزاولة المهنة في وظيفة رسمية بسبب ظروف الأمومة والأسرة.


    عكاظ 03/07/2005

يعمل...
X