إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

العرب والإصلاح:وعود الداخل.. وضغوط الخارج

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • العرب والإصلاح:وعود الداخل.. وضغوط الخارج

    العرب والإصلاح:وعود الداخل.. وضغوط الخارج

    سليمان الهتلان*

    عاش المواطن العربي، طويلاً، أسيراً لوعود القيادات السياسية في محيطه، وعود تتلاعب بعواطفه الجياشة نحو التغيير وتداعب طموحاته وحماسه وانكساراته. ألم نردد طويلاً أسطوانة "التحرر" من الاستعمار وتبعاته قبل أن ندخل في دوامة وعود تحرير فلسطين وكافة الأراضي العربية المحتلة، مؤجلين كل شيء حتى تتحقق الوعود التي لم تتحقق مغلقين كل الأبواب أمام أي بادرة صادقة للحوار الجاد في شؤون المجتمع وقضاياه. مع الوقت، تتسع جغرافية خساراتنا ويزداد الوهن، على كل الأصعدة، ونحن في انتظار المستحيل حتى دخلنا الآن في حلقة جديدة من "وعود" الإصلاح الطويلة. قبل أن تبدأ أي خطوة جادة في طريق الإصلاح بدأت ماكينة الدعاية العربية تعمل من جديد ضد أي فكرة جديدة وجادة لإصلاح أوضاع العالم العربي المتدهورة على أكثر من صعيد. قيل بصوت عال: لا للإصلاح المفروض من الخارج. وقيل: الإصلاح يبدأ من الداخل. وقيل إن المجتمع العربي يحتاج إلى وقت أطول كي يتهيأ لأي من مشاريع الإصلاح الموعودة. ثم تطور خطابنا السياسي، في شأن الإصلاح، حتى أذهل دعاة الإصلاح في الغرب وأوقعهم في حرج من أمرهم. كيف لا وكثير من القيادات في العالم العربي تزايد الآن على الغرب في الدعوة إلى الإصلاح وتحذر من خطورة تأخير خطوات الإصلاح السياسي في العالم العربي وتؤكد على أن الإصلاح يجب أن يتجاوز مرحلة الكلام إلى مواقع الفعل؟ أليس من المفترض أن تكون نصيحة كهذه موجهة في الأصل إلى السياسي نفسه؟ من المعني أولاً بقرار الإصلاح ومن يملك آلية تحقيق بعض شروطه؟ كيف يجرؤ السياسي (في عالمنا العربي) على توجيه اللوم، في شأن الإصلاح السياسي تحديداً، إلى المواطن العربي المغيب تماماً عن أي مشاركة حقيقية وفاعلة؟.

    وفي زحمة البحث عن أعذار تؤجل البدء عملياً في أي خطوة جادة للإصلاح تشتت الجهود في لعبة مكررة للتهرب من طرح الأسئلة الحقيقية حول مشاريع التغيير المرجو عربياً.

    في حديث الإصلاح الطويل في العالم العربي، لم نتفق بعد على تعريف الإصلاح ولم نسأل بعد السؤال المهم: أي إصلاح نريد؟ أهو إصلاح يسهم في فتح منافذ جديدة أمام المجتمع للشروع في مشاريع تطويرية جديدة في شؤون السياسة والاقتصاد؟ أهو إصلاح جديد يمكن أن يفتح عيون الناس على حقائق التغيير في العالم المحيط بهم؟ أهو إصلاح يمكّن المجتمع من الخروج من سجن الأمس إلى حقائق الراهن الصعب بكل تحدياته وإمكاناته؟ أهو إصلاح يسهم في صياغة خطاب جديد فيه جرأة على الاعتراف بأخطاء الذات وثقة بنقد أوضاع الداخل وأسباب أزماته من غير خجل أو وجل؟ ألم نمل بعد من وعود الإصلاح الطويلة التي لم يترجم أقلها إلى عمل؟ أم هو مشروع "إصلاح بالقطارة" وكأنه "عمل خيري" يتفضل به أهل السياسة على مجتمعاتهم المغيبة طويلاً عن مساهمة واعية وفاعلة؟.
    تظل ثمة أسئلة أخرى مهمة:كيف يمكن إقناع القيادات السياسية في عالمنا بأن الدعوة لخطوات إصلاحية جادة ليست دعوة للانتقاص من مكانتها أو دعوة لزعزعة استقرارها ووجودها؟ على العكس من ذلك الوهم تأتي دعوات الإصلاح الجادة بقناعة مفادها أن قوة المجتمع هي - في الواقع - قوة لنظامه السياسي وحصانة ضد تهديده أو محاولات النيل منه.
    إن الإصلاح الحقيقي الذي ينتظره العالم العربي يجب أن يتجاوز الخوف من فكرة "الأمركة" كون الإدارة الأمريكية ومؤسسات أمريكية أخرى تدعو إليه حتى لا يظل هذا الموقف أداة جديدة لتعطيل مشاريع الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العالم العربي. لندع أمريكا جانباً ولنتعامل بواقعية ومسؤولية مع حاجة "الداخل العربي" لمشاريع إصلاحية عاجلة على أكثر من صعيد من أجل المواطن العربي وقياداته أولاً وليس -فقط- استجابة لأي ضغط خارجي أو محاولة يائسة لذر الرماد في عيون المنظمات الدولية التي تنادي بإصلاحات جريئة في العالم العربي.

    إذا كانت أمريكا يمكن أن تجني مصلحة واحدة من الإصلاح في العالم العربي فإن المواطن العربي (وقياداته) سوف يجني ألف مصلحة من أي خطوة جادة للإصلاح في محيطه. إن التحدي الحقيقي الذي يواجهه دعاة الإصلاح في البلاد العربية الآن هو إقناع القيادات والناس في العالم العربي بأن الدعوة للإصلاح ليست "عمالة" أمريكية وليست دعوة لإضعاف مكانة القيادات السياسية العربية بقدر ما هي حاجة ملحّة وآمنة للبقاء...بقاء الجميع...و تلك حقيقة مهمة يبدو -للأسف - أنها ما تزال غائبة!.*كاتب سعودي

    الوطن 09/01/2005

يعمل...
X