Announcement

Collapse
No announcement yet.

صلة الانتفاضات العربية بالوضع العالمي نصر شمالي

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • صلة الانتفاضات العربية بالوضع العالمي نصر شمالي

    صلة الانتفاضات العربية بالوضع العالمي

    نصر شمالي

    2011-09-16


    تجهد الولايات المتحدة القوية في محاولة الخروج من وحول أفغانستان والعراق. وهي سوف تخرج إنّما بفشل كامل في كابول وبنصف فشل في بغداد. وهذا الوضع الحرج ينطبق أيضاً على الأوروبيين في ليبيا، حيث يتقدّمون في حقول يغمرها الضباب! هذا ما سجّله قبل أيام الكاتب الفرنسي جان كلود غيبو، معرّجاً على الأوضاع الاقتصادية الكارثية في دول جانبي الأطلنطي، ومتحدّثاً عن طريق أوروبي/أميركي 'مسدود' يقف صنّاع القرار الغربيون أمامه مرتبكين بكلّ ما في الكلمة من معنى! أمّا عن السبب فقد قال الكاتب الفرنسي أنّه بسيط للغاية: 'لقد بدأ العالم القديم بالانهيار أمام أعيننا، وهو في انهياره يحمل معه مراجعه وأفكاره وانشقاقاته. وهكذا، في خضمّ الظلام المطبق، تخسر الدول الغربية السيطرة التي أفرطت في استخدامها على مدى أربعة قرون متتالية..الخ'! (صحيفة 'السفير' البيروتية ترجمة هيفاء زعيتر 8/9/2011).
    إنّ الحديث عن عالم قديم ينهار، أي عن نظام عالمي أوروبي/أميركي ينهار، هو حديث له صدقيته بل دلائله التي أصبحت واقعية ملموسة. ولقد حدث أنّ هذه الانتفاضات الثورية العربية، بخصائصها الجديدة وبالبصمة الخاصة التي تحملها، توالت تباعاً في هذه اللحظة التاريخية العالمية النوعية الانتقالية، وبالتالي فإنّه لمن الحمق أن يخطر في بال البعض حسبانها على نظام عالمي ينهار وإلحاقها به، بينما نهوضــــها مظهـــر من مظــــاهر انهياره، وما علينا للتأكّد من ذلك سوى العودة إلى حادث احتلال العراق في العام 2003، والتمعّن في التطورات العالمية النوعـــية التي ترتّبت عليه (بفضل المقاومة العراقــية) وأيضاً الربط بينه وبين هذه التطورات الثوريـــة العربية النوعية التي نشهدها اليوم.
    لم يكن قد مضى على احتلال العراق أكثر من عام ونيف حين توصلّ الحلفاء الغربيون إلى نتائج قاطعة تقول بأن إستراتيجية المحافظين الأميركيين الجدد قد انهارت في العراق. لقد كان واضحاً لهم أنّ قوة الولايات المتحدة تعرضت لنكسة ذات أبعاد تاريخية. وكانت واشنطن قد أوفدت بول بريمر إلى العراق، في أيار/ مايو 2003، كوجه علني من وجوه عصابة المحافظين الجدد، الذين كانوا يحلمون بإعادة صياغة العالم على هواهم. وكانت مهمة بريمر تتلخص في تشكيل مجتمع عراقي واقتصاد عراقي يمكن للشركات الأميركية أن تهيمن عليهما تماماً، بينما تتمكن قوات الاحتلال من الحصول على حقوق طويلة الأمد تتجسد في إقامة قواعد عسكرية ثابتة على أرض العراق، وتتمكن الإدارة الأميركية من المضي السريع قدماً في إقامة مشروع الشرق الأوسط الكبير، ما بين قزوين والأطلسي. ولكن سرعان ما اتضح أنّ مهمة بريمر بمجملها عرضة للانهيار، بل لقد بدا الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج العربي عموماً عرضة لتغييرات في موازين القوى الحربية ليست في صالحه، فهي يمكن أن تؤدي إلى عدم القدرة على الاحتفاظ بقوات كبيرة هناك في المدى البعيد.
    لقد كان عام 2004 عام الهلع في أوساط تحالف دول الشمال الثرية، فالمسألة لم تعد مقتصرة على تفرّد الإدارة الأميركية بقرار الحرب من أجل الاستئثار بمعظم الغنائم، وهو ما أغضب حلفاءها كثيراً، بل تعدّت ذلك إلى احتمال تضعضع هيمنة تحالف دول الشمال على بلدان الجنوب، بسبب النكسة ذات الأبعاد التاريخية في العراق، الأمر الذي يعني خطراً جدّياً على النظام الربوي العالمي الذي يحكم العالم منذ بضعة قرون بقيادة دول الشمال. والحال أنّه، عندما يبرز ما يهدّد أسس النظام الاحتكاري العالمي (النظام المعني فقط بمصلحة المليار الذهبي من البشر) فإنّ غضب الحلفاء بسبب التقاسم غير العادل للغنائم يتحوّل إلى هلع على مصير النظام التاريخي برمته. وهنا يتجاوز الحلفاء قضية مصالحهم الآنية الخاصة، ويتجاوزون غضبهم على سلوك حليفتهم الكبرى وقائدتهم الأميركية، ويندفعون بكل قوتهم لتخليصها من ورطتها ولمساعدتها ضدّ ضحاياها الجنوبيين، لأنّها احتياطيهم التاريخي الأخير الذي لا احتياطي بعده، وهكذا فإنّ كلّ أمر يهون إلا أن ينهض الضحايا وينجحوا في الخروج على شبكة النظام الربوي العالمي اللزجة القاتلة مثل شبكة العنكبوت!
    إنّ كل حديث عن المجتمع الدولي يقصد به، عملياً وواقعياً، بالضبط دول تحالف الشمال حصراً وتحديداً. إنّ المجتمع الدولي هو المليار الذهبي المتمدّن، المتحضّر، الديمقراطي. وإذا ما حاولت المليارات الأخرى من البشر إظهار تمدّنها وتحضّرها وديمقراطيتها أحبطت محاولتها من قبل تحالف الشمال بطريقة أو بأخرى، ولو على حساب المصالح الآنية لبعض أطراف هذا التحالف. أي أنّ حماية النظام الاحتكاري العالمي المستبدّ، القائم منذ حوالي خمسة قرون، لها الأفضلية على كل ما عداها. ومهما فعلت الولايات المتحدة بحليفاتها، ومهما ألحقت بها من أذى، فإنّ الحليفات تهبّ لنجدتها، من دون أدنى تلكؤ وبمنتهى الحزم، عندما تتعرض هيبتها وفعاليتها الدولية للخطر، لأن ذلك يهدّد الوضع التاريخي للعالم بصورته الحالية المكرّسة لخدمة دول الشمال!
    وجدير بالذكر أن قيادة هذا النظام العالمي كانت في بداياته مكوّنة من اللاتين الكاثوليك (الإسبان والبرتغال) حتى القرن السابع عشر، ثم انتقلت القيادة إلى الأنكلوسكسون اللوثريين في لندن بعد نجاحهم في لجم الفرنسيين والألمان، وبقيت القيادة العالمية في يدهم حتى يومنا هذا، وإن انتقل المقرّ إلى واشنطن ابتداء من منتصف القرن العشرين. لقد كان ذلك يشبه (من حيث الشكل وليس المضمون) انتقال قيادة النظام العربي الإسلامي العالمي من يثرب الراشدية إلى دمشق الأموية إلى بغداد العباسية، عبر الحروب الداخلية، من دون أن يفقد النظام فعاليته وسيادته الدولية!
    لقد حدث أن انفراد الإدارة الأميركية بقيادة النظام الاحتكاري العالمي مرّ بمنعطفين: الأول على أثر الحرب العالمية الثانية التي ألحقت الدمار الشامل بأوروبا، والثاني بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وانتهاء مرحلة ما يسمى بالثنائية الدولية. وكان الحلفاء الغربيون راضين عن أداء الإدارة الأميركية في المنعطف الثاني، عام 1991، حيث أظهر الرئيس بوش الأب احترامه لحلفائه وحرصه على التعاون مع مؤسسات النظام الدولي، وهو ما ظهر في الحرب ضدّ العراق حينئذ، وفي التعامل مع نتائج انهيار الاتحاد السوفييتي، وأيضاً في التعامل مع القضية الفلسطينية التي أحيلت ملفاتها إلى مؤتمر مدريد. غير أنّ المحافظين الجدد، الذين كانوا يستعدون ميدانياً للوصول إلى الحكم في الولايات المتحدة منذ أواسط التسعينات الماضية، جاؤوا بإستراتيجية جديدة، مناهضة ومتجاوزة حتى للحلفاء والأتباع، ومتطلعة إلى عالم تحكمه واشنطن مباشرة بعد أن تضع يدها على المنطقة الواقعة ما بين قزوين والأطلسي، أي على قلب العالم وعصبه، فكان أن أدّت هذه المغامرة الخطرة إلى مضاعفات هدّدت أسس النظام التاريخي العالمي.
    لقد تعطل القطار الأميركي في محطته الأولى العراقية، واضطر إلى طلب النجدات والمساعدات ليس من حلفائه الغربيين وحسب، بل حتى من دول الجوار التي كان مزمعاً على اجتياحها، وهكذا رأينا واشنطن تحاول إصلاح قطارها المعطل في بغداد عن طريق تحقيق انتصار إسرائيلي في لبنان، ثمّ في غزّة. أي أنها حاولت مواصلة انطلاقتها 'الشرق أوسطية' من محطات أخرى، لكنها باءت بالفشل بالرغم من أنها فعلت أقصى ما يمكن فعله، وهاهي اليوم وقد غرقت أكثر فأكثر في أزماتها النوعية التاريخية المستعصية، وهاهو التحالف الغربي يهبّ مرّة أخرى بكل طاقاته لإنقاذها، وذلك حفاظاً على النظام العالمي الاحتكاري، نظام المليار الذهبي، ومن أجل الحيلولة دون نهوض أمم الجنوب عموماً والأمة العربية خصوصاً، أمّا التظاهر بالتعاطف مع العرب وإعلان الاستعداد لنجدتهم في معاناتهم الداخلية فلا يهدف إلاّ إلى كبحهم وإبقائهم تحت سيطرة المركزية الأوروبية/الأميركية.
    وبعد، فتلك صلة الانتفاضات العربية بالوضع العالمي، والمفترض أنّ للعرب دورهم في تسريع تغيـــير النظام العالمي الظالم الآيل موضوعياً إلى الانهيار، وفي إقامة نظام عالمي جديد عادل.

    ' كاتب سوري
    وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

Working...
X