Announcement

Collapse
No announcement yet.

الربيع العربي يطيح بالإيديولوجية النخبوية د. محمد بوعزة

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • الربيع العربي يطيح بالإيديولوجية النخبوية د. محمد بوعزة

    الربيع العربي يطيح بالإيديولوجية النخبوية

    د. محمد بوعزة



    ما يجري اليوم في العالم العربي انبثاق وجودي، عالم جديد في طور التخلق والتشكل.
    على شكل المفاجأة واللامتوقع ينبثق الحدث، يتجاوز النخب والإيديولوجيات القائمة، ويهدم أسطورة الإطار التي ظلت تروج لفكرة عدم قابلية المنطقة العربية للتغيير، بفعل سيادة ثقافة 'الاستمرارية' واستقرار الأنظمة التي ظلت قادرة على إعادة إنتاج بنياتها التسلطية، رغم الرياح الديمقراطية التي عصفت بالأنظمة الشمولية المشابهة لها في أوربا الشرقية، وأمريكا اللاتينية.

    فجأة وبدون توقعات، وعلى عكس كل السيناريوهات المتشائمة، تنفجر المنطقة العربية، وتحتل صورة المشهد العالمي. ولأول مرة تتغير سياسات التمثيل، بحيث انتقلنا من صورة العربي السلبية التي يختزلها الإعلام العالمي في صورة الإرهابي إلى صورة العربي الذي يثير الإعجاب بثورته المدنية السلمية على السلطة.

    بالطبع من المنظور الثقافي، للحدث سياقه الثقافي والمعرفي الجديد. له علاقة بامتدادات العولمة، حيث استفاد الفاعلون الجدد بكثافة من امتيازات الشبكة العنكبوتية في نشاطهم. فالطفرة التي تحققت في مجال الاتصال، تكشف لنا الوجه الآخر للعولمة، بحيث يمكننا ملاحظة ما تقدمه 'العولمة من تحث' بحسب 'ريتشارد فولك' من حيث الطاقة والتجديد، وليس فقط جانب التنميط والهيمنة. لقد سهلت وسائل الاتصال سرعة تبادل المعلومات والاشتراك في مواطنة عالمية. وهو ما وفر للشباب وسائل أكثر فعالية للتعبئة وحشد الناس، من الوسائل التقليدية للأحزاب (المنشورات، المقرات الحزبية..)

    يعكس إذن استخدام الأنترنت البديل الثقافي الجديد العولمي الذي أفرزته صيرورة الربيع العربي على خريطة المشهد الثقافي والسياسي والاجتماعي، حيث ألقت الضوء على ظواهر سوسيو ثقافية جديدة مثل 'المواطن الرقمي'، الذي تتشكل هويته بواسطة الفايسبوك والتويتر، والمدونة الشخصية، وغيرها من شبكات التواصل الاجتماعي، التي خلقت شبكات للمواطنة والانتماء والتثقيف جديدة عابرة للحدود، كما ولدت أشكالا جديدة للتعبئة والاستقطاب، بما يوفره هذا الفضاء الافتراضي من إمكانية لتفادي منظومة الرقابة التقليدية، من أجل التواصل والتفاعل دون اعتبار للحدود.

    في هذا السياق العولمي، أفرزت الثورات العربية نخبا جديدة شابة، شباب في عمر الزهور، يشتغل بأدوات ثقافية مغايرة ما بعد حداثية، في الوقت الذي ظلت فيه النخب التقليدية معزولة عن دينامية المجتمع، أسيرة أسطورة الأكاديميا المتعالية التي مفادها 'أن النظرية هي بالضرورة تلك اللغة النخبوية التي يلهج بها أصحاب الامتياز الاجتماعي والثقافي'. وأن بناء النهضة والتحرر مرهون بـ'مثقف كبير واحد، هو بمثابة شيخ مفكرين يتمتع بموارد فريدة لفكره المتميز'. على خلاف ذلك، قدمت الثورة العربية بدائل جمعية للعقل الفردي، وللمثقف الكبير، إنه نموذج العقل الجمعي، حيث نستطيع أن نتحدث عن مفهوم 'المثقف الجمعي' بمعنى أوسع من تعريف عالم الاجتماع 'بورديو' الذي يقرنه فقط بالنخب التي تشتغل في وحدات تعاونية أكاديمية متخصصة. الثورة العربية تعطي للمثقف الجمعي مفهوما أكثر دينامية وانفتاحا،لا يقتصر على النخبة بمفهومها التقليدي، بل ينفتح على حركية الحيز العام، ليحتوي نشاطات فاعلين متعددين، لا يمثلون بالضرورة النخب المعترف بها من طرف المؤسسة الثقافية أو السياسية، ولا يعترفون بالتقسيمات المألوفة بين 'النظرية' و'الممارسة'، بل ينخرطون في الفعل الإنساني من منظور عملي يجمع بين الفكرة والعمل، بين 'النظري' و'الناشط'، بين النخب والناس العاديين. وهذا ما رأى فيه البعض على صعيد النظرية تحولا من سياسات النخبة إلى سياسات الناس، أو سياسات الشارع. كما كشفت الثورة العربية عن تحول في الأدوار تمثل في ظهور النخب المحلية الهامشية، وبروز دورها على صعيد التأطير والقيادة، في مقابل صمت النخب المدينية.

    سيكون على الثقافة العربية إعادة بناء مفاهيمها وأدوارها في ضوء هذه التحولات. أكثر من ذلك، لقد غيرت الوسائط الجديدة للاتصال دور الكاتب (المثقف). فلمن يكتب في زمنية الأنترنت؟ هل يكتب لجمهور فعلي أم جمهور افتراضي؟ لقد أصبح مفهوم 'الجماعة المتخيلة حقيقة، اكتسب برأي 'إدوارد سعيد' بعدا حرفيا فعليا وإن يكن افتراضيا. حيث أصبح بإمكان الكاتب والمثقف بفضل الانترنت الوصول إلى أعداد من الناس لا يمكن حصرهم. أصبح الجمهور غير محدد بزمان أو مكان، وهو ما يفرض تعديل أفكارنا عن الجمهور والثقافة والخطاب والنص، وبالتالي مفهوم النصية والكتابة.
    وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

Working...
X