هل تندمج التيارات الدينية في مشروع العولمة؟

كتاب يقدم رؤى متنوعة عن موقف الحركات الإسلامية من عملية التحديث والتطوير الديمقراطي



القاهرة: ابراهيم منصور
يقدم كتاب «اسلاميون وديمقراطيون» الذي اصدره حديثا مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بصحيفة الاهرام المصرية رؤى شديدة الاهمية لدمج التيارات الاسلامية في مصر والعالم العربي في عملية التطوير الديمقراطي، كما يفتح الكتاب في الوقت نفسه بجرأة ومن دون مواربة ملف الحركات الاسلامية وعلاقتها بعملية هذا التطوير.
تضمن الكتاب ثلاثة أقسام احتوت على ستة فصول، وجاء القسم الأول تحت عنوان التحديات الفكرية والسياسية، وتضمن دراستين إحداهما حول «نظرات في الخيال السياسي للإسلاميين ـ إشكاليات منهجية وسياسية» للدكتورة هبة رؤوف عزت مدرس العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والثانية حول «الإسلاميون وتحديات بناء مشروع ديمقراطي» لهشام جعفر رئيس تحرير موقع إسلام أون لاين، أما القسم الثاني وهو بعنوان «الحركة الإسلامية وتحولات الواقع ـ خبرات وتجارب» فقد تضمن ثلاث دراسات الأولي دراسة مقارنة وحملت عنوان «تجربتا الإخوان المسلمين في مصر وحزب العدالة والتنمية في تركيا: اختلاف في الخطاب أم في السياق السياسي» للدكتور عمرو الشوبكي، والثانية حول «الإسلام السياسي وما بعد الإسلام السياسي» للدكتور جان ماركو الخبير الفرنسي في الشؤون التركية، والثالثة عن «تطورات الخطاب الديني الإيراني من الخميني إلي خاتمي» للباحث المصري الدكتور مصطفي اللباد، وأخيرا جاء القسم الثالث تحت عنوان مستقبل الحركات الإسلامية في ظل العولمة وتضمن دراسة للباحث نبيل عبد الفتاح رئيس وحدة البحوث الاجتماعية بمركز الدراسات بالأهرام.
وقد حرر الكتاب الدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز الدراسات السياسية بالأهرام وأحد أبرز الباحثين في دراسة النظام السياسي المصري والحركات الإسلامية السلمية، والذي كان له السبق في رصد علاقة الحركات الإسلامية بعملية التطور الديمقراطي في دراسته الأولى التي نشرها منذ عشر سنوات في التقرير الاستراتيجي العربي في عام 1995 تحت عنوان: «الحركة الإسلامية بين صعوبة الدمج واستحالة الاستئصال».
والحقيقة أن أهمية الكتاب تأتي من إنه قدم أفكارا نظرية عميقة حول التحديات المركبة التي تواجه عملية دمج الحركة الإسلامية في عملية التطور الديمقراطي، معتبرا «أن ظاهرة الإسلام السياسي مثلت مدخلا خصبا لاستخدام العديد من المداخل المنهجية والمعرفية في محاولة «لفك طلاسمها»، فقد نظر إليها أما باعتبارها عالما ثقافيا خاصا ومغلقا، أو باعتبارها خطرا ظلاميا هائلا يستلزم المواجهة والاستئصال، وأخيرا أو نادرا من أجل فهمهما كظاهرة سياسية ـ اجتماعية يمكن استيعابها ودمجها في قلب الحياة السياسية وفي داخل عملية التطور الديمقراطي التي تشهدها كثير من المجتمعات العربية والإسلامية».
وقد أشار الكتاب إلي تنوع المداخل التي قرأت الظاهرة الإسلامية وحددها في ثلاثة أنواع: الأولي جاءت من خلفيات فكرية علمانية سواء أخذت طابع يساري أو ليبرالي، والثانية هي كتابات إسلامية صبغت على الظاهرة صفات التفرد والاستثنائية والسكون، واختلفت عن القراءات العلمانية في المضمون وليس المنهجية، فالأولى أي العلمانية نظرت في كثير من الأحيان للظاهرة الإسلامية بصورة سلبية واعتبرتها حالة شيطانية تستوجب الاستئصال، والثانية اعتبرتها ظاهرة ملائكية تجسد كل القيم والمفاهيم الإيجابية في العالم العربي، أما الثالثة فنظرت إلي الظاهرة الإسلامية باعتبارها بالأساس ظاهرة اجتماعية، وتحاول أن تدمج بين الدلالات الثقافية التي تقف وراء وجود الظاهرة الإسلامية، وبين الدوافع والأسباب الاجتماعية والسياسية التي تقف وراء انتشارها ـ أو تراجعها ـ وتعمل على استخدام مداخل ثقافية اجتماعية تساعد على دمج الحركة الإسلامية في العملية السياسية والديمقراطية.
* العلمانية الأصولية
* وعلى ضوء هذا يحاول الكتاب أن يدحض وجهة النظر العلمانية التقليدية أو ما سماها «بالعلمانية الأصولية» التي تنظر إلي الحركة الإسلامية باعتبارها خارج تأثير الزمن والسياق الاجتماعي والسياسي، وعلى أنها حركة معادية بحكم الطبيعة والتكوين الداخلي للقيم الديمقراطية وغير قابلة للتطور والتفاعل الإيجابي مع العملية الديمقراطية. وقد ركز الكتاب بخاصة مقدمته على نقد الكتابات التي تعتبر أن هناك أسبابا بنائية تقف حائلا في أي مكان وزمان أمام تطور التيار الإسلامي وانفتاحه ديمقراطيا، على اعتبار إنها حركة لا تاريخية، تقرأ من خلال نصها المقدس والثابت أو من خلال خطابها الأيديولوجي، باعتباره قدرا تاريخيا خالدا لا يتأثر بالزمن ولا بالبيئة الاجتماعية المحيطة. وجاء في مقدمة الكتاب أن هناك بعدا ثقافيا يفسر وجود الظاهرة الإسلامية، وبعد اجتماعي ـ سياسي يفسر انتشارها، ويفسر أيضا تبني بعضها لخيار العنف وتبني أغلبها للخيار السلمي، وتبني بعضها الكامل للديمقراطية كمفهوم وكممارسة وتردد البعض الآخر على القيام بذلك.
وتصبح الأسباب الرئيسية التي تقف حائلا أمام دمج الإسلاميين في عملية التطور الديمقراطي تتمثل أساسا في الظروف الاجتماعية المحيطة ودرجة ديمقراطية النظام القائم وقدرته على بناء مؤسسات ديمقراطية وقواعد قانونية تنظم العملية السياسية. وقد جاء القسم الأول من الكتاب ليناقش بصورة رصينة التحديات الفكرية التي تقف أمام بناء تيار إسلامي ديمقراطي حيث أشارت د. هبة رؤوف إلي مجموعة من التحديات أبرزها على سبيل المثال ما أسمته بأسطورة مركزية الدولة الإسلامية في مواجهة الدولة العلمانية، وبصورة تقوض مفهوم الجماعة والأمة وتحجم من خيال الإسلاميين. كما أشار هشام جعفر في دراسته الهامة عن «الإسلاميون وتحديات بناء مشروع ديمقراطي» إلي أطروحات خمس للعمل الإسلامي وعلاقاتها بقضايا الديمقراطية، أما في القسم الثاني من دراسته فأشار إلي علاقة الإسلاميون ببناء المجتمع الأهلي، ثم اختتم دراسته بالحديث عن كيفية مساهمة الإسلاميين في عملية التطور الديمقراطي. أما القسم الثاني من الكتاب فقد تضمن قراءه في خبرات وتجارب ثلاث بلاد كبري في العالم الإسلامي وهي تركيا ومصر وإيران، وجاءت دراسة الدكتور عمرو الشوبكي لتقارن بين خبرة الإخوان المسلمين في مصر وحزب العدالة والتنمية في تركيا لتبرز الفارق بين التجربتين، وترجع جانب منه إلي فكر كل تيار، والبعض الآخر يرجع إلى الظرف السياسي المختلف الذي عاشته الخبرتان.
وأرجع الباحث ثلاثة أسباب أدت إلى اكتمال بناء تيار إسلامي ديمقراطي في تركيا وبقاء الحركة الإسلامية في مصر في منتصف الطريق، أولها تفاوت الواقع السياسي بين مصر وتركيا واختلاف درجة التطور الديمقراطي، والثاني استمرار التعايش الجيلي داخل جماعة الإخوان المسلمين بين تيار دعوي وديني وآخر سياسي نتيجة غياب أي أفق يسمح بظهور حزب سياسي إسلامي، على عكس تركيا الذي سمح نظامها العلماني المتشدد بقيام حزب سياسي ذي مرجعية إسلامية، بدء بحزب الرفاه ومر بحزب الفضيلة، ثم انتهي بحزبي العدالة والتنمية وحزب السعادة. أما الثالث فيرجع نتيجة اختلاف طريقة تعامل كل خبرة مع الغرب، فقد اعتبر الباحث أن الإخوان المسلمين لديهم حيرة في تعاملهم مع الغرب بين أسلمة خطاب التحرر الوطني والتأكيد على قيم وثقافة المقاومة الجهادية ضد الغرب، وبين التفاعل النقدي والسلمي معه كما فعل الأتراك منذ عقود، وهذا على عكس الخبرة التركية التي حسم التيار ذو الأصول الإسلامية انتماءه لقيم الغرب في الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وبدأ يحاول أن يكيف النظام التركي على مبادئ ومعايير الاتحاد الأوربي من أجل أن تصبح تركيا عضوا فيه، من دون أن يتنازل في نفس الوقت عن مفهوم «التفاعل النقدي» مع المنظومة الغربية العالمية. وقد تعرض الكتاب في دراستين منفصلتين في هذا القسم إلي التجربة التركية والإيرانية بصورة مفصلة لمعرفة طبيعة التجربتين والتحولات التي شهدتهما نحو بناء خطاب ديمقراطي «ما بعد إسلامي» في تركيا بتعبير جان ماركو، وبين خطاب ديني إصلاحي ذو أبعاد ديمقراطية في إيران خاتمي كما أشار مصطفي اللباد. وجاءت دراسة نبيل عبد الفتاح لتمثل مسك الختام في هذا الكتاب، وحملت عنوان «العولمة والديمقراطية والإسلام السياسي»، وتضمنت عدة نقاط أولها حول بيئة التغير العولمي السريع وأشار إلي طبيعة المظومة العالمية الجديدة وثورة الاتصالات وعولمة قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وتأثير ذلك على ما أسماه ثانيا بعولمة الأديان والجماعات الإسلامية، حيث تحدث عن عولمة الإسلام السلمي والدعوي، وعولمة العنف الجهادي وأشار ثالثا إلى «الإسلام المصري بين الضغوط الخارجية وإشكالياته الداخلية» مقدما عرضا متناغما حول تأثير البيئة العالمية على أوضاع الحركات الإسلامية في مصر. من المؤكد أن كتاب «إسلاميون وديمقراطيون» مثل إضافة جديدة إلي المكتبة العربية، وتعرض بصورة جريئة لقضية شائكة مطروحة على الساحة العربية منذ عقود، كما إنه لم يكتف بالعرض إنما انحاز لوجهة نظر تري بضرورة «دمج التيار الإسلامي السلمي في عملية التطور الديمقراطي» وحاول أن يقدم كل المبررات العلمية لدعم هذا التوجه الذي لا زال يثير جدلا واسعا في أوساط النخب العربية والغربية.