علي محمد فخرو - الوسط البحرينية


«قيس ابن عمي عندنا؟ يا مرحباً يا مرحبا». وقيسنا هذا هو الأمن القومي العربي، الذي غاب سنين طويلة وضاع في الدفاتر القديمة، لتخرجه أحداث اليوم الحالية المفجعة من تلك الدفاتر، بعد أن فشل في تذكُّره وإخراجه ابتلاع نصف الضفة الغربية من قبل المستوطنين الصهاينة وتدمير ألوف المساكن في غزّة على رؤوس ساكنيها من قبل الآلة العسكرية الهمجية الصهيونية المجنونة. ومع ذلك فأن يصل قيس متأخراً أفضل من أن لا يصل.

ولكن، وبعيداً عن ثرثرة وحفلات الإعلام العربي الرسمي بشأن هذا الموضوع، دعنا نتفحّص الأمر بلا انحيازات ولا أحكام مسبقة.

أولاَ: إن أصل الإحساس الجاد بأهمية الأمن القومي العربي تمثًل في إقرار الجامعة العربية العام 1950 لما سُمّي «معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي»، والذي نصّ في شقّه الأمني على أن أيّ اعتداء يقع على أية دولة عربية يعتبر اعتداء على كل البلاد الموقّعة على المعاهدة.

لكن تلك المعاهدة لم تفعّل قط: لا إبان العدوان الثلاثي على مصر العام 1956، ولا على العدوان الصهيوني على مصر وسورية العام 1967، ولا إبّان حرب رمضان الشهيرة العام 1973، ولا بشأن الغزو العراقي للكويت العام 1990، ولا على الاعتداءات الصهيونية المتكرّرة على لبنان، ولا على استباحة العراق من قبل أميركا وحلفائها العام 2003، ولا على الحروب والاستباحات الصهيونية البربرية المتكررة على غزة والضفة الغربية. إن الأمثلة الأخرى كثيرة. وإنه تاريخ أسود لمشروع أمني قومي ولد ميّتاً.

ثانياً: إن الأسباب التي حنّطت تلك المعاهدة وأماتت ما عُرف بـ «ميثاق الضمان الجماعي» العربي كثيرة، من بين أهمّها: أولاً المماحكات السياسية والإيديولوجية والقبلية والمذهبية التي عصفت بالعلاقات بين أنظمة الحكم العربية عبر الستين سنة الماضية، وثانياً إعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية القطرية على المصلحة القومية المشتركة مع اعتبار مصلحة نظام الحكم، في الخفاء وفي الواقع، على أنه مساوٍ بالتمام والكمال للمصلحة الوطنية، وثالثاً الصعود المستمر والمعقد، الظاهر والخفي، لظاهرة التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية لقوى خارجية، وبالتالي فقدان الاستقلال في اتخاذ القرار بل وفرض التناغم إن لم يكن التماثل، بين مصلحة الخارج ومصلحة الداخل.

في قلب تلك الأسباب جميعاً يكمن الغياب الشبه كامل لقوى مجتمع مدني فاعلة ومعبّرة عن مصالح غالبية المواطنين. فسلطة الدولة العربية، إبّان مسيرة ما بعد الاستقلال الوطني، قد ابتلعت في جوفها مجتمعاتها وجعلتها عاجزةً عن الممارسة السياسية الديمقراطية، وبالتالي المساهمة في اتخاذ القرارات الكبرى من مثل الانخراط بحيويّة في مواضيع الأمن القومي العربي.

فإذا أضيف إلى ذلك عجز مؤسسة القمم العربية في اتخاذ القرارات الضرورية بالنسبة للكثير من الموضوعات العربية المشتركة، وأضيف إلى ذلك التراجع المستمر في قدرات جامعة الدول العربية وفاعليتها في ميادين السياسة والاقتصاد والأمن، وفشل كل محاولات إصلاحها مراراً وتكراراً، ما جعلها شكلاً بلا مضمون وأحياناً أقحمها في صراعات محلية وجعل منها أداة في يد هذه الدولة أو تلك، فإن العجز المشترك يضاف إلى العجز الفردي ليصبح المشهد كارثياً.

ثالثاً: هنا يحق لنا أن نطرح السؤال التالي: هل جرى تحسّن في أيٍّ من تلك الأوضاع والممارسات الخاطئة والمؤسسات العاجزة أم أنها ازدادت سوءًا وعجزاً؟ بل لقد دخلت أخطاء جديدة تمثلت في الصعود المأسوي لقوى الجهاد التكفيري الممارسة لأبشع أنواع البربرية، وتمثلت في انهيار العديد من الأقطار العربية الرئيسية المهدّدة بمزيد من التجزئة والصراعات العبثية بين مكوّناتها، وما يجري في سورية وليبيا واليمن والعراق ماثل أمامنا.

إن الجواب بالطبع واضحٌ أمامنا في شكل دخول أمة العرب في محنة كارثية لم تعرف مثلها طيلة تاريخها كلّه.

ليس الهدف هو بثّ اليأس من إمكانية النجاح في تكوين الأداة العسكرية المتواضعة، قوة التدخل العربية، في طريق بناء الأمن القومي العربي. الهدف هو التنبيه إلى عدم الاستخفاف بالعقبات، وهي عقبات تاريخية لازالت متجذّرة في الحاضر.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان الخوف هو أن تعكس تلك العقبات نفسها عندما تبدأ اللجان في تعريف الأمن القومي وأهدافه وأشكال آلياته ومدى خضوعه أو تخطّيه لشعار السيادة الوطنية، شعار كل الأنظمة العربية المقدّس الذي ساهم في إضعاف كل مؤسسة عربية مشتركة، من مثل الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي وأجهزة الاتحاد المغاربي.

وهذه النقطة الأخيرة ستحتاج أن تبحث بعمق كجزء لا يتجزأ من موضوع الأمن القومي، إذ سيكتشف بأن موضوع السيادة الوطنية المتزمّتة المبالغ في الحرص عليها هو وراء الفشل في حقول كل أنواع الأمن القومي: الاقتصادي والغذائي والمائي والثقافي والسياسي.

ما ستحتاجه الحياة العربية المضطربة البائسة الحالية هو فكر سياسي جديد يعدّل طبيعة العلاقات ويغيّر الأولويات. فإذا كان مؤتمر شرم الشيخ جاداً في أمر الأمن القومي الشامل فليعقد الجلسات، وليستعن بأصحاب البصيرة والحكمة، للإتفاق على الأقل على وضع الخطوط العامة لذلك الفكر.