د. علي محمد فخرو - الخليج الاماراتية


من أكثر الشعارات طرحاً في أيامنا الحالية شعار فصل الدين عن السياسة. وبالطبع فإن وراء هذا الطرح المتعاظم ما فعله الجنون الجهادي التكفيري بالمجتمعات العربية والإسلامية من تشابك الدين بالسياسة في أسوأ وأخطر صوره.

لكن طرح هذا الشعار سيحتاج إلى توضيحات وإلى بناء نظري متماسك مقبول من غالبية الناس، وإلا فإنه سيعالج صراعات سياسية عبثية خطرة بإدخال العرب والمسلمين في متاهات وصراعات فكرية وثقافية أخطر من تلك التي يعالج.

من البداية دعنا نستذكر بأن علاقة الدين بالسياسة لم تحسم بعد، حتى في الدول الديمقراطية العريقة. وكتوضيح لذلك لنأخذ الولايات المتحدة كمثال. هنا سنأتي بموقفين متواجهين من قبل شخصيتين أمريكيتين شهيرتين.

ففي الستينات من القرن الماضي رشّح جون كيندي نفسه لخوض انتخابات رئاسة الدولة الأمريكية. ولأنه كان كاثوليكياً طرح الكثيرون عليه هذا السؤال بقوة وإصرار:

هل ستؤثر قناعاتك الدينية الشخصية بشأن بعض القضايا، من مثل موضوعي الإجهاض والزواج المثلي، على مواقفك وقراراتك كرئيس للجمهورية؟ في خطاب طويل شهير أجاب بالنفي التام وبأن القناعات الدينية لكل الناس يجب أن تبقى بعيدة عن المناقشات السياسية العامة.

لكن، بعد حوالي خمسين سنة، عندما طرح نفس السؤال على باراك أوباما، قبل وبعد نجاحه في الانتخابات، كان الجواب مختلفاً. لقد استشعر أوباما التوق الروحي، وبالتالي الديني، في أعداد هائلة من المواطنين الأمريكيين.. هذا التوق الذي يحتاج لأن يعبّر عن نفسه كجزء من الصوت السياسي.

قال الرئيس أوباما إنه يشعر بأن صخب الحياة الأمريكية اليومية، من دون قيم أخلاقية روحية ومن دون أهداف غير مادية وحسية، يجعل حياة الأمريكي خاوية. ولذا فمن واجب التقدميين، الذين يطرح بعضهم حيادية الدولة في الشؤون التي تعارف عليها الناس بأنها قيمية وأخلاقية، يجب ألا يتجاهلوا «الخطاب الديني»، بل وعليهم أن يتعاملوا مع هذا الحقل برفق وزمالة.

لم يكن ذلك الطرح شعاراً انتهازياً، بل كان طرحاً فكرياً سياسياً. ذلك أن طرح موضوع القيم والفضيلة في الحياة السياسية يؤدي في الحال إلى طرح موضوع العدالة والصالح العام في حياة المجتمعات والبشر.

إضافة إلى ذلك فهذا الطرح من قبل أوباما يشكّك في صواب مدرسة «الحيادية الليبرالية» التي تنادي بإعطاء الحرية الكاملة للفرد لكي يختار، هو وحده فقط من دون رقيب أو حسيب، ما يعتقد أنه صالح له ومفيد لحياته. إنه طرح يرفض أقوال المدرسة الفلسفية النفعية، التي تقول بأن كل ما هو نافع للفرد فهو عادل حتى ولو كان على حساب الآخرين والمجتمعات والبيئة، أي الفردية المطلقة في أقصى جموحها.

والواقع أن الحديث هنا عن القيم والأخلاق الروحية لا يقتصر على السياسة فقط، بل يتعداها إلى حقل الاقتصاد. إنه ردّ على الفلسفة الرأسمالية النيولبرالية المنادية بالحرية التامة، غير المنقوصة وغير المنضبطة من قبل تدخّلات الدولة، للأسواق. مثل الفردية المطلقة يجب أن يكون السوق. كلاهما أحرار فيما يقررانه، باطلاً أو حقاً أو عادلاً.

وبالطبع فإن هكذا سياسة وهكذا اقتصاد سيؤدّيان إلى حياة الغاب، حيث القوي يأكل الضعيف، وإلى غياب تام لمبدأ الصالح العام. ولذلك تجري نقاشات طويلة ومعقدة بشأن هذا الموضوع سواء في اجتماعات الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، أو في الدوائر الأكاديمية. فانعكاسات أخذ وجهة النظر هذه أو تلك ستكون هائلة على حياة الإنسان العادي.
إذا كان مثل هذا الموضوع لا يزال في طور الأخذ والرد في مجتمع استقر فيه النظام الديمقراطي إلى حدّ كبير، فكيف بمحاولة الوصول إلى نتائج حاسمة في مجتمع عربي لا يزال يحبو في انتقاله إلى الديمقراطية؟

نحن نشير إلى ذلك لجلب الانتباه إلى ضرورة درس الموضوع دراسة معمقة، بعيدة عن الغضب العارم الذي يجتاح الوطن العربي من جراء الممارسات الوحشية للجماعات الجهادية التكفيرية، لتحدد معاني الكلمات المطروحة، وتأخذ بعين الاعتبار التاريخ والثقافة والتوق الروحي الإنساني، وتنقل المجتمعات العربية إلى عوالم المشترك المواطني والإنساني التضامني، وتتعلم من تجارب الآخرين، وتهدف في النهاية إلى عالم يسود فيه العدل والمساواة، وتتوازن فيه الحقوق والمسؤوليات، ويتناغم الرباني مع البشري.
إنها مهمّة صعبة ومعقدة، ولكنها ضرورية ونحتاج إلى حملها ومواجهتها بأمانة وصلابة.