إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ردُّ الحقوق لا يعني تجزئة الأوطان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ردُّ الحقوق لا يعني تجزئة الأوطان

    د. علي محمد فخرو - الخليج الاماراتية


    أن تكون هناك مطالب حقوقية أو سياسية أو اقتصادية أو ثقافية تتعلق باللغة أو المذهب الديني أو غيرهما لبعض مكونات المجتمعات العربية فهذا أمر لا يختلف عليه اثنان.
    وبالطبع فمن حق تلك المكونات أن تناضل من أجل تعديل أي خلل في تلك الحقوق، ومن الواجب الأخلاقي والوطني على جميع أفراد شعوب تلك المجتمعات أن يساندوا تلك المطالب جنباً إلى جنب مع مواطنيهم المهضومي الحقوق.

    وجود التمييز ضد هذه الجماعة أو تلك في المجتمعات العربية هو ظاهرة اجتماعية مبتذلة تواجدت عبر كل تاريخ تلك المجتمعات، وبالتالي فتصحيحها، بل واجتثاثها، أصبح ضرورة تستوجبها القيم الأخلاقية ومتطلبات الممارسة الديمقراطية.

    إلى هنا والأمر لا اختلاف عليه. لكن تصحيح تلك الأوضاع، كمسؤولية جماعية، شيء والحديث عن تجزئة الأوطان، بانسلاخ هذا الجزء أو ذاك، وبالتالي إضعاف الأوطان وتشويهها وإدخالها في صراعات مستقبلية لا تنتهي، شيء آخر. فالأوطان ليست سلعاً في الأسواق معروضة للبيع والشراء، وإنما هي مشاعر أمان وهويات وأحلام عبر أفق المستقبل وضمانات في وجه الأخطار الآتية من كل طامع أو حاقد.

    وبالتالي فأن يتنطّع هذا الزعيم أو ذاك، في هذا المكون أو ذاك، لهذه الأسباب المحقّة أو تلك، ويطالب بإجراء استفتاء حول انفصال جغرافي وبشري، وبالتالي سياسي واقتصادي، يؤدي إلى إضعاف وتمزيق وتشويه الوطن ودخوله في متاهات تقسيم هذه الثروة المادية أو المعنوية أو تلك، فإنه تنطُّع غير مقبول بصفة مبدئية، وهو أيضاً غير مقبول بصفة واقعية. ذلك أن كل جزء من الوطن الجغرافي، بل كل حبة تراب فيه، هي ملك الجميع، وليست ملكاً لهذه الجماعة أو تلك. من هنا فإن قرار سلخ أو انفصال هذا الجزء الجغرافي أو ذاك، هو ملك للجميع وليس لهذه الجماعة أو تلك.

    وإذا كان لا بد من استفتاء فإن الواجب الوطني وواقع الحياة السياسية يقتضيان بأن يطرح الاستفتاء على جميع أفراد الوطن.
    فإذا وافقت أغلبية ساحقة، بمعنى نسبة تسعين في المئة فما فوق، على انسلاخ جزء من وطنها، فإنه قرار شرعي حتى ولو كان قفزة في المجهول ومخاطرة غير محسوبة.
    القرار إذن يجب أن يكون وطنياً يشترك في اتخاذه الجميع، وليس قراراً فئوياً وإلا فإننا نتكلم عن تدمير لمفهوم الدولة وشروط تواجدها في الواقع السياسي والجغرافي.

    وحتى لا ندخل في المماحكات وقراءات النيات، وما أكثرها وأقساها في أرض العرب، دعنا نؤكد بأن العروبي الوحدوي الديمقراطي الإنساني لا يقبل بوجود أي تمييز، من أي نوع كان وبأي مقدار، ضد أي مكوّن من مكونات المجتمعات العربية، سواء بسبب العرق أو الدين أو المذهب أو اللغة أو الثقافة، ولكنه يرى في تمزيق أوصال أي دولة عربية خطراً وجودياً لا عليها وعلى شعبها فقط، وإنما يرى خطراً هائلاً وتناقضاً عميقاً مع إيديولوجية القومية الوحدوية.

    فالنضال، نضال الجميع، يجب أن يكون في سبيل مزيد من وحدة الدول العربية في شتى المستويات، وذلك من أجل قدرة هذه الأمة على الوقوف في وجه أعدائها من الصهاينة والاستعماريين وشركات الاستغلال والنهب، وقدرتها على بناء اقتصاد إنمائي متين، وبناء نهضة جامعة للخروج من التخلف التاريخي الذي يعيشه الوطن العربي كله، وللانتقال إلى نظام ديمقراطي سياسي واقتصادي عادل ينهي إشكاليات التمييز بكل أنواعها.

    لسنا معنيين بتسمية وتفاصيل المناطق والفئات والأسباب، فهي كثيرة ومؤلمة، وإنما نحن معنيون بإبراز عبثية الانخراط في الفاجعة الجديدة، فاجعة التجزئة والتقسيم والتشظي، التي تسعى الصهيونية ودوائر الاستخبارات الغربية لتجذيرها وتوسيعها وتنميطها في طول وعرض وطن العرب باسم حق يراد به باطل، وهو سعي تجلى في اغتصاب فلسطين، ويتجلى الآن في بعض دول المغرب العربي وفي العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن على سبيل المثال. فالهدف الصهيوني - الاستعماري النهائي هو تجزئة المجزأ حتى تصل هذه الأمة إلى أقصى مراحل الضعف والقابلية للاستعمار، بل وعدم القابلية للنهوض والقوة والندية لأعدائها. إنه مشروع بدأ بسايس بيكو، ولا يريد أن يتوقف عند حدود حتى يخرج هذه الأمة من التاريخ.

    موضوع توحيد هذه الأمة في مقابل تجزئتها لم يعد موضوع أحلام وتمنيات وأفضلية، إنه موضوع واقعي وجودي بامتياز. ولذلك فحركة مقاومة التجزئة والنضال من أجل الوحدة تحتاج، وبأسرع ما يمكن، وقبل فوات الأوان، لبناء الجماهير والمؤسسات وأدوات النشاطات لتغيير الواقع الحالي. إنه موضوع صراع إرادات، وموضوع تضحيات، وتخطيط في مواجهة تخطيط.

    في قلب ذلك البناء والتنظيم والنضال ينبغي أن نرى المكونات المظلومة يداً بيد مع غيرها، وذلك في سبيل بناء مجتمعات ديمقراطية عادلة إنسانية بقيم أخلاقية رفيعة، تنهي المظالم وممارسات التمييز، لا أن تتوجه إلى إحداث مزيد من الآلام والفواجع في أرض تموج بالضعف وبالآلام والفواجع.


    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X