إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

ثقافة سياسية لتحقيق المواطنة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ثقافة سياسية لتحقيق المواطنة

    د. علي محمد فخرو - الخليج الاماراتية

    في وجه التحديات والكوارث التي تواجهها المجتمعات العربية، وعلى الأخص التناحرات الدينية والطائفية، والفساد المستشري، وتفاقم الصراعات العنفية، وتنامي المطالبين بالانفصال أو تقسيم الأوطان، وغياب الشفافية في الحكم، هناك حاجة ملحة لمواجهتها بثقافة سياسية وطنية جامعة، وهي ثقافة يتبناها الجميع، وتخدم الجميع، وتركز على المشترك، وتعلو على الانتماءات الثقافية الفرعية دون أن ترفض تواجدها بتسامح وسلمية، كما أنها ثقافة تتغذى من الثقافة العربية الأم ومن قيم الثقافة الإنسانية المشتركة بين البشر.
    إنها، إذن، ثقافة سياسية وحقوقية في الدرجة الأولى، ولكن تأثيراتها ونتائجها تمتد إلى حقول الاقتصاد والاجتماع أيضاً.

    في اعتقادي أن الثقافة السياسية الوطنية تلك تنطلق وتدور حول شعار ومفاهيم المواطنة، وتحقيق هذا الشعار، بكل مفاهيمه الفكرية ومتطلباته الحقوقية السياسية والإنسانية ، هو المدخل لتلك الثقافة.
    هناك أبعاد فكرية وتنظيمية أربعة لمفهوم المواطنة، وبالتالي لتلك الثقافة:

    أولاً: هناك البعد القيمي الأخلاقي الإنساني الذي يؤكد قيمة الحرية، بما فيها حرية المعتقد والتعبير والنشاط المدني، وقيمة المساواة ، بما فيها المساواة بين المرأة والرجل وفي الفرص الحياتية والثروة العامة، وقيمة التكافل والتعاون والاعتماد المتبادل بين مكونات المجتمع، وقيمة العدالة، بما فيها عدم التمييز أو القبض التعسفي أو النفي أو التعذيب.

    ثانياً: هناك البعد السياسي الذي يرتكز على مبادئ ومنهجية وتنظيمات الديموقراطية، بما فيها اختيار سلطات الحكم، وتوازن سلطة الدولة مع سلطة المجتمع، وحق تكوين مؤسسات المجتمع المدني بكل أشكالها وتلاوينها، وبالتعددية السياسية والثقافية والدينية، وبالتداول السلمي الدوري للسلطة، وبحرمة المسكن والمراسلات، وبالحصول على الجنسية، وبحق التنقل والسفر دون عوائق غير قانونية.

    ثالثاً: هناك البعد القانوني، بما فيه عقد اجتماعي في شكل دستور عقدي وقوانين بنظام عادل وشفاف.

    رابعاً: هناك البعد الاقتصادي والاجتماعي وتطبيق صارم لمتطلبات العدالة الاجتماعية، بما فيها مكافحة الفقر والحق في العمل والحماية من البطالة والتأمين ضد عجز الشيخوخة.
    لكن المواطنة ليست فقط مبادئ وحقوق، إذ إنها لن توجد في الواقع إلا إذا قام المواطنون بواجباتهم إضافة لممارسة حقوقهم، إنها نتاج نشاط وتفاعل بين الحقوق والواجبات عند الفرد وعند الجماعات، وهي، ككل كائن اجتماعي حي تحتاج لبيئة ملائمة لنموها وصونها، تعينها ولا تعيقها.

    من هنا تصبح المواطنة شعاراً فارغاً غير متحقق في الواقع إذا كان توزيع القوة السياسية في المجتمع غير متكافئ، وتوزيع الثروة الاقتصادية غير عادل. ولذلك ففي مجتمعاتنا العربية تبرز ثقافة وإشكالية عدم المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات المجتمعية كأحد أهم العوائق أمام التساوي العادل في المواطنة.

    ولأن المواطنة هي تفاعل متوازن بين الحقوق والمسؤوليات فإن إعطاء وزن للحقوق على حساب المسؤوليات في مجتمعاتنا هو خطأ فادح. فمسؤوليات من مثل الالتزام بالقيام بواجب التصويت في الانتخابات البلدية والبرلمانية ، والمحافظة على النظام العام، ورعاية وحماية البيئة المحلية، والمساهمة في النشاطات التطوعية لمساعدة المواطنين الآخرين هي مسؤوليات أساسية لا تكتمل المواطنة بدون ممارستها من قبل المواطن.

    إذا كنا، نحن العرب، نريد التبني للثقافة السياسية الوطنية الجامعة، المبنية على مبدأ المواطنة، فإننا مطالبون، من أجل تفعيل المواطنة الحقيقية في الواقع العربي، بالقيام بالآتي: استئصال الفساد، مكافحة الفقر والجهل والمرض، الدخول في إصلاحات تراكمية في الحياتين السياسية والاقتصادية، المراجعة التحليلية النقدية للثقافة العربية تمهيداً لبناء ثقافة ذاتية جديدة، بناء نظام تعليمي يهيئ الطالب لممارسة حقوق وواجبات المواطنة، وجود نظام إعلامي يساهم في التوعية المستمرة بمستلزمات المواطنة ويبعد نفسه عن كل ما يجرح مفاهيم المواطنة، وممارسة معقولة من قبل سلطات الحكم للشفافية في الحياة العامة.

    لنلاحظ أن كل ما قلناه عن متطلبات تواجد المواطنة وتطبيقها في الواقع يرتبط أشد الارتباط بموضوع تواجد الديموقراطية في الحياة المجتمعية العربية.

    ولأن تواجد الديموقراطية في الحياة العربية يواجه إشكاليات تتعلق بسلطة الحكم من جهة وبثقافة المجتمع من جهة أخرى، نستطيع أن ندرك مقدار التضحيات والجهود والنشاطات النضالية المطلوبة من أجل الانتقال إلى ثقافة سياسية وطنية ترتكز على مفاهيم ومنهجيات المواطنة. إنه الطريق للخروج من الوضع الذي وصلنا إليه في طول وعرض بلاد العرب.

    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X