إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

مستشارون.. أم طبّالون؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مستشارون.. أم طبّالون؟

    حسن جمعة الرئيسي - الخليج الاماراتية


    لا يمكن إغفال أهمية ودور أي مستشار؛ نتيجة ما يقدمه من مشورة في أي مجال، بصرف النظر عما ينتج عن استشاراته من نجاحات أو إخفاقات؛ فإن الحالة التي تكون بعد استشاراته مختلفة عما قبلها، وإن كان في حالة تحقيق الإنجازات قد لا يُعطى المستشار حقه من الإشادة وينسب الفضل لمن استفاد من الاستشارة، ولكن في حالة الإخفاقات، فإن المستشار قد يدفع الثمن، على الرغم من أنه قد يكون غير مسؤول عن الإخفاقات.

    هناك شواهد كثيرة على دور المستشارين في المجالات المختلفة، كدور المستشارين الصينيين في أحداث الممالك الصينية القديمة، وكذلك دور سلمان الفارسي عندما أشار بحفر الخندق في المعركة الشهيرة التي تسمى غزوة الخندق، ونجاح استشارته في بداية عصر الإسلام، كما أن هناك كثيراً من المستشارين وتحت مسميات مختلفة كان لهم تأثير في الأحداث المختلفة، وأيضاً في تطور العلوم على مر الأزمنة والعصور.

    حتى إن القرآن الكريم الذي لم يترك شاردة ولا واردة إلا تناولها، ولأنه كتاب عالمي وليس ملكاً لفئة معينة، وإنما لكافة الناس دون استثناء، فقد بين دور المستشارين في أكثر من موضع وبمسميات مختلفة، ونتناول هنا ما تعلمناه في سورة النمل من أهمية المشورة قبل أخذ القرارات، لا سيما تلك التي تتعلق بالجماعة. فعلى الرغم من أهمية الاستشارة؛ فإن رأي المستشار غير ملزم دائماً لصاحب القرار أن يطبقه، ولكن يمكن أن يؤخذ على سبيل الاستئناس و الاستعداد، ومعرفة مكامن الضعف والخطر حتى يتم الاستعداد له إذا ما وقع. فعندما استشارت بلقيس قومها حول رسالة النبي سليمان التي أرسلها مع الهدهد، خالفت رأي مستشاريها الذين أشاروا عليها بمواجهة سليمان، ورأت أن تأخذ الأمر باللين وأن ترسل له هدية لترى رد فعله الذي لم تتوقعه لسرعته ونوعيته، كما هو مشروح في سورة النمل.


    ولا نناقش هنا تقييم الإنسان لنفسه، وأنه يستحق أن يطلق عليه مصطلح المستشار من عدمه، دون وجود شروط و ضوابط، ولكن ما نلاحظه من خلال الواقع العملي، هو ان بعض المستشارين على اختلاف مجالاتهم وان كانوا يحملون شهادات تخصصيه ودرجات علمية وجهات منحتهم لقب مستشار، ومعترف بهم، الا انهم دون المستوى المطلوب وليست لديهم ملكات ومؤهلات تؤهلهم لأن يكونوا مستشارين.

    فمعروف انه من أهم وظائف اي مستشار، ان يكون دقيقاً في ما يضعه من استراتيجيات وخطط للعمل المكلف به، فالمستشار القانوني يجب ان يكون ملماً بالقوانين، ومدى ارتباط وتداخل القوانين مع بعضها بعضاً، كما ان المستشار في المجال الطبي يجب ان يكون ملماً بانجع العلاجات والأعراض الجانبية، قبل وصف الدواء واتخاذ الإجراء الطبي مع المريض.

    وكذلك الحال بالنسبة للمستشار السياسي الذي يجب ان يتمتع باتساع الأفق وبُعد النظر، وان يكون على دراية بالأحداث والوقائع الدولية المؤثرة في الحدث الذي يتناوله، واعطاء المشورة للجهات التي تطلب منه ذلك، سواء على مستوى مراكز الدراسات والبحوث او الجهات الأخرى، وهذا الحال ينطبق على المستشارين الاقتصاديين الذين يجب ان يبتعد عملهم عن التنجيم والتوقعات، الى التعمق في احوال السوق، ومعرفة مدى تأثير الأحداث السياسية والتغيرات الاجتماعية؛ نتيجة تسارع التطور في التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وهذا ينطبق على بقية اعمال الاستشارات في كافة المجالات.
    والملاحظ ان بعض المستشارين في المجالات المختلفة، وإن كانوا قلة، فإن استشاراتهم تصل لدرجة خداع الجهة التي استعانت بهم، وذلك لأن هدفهم في المقام الأول تحقيق مكاسبهم الذاتية، من دون الاكتراث بما ستودي إليه استشاراتهم ونفاقهم في بعض الأحيان من ضرر قد يصل إلى حد الكارثة، بالنسبة للأشخاص او الجهات التي استعانت بهم، حتى إن بعض المستشارين لا يترددون في التحوّل من مستشارين تم الوثوق بهم، وتم ائتمانهم على اعطاء الاستشارة السديدة لخدمة أهداف ورؤى الأشخاص أو المؤسسات التي استعانت بهم، إلى طبّالين، وفي بعض الأحيان إلى ملحنين لما ينطق به من استعانوا بهم، بينما من استعانوا بهم لا ينتظرون التطبيل، وإنما ينتظرون من المستشار الرأي الآخر، أو من يدلهم على مكامن الخطأ أو الخطر أو القصور فيما يقولونه.

    فمثال ذلك، هناك بعض المستشارين القانونيين وان كانوا قلة ضئيلة جداً، يسايرون موكليهم ويطبّلون لوجهة نظرهم وان كانت خاطئة، خشية ان يخسروهم كموكلين، والبعض يحجم عن وضع الاستراتيجية المضمونة للقضية؛ لأنها قد تغضب موكليهم، على الرغم من نجاعتها وأهميتها، وهذا الحال ينطبق على بعض المستشارين السياسيين والاقتصاديين وغيرهم، الذين لا يترددون في التصفيق والردح للشخص الذي يستعين بهم، خشية ان يفقدوا مكانتهم ومزاياهم التي يحصلون عليها، وإن أضروا باستشارة من استعانوا بهم. وما تشترك فيه مثل هذه النوعية الضئيلة من المستشارين، هو أنه في حالة وقوع الضرر أو الكارثة، نتيجة نفاقهم واستشارتهم التي تهدف إلى تحقيق مآربهم الذاتية، على حساب من استعان بهم؛ فإنهم لا يترددون في أن يتبراوا من تلك الاستشارات ويضعونها في عنق الأشخاص والجهات التي استشارتهم! ثم يحملون معدات تطبيلهم لمن يدفع اكثر، أو الاستمتاع بما حصلوا عليه من مكاسب ذاتية.

    إن العلاقة بين اي مستشار في اي تخصص، مع من يطلب خدمته من الأشخاص والجهات، يجب ان تبنى على امانة الاستشارة ومدى المامه بما أُسند اليه من عمل، وان يتمتع بالنظرة الثاقبة للأمور وبُعد النظر، والربط بين كل ما من شانه ان يؤثر في الموضوع.
    فعلى سبيل المثال، المستشار السياسي يجب ان يتمتع بمعرفة الأوضاع الدولية المختلفة. ومن أساسيات عمل المستشار السياسي، إلمامه بفن وضع الاستراتيجيات والاستراتيجيات البديلة، ولا يترك شيئاً للصدف، وان يعي بانه يتعامل مع عالم سريع التغيرات، ومع وسائل اعلام محترفة، لاسيما بعد التطور الهائل في المجال التقني ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تستطيع تحديد ضعف وأخطاء المستشار السياسي.

    فمن هذا المنطلق على المستشار في اي تخصص، ان يعمل على تطوير ذاته، ويُقدم استشاراته بكل أمانة، ويحرص على ألاَّ تتحول استشاراته إلى تطبيل، ومن ثم إلى وقوع أضرار قد تصل إلى حد الكوارث، يدفع ثمنها من استعانوا باستشارته.


    * كاتب إماراتي

يعمل...
X