إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

السنة في لبنان .. تاريخ من الضعف واللا فاعلية !

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • السنة في لبنان .. تاريخ من الضعف واللا فاعلية !

    السنة في لبنان .. تاريخ من الضعف واللا فاعلية !



    2/2/1426


    طارق ديلواني



    على مدار تاريخ الطائفة السنية في لبنان لم يعرف لهذه الأغلبية فاعلية تذكر وسط هذا الحراك السياسي والدموي الذي شهدته لبنان فظل السنة اللبنانيون بتاريخ دون فاعلية.

    لبنان بلد تحكمه سياسة التوازن الطائفي بحيث يشعر كل طرف أنه ند للآخر له نفس الحقوق والواجبات والمكتسبات .

    لكن عملياً تم تجريد سنّة لبنان على امتداد أعوام الحرب الأهلية (1975-1990م) من دورهم وحاولت القوى الموالية لسوريا اتهامهم دوما بتهمة موالاة الفلسطينيين "السنة " بطبيعة الحال أما قوى اليسار اللبنانية فاتهمتهم بموالاة الموارنة حيناً على قاعدة اقتسام الطائفتين السلطات في البلاد قبل وبعد الحرب الأهلية .

    وعملياً أيضا خرجت الطائفة السنية من الحرب الأهلية بخسائرها ومكاسبها قبل غيرها من الطوائف لكن قواها ورموزها ضربت واستهدفت بشدة .

    فتلقت ميليشياتها " المرابطون" ضعيفة التدريب والبنيان والتنظيم ضربات موجعة وكادت الساحة السنية تخلو من أي رمز لها باستثناء عائلة سلام التي كانت تشهد أفول نجمها السياسي .

    الأمر الآخر هو غياب القيادات السنية الفاعلة والقوية والمؤثرة ؛ فباستثناء الشيخ حسن خالد ورفيق الحريري لم يعرف سنة لبنان زعماء حقيقيون خلافا مرة أخرى لباقي الطوائف

    وعلى ذكر الزعامات السنية اللبنانية يمكن القول: إن مجيء رفيق الحريري بمشروع إعادة الإعمار أعاد جزءاً من هيبة السنة الضائعة في هذا البلد المتوازن طائفياً باستثناء السنة الذين شكوا ويشكون غياباً وتهميشاً على الأرض بعيداً عن تولي رموزهم سلطات سياسية عليا وبعض مقاليد الحكم، ولعل هذا التهميش نابع من ضعف قيادات السنة" السياسية منها والدينية " وانسحابها من الحياة السياسية .

    بمقتل مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد أبرز الزعامات السنية بانفجار مروع ،

    شعر سنة لبنان باليتم ولم يتبدد هذا الشعور إلا بصعود نجم الحريري الذي كان يطمح لزعامة الشعب اللبناني كله ليس السنة فقط فكان يقدم المساعدات لكل الطوائف ويتحدث باسمها جميعاً، وكان من دعاة الاعتدال والوسطية عند الساسة اللبنانيين والتقريب السياسي بين المذاهب والطوائف والأديان حتى رجالاته ومقربيه والمحسوبين عليه كانوا من طوائف عدة .

    لكن طبيعة الحال الذي عليه لبنان منذ سنين لا يمكن أن يرى في الحريري إلا زعيماً لطائفة واحدة هي الطائفة السنية رغم كل ما قيل ويقال .

    ضعف الطائفة السنية في لبنان جاء من عدة نواح، أولها: غياب المرجعية والولاء الخارجي خلافاً لباقي الطوائف كالشيعة والمرجعية الإيرانية والمسيحيين عموماً والمرجعية لفرنسا .

    الأمر الآخر هو غياب القيادات السنية الفاعلة والقوية والمؤثرة ؛ فباستثناء الشيخ حسن خالد ورفيق الحريري لم يعرف سنة لبنان زعماء حقيقيون خلافاً مرة أخرى لباقي الطوائف التي يذخر تاريخها الحديث والقديم بقائمة طويلة من الزعامات .


    الملفت في حالة الزعامات في لبنان أنها أخذت طابعاً " عائلياً "، فأصبحت زعامات طوائف لبنان كلها حكراً على عائلات بعينها تمتلك السطوة والقوة والمال والتاريخ والنفوذ السياسي لتكريس زعامتها لأبناء طوائفها باستثناء السنة .

    فلم يعرف عن أي من الزعماء السنة في لبنان باستثناء " آل كرامي " توريث سلطتهم لأجيال متعاقبة من أبناء العائلة في حين توارثت أجيال عديدة من مسيحيي وشيعة ودروز لبنان " الحكم" والسلطة عائليا ولو بدرجات متفاوتة.

    ومما ساهم في ضعف الطائفة السنية في لبنان ضعف مرجعيتها الدينية ـ إذا جاز التعبير ـ ففي حين كانت مرجعيات المسيحيين الموارنة والشيعة والدروز تتعاظم شيئاً فشيئاً وتفرض صوتها ورأيها بقوة في الدولة اللبنانية ظلت المرجعية السنية تراوح مكانها والسبب انقسامها العميق ما بين تنظيمات " الإخوان المسلمين " و" حزب التحرير " والجماعات الصوفية " وبعض الجماعات السلفية التي يحمل بعضها أفكاراً تكفيرية.

    ولاحقاً ازداد الانقسام والضعف بظهور جماعات تنتسب إلى الطائفة السنية ويصنفها الآخرون على أنها من الفرق الباطنية التي تهدم أكثر مما تبني في صفوف سنة لبنان من قبيل جماعة "الأحباش".

    ويحمل البعض جزءاً كبيراً من مسؤولية غياب وعدم فاعلية سنة لبنان لجماعة الإخوان المسلمين في لبنان باعتبارها أكبر التنظيمات السنية وأكثرها تنظيماً.

    لكن تاريخ الإخوان في لبنان يرتبط بالكثير من هشاشة الموقف والضعف والتشتت بسبب ارتباطهم عملياً بإخوان سوريا الذين مروا ويمرون بحالات متعاقبة من الضعف والتلاشي وعدم الحضور على الساحة السياسية في سوريا وخارجها .

    وكان ضعف الطائفة السنية يخدم فكرة طالما أقلقت دمشق، ضعف سنة لبنان مؤشر لضعف سنة دمشق، ثمة ارتباط لا فكاك منه بين سنة دمشق وسنة بيروت بصفتهم امتداد لسنة دمشق والنظام السوري يرى أن الفصائل الفلسطينية على أرض لبنان تُعد امتداداً مباشراً للقوى السنية في لبنان وسوريا " ذات المعارضة السنية " بطبيعة الحال.

    وصولاً إلى حقيقة مفادها أن على سنة لبنان أن يخرجوا دائماً خاليي الوفاض من كل المعادلات السياسية بسبب تبعيتهم للآخرين وعدم استقلاليتهم وبسبب عملهم أو انضوائهم تحت عباءة الآخرين .

    والأمثلة هنا كثيرة قلنا بعضها ولدينا كثير منها من قبيل اعتبار مفتي لبنان " السني" في مرحلة الحرب الأهلية وما بعدها أن "فتح هي جيش المسلمين في لبنان" فأصبح سنة لبنان في أكثر من مرحلة دون بوصلة سياسية ودون قيادة توجههم .

    المشكلة كما أراها لدى سنة لبنان هي أن جميع الطوائف الأخرى تتقدم وترتفع لديها " الأنا" الطائفية باستثناء السنة، وهنا لا أدعو السنة بالطبع إلى تبني النفس الطائفي، لكنني أعيب على سنة لبنان ضعفهم وتخبطهم وضياعهم وخوفهم حتى من إعلان هويتهم..

    ومشكلة السنة في لبنان بنظري أيضاً أنهم بحكم لعبة السياسة تحالفوا مع الجميع إلا مع أنفسهم !!

    وفي خضم هذا كله ثمة أرقام صدرت منذ أسابيع قليلة عن وزارة الداخلية اللبنانية تثير الدهشة فعلاً ، الناخبون المسلمون في لبنان يشكلون 59 %، المسيحيون 40.8%، السنة في لبنان 26.5% من مجمل الناخبين، يليهم الشيعة 26.2%، وبعدهم الموارنة 22.1%، ولأول مرة في لبنان طغى الثقل السني إلى هذا الحد.

    المشهد واحد تقريباً في كل المناطق العربية ذات التقسيمات الاثنية الطائفية كان من الصعب أن يتخيل السنة أنفسهم أغلبية في لبنان كما هو الحال بالنسبة لسنة العراق الذين أثبتت بعض الإحصائيات التي يعتد بدقتها لصدورها عن منظمات تابعة للأمم المتحدة أن سنة العراق يفوقون شيعته.

    ثمة استهداف في لبنان لكل ما هو سني وثمة اتفاق غير معلن على سنة لبنان لتحويلهم إلى الحلقة الأضعف والضحية دائماً في كل التحولات التاريخية والسياسية في هذا البلد.

    والاستهداف واضح .. مطالب للمعارضة بإخراج سوريا " حامية التوازن الطائفي" وتطبيق كامل اتفاق الطائف الذي ينص فيما ينص أيضاً على تجريد الفلسطينيين" السنة بالطبع " في مخيماتهم من الأسلحة .

    المذابح التي ارتكبت بحق سنة لبنان من لبنانيين وفلسطينيين لا يمكن نسيانها، والهدف دائماً إضعاف شوكتهم لحساب أطراف أخرى.

    إضعاف الوجود السني في لبنان، وإخراج السنة من اللعبة السياسية هو هدف دائم للكثير من القوى في لبنان، والآن بعد 15 عاماً من الحرب الأهلية كان الخاسر الوحيد هم السنة فقط .


    ابو ماجد التميمي
    المؤمن: قوة في لين ، وحزم في دين ، وإيمان في يقين ، وحرص على الحلم ، واقتصاد في نفقة ، وبذل في سعة ، وقناعة من فاقة ، وإعطاء في حق ، وبر في استقامة

  • #2
    مشاركة: السنة في لبنان .. تاريخ من الضعف واللا فاعلية !

    السنية السياسية في ميزان لبنان



    بلال خبيز من بيروت:
    لم يشهد لبنان طوال تاريخه تخليًا دوليًا عنه كما حدث في زمن الهيمنة السورية. يبنغي على المرء التكرار دائمًا وابدًا ان السيطرة السورية ما كانت لتمتد وتقوى جذورها لولا الإجازة الدولية التي حكمت سورية لبنان بموجبها. هذه الإجازة الدولية هي التي جعلت كل مقاومة للوجود السوري تصطدم بحائط صفيق من التجاهل الدولي. منذ ايام التقى البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الرئيس الأميركي جورج بوش في البيت الأبيض، لكن الأمور لم تكن دائمًا على هذا القدر من الود والتأييد والاهتمام، لم يمض زمن طويل بعد على جولة البطريرك نفسه في اميركا الشمالية داعيًا لمساعدة لبنان في التحرر من نير الهيمنة السورية التي تشكل قيدًا على تطوره استتباب سلمه الأهلي. لكن الجولة تكسرت على اعتاب البيت الأبيض. رفض المسؤولون الأميركيون يومذاك تدبير اي لقاء لصفير بالرئيس الأميركي لئلا يغضبوا سورية. يومها ايضًا كان البلد رهينة في يد الإدارة السورية وكان البطريرك يطالب بأن يكون لبنان بلدًا، فقط بلد كأي بلد من بلاد العالم المتسع.
    رغم ذلك لم يجد اذانًا صاغية في اي مكان من العالم. كان البلد مهملًا إلى درجة مفجعة، الامر الذي يجعل المرء يطرح تساؤلات لا تحصى عن سبب هذه الحماسة المفاجئة. المغزى من هذا الاستطراد ان الإدارة السورية لم تكن مستمرة في البلد بسبب حنكة ساستها وقدرات سورية ومواردها التي لا تحصى. كان الأمر برمته مفارقة مذهلة: بلد صغير يفوق دخله القومي دخل سورية القومي. مع ذلك فسورية تحكمه من دون موارد. وما الصفقات المالية والخوات والابتزازات التي قام بها المسؤولون السوريون في لبنان فعل ضباط فاسدين، بل ثمة اصرار سوري على إعالة النظام السوري بابتزاز الاقتصاد اللبناني، وثمة تصدير لأزمات اجتماعية عبر تصدير العمالة غير الماهرة إلى بلد أصغر ومن دون ضوابط على الإطلاق.
    كانت سورية تحكم لبنان في الأمن والسياسة وتقرر حربه وسلمه لكنها ايضًا تجبره على جر اقتصادها المنهك وحمايته من السقوط. الخلاصة ان الهيمنة السورية كانت ضد المنطق نفسه، حيث لا موارد تحمي المهيمن وتبرر هيمنته ولا افكار تساق تبريرًا للهيمنة. حكمت سورية بلدًا على اتصال وثيق بالعالم واسباب المعاصرة بجهاز من الماضي السحيق ورغم ذلك نجحت في حكمه. السر يكمن في هذا التغاضي الدولي عن استرهان لبنان والذي فاق كل حدود الاحتمال.

    هذا التغاضي الدولي نفسه اصاب البلد بأعطاب بنيوية في متن سياسته.
    الموارنة في بداية الأمر استنكفوا ورفضوا المشاركة. لكنهم في النهاية نظموا معارضة كانت إلى حد بعيد تشبه العصيان.
    الشيعة انساقوا إلى التماشي مع الهيمنة بوصفها فرصة لا تعوض لطائفة ظلت على الدوام على اعتاب الدولة اللبنانية ولم تدخل محرابها.
    اما السنة في لبنان فتضرروا اشد الضرر من هذه الهيمنة. تضررت البنية والآلية التي تُنتج الحيوية السياسية في خضم اشتغالها. تاريخ هذه الطائفة وبسبب من مواقعها الجغرافية ومداها المفتوح على العالم العربي وطبيعة الدستور اللبناني والأعراف المتبعة جعلها اشد المتضررين سياسيًا من الهيمنة السورية على البلد.

    كان البلد يدير اشرعة علاقاته السياسية الخارجية بحسب الرياح الأقوى والأعتى، وكانت الطائفة السنية التي استلمت على الدوام وعلى مر التاريخ اللبناني زمام السلطة التنفيذية تنتج سياسيين وازنين في نادي رؤساء حكوماتها على علاقات متينة بكافة مصادر الرياح من المملكة العربية السعودية إلى العراق فمصر فسورية، فضلًا عن العلاقات باوروبا واميركا. فكان رئيس الحكومة يحكم بحكم علاقاته الخارجية من جهة اولى، وبحكم وزنه في الشارع من جهة ثانية.

    وعلى مر التاريخ لم ينجح رئيس حكومة في كسب ود الطائفة إذا لم يكن اكبر من حدود بلده الضيقة، فما ان يوالي رئيس الحكومة رئيس الدولة على نحو قاطع، اي ما ان يجعل من رئاسة الدولة معيارًا له في تدبير شؤون السياسة العامة حتى يفقد كل امل له في البقاء على قيد التأثير السياسي.

    كان ثمة رؤساء حكومات يديرون علاقات واسعة مع العالم اجمع. وكان رئيس الحكومة، على ما يقول الراحل صائب سلام، معارضًا ما ان يخرج من الحكم ومواليًا ما ان يعود إليه. لم يكن وجود الزعيم السني في السلطة هو ما يعطيه سلطته وحضوره في السياسة اللبنانية، انما قدرته على ان يصبح رئيسًا لاحقًا. الزعيم السني خارج الحكم قوي وحاضر بقوة حضور الزعيم السني في الحكم، وحيث ان الدستور لا يفرض شروطًا زمنية على ترؤس الحكومات كان رئيس الحكومة الخارج اليوم من السرايا يعرف انه سيعود إليها غدًا.

    عطلت الهيمنة السورية هذه الآلية. لم يعد ثمة من فائدة تذكر للتداول، كان الضباط السوريون يديرون البلد تمامًا ويريدون رئيسًا ينفذ شكلًا ما يقررونه فعلًا. والحق ان الرئيس الحريري كان الوحيد الذي يمكنه ان يثقب هذه الخابية ويترك زيتها يتسرب ببطء شديد. فالرئيس الحريري لمن يتذكر اداؤه في سنوات حكمه الأولى، كان حين يُسأل في السياسة العامة يجيب بجملة او جملتين، لكنه حين يُسأل في اقتصاد البلد يستفيض في الشرح ويسهب. كما لو انه يقول ان السياسة العامة تم تخصيصها للإدارة السورية، مثلما تم تخصيص المقاومة والتحرير لحزب الله الشيعي.

    كثيرًا ما استغرب محللون اقتصاديون قبول سورية بالدور الاقتصادي الذي يقوم به الحريري في لبنان، واعتبروا هذا الدور ضد المصلحة السورية. وهذا على الأرجح صحيح إذا ما افترضنا ان سورية كانت تستطيع الصمود. لكن الإدارة السورية كانت تدرك على الأرجح انها مضطرة لشرب الكأس الحريرية، لأن الدور الاقتصادي الذي يقوم به الحريري يفتح البلد على استرهان اقتصاده للخارج من جهة لكنه من جهة اخرى يستطيع ان يمكنها من تقطيع الوقت وجر اقتصادها المنهك قبل وقوع الفجيعة وحدوث الانهيار الشامل في سورية نفسها.

    والأرجح ان هذه هي الثغرة التي نفذت منها مياه الخارج إلى شقوق السيطرة السورية. ربما ينبغي ان نتذكر انه بعد مرور اسبوع على اغتيال الحريري دعت الهيئات الاقتصادية في لبنان إلى اضراب شامل، ونفذ الاضراب من دون خروق. هذه الهيئات الاقتصادية كانت على الدوام حصنًا حصينًا لم يخترق اسوارها الصفيقة والصماء اي قوة سياسية، لا يسار السبعينات والستينات ولا الاتحاد العمالي العام في عز سطوته وامتداده، ولا الطوائف ولا الحكام. اضربت الهيئات الاقتصادية بطلب طالب وفعل فاعل، وارسلت رسالتها واضحة: قد يكون الأمن من اختصاص المخابرات السورية، وقد يكون للمقاومة أباء وبنون، ونحن نريد ان نعلمكم ان الاقتصاد ايضًا له سيد يخدمه وهو ليس سوريًا على نحو قاطع.

    هذا الشق الذي اتسع اطرادًا وتغذت منه زعامة الحريري السياسية بدا قبيل اغتياله اصعب من ان يرتق فتقه، ومن هذا الشق نفسه تغذت الصدوع في جدار الهيمنة السورية على نحو لا يمكن ايقافه. لكن هذا السلوك كان يفرض على نادي رؤساء الحكومات السنية ان يكونوا جميعًا من وزن الحريري اقتصاديًا. كان يفترض بالحيوية السياسية في الطائفة السنية ان تتغذى من امبراطوريات مالية واقتصادية، وهذا لم يكن في امكان احد غير الحريري في طبيعة الحال. والحال فإن رؤساء الحكومات السابقين واللاحقين للحريري لم يكونوا قادرين على العمل في السياسة ولا قادرين على الاستنكاف عنها، وحكمًا لم يكونوا قادرين على استبدالها بالمشروع الاقتصادي.

    كانت الهيمنة السورية تمنع السياسة عن البلد وتحجزها في قمقم الجنرالات، وهذا يعني ان الطائفة السنية لن تستطيع العمل في السياسة من قريب او بعيد، وطبعًا لن يستطيع مقدموها ان يلعبوا ادوارًا اقتصادية كالتي كان في وسع الحريري ان يلعبها. وربما من المفيد ان نذكر ان الرئيس لحود حاول الإيحاء ان ثمة بديلًا للحريري وهو من دون شك افضل منه واقدر على لعب دوره يتمثل في الامير السعودي الوليد بن طلال ذو بعض الجذور اللبنانية.

    في بلد محجوزة سياسته على النحو الذي ارسته الهيمنة السورية ولا يستطيع اي كان ان يلعب دورًا اقتصاديًا على النحو الذي ارساه الحريري، كان لا بد لأهل السياسة من العائلات السنية العريقة ان يجدوا انفسهم مكبلي الأيدي ومن دون قدرة على التحرك. لهذا شهد البلد نوعًا من الضمور في توليد القيادات السنية على نحو لم تشهده الطوائف الأخرى المتغذية على الدوام من سياسات محلية. وبدا كما لو ان الهيمنة السورية اذا استطالت وامتدت زمنًا اضافيًا قد تبيد السنية السياسية اللبنانية على نحو لا رجعة فيه.

    لهذا بدا لاغتيال الحريري وقع يشبه وقع اغتيال الكيان. ولهذا سلم عمر كرامي اوراقه وخرج من جلسة المجلس النيابي مستقيلًا. ولهذا كان لا بد له ان يعود ويقبل التكليف ولو تحت قيادة شيعية هذه المرة. فالمظاهرة التي اخرجته ايضًا كان قائدها الأبرز جثمان الحريري، اما المظاهرة التي اعادته فكانت تعبر عن قلة حول وحيلة السنية السياسية على نحو لافت ومريع.

    اغتيل الزعيم السني الأبرز فخفت وهج الطائفة وصار مقبولًا لعمر كرامي ان يأتي على حصان حسن نصرالله، لأنه كان يعرف ان الوقت هو وقت نجاة وليس وقت صناعة زعامات.

    اليوم يستعد السيد عمر كرامي للتنحي عن تشكيل الحكومة الجديدة. لكنه يتنحى بعدما الغى مظاهرة كانت ستزيد من وزنه في الشارع في طرابلس. لم يعد ذلك مهمًا بالنسبة له، فثمة في المظاهرة المليونية الأخيرة في 14 آذار(مارس) الفائت ما يوحي ان البيت السني قيد الترتيب، وان السنية السياسية لن تقاد بعد اليوم بواسطة الترجمان في المعارضة وفي الموالاة. حيث وليد جنبلاط يلعب دور الناطق باسم سنية سياسية ما وحسن نصرالله يلعب دورًا مماثلًا في الجهة الأخرى. والحق ان ترتيب البيت السني الذي باشرته النائبة بهية الحريري واستكمله الرئيس الحص وتجاوب معه عمر كرامي إلى حد بعيد هو اول بشائر خلاص لبنان من القيد الثقيل الذي احكمت الإدارة السورية طوقه على عنق اللبنانيين.
    " انني استودع الله سبحانه وتعالى ,هذا البلد الحبيب لبنان ,وشعبه الطيب ,وأعبر من كل جوارحي,عن شكري وامتناني لكل الذين تعاونوا معي في الفترة الماضية"
    رفيق الحريري
    21 اكتوبر 2004

    تعليق

    يعمل...
    X