إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

لسنوات الاحتقان السياسي في المغرب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لسنوات الاحتقان السياسي في المغرب

    مراجعة لسنوات الاحتقان السياسي في المغرب (3من 3): تازمامرت سجن المعارضين الأبدي... تحت التراب او فوقه!

    الرباط - محمد الأشهب الحياة 2005/04/1



    تعرض الحلقة الأخيرة من ملف "سنوات الاحتقان" في المغرب للانقلابات المتعددة ضد الملك الراحل الحسن الثاني في بداية السبعينات ومحاكمات العسكريين المتورطين فيها. وتتوقف عند المعاناة الرهيبة للذين أُرسلوا الى تازمامرت ودرب مولاي الشريف.

    الجنرال أوفقير والحسن الثاني.في مطلع السبعينات نحا المغرب في اتجاه معاودة ترتيب الأوضاع الاقليمية والداخلية، واختار الملك الحسن الثاني أحد وجوه حزب الاستقلال البارزة قاسم الزهيري وعينه سفيراً للمغرب في موريتانيا بعد الاعتراف بها ومشاركة الرئيس الموريتاني المختار ولد داداه في المؤتمر الأول لمنظمة المؤتمر الإسلامي في الرباط، ما حدا بحزب الاستقلال الى انتقاد الموقف من خلال التأكيد أن "سيادة الشعب غير قابلة للتصرف". وترتب على ذلك اعتقال مديري صحافة الحزب عبدالكريم غلاب، مدير "العلم"، ومحمد برادة، مدير "لوبنيون"، بتهمة نشر أخبار معادية للنظام. لكن زعيم الحزب علال الفاسي سيختار مناسبة تأبين رفيقه عبدالخالق الكريس زعيم حزب الإصلاح في الشمال الذي اندمج مع الاستقلال، لينتقد موقف الحكومة بقوة. وتردد وقتذاك أن الجنرال محمد أوفقير طلب إذناً من الملك لاعتقال الفاسي "وشنقه في ساحة عامة"، لكن الملك رفض نتيجة تقديره لدور الزعيم الاستقلالي وريادته.

    وفي أيار (مايو) من العام ذاته، التأمت القمة الأولى بين الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين في تلمسان، وكانت حدثاً فريداً منذ حرب الرمال بين البلدين في 1963. وفي حزيران (يونيو) من العام نفسه انعقدت قمة بين العاهل المغربي والرئيس الموريتاني مختار ولد داداه مهدت لبدء الانفراج والتنسيق في علاقات البلدين. وعلى الصعيد الداخلي، أعلن الملك الحسن الثاني أنه سيعلق "حال الاستثناء" ويعرض مشروعاً جديداً للدستور على استفتاء شعبي. لكن "الاستقلال" و"الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" أعلنا ادانتهما ذلك الدستور، وطلبا الى الناخبين التصويت ضده. وسيلي ذلك اعلان الحزبين الرئيسين في المعارضة مقاطعة الانتخابات الاشتراعية لعام 1970 التي قادت الى انتخاب برلمان من الموالين أُسندت رئاسته الى المستشار عبدالهادي بوطالب.



    محاولة انقلاب الصخيرات



    لكن الحدث البارز يكمن في تعرض الملك الحسن الثاني لمحاولة انقلابية في العاشر من تموز (يوليو) من العام ذاته، حين كان يقيم حفلة في قصر الصخيرات على الساحل المتوسطي الذي يبعد بحوالي 10 كيلومترات جنوب العاصمة، لمناسبة ذكرى عيد ميلاده. وأدى الحادث الى مقتل عشرات الضحايا الذين كانوا مدعوين الى الحفلة، وضمنهم سفراء ووزراء مدنيون وعسكريون. وسيقول عسكريون متورطون في المحاولة إن العقيد محمد عبابو جلب العسكريين من قاعدة "هومومو" التي تبعد عن فاس بحوالي 60 كيلومتراً في منعرجات الأطلس المتوسط، الى الرباط بزعم المشاركة في "تنظيم مناورة بالذخيرة الحية". لكن العقيد كان ينسق مع الجنرال محمد المذبوح، كبير الضباط المرافقين للملك، وشقيقه امحمد عبابو الذي برز دوره في تفاصيل المذبحة التي جرت في فناء القصر في يوم مشمس. وثمة من يذهب الى كون الجنرال محمد أوفقير كان الرأس المدبر للعملية، ما حدا به الى الضغط من أجل التخلص من جميع الجنرالات الذين اعتقلوا على خلفية الحادث بعد فشل محاولته الانقلابية. وبحسب شهود عيان، فإن خلافات وقعت بين الجنرال المذبوح والعقيد عبابو حول وضع الملك الذي كان توارى عن الأنظار بمجرد بدء اطلاق الرصاص وانتشار الجنود الذين كانوا يحطمون أي شيء يجدونه أمامهم. وربما ان الخطة كانت تقتضي بحض الملك على التنازل عن العرش في شبه انقلاب أبيض.

    ويصف الملك الراحل اللحظات الحرجة في حادث الصخيرات قائلاً: "عندما شرع التلاميذ ضباط الصف في اطلاق النار، توجهت الى جانب آخر في القصر برفقة بعض المقربين، وهناك أخذ المذبوح بيدي قائلا:ً تعال معي يجب أن انقذكم، لذا يتعين أن نذهب لرؤية عبابو، فأجبته: لا، أنا لا اتفاوض مع ضابط تحت إمرتي، فابعث في طلب عبابو هذا ليأتي الي إذا أردت، أما أنا فلن أخرج من هنا". ويروي الضابط محمد الرايس الذي دين في المحاولة الانقلابية الى جانب عسكريين آخرين نقلوا عام 1973 من سجن القنيطرة الى المعتقل السري "تازمامرت"، انه في لحظات الصخب المرعب والفوضى العارمة خرج الجنرال المذبوح من زاوية ما ووجه كلامه الى عبابو قائلاً: "ماذا تفعل؟ أنت لم تحترم اتفاقنا"، فأجابه اعبابو: "لا بأس. لقد أنهيت المرحلة الأولى وعليك الآن الانتقال الى المرحلة الثانية". واستمر الحديث بين الرجلين، فسأل أعبابو أين هو الآن؟ هل تنازل؟ فرد المذبوح "انه في مكان آمن ويريد رؤيتك للحديث معك، وان تنازله في جيبي". لكن اعبابو استدرك: "لماذا أذهب لرؤيته إن كان قد استسلم؟". وفي الطريق الى المكان المفترض لوجود الملك، انتاب اعبابو الارتياب، خصوصاً ان الجنرال المذبوح فاجأه بالقول: "أفسدت خطتي بتغيير الأوامر، ولم يكن عليك أن تصدرها لإطلاق النار، لقد كنت اريد انقلاباً أبيض". وتبادل الرجلان تهم الخيانة بينهما، لكن العقيد أعبابو أصدر أمراً بقتل الجنرال الذي كان همّ بالانصراف الى مصير تصوره منقذاً من ورطته. وسيواصل أعبابو تنفيذ جوانب الخطة من خلال المناداة على أسماء جنرالات كانوا ممددين في إحدى الخيام المنصوبة، وفي مقدمهم محمد حبيبي وبوغرين الخياري ومحمد أمحزون وخاطبهم بالقول: "الانقلاب نجح والمذبوح قُتل جراء رصاصة طائشة بعد أن انتزع تنازل الملك، وعلينا أن نرحل الى الرباط لتشكيل مجلس ثورة". بيد أن انهيار الخطة الأصلية التي وضعها الجنرال مذبوح، دفع العقيد محمد عبابو الى تغيير لهجته. وكان في كل مرة يواجه كلاماً الى العسكريين الآتين من "أهومومو" مفاده أن هناك "خونة يريدون قتل الملك وعلينا أن نبحث عنه لإنقاذه"، ما يؤكد رواية الملك الحسن الثاني حين قال إن مجموعة صغيرة من العسكريين أحاطوا به، وحين سألهم ماذا تفعلون قالوا نحن هنا لحمايتك، فطلب اليهم ترك السلاح وتقديم التحية العسكرية. لكن جنرالاً في قوات الدرك كان محافظاً في مدينة طنجة شمال البلاد سيأمر الإذاعة المحلية هناك ببث أخبار تفيد أن الملك ما زال على قيد الحياة، وانه سيخاطب الشعب بعد قليل. وسينتقل الجنرال حسني بن سليمان بعد ذلك ليصبح محافظاً على مدينة القنيطرة، وهو قائد قوات الدرك حالياً. وكانت مبادرته جاءت رداً على بث الإذاعة المركزية في الرباط خبراً مفاده أن الجيش استولى على السلطة. واللافت أن الانقلابيين بقيادة عبابو توجهوا الى مركز الإذاعة في العاصمة الرباط من دون ان يكون لديهم أي تصور عن ذلك البيان، الى درجة أنهم اقتحموا قاعة لتسجيل الاغاني كان يوجد فيها المطرب المصري الراحل عبدالحليم حافظ وطلبوا اليه قراءة البيان، لكنه اعتذر كونه ضيفاً على المغرب وصوته معروف، إضافة الى كونه مطرباً لا يتدخل في السياسة. لذلك اختاروا الملحن الراحل عبدالسلام عامر وهو ضرير لقراءة بيان تحت تهديد السلاح، وجاء فيه ان "عهداً جديداً انبلج" بعدما "ثار الجيش" ضد حكم الحسن الثاني. وأثناء محاكمة المتورطين في تلك المحاولة أمام المحكمة العسكرية في القنيطرة، سأل رئيس المحكمة أحد الضباط عمن كتب البيان، فرد الأخير: "لا أعرف اللغة العربية. أنا من اصول بربرية ولا أعرف ماذا تعني كلمة انبلج في القاموس". وستنعقد محكمة عسكرية طارئة في اليوم ذاته بعد تحقيقات مع عدد من الجنرالات الذين وجهت اليهم تهم التورط ليصار في الثالث عشر من يوليو (تموز) الى إعدامهم بالرصاص في خلاء في ضواحي الرباط في مكان غير بعيد عن قصر الصخيرات. ويروي قريبون الى الجنرال محمد أوفقير انه ارتدى زيه العسكري ذلك الصباح وبدا أكثر تشنجاً. فقد طلب اليه الملك الإشراف على عملية الإعدام..



    اضطرابات 1972





    إدريس البصري.سينطبع عام 1972 بمحاكمات واعتقالات سيكون لها صدى واسع في غضون استمرار الأزمة السياسية التي حالت دون عودة المعارضة الى الحكومة، على رغم المشاورات التي جرت في هذا الشأن. وتزامن ذلك مع بدء محاكمة مراكش في 14 تموز (يوليو) التي ضمت حوالي 150 متهماً في ملف المؤامرة على النظام عبر التنظيم السري الذي يتزعمه المعارض الفقيه محمد البصري الذي كان موجوداً خارج البلاد، والاعلان للمرة الأولى عن اعتقال وزراء ومسؤولين رفيعي المستوى في ملفات فساد وتجاوزات مالية على خلفية فضيحة تلقي عمولات من شركة أجنبية للطيران (كان ذلك في مقدم أسباب تشكيل "محكمة العدل الخاصة" التي الغيت في الشهور الأخيرة لعام 2004). بيد ان تطورات سياسية أخرى ستحول عام 1972 الى شبه طبعة منقحة للعام الذي سبقه على صعيد استمرار الاحتقان السياسي والعودة الى المعتقلات السرية. فأمام رفض المعارضة تأييد دستور 1970 أعلن الملك ارجاء الانتخابات الاشتراعية من دون تحديد أي موعد. وفيما كانت المحكمة العسكرية في القنيطرة تنظر في ملفات المتورطين في أحداث الصخيرات، امتد غليان الشارع المغربي على مستويين، ففي غرب البلاد حدثت مواجهات بين قوات الشرطة ومزارعين حول أراض في منطقة "اولاد خليفة" أرّخ لها علال الفاسي بقصيدة شعرية رائعة. وفي مدن مثل الرباط ومراكش والدار البيضاء وغيرها تأتى لتيار الطلاب ذوي النزعة الماركسية - اللينينية السيطرة على جناح مؤثر في الاتحاد الوطني لطلاب المغرب، ما أدى الى اعتقالات طاولت ذلك التيار، على خلفية مواجهات في تظاهرات.

    ثم جاءت الدعوة الى تمكين شعب الصحراء من تقرير مصيره في سياق ما عرف بـ"قضية ابراهام السرفاتي ورفاقه". وفي ظل ذلك الاحتقان تعرضت الطائرة التي كانت تقل الملك الحسن الثاني لدى عودته من زيارة لفرنسا الى هجوم شنّته طائرات مقاتلة انطلقت من قاعدة القنيطرة، غرب البلاد. ولولا ان الملك اختار لدى عودته التوقف في مدريد بعض الوقت من غير ان يكون ذلك مقرراً، ما أربك خطة الهجوم على طائرته في الجو، لارتدت الأحداث مساراً آخر بالتأكيد. مساء ذلك اليوم هبطت طائرة الملك في مطار الرباط - سلا. كان الجو عاصفاً. وحرص الملك على أداء كل المراسم البروتوكولية عبر تحية العلم والسلام على الشخصيات التي تكون في استقباله. غير ان أول سؤال وجهه ورجله تطأ أرض المطار: "أين الجنرال أوفقير؟"، فقيل له انه كان هنا وذهب لتفقد القيادة العسكرية. وفهم الجميع انه متورط في المحاولة الانقلابية الثانية. غير ان الملك لدى مغادرته المطار اختار سيارة عادية للتوجه الى الرباط، وتحديداً الى قصر الصخيرات، بينما شقيقه الأمير عبدالله توجه الى قرية صغيرة مجاورة للمطار . استمرت طائرات عسكرية في الإغارة وقصف القصر الملكي في الرباط، فيما اختفى الجنرال محمد أوفقير. وكانت آخر مكالمة أجراها وزوجته فاطمة التي كانت تقضي عطلة الصيف في منتجع في الشمال، ان "الملك بخير" ودعاهم الى العودة الى الرباط او الذهاب الى اقامة أحد اصدقائه في المنطقة. بيد انه لدى عودة أفراد الأسرة ليلاً سيخبرهم أحد حراس الجنرال انه جاء الى مسكنه واختلس بعض الوقت الى نفسه ثم ارتدى زيه العسكري وزيّنه بمختلف الأوسمة الحربية التي كانت في حوزته وتوجه الى القصر الملكي في الصخيرات. هناك تركه سائقه عند المدخل، لكنه لم يخرج سوى جثمان حُمل الى مقر اقامته حيث بُدء في تقبل التعازي، فيما كان بيان رسمي يخبر الرأي العام ان "أوفقير انتحر". وقتها اتخذ الملك قراراً بحذف منصب وزير الدفاع في الحكومات المتعاقبة الى اليوم، وجدد دعوته الى المعارضة لتحمل المسؤولية. غير ان زعيم الاستقلال علال الفاسي الذي اجتمع الى رئيس الوزراء المعين وقتذاك احمد عصمان، مدير الديوان وصهر الملك، رفض المشاركة بدعوى ان اختيار رئيس وزراء تكنوقراطي لا يتلاءم ودعم الخيار الديموقراطي، ما دفع الى تشكيل حكومة رأسها عصمان وضمت النقابي السابق ارسلان الجديدي وزيراً للعمل والجنرال ادريس بن عمر الذي كان قاد حرب الرمال مع الجزائر وزيراً للبريد ومحمد بن هيمة وزيراً للداخلية. لكن اسم ادريس البصري سيطفو للمرة الأولى لدى تعيينه المدير العام للاستخبارات المدنية (دي أس تي) والجنرال أحمد الدليمي رئيساً للاستخبارات الخارجية (مكتب الدراسات والمستندات). وكان اسم الجنرال الدليمي أثير في محاكمة العسكريين المتورطين في حادث الصخيرات، كونه انضم الى هيئة المحكمة العسكرية، مع انه شارك في التحقيقات الأمنية مع العسكريين المتورطين، وكان ذلك أبرز ظهور له قبل ان يندلع نزاع الصحراء ويصبح قائد العمليات العسكرية في الجنوب. وسيغيبه الموت بعد عشر سنوات إثر تعرضه لحادث سير، بحسب بيان رسمي.

    واللافت ان محاكمة الوزراء المتورطين في الارتشاء والتجاوزات المالية تزامنت ومحاكمة المتورطين في حادث الطائرة الملكية في المحكمة العسكرية نفسها في القنيطرة. وأثيرت في محاكمة العسكريين قضية العلاقة بين الجنرال أوفقير وقيادات في المعارضة، كون الفقيه محمد البصري زار العقيد كويرة في مستشفى كان يتلقى فيه العلاج في باريس قبل قيادته الطائرة التي قصفت طائرة الملك، واعترف كويرة ورفيقه أمقران الذي كان يقود الطائرة الثانية انهما ضالعان في المؤامرة. وعرض أحد المتهمين قائمة بأسماء متورطين تضم شخصيات عسكرية ومدنية، ضمنها زعيم الاتحاد الاشتراكي السابق عبدالرحيم بوعبيد والجنرال عبدالسلام الصفريوي الذي قاد القوات المغربية في حرب الجولان، والجنرال أحمد الدليمي، اضافة الى الجنرال محمد أوفقير، غير ان أعداداً من هؤلاء قدموا افادات أمام المحكمة العسكرية نفوا فيها أي علاقة لهم بالتخطيط لاطاحة النظام. وفي الثالث عشر من كانون الثاني (يناير) 1973، كما في الثالث عشر من تموز (يوليو) 1971، سيُساق العسكريون المتورطون، وفي مقدمهم كويرة وأمقران والميداوي وتسعة ضباط آخرين، من "ممر الموت" في سجن القنيطرة الى ساحة عامة في السجن ذاته. وبعد الاجراءات ذات العلاقة بالوضوء والصلاة وآخر الطلبات، اجريت القرعة لاختيار أول المعدمين الذين كانوا في غالبيتهم رفضوا وضع عصابات على أعينهم. وثمة رواية متداولة ان الحسن الثاني دعا امقران وكويرة الى "العشاء الأخير" قبل الموت لاستكناه إن كانت هناك معطيات غائبة. لكن الرجلين، بحسب افادات سجناء، أقرا بضلوعهما في المؤامرة. ودُفنت أسرار ذلك العشاء مع اختراق رصاصات اللحظة الأخيرة في مكان لا يبعد غير أمتار قليلة عن القاعدة العسكرية التي كانا يعملان فيها.



    الى تزمامرت



    لكن عام 1973 لم ينته من دون أحداث. فقد تسلل معارضون للنظام من الجزائر في اتجاه منطقة الاطلس المتوسط واحدثوا تفجيرات في اماكن عامة، في حين وضع آخرون قنبلة في مسرح محمد الخامس في الرباط في الثالث من آذار (مارس) الذي يوافق ذكرى عيد الجلوس، ما أدى الى اعمال عنف واعتقالات وجهت فيها الاتهامات مرة أخرى الى "التنظيم السري" للفقيه محمد البصري. بيد ان نقل المتورطين في حادث مولاي بوعزة الى السجن المدني في القنيطرة الى جانب متورطين من مجموعات يسارية سيترتب عليه نقل العسكريين المدانين، باستثناء اولئك الذين دينوا في قضية الصخيرات بشهور قليلة واطلق سراحهم، الى المعتقل السري تازمامرت لتبدأ فصول مأساة أكثر قسوة. من غير ان يدرك أي منهم الى أي مكان سيتوجه، اخترقت شاحنات عسكرية مغطاة ساحة سجن القنيطرة يحيط بها الحراس من كل جانب. وأُخبر العسكريون المدانون في قضيتي الصخيرات وقصف الطائرة انهم سيرحّلون الى مكان ما وسط اجراءات شديدة. بدأت العملية فجر السابع من أب (اغسطس) 1973 اذ نقلوا الى قاعدة عسكرية لا تبعد كثيراً عن السجن، وكانوا معصوبي الأعين مقيدي الأيدي. كانت طائرتا شحن عسكري في انتظارهم، ما عزز الاعتقاد لدى البعض انهم سيُعدمون في مكان بعيد. وفيما كانت الطائرتان تحلقان في الأجواء كانت أحلام البعض تحلق أبعد، لكن لا أحد منهم تصور انهم سينقلون الى معتقل تازمامرت الرهيب. حطت الطائرات في مطار الرشيدية وسط شرق البلاد، وعاود الحراس المدججون بالأسلحة التأكد من هويات المعتقلين واعدادهم ثم اقلوهم على متن شاحنات عسكرية عبرت طرقاً صحراوية ملتوية في اتجاه قلعة قديمة تحيط بها الأسوار. بدا انها كانت مهجورة منذ زمن طويل. لكن اصلاحات طفيفة ادخلت عليها لاستقبال الضيوف الجدد. دلفت الشاحنات بعد ان فتح الحراس باب القلعة الى فناء تازمامرت وسط سكون مريب امتزج فيه الخوف بنسيم صحراوي جاف وحارق ثم وزع السجناء الى مجموعات كل واحدة في اتجاه الأركان الأربعة للبناية بعد خضوعهم الى تفتيش دقيق ونزع اي شيء يمكن استخدامه لأي هدف. وبعد وضع كل معتقل في زنزانة كان يتم نزع العصابات عن أعينهم والأصفاد من ايديهم. ولم يكن يسمع غير صوت الأبواب التي تغلق خلف كل واحد. كانت الزنازين عبارة عن غرف لا يصلها الضوء أو الهواء إلا عبر فوهة صغيرة في الأعلى. لكن رمال الصحراء غطتها وكذلك هطول الأمطار. وكان السرير عبارة عن مستطيل بُني من الاسمنت لا يرتفع كثيراً عن الأرض. فيما لا يتجاوز عرض أي غرفة المتر الواحد والطول حوالي مترين. وعلى الباب المغلق كوة لتسليم الطعام. ولعل الشيء الوحيد الذي يقرب تازمامرت الى السجن ان أبوابه كانت تحمل أرقام الزنازين. لكن بلا ضوء أو ماء. يحتاج النزلاء الى قدر أكبر من تحمل قساوة الطبيعة التي تلتهب صيفاً وتتحول الى صقيع بارد شتاء. لكن غلظة السجانين كانت أكثر قساوة، ما دفعت السجناء الى الاعتقاد انهم نقلوا الى هناك لقضاء ما تبقى من حياتهم. خصوصاً ان سنوات سجن بعضهم انقضت من دون الافراج عنهم. في حين ان الموت بدأ يغيّب رفاق السجن واحداً تلو الآخر، وكانوا يرون بأم أعينهم كيف ان الحراس كان يحملون جثمان السجين المتوفى ملفوفاً في عباءات رثة ويحفرون حفرة في ساحة السجن التي تحولت مع مرور الزمن الى شبه مقبرة، بينما أصيب آخرون بأمراض عقلية ونوبات عصبية حادة، وبدأوا يتخيلون أشياء غريبة كلما هبط الظلام. بعضهم كان يتخيل نفسه أصبح طائراً والآخر كان يناجي عشيقته الوهمية، بينما تحولت مناظر الفئران وأنواع من الزواحف والعقارب والتعابين التي كان تهرب من حر الصيف الى أشياء أليفة، واصبحت مناظرهم من دون حلاقة أو قص الأظافر أو الاستحمام اشبه بأناس قادمين من العصر البدائي. بيد ان رهانهم على الحياة سيكون أقوى بالنسبة الى الذين استطاعوا تحدي قساوة المكان الموحش، اذ يتمكنون عبر وسائل مختلفة من ايصال صوتهم عبر رسائل استطاعت ان تتحرر من قيود المكان وتحول سجن تازمامرت الى قضية حالكة في سجل البلاد في ملف حقوق الانسان، ما سيؤدي الى اطلاقهم في منتصف ايلول (سبتمبر) 1991 وسيقضون أول ليلة خارج أسوار المعتقل الرهيب في مستشفيات اعدت لعلاجهم من أمراض مزمنة. لكن جراح سنوات الاعتقال سترافقهم حتى وهم أحرار، في وقت قدمت لهم الدولة تعويضات عن الأضرار في سياق طي ملف الانتهاكات. ومع ان حراس ذلك المعتقل الرهيب كانوا يُختارون بعناية من قدماء المحاربين الذين شاركوا في حروب الحلفاء واصبحوا متقاعدين، فإن سلوكهم يتسم بالغلظة والقسوة وعدم الرحمة، كما نقل معتقلون سابقون. كذلك فإن قرية "تازمامرت" التي لا تبعد كثيراً عن المعتقل تضررت كثيراً من وجوده، ومصدر ذلك ان سيارات النقل العادية التي كانت تنقل الركاب الى القرية أو خارجها كانت تتعرض لتفتيش دقيق، وكان يُفرض على سكان القرى المتناثرة هناك ان يبلغوا عن أي شخص غريب يزور المنطقة. وقال ابراهيم بن حو، رئيس "جمعية تازمامرت للثقافة والتنمية"، ان حواجز نفسية ارغمت سكان القرية على عدم الادلاء بهويتهم وانحدارهم من هناك، اضافة الى ان السلطات عمدت منذ نقل المتورطين العسكريين الى هناك الى اغلاق المدرسة الوحيدة في القرية ما تسبب في ضياع فرص التعليم أمامهم (أُعيد فتح تلك المدرسة عام 1977، اي بعد اغلاق دام اكثر من أربع سنوات). ويشير الى ان استخدام المصابيح لإنارة الطريق أمام المزارعين ليلاً كان محظوراً إلا بترخيص لمعرفة الاتجاه الذي سيسلكونه.

    لم يكن معتقل تازمامرت استثناء. ففي قلعة مكونة عند جبال الأطلس الكبير المعروفة بمدينة الورود، كان هناك معتقل سري آخر غيّب شباناً مغاربة سنوات عدة، بعضهم ما زال يسأل عن سر اعتقاله وبعضهم يعتبر ان قساوة الاعتقال لم تكن في حجم الجريمة، خصوصاً حين يكون التعبير عن موقف سياسي. وسيُعرف عن معتقل "درب مولاي الشريف" في الدار البيضاء انه جمع رجالاً ونساء في زنازين رطبة وواطئة. لكن افادات المعتقلات وغالبيتهم من الطالبات المنتسبات الى تنظيمات يسارية ستتوقف عند القساوة التي تجعل المرأة مجرد رقم لا يستثنى من "فن التعذيب" الى درجة اطلاق اسماء رجال عليهن واجبارهن على التخلي عن مظاهر الأنوثة. وفي هذا تقول مارية الزويني ان خصوصيات حياتها كامرأة لم تكن تحترم في فترة اعتقالها برفقة طالبات أخريات تعرضن لأنواع من الإذلال والإهانة والانتقاص من الكرامة، مؤكدة ان الحراس كانوا يسمونها "عبدالمنعم" والأخرى "حميد" والثالثة "رشيد" بهدف انتزاع هويتهن النسوية. اضافة الى ان الدواء لم يكن يقدم الا في حال الاقتراب من الاحتضار، فضلاً عن رمي الحشرات في الأكل الذي "لا علاقة له بأي طبخ، لكن الجوع وحده يصوره طعاماً". وترى السيدة ثريا تناني ان حب الشعب ثمنه باهظ لا يعرفه سوى من دهم بيته "زوار الليل". وتتتالى إفادات ضحايا ما يعرف بـ"سنوات الرصاص" في البلاد، لكنها تلتقي عند فضح ممارسات خارجة عن القانون. وبصرف النظر عن انواع التهم الموجهة ضد المعتقلين فإن الزج بهم في معتقلات خارجة عن رقابة القضاء كان انتهاكاً لحقوق الانسان. والحال ان اعداداً من المتورطين في محاولات اطاحة النظام انهوا العقوبات التي اصدرتها المحاكم من دون الافراج عنهم. في حين ما زالت ملفات المختفين مفتوحة. لكن البعد السياسي الكامن في الصراعات السياسية يشير الى التقاء مشارب الضحايا بين اليساريين والراديكاليين والحالمين بالثورة والاسلاميين والمعارضين والنساء والرجال، وربما كان الاخطر في هذه الملفات ان هناك ضحايا لم تكن لهم أي علاقة بالسياسة أو استخدام العنف أو التورط في اعمال مخلة بالقانون. وقال أحد النشطاء الحقوقيين لـ"الحياة" انه يعرف صاحب دكان بسيط طلب اليه طلاب جامعيون استخدام عنوان دكانه لتلقي الرسائل من ذويهم. وحين عثرت الشرطة على رسائل متبادلة في دكانه وجهت اليه تهم التورط في الاخلال بالنظام. في حين ان حارس عمارة طلب اليه نقل مواد غذائية لمسكن كان يؤوي طلاباً مختفين وتزامن قدومه مع دهم قوات الأمن فكان مصيره الاعتقال والسجن. وبينما حفلت سنوات الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات في المغرب بالمحاكمات والأحداث، هب نسيم الانفتاح الذي كان بدأ خفيفاً في منتصف التسعينات ليتحول ظاهرة لافتة، ايجابيتها ان المعتقلين اصبح في امكانهم ان يتحدثوا عن معاناتهم في ما يشبه علاجات جديدة بالصدمات. وفيما امسكت هيئة الانصاف والمصالحة عن الاشارة صراحة الى اسماء المتورطين في التعذيب، سعت تنظيمات حقوقية الى اقامة محاكمات رمزية يتحدث فيها الضحايا عن اسماء جلاديهم.

    بومدين والحسن الثاني.

    بعدما غيّب الموت الحسن الثاني واعتلاء الملك محمد السادس عرش البلاد في 23 تموز (يوليو) 1999، كان أول قرار يتخذه يتمثل في تشكيل لجنة مستقلة الى جانب المجلس الاستشاري لحقوق الانسان لتحديد التعويضات التي ستمنحها الدولة عن الأضرار المادية والمعنوية لضحايا الاعتقالات أو ذويهم. وسيتحدث بيان رسمي، للمرة الأولى، عن “الاعتقالات التعسفية” وسيصدر العاهل المغربي في غضون ذلك عفواً عن ابراهام السرفاتي الذي رحلته السلطات المغربية الى فرنسا بدعوى انه يحمل الجنسية البرازيلية بعد تعرضها لمزيد من الضغوط من طرف منظمات تعنى بالدفاع عن حقوق الانسان. وسيقيل الملك محمد السادس الوزير ادريس البصري في التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) 1999. لكن رجالاً آخرين من أولئك الذين صنعوا تجربة التناوب السياسي في البلاد سيبتعدون عن الساحة السياسية، وآخرهم الزعيم المستقيل للاتحاد الاشتراكي عبدالرحمن اليوسفي الذي عاد للاستقرار في الدار البيضاء ضمن وتيرة يومية لمواطن عادي، يراقب ولا يتحدث ويختزل ولا يبوح.
    {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}
يعمل...
X