إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

لقاء الحضارات بين المملكة العربية السعودية والفاتيكان (1من 3)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • لقاء الحضارات بين المملكة العربية السعودية والفاتيكان (1من 3)

    وثيقة مركز الكاثوليكية في العالم «من أجل حوار بين المسيحيين والمسلمين»
    مطيع النونو الحياة 2005/04/4

    نشطت في السنوات الأخيرة هيئات الحوار الاسلامي - المسيحي، ولقيت تشجيعاً من جهات عدة بينها الفاتيكان في عهد البابا يوحنا بولس الثاني الذي توفي مساء أول من أمس.

    لكن الخطوة الأساسية الأولى في هذا الحوار جرت بين المملكة العربية السعودية والفاتيكان في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز والبابا بولس السادس، ومن ابرز ثمار الحوار صدور وثيقة عن الفاتيكان عام 1965 في عنوان «توجهات من أجل حوار بين المسيحيين والمسلمين». واستمرت السعودية في مواقفها التسامحية تجاه الأديان الكتابية، خصوصاً المسيحية، في العهود اللاحقة لوفاة الملك فيصل والى الآن.

    تنشر «الحياة» في ما يأتي الوثيقة التي أصدرها الفاتيكان، ووجوهاً من الحوار الاسلامي - المسيحي الذي اعتمدته السعودية منذ أوائل الستينات.
    صدرت وثيقة الفاتيكان العام 1965 في عنوان «توجهات من أجل حوار بين المسيحيين والمسلمين» وبتوقيع «أمانة السر لغير المسيحيين»، وطبعت مرات عدة، والمقاطع التي نوردها في ما يلي مترجمة عن الطبعة الثالثة الصادرة في روما عام 1970. ومما جاء في التقديم: «نتوجه إلى مسيحيين، وخاصة إلى مسيحيين يلتقون مسلمين ويرغبون في العيش في حوار مفتوح معهم. يفرض هذا التصميم الأساسي على الحوار نوعية معينة وهو سوف يوجه أفكارنا وفقاً لآفاق خاصة، ترتكز بشكل رئيسي على وجهات النظر الثقافية واللاهوتية للمسيحيين في مقابل الديانات الأخرى».


    ومما جاء في الفصل الأول:

    «الإسلام ينبغي أن يظهر لنا كديانة تحمل قيماً تعد من بين القيم الأكثر سمواً واحتراماً: عبادة الله، تمجيد عظمته، الخضوع لمشيئته. يكفي هنا الرجوع مرة أخرى إلى النص المجمعي حول الديانات غير المسيحية. فقد أعلن المجمع الفاتيكاني الثاني: «لا ترفض الكنيسية الكاثوليكية شيئاً مما هو صحيح وجميل في الديانات. إنها تنظر ملياً باحترام صادق إلى سلوكيات وأنماط الحياة والقواعد والعقائد التي، وإن كانت تختلف بكثير من النقاط عما تعتقد به هي نفسها وتقترحه، فإنها تقدم مع ذلك في أغلب الأحيان شعاعاً من الحقيقة ينير كل البشر» (Nostra Aetate).

    إن موقف الاحترام هذا لا يجب أن يكون مرتكزاً على الانتهازية ولا حتى على الصداقة التي يمكن أن تربطنا بهذا أو ذاك، إنما على كون الإسلام وسيلة تساعد الناس على التقرب من الله، بشكل حسي وفي وضع معين.

    يجب علينا أن نحترم إيمان الأشخاص الذين يعتبرون أنه لا يوجد لديهم سبل أخرى غيره للتوجه نحو الله. بالنسبة للمسيحي، ليس للديانات قيمة دينية إلا إذا تحركت نحو تحقيق تدبير الله في الإنسانية. إن هذا النزوع نحو الكمال هو الذي يجب أن نستشعره ونحس به في الإسلام غير المؤمنين به، إذا أردنا إجراء حوار مع المسلمين ضمن احترام إيمانهم، بدون أفكار مبطنة. ينبغي أن تندرج شهادتنا ضمن هذا النزوع. يجب أن يكون فرضاً كبيراً عندما نراهم يبحثون عن الله بكل صدق وأصالة، لأنه سيكون بمستطاعنا عندئذ السير معهم ومشاركتهم في التماس الحقيقة.

    إننا ننضم معاً، هم ونحن، في الديناميكية الروحية التي ستحملنا، من خلال وجودنا نحو الله. ولا شك بأن هذا الموقف الصريح في الحوار لن يلغي أبداً نقاط سوء الفهم - يوجد حمل كبير من الديون يثقل على العلاقات بين المسيحيين والمسلمين، لن يصغر إلا مع الوقت ومع شهادات تعاطف مترفع من قبل المسيحيين. غير أن الحوار الديني أو الروحي سوف يبقى بالرغم من كل شيء مغامرة دائمة يحذر منها غالباً، من الجهة المسيحية كما من الجهة المسلمة. لا يمكن الإقبال على هذه المغامرة فعلاً بشكل مثمر إلا للذين يحترمون بصدق تام، الحرية الشخصية للآخرين ولكن أيضاً تجاه ذواتهم وتجاه الله. هذا هو شرط من أهم الشروط للقاء المسلم على المستوى الروحي.

    إن الحوار هو تقشف صعب. إنه ينقينا حتى في عمق نوايانا. انه معركة تجري أولاً ضد أنفسنا، ضد سوء الفهم الذاتي وضد أحكامنا المسبقة الخاصة.
    يتبع
    " انني استودع الله سبحانه وتعالى ,هذا البلد الحبيب لبنان ,وشعبه الطيب ,وأعبر من كل جوارحي,عن شكري وامتناني لكل الذين تعاونوا معي في الفترة الماضية"
    رفيق الحريري
    21 اكتوبر 2004

  • #2
    مشاركة: لقاء الحضارات بين المملكة العربية السعودية والفاتيكان (1من 3)

    «وعن «معرفة قيم الإسلام» تقول الوثيقة:

    «الإسلام دين، وهو كذلك أمة، وثقافة، وحضارة بشكل لا يتجزأ. المقصود هو ثقافة وحضارة تدينان بلا شك (ككل ثقافة وكل حضارة) إلى إسهامات خارجية: اليونان التقليدية، الإمبراطورية البيزنطية، إيران القديمة، الهند، وفي أيامنا الحاضرة، الغرب الحديث، إن تنمية الإنجازات الأرضية المتنوعة للإسلام بنوعية يجب التمكن من الاعتراف بها، المقصود هنا شكل وحدة في التنوع يصعب تحديدها أو الإحاطة بها لكنها حقيقية.

    إن التوزيع الحاضر للعالم الإسلامي في دول مستقلة (وأحياناً متخاصمة) يفرز بلا شك «الإقليمية» لكنه لا يغير طبيعتها التي تندرج في إطار وحدة أوسع، روحية وزمنية في نفس الوقت، تحكمها نظرة واحدة أو نظرات متشابهة كثيراً حول الإنسان والعالم، ومصير الإنسان وعلاقات الإنسان مع الله (...).

    لقد استطاعت الأمة الإسلامية، في الماضي، أن تتسم بالأوجه الأكثر تنوعاً من مدنية الخلفاء الأوائل الأربعة إلى مدنية السلطة المطلقة، العباسية، أو إلى مدن الاوليغارشية-(حكم القلة العسكرية التركية المغولية)، لا شيء يثبت أن الديموقراطيات الحديثة، مهما كانت شعبية أو اشتراكية قادرة على رسم أوجه أكثر تجدداً وربما أكثر مرونة، ولكن ليس أكثر واقعية.

    صحيح أن المسلمين الذين يبلغ عددهم حالياً (عام 1965) حوالى 500 مليون نسمة يتوزعون على اثنيات أو ثقافات متعددة الغاية ينبغي معرفة كل تنوعها، وإذا كان العالم العربي أو المستعرب يحتفظ في جانب معين بزعامة العالم الإسلامي، فانه توجد مجموعات متراصة جداً لا تتبع الاثنية العربية تساوي 150 مليوناً في باكستان والهند وحوالى مئة مليون اندونيسي وحوالى 60 مليوناً في افريقيا السوداء كما أن الإسلام الإيراني، ينفصل حتى في مضمونه الديني في أكثر من نقطة تخص الإيمان الاكثري.

    إن الإيمان الاكثري هو إيمان الجماعة السنية التي اتفقت على اتباع السنة النبوية. معروف أن فرقتين كبيرتين انفصلتا عن السنة النبوية خلال معركة صفين في العام 37 للهجرة (655 حسب تقويمنا) الخوارج أصبح عددهم قليلاً جداً اليوم، الشيعة الذين توزعوا على مر العصور في اتجاهين هما الاماميون والإسماعيليون. ويشكل السنة في الوقت الحاضر 10/9 من مجموع المسلمين.

    يجب ألا تغيب عن الذهن أبداً الأهمية التي يتسم بها النص القرآني، بالنسبة إلى الإيمان الإسلامي، قال لويس ماسينيون: «إن المسيحية تتمحور حول شخص هو المسيح، أما الإسلام فيتمحور حول كتاب هو القرآن».

    بالنسبة للمسلم، القرآن هو كلمة الله، فالمسلم التقي يحيطه بعبادة حقيقية، وكل مسلم حتى «غير المتدين» أو الذي يشك بإيمانه يحفظ له احتراماً، وباستثناء حالات نادرة، تؤدي مناقشة التعاليم القرآنية، أو الرغبة في إخضاعها إلى مبادئ النقد إلى إقفال كل سبل الحوار وإلى فتح المنازعات (...).

    وبعد القرآن الذي قرئ وأعيدت قراءته وحفظ عن ظهر قلب وكان موضوع تأمل وجرى تجويده، تغذت العقلية الإسلامية بالسنة أي الحديث الشريف، أو عادات الرسول: مجموعة روايات قصيرة منقولة عن أشخاص عاصروا الرسول وكانوا مقربين مباشرين منه، تتناول أقوالاً وأفعالاً وحظراً لأفعال، منسوبة إلى النبي محمد. إنها مجموعة الحديث وقد تكونت في القرن الثالث للهجرة، حتى في أيامنا الحاضرة، ما زال أناس من الشعب ومثقفون يستشهدون بها بكل طيبة خاطر، وبصورة دائمة كان يجري نقد دقيق «لسلسلة ناقلي الحديث»، وقد بوشر حالياً بالتساؤل حتى حول مضمون بعض «النصوص» المنقولة، وهنا أيضاً، لا يمكن أن يعود لمسيحي يتحاور مع مسلمين أن يناقش (إلا إذا دعي إلى ذلك) صحة هذا الحديث أو ذاك. قلما يتم الاستماع إليه عندئذً ! لكنه ليأخذ الوقت لاكتساب معرفة بالأحاديث الرئيسية، وحدها فقط سوف توصله إلى ما يمكن تسميته ذاكرة الأمة الإسلامية.

    إن الإيمان في الإسلام هو شهادة وإقرار، «اشهد أو أقر»: لا اله إلا الله، وأشهد (أو أقر) بأن محمداً هو رسول الله، هذه هي الشهادة المندمجة في الإسلام، والتي تجعل من الكائن مؤمناً، شهادة والتحام القلب قبل كل شيء - شهادة باللسان، إلا عند الاستحالة المطلقة، شهادة الإعطاء عبر إتمام الأفعال المنصوص عليها، لقد ناقشت المدارس وما زالت تناقش قيمة الأشكال الثلاثية للشهادة ودرجة ضرورتها، لنقل باختصار أن الرأي الأكثر شيوعاً يرى في ممارسة الأفعال، وخاصة الصلاة، اتماماً للإيمان وليس جزءاً مكملاً له فالإيمان قبل كل شيء هو التحام القلب (يفهم هنا حسب المعنى السامي للقلب - العاقل، «مكان المعارف الدينية»، إن هذا الالتحام هو الذي يجعل من الكائن «مؤمناً في نظر الله»، إن شهادة اللسان تجعل من الكائن «مؤمناً»، في نظر البشر».

    فإذا أعطيت شهادة اللسان من دون أن يتجاو معها الالتحام الحميم، يكون الرياء في هذه الحالة خطأ فادحاً يعاقب عليه الله دون غفران إلى الأبد.

    إن الإيمان-الشهادة هو المنقذ المباشر، يقول الحديث كل الذين لديهم ذرة إيمان، سوف يخرجون من جهنم، فالمؤمن الذي ارتكب «أخطاء كبيرة» ولم يتب عنها يمكن أن يعاقب لفترة في جهنم، لكنه سينعم في النهاية بمكافآت الفردوس.

    بالنتيجة، «تتميز كلمة إسلام عن كلمة إيمان في ما يتعلق بالمفاهيم لكنها تتحدث في الموضوع»، بحسب ما قال المؤلفون طبقاً للاشتقاق، تعني كلمة إسلام تسليم كل الذات لله.

    يتطلب ذلك إذن موقفاً داخلياً معاشاً، لكن الإسلام هو كذلك دين منظم، يتحدد بشكل رئيسي بالإخلاص إلى أنظمة القانون الإلهي، أحياناً يتم التشديد على الوجه الأول واحياناً أخرى على الوجه الآخر، أحياناً يتماثل الإيمان والإسلام ويتكاملان، واحياناً يفهم الإسلام كإظهار الإيمان والتعبير عنه، وفي كل الأحوال، لا يمكن للإسلام من دون الإيمان أن يؤدي أبداً إلى الخلاص. ما «ينقذ» هو الشهادة لله، أما الإيمان الذي يضمن الخلاص فهو رحمة من عند الله، انه ليس نعمة بمعنى الحضور الإلهي في النفس، وهو لا يصل إلى حياة الله الحميمة، ولكنه هبة من الله غايتها كلمة الله المعطاة في القرآن.

    غير أننا يمكن أن نضيف أن مفهوم الإيمان من دون أفعال، أو الإيمان الذي لا يمثل التزاماً، أخلاقياً أو مدنياً، أصبح مرفوضاً أكثر فأكثر في أوساط إسلامية واسعة، منذ نزعة الإصلاح التي ظهرت في القرن التاسع عشر وتحت تأثير المجتمعات الحديثة، وعلى خط مواز، سوف يكون مقبولاً بنوع من السهولة في هذه الأوساط نفسها، أن كل رجل مستقيم يعيش وفقاً لضميره هو مؤمن صحيح (...).
    يتبع
    " انني استودع الله سبحانه وتعالى ,هذا البلد الحبيب لبنان ,وشعبه الطيب ,وأعبر من كل جوارحي,عن شكري وامتناني لكل الذين تعاونوا معي في الفترة الماضية"
    رفيق الحريري
    21 اكتوبر 2004

    تعليق


    • #3
      مشاركة: لقاء الحضارات بين المملكة العربية السعودية والفاتيكان (1من 3)

      ولا تتغير رسالة «الأنبياء»، إنها رسالة القرآن ذاته. تذكير البشر بوحدانية الخالق القاطعة ودعوتهم لعبادة الله الواحد وللخضوع لقانونه ولاتباع رسوله، لا يوجد إذن تقدم في مضمون رسالة الأنبياء لأن الكتب خالدة ولا تتغير، ووحيها المتتابع لا يمكن إلا أن يكون متماثلاً ومؤكداً بعضه بعضاً، وإذا اختلفت صيغة هذه الكتب عن الصيغة التي أعطاها القرآن، فذلك يعني أن المؤتمنين عليها قد «تصرفوا بها». هذا ما حدث للتوراة عند اليهود والإنجيل عند المسيحيين، لنضف بان الإنجيل الذي يتحدث عنه القرآن يجب أن يفهم على انه «الإنجيل الذي انزل على يسوع»، في حين أن «الأناجيل الأربعة» المسيحية ما هي إلا «روايات» لحياة المسيح.

      غير انه يوجد تقدم في التاريخ الديني للبشرية. كل نبي كبير قدم قانوناً (شريعة) دينياً ينسخ القوانين السابقة ويضطلع بها في الوقت نفسه، يعتبر القرآن إذن، منطقياً، بالنسبة للمسلمين وهو آخر نشرة من نشرات الكتب السماوية من حيث تاريخها، الأكمل. تنسخ هذه النشرة كل النشرات السابقة. وتضطلع بها بعد أن تلخصها. في النهاية يعتبر القرآن المعيار الوحيد للحقيقة الموصى بها، ومحمد هو «خاتم الأنبياء»، والإسلام هو الديانة الوحيدة الكاملة النهائية والشاملة (...).

      تتساءل الوثيقة عن كيفية الاستعداد للحوار الجدي، وتجيب:

      «بالنسبة لنا، الحوار هو شيء جدي، يتجذر عميقاً في ثقافتنا وإيماننا. دعونا لا نتردد في القول: إن الحوار هنا هو معركة ضد ذاتنا أكثر منه مواجهة مع الآخر (كلمة مواجهة مأخوذة وفقاً لمعنى فلسفة الحوار).

      ما العقبات التي تضّر بفهم أفضل للآخر إذاً؟ سيكون تطوراً إعداد لائحة بنقاط سوء الفهم، والأحكام المسبقة وحالات الظلم التي سببت في الماضي مواجهات بين المسيحيين والمسلمين والتي ما زالت عبئاً على علاقاتنا بدرجات متنوعة. إن النص المجمعي Nostra Aetate يطلب منا بصراحة تجاوز خصومات الماضي ويشدد على أن نتطلع نحو المستقبل. فقد ورد فيه بشكل خاص: «إذا كانت انشقاقات وعداوات كثيرة قد ظهرت بين المسيحيين والمسلمين، على مر العصور، فإن المجمع الفاتيكاني يحضهم جميعاً على نسيان الماضي وعلى بذل الجهد الصادق من اجل التفاهم المتبادل، وكذلك على حماية وتشجيع العدالة الاجتماعية والقيم الأخلاقية والسلام والحرية، معاً ولكل البشر». إن هذه الجملة التي استشهدت بها الصحافة الغربية مراراً وتكراراً أثناء انعقاد المجمع، أثارت اهتماماً عميقاً لدى المسلمين «الذين رأوا فيها إعلاناً ببدء حقبة جديدة في علاقات المسيحيين معهم.

      لكن حتى يكون نسيان في الماضي الذي طلبه المجمع جلياً، من المفيد أن نعرف، على الأقل ما أساس الأحكام المسبقة ونقاط سوء الفهم الرئيسية التي نجرها معنا، وغالباً بشكل لا شعوري يجب أن تختفي كلها، بشكل قاطع، حتى يبدأ الحوار من جهتنا، بأن يكون ممكناً، وحتى يكون المثل الذي نعطيه بموقفنا هذا الخالي من التحفظات ومن تكرار الماضي، قادراً على جعل المعاملة بالمثل اقل صعوبة بالنسبة إلى المسلمين. كمسيحيين نتوجه إلى مسيحيين، ينبغي علينا في بادئ الأمر التفكير في عقبات الحوار التي تتعلق في جزء منها بنا، وفي البداية بالظلم الذي اقترفه الغرب ذو التربية المسيحية إزاء المسلمين.

      في بادئ الأمر، يجب إدراك أن القرون الماضية كما السنوات الأخيرة قد تركت في الأذهان خصوصاً في بعض المناطق، مرارة عميقة تجاه الغرب. وعلى مر الزمن. عرفت دمشق وبغداد وطليطلة فترات سعيدة لكن قصيرة من التعاون. غير أن هذا الماضي السعيد لم يستطع أن يوازن في ذاكرة المسلمين الانطباع بأن المسيحيين قد كسروا ازدهار حضارتهم بواسطة الحروب الصليبية أولاً، التي ساهمت في إنهاء ألمع فترة من التاريخ الإسلامي، وثانياً بواسطة الاستعمار الذي منع، بحسب شكاواهم، النهضة التي انطلقت في القرن التاسع عشر من الوصول إلى أهدافها المبتغاة. في الواقع كانت الحقيقة في أغلب الأحيان أكثر تعقيداً مما تفترض ردود الفعل هذه، علينا الآن هنا أبداً إلى الاستسلام إلى تحليلات تاريخية دقيقة وإنما إلى فهم شريكنا في إحساسه.

      لقد استيقظت هذه المرارة فجأة، خلال السنوات الأخيرة، أثناء نضال التحرير. لم تبق مجلة أو جريدة أو قائد، سياسي أو ديني، لم يربط بين هذا الماضي البعيد والأحداث الحاضرة، وكان هذا التقارب بالنسبة إليهم جميعاً حجة من أكثر الحجج المحملة بالانفعالات لوضع الشرق والغرب في مواجهة. حتى إن المناورات السياسية أو الاقتصادية الغربية، في العصر الحديث، بما فيها المناورات التي يقودها أشخاص غير مؤمنين مشهورين، تُقدَّم وتعتبر كشكل آخر للحروب الصليبية.

      وحالياً تطرح المسألة الخطيرة المتعلقة بدولة إسرائيل، إننا نعرف جميعاً كم ثقل هذه المسألة على العالم العربي الشرق أوسطي بشكل خاص، وإلى حد ما، على مجمل الأمة إننا نعرف، على الأقل بشكل عام، ما مسؤوليات الغرب في هذا الوضع. لا يعود لنا هنا أن نملي سياسة إنما أن نسعى إلى إيجاد توجه إنساني ومسيحي في أحكامنا.

      وإذا تم التطرق إلى هذه المسألة، خلال اتصالاتنا مع المسلمين، يجب أن يرتكز حكمنا على المحبة والعدالة والكرامة. لا شك بأننا مجردون من الوسائل لتقديم حل إلى هذه المشكلة الصعبة، لكن على الأقل ننحاز دائماً إلى جانب الذي يتعذب اكثر من غيره، وان نظهر تعاطفاً لا يتوقف فقط عند حدود الكلام، في غياب نجدة فعالة.

      لنعترف في بادئ الأمر، بإخلاص، بالتجاوزات التي ارتكبها الغرب، ولنعط الدلائل على عدم تضامننا مع ذهنيات الماضي أو مع بعض التصرفات الحالية. غير أنه من المهم أن نظل موضوعيين أثناء وضع الأمور في سياقها التاريخي الصحيح. إن الحرص على الموضوعية يظل دائماً أحد أفضل الوسائل لرفع، أو على الأقل لتخفيف، سوء الفهم أو التعارض. إننا نكسب دائماً إذا كنا صادقين بحصافة.

      ولكن يجب التقدم كذلك إلى الأمام. إن المسلمين مقتنعون قلبياً بأنه إذا كان المسيحيون يحترمونهم وحتى يحبونهم كأفراد، فإنهم لا يحترمون أمتهم ولا يحبونها. لكن بالتحديد حول هذه النقطة ينبغي علينا أن نبذل جهداً وأن نراجع مواقفنا، إذا أردنا حقاً قطع الاتصال بماض حفر وما زال يحفر هوة تزداد عمقاً بين الشرق المسلم والغرب. كمسيحيين، يجب علينا أن نهتم بشكل خاص بالشخصية الاجتماعية للشعوب الإسلامية، وبمشاكلهم الدينية والاجتماعية، وذلك بتسهيل حلولهم، وفقاً لوسائلنا. وأكثر من ذلك، لا يكفي إظهار الحب تجاه المسلمين، ولكن يجب التوصل إلى احترام الإسلام، لما يمثل من قيمة إنسانية عالية وتقدم في التطور الديني للعالم بالنسبة للوثنية ومذهب الشرك.

      هكذا نتمكن من تجاوز الوجه «السياسي» للحروب الصليبية أو العقبات الاستعمارية، للوصول إلى موقف أكثر صواباً وأكثر تعبيراً عن «الحقيقة» (...).

      ويشعر المسلم بالغضب من الزاوية المألوفة في الغرب لإسلام «متزمت» يفرض الإيمان بالسلاح ويأخذ بحد السيف كل من يقاومه: «الإيمان أو الموت». إنه يجاهر بقوة بتسامح الإسلام وباحترامه لإيمان «أهل الكتاب» (اليهود، المسيحيون والمازدكية) الذين اعتبروا قديماً ضيوفاً محميين، وفي القانون، مواطنين متساوين في الوقت الحاضر. وهو يستشهد بالآيات القرآنية المؤيدة للمسيحيين ويرّد الاتهام الموجه مذكراً بالأحداث التاريخية التي تشهد على «التعصب المسيحي».

      كل مسلم صادق يظل فخوراً بإيمانه وبانتمائه إلى أمة النبي. وبالنتيجة، يكون متشوقاً بكل طيبة خاطر إلى مشاطرة آخرين ما يعتبره هو الحقيقة الموحى بها والمنقذة. إن شمولية الإسلام ترمي إلى جعل الأرض بأكملها تحترم «حقوق الله والبشر». هذه التي حددها القرآن. إن التواصل الحالي بين الشعوب، والمعرفة الأفضل لتنوع الثقافات لا يخلوان بحق من عناصر تكبح هذا الأمل الشمولي.

      لكن ما سُميَ «تعصباً» ليس مرتبطاً بالقيم الدينية الإسلامية كقيم. على الأكثر بالإمكان رواية ذلك كنتيجة طبيعية لبعض مبادئ تنظيم مدنية مقدسة بائدة لا يذوب فيها الروحي والزمني فحسب (هذا طبيعي في الإسلام)، إنما أيضاً يمكن «للمؤمن» فقط أن يكون «مواطناً». وفي الواقع قلما كان الإسلام اكثر «تعصباً» خلال تاريخه، من المدن المقدسة المسيحية، عندما كان الإيمان المسيحي يكتسب فيها إلى حد ما «قيمة سياسية». كل الثقافات لديها ما تعلمنا اياه: وكلها في لقائها مع الثقافات الاخرى تستطيع أن تغتني بشكل متبادل. (...).

      أن المسيحيين الذين يعيشون وسط مواطنيهم المسلمين لهم مكان ممتاز انهم ينتمون إلى الاصل نفسه مع مواطنيهم المسلمين ويتقاسمون معهم الثقافة نفسها، يتحدون معهم في التطلعات نفسها، يجب عليهم، اكثر من غيرهم، الذين يظلون غرباء دائماً في بعض الوجوه، أن يندمجوا في ثقافة البلد وان يخدموا تقدمه بالعمل في اتحاد وثيق مع اخوتهم المسلمين من اجل الرخاء الثقافي والروحي والمادي لوطنهم، كان لهذا الحوار سوابق بين العرب المسيحيين والمسلمين، في ماض بعيد، في دمشق (القرن الثاني) وفي قرطبة (القرن الثاني عشر) واكثر قرباً منا في الشرق الاوسط (القرن التاسع عشر). وهو يتتابع تحت اشكال متنوعة. اننا نتمنى أن يتطور اكثر واكثر وان يشمل كل العالم حيث تلتقي المسيحية والاسلام.

      لا يمكن أن يكون التشديد على هذا الحوار الثقافي كافياً. ففيه يتشكل لاجيال الغد، مفهوم جديد حول الانسان والمجتمع، ولا يمكن للمسيحيين والمسلمين أن يكونوا غائبين عن هذا البحث».


      كاتب وصحافي عربي. والنص من كتابه الجديد الذي يصدر هذا الشهر في عنوان "حوار الحضارات بين المملكة العربية السعودية والفاتيكان في إطار الحوار الاسلامي - المسيحي".
      " انني استودع الله سبحانه وتعالى ,هذا البلد الحبيب لبنان ,وشعبه الطيب ,وأعبر من كل جوارحي,عن شكري وامتناني لكل الذين تعاونوا معي في الفترة الماضية"
      رفيق الحريري
      21 اكتوبر 2004

      تعليق

      يعمل...
      X