إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

في المسألة العراقيّة (2)احتلال أم تحرير؟

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • في المسألة العراقيّة (2)احتلال أم تحرير؟

    محمد عبد المطلب الهوني



    عندما استولى صدّام حسين على الحكم في العراق، وانتهى من تصفية كوادر الحزب التي يخشى منها عدم الامتثال، وكأيّ دكتاتور يريد أن يبقي بصماته على العالم، قرّر الدّخول في معركة مع جارته إيران، التي أنجزت للتّوّ ثورتها الإسلاميّة بقيادة الملالي، وأن يستبق بالحرب الشّاملة عليها تصدير هذه الثّورة إلى بلده. وفي هذه الحرب التي أنجز فيها شيئا من النّصر، أحسّ بأنّه إله العرب وليس مجرّد زعيم عربيّ عاديّ. ولم يكن صدّام يأبه بالخسائر البشريّة والمادّيّة التي تكبّدها العراق، ولم يكن يعبأ بتنمية البلاد ومحاولة النّهوض بها بعد تلك الحرب الضّروس، التي تشبه إلى حدّ كبير القتل بموسى غير مشحوذة كما يفعل اليوم خليفته الزّرقاويّ، لأنّ الحرب بين دول متخلّفة غالبا ما تكون قاسية وطويلة وتكون تكلفتها باهظة لكلّ الأطراف.



    ما إن وضعت هذه الحرب أوزارها حتّى غامر صدّام بحرب أخرى، هي احتلال دولة عربيّة إسلاميّة مستقلّة، هي دولة الكويت. وكان اجتياح هذا البلد الصّغير المسالم قد قسّم الشّعوب العربيّة إلى قسمين كبيرين: قسم الفقراء الذين أيّدوا هذا الاحتلال، لاعتقادهم بأنّه سيمكّن من إعادة توزيع ثورة العرب، وقسم الأغنياء الذين رأوا فيه تهديدا حقيقيّا لأوطانهم الصّغيرة، في صورة ما إذا نجحت المغامرة. أمّا المثقّفون والمحلّلون العرب، فهناك منهم من ظلّ يحلم بغاريبالدي عربيّ يوحّد العرب بالقوّة، متوهّما أنّ هذا البطل القوميّ متجسّد في صدّام، وهناك منهم عقلاء رأوا أنّ صدّام ليس إلاّ دكتاتورا أرعن سيجرّ المنطقة إلى كارثة لا يعلم أحد مآلها، وهناك منهم عدميّون رأوا أنّ دفع الأمور إلى حافّة الكارثة هو سبيل الخلاص من المشاكل المزمنة، وكان هذا موقف بعض الفلسطينيّين بقيادة السّيّد عرفات.



    وفي النّهاية، تمّ على عجل تشكيل تحالف دوليّ بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وتمّ طرد الاحتلال وتحرير الكويت، وبدأت انتفاضة الجنوب العراقيّ وتمّ قمعها بتواطؤ من الغرب، نتيجة لحسابات خاطئة، وتقارير أثبتت جهلها بطبيعة المنطقة. وفي كلّ ذلك دفع الشّعب العراقيّ الثّمن من أبنائه وأمواله.

    وتغيّرت أوضاع شعب العراق من شعب غنيّ واعد إلى شعب يموت من الجوع والتّلوّث والأمراض.وبدأ الحصار من قبل الولايات المتّحدة بغية إسقاط النّظام عن طريق الجيش العراقيّ، ولكنّ هذا الحصار لم يزد الشّعب إلاّ أغلالا على أغلاله ولم يزده إلاّ عسفا واضطهادا يفوقان ما ذاقه من عسف واضطهاد في الحقبات التّاريخيّة المنصرمة. أصبح العراق يتبدّل كلّ يوم من السّيّئ إلى الأسوأ، وبقي صدّام حسين الثّابت الوحيد والجالس على عرش من الجماجم.



    وفي أثناء حربه على إيران، استغلّ صدّام كلّ الطّاقات الممكنة، بما في ذلك المساعدات التي كان يحصل عليها من دول الخليج لتطوير أسلحة الدّمار الشّامل.



    وعندما استيقظ ضميره وقرّر أن لا يجرّب مفعول هذه الأسلحة على الحيوانات، اهتدى عقله المريض إلى تجربتها على جزء من شعبه كما في حلبجة على سبيل المثال.



    وجاءت أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتّحدة، وقرّرت الولايات المتّحدة تصفية الحساب النّهائيّ مع صدّام. لماذا؟ لأنّ صدّام رجل غير مأمون الجانب، وحتّى إن لم يوجد لديه الآن سلاح دمار شامل، فإنّه يملك تقنية صنعه، بما أنّه قد حصل عليها واستعملها فيما سبق. فالحاكم الذي يستعمل هذا السّلاح ضدّ شعبه لن يتورّع عن استعماله ضدّ من يعتبرهم أعداء له، ويمكن أن يمدّ به العصابات الإرهابيّة فتستعمله ضدّ أهداف غربيّة. لذلك قرّرت الولايات المتّحدة إزاحته عن الحكم، ودخلت جيوشها إلى بغداد بعد ثلاثة أسابيع فقط من بداية المعارك وكانت حربا خاطفة قلّ مثيلها في التّاريخ. فهل ما حدث في العراق هو تحرير أم احتلال؟



    الأجوبة عن هذا السّؤال اليوم مختلفة. فإن السّواد الأعظم من العرب يعتبرها احتلالا، وقليل منهم مع أعظم الشّعب العراقيّ يعتبرها تحريرا. ولا شكّ أنّ الجواب الشّافي سوف يكون فيما تتمخّض عنه السّنوات القادمة. غير أنّ ذلك لا يمنعنا من استشفاف الجواب الأرجح من خلال التّحليل الموضوعيّ البعيد عن الإيديولوجيّات.

    1/ يجب أن نرى العالم اليوم بعيدا عن معاهدة فاستيفاليا القديمة والفكرة التي تستند إليها عن السّيادة، لأنّ العالم اليوم أصبح قرية كونيّة، ولا يمكن أن نطبّق على هذا العالم الصّغير نظريّات ذلك العالم المتباعد القديمة.
    يتبع
    " انني استودع الله سبحانه وتعالى ,هذا البلد الحبيب لبنان ,وشعبه الطيب ,وأعبر من كل جوارحي,عن شكري وامتناني لكل الذين تعاونوا معي في الفترة الماضية"
    رفيق الحريري
    21 اكتوبر 2004

  • #2
    مشاركة: في المسألة العراقيّة (2)احتلال أم تحرير؟



    إنّ انسياب السّلع والخدمات والمعلومات والأخبار في عالم اليوم، وبسرعة الضّوء ليس وحده الذي يجعل من هذا العالم قرية كونيّة، وإنّما كذلك الحروب والتّلوّث والكوارث الطّبيعيّة كلّها عوامل تجعله صغيرا ومتشابكا. فإلى جانب الفضائيّات التي تطلعنا على الأحداث لحظة حدوثها، توجد تقنية الصّواريخ التي يمكنها في دقائق قليلة بعد إطلاقها أن تصيب بلادا بيننا وبينها آلاف الأميال. وإلى جانب ما تتيحه الأنترنيت للإنسان من قدرة على شراء أسهم في سوق الأوراق النّقديّة انطلاقا من حجرة نومه وعلى بعد ساعات من الطّيران من هذه السّوق، يمكن لمفاعل نوويّ مثل "تشرنوبيل" أن ينفجر وأن يحدث تلوّثا في منطقة واسعة من الدّول والشّعوب، وأن يخلّف تدميرا يستمرّ عشرات من السّنين...

    لذلك ليس من الممكن اليوم التّحصّن وراء فكرة السّيادة القديمة للعبث بمصير العالم.



    2/ إنّ حصول الأنظمة الدّكتاتوريّة على أسلحة الدّمار الشّامل هو تهديد للبشريّة جمعاء وليس للغرب فقط. لماذا؟ لأنّ هذه الأسلحة إذا وجدت في يد دكتاتور أو حكم استبداديّ، فإنّه لا يتورّع عن استعمالها وليس له معقّب أو معارض أو مستشار يثنيه عن ذلك.



    3/إنّ الكوارث الطّبيعيّة عندما تصيب شعبا بإعصار أو زلزال مدمّر يهبّ كلّ العالم لإغاثة هذا الشّعب المنكوب، فتتدفّق الأغطية والأغذية والمساعدات الطّبّيّة لتخفّف من مصابه وهذا هو التّعاضد الإنسانيّ. ولكن عندما تكون هذه الكارثة من فعل الإنسان، فقد يتذرّع بالسّيادة والعزّة الوطنيّة والاستقلال لمنع إنقاذ هؤلاء البشر الذين وقع عليهم هذا الحيف، مع العلم أنّ الكوارث التي تكون بفعل في الإنسان هي الأخطر والأدهى. فما فعله هتلر وموسوليني والامبرياليّة اليابانيّة وصدّام وميلوزفيتش وكلّ الطّغاة على مدى التّاريخ لم تحدثه الطّبيعة أبدا. فأيّ كارثة طييعيّة تسبّبت في ملايين القتلى وفي حروب ومقابر جماعيّة ومشرّدين؟



    صدّام حسين، باعتباره كارثة لاإنسانيّة، قد تسبّب في كلّ هذا. أفلا يحقّ للعالم الحرّ أن يعين شعبه على الخلاص منه؟ وعندما يأتي الغوث من أيّ كان لدفع هذا البلاء، هل نعتبر هذا الغوث احتلالا؟



    4/إنّ الدّول العربيّة الدّكتاتوريّة والتي تعيش من الرّيع النّفطيّ لا يمكن أن تزاح من الحكم بفعل شعوبها. لماذا؟ لأنّ هذه الأنظمة غير محتاجة للشّعب ولا لجباية الضّرائب منه، بل بالعكس من ذلك هي التي تعطي العطايا وتمنعها، وهي كذلك تحرم الشّعب من كلّ شيء لتوفير الأمن لها أيّا كانت كلفة الأمن، وهي تخرّب المجتمع المدنيّ عنوة وتحوّل أفراد الشّعب، بحكم الفاقة، إلى مخبرين بعضهم عن بعض... وبكلمة واحدة إنّها تكتسب تقنية البقاء في السّلطة.



    لهذا السّبب ليس لهذه الشّعوب وبدون مساعدة خارجيّة أن تزيح عنها هذه الأنظمة الدّكتاتوريّة، بل إنّ هذه الأنظمة على العكس من ذلك، تحوّل الجمهوريّات على النّحو الغربيّ الحديث إلى جمهوريّات وراثيّة على النّحو العربيّ.



    إذا تقدّم أجنبيّ لمساعدة أبناء هذه الأوطان المقموعة للخلاص من حاكمها الأبديّ فهل يعتبر ذلك تحريرا أم احتلالا؟



    5/ إنّ أيّ مشكلة وطنيّة تستعصي على الحلّ من فبل الشّعب في دولة ما، من شأنها أن تدوّل. فقضيّة الحكم في العراق، وكلّ الكوارث التي فجّرها في الدّاخل وفي كلّ المنطقة، وكلّ الحروب التي خاضها وما استتبعها من اختلال في موازين الأمن والسّلم العالميّين، وتهديد للتّوازن القائم في منطقة تعدّ من أهمّ مناطق إنتاج النّفط في العالم.. مشاكل لم يستطع العراق أن يجد لها مخرجا من الدّاخل، رغم كلّ التّضحيات التي قام بها الشّعب العراقيّ في هذا الصّدد. لذلك، وعندما أيقن العالم أنّها معضلة مستعصية عن الانفراج الدّاخليّ دوّلها، وهذا شأن كلّ الصّراعات والمشاكل، فإنّها تخرج عن أيدي اللاّعبين الدّاخليّين إلى أيد عالميّة، تحلّها حسب مصالحها واستراتيجيّاتها وأولويّات أجندتها.



    إنّنا لا نستطيع أن نتشبّث بالحلّ الوطنيّ عندما نفلس في إيجاده، ولا نستطيع أن نضع أجندتنا الوطنيّة في أولويّات القوى الدّوليّة التي تهبّ للتّعامل مع أزمة وطنيّة مزمنة.



    فهل القوى الدّوليّة المتدخّلة في هذا الصّراع المدوّل هي قوّة احتلال أم قوّة تحرير؟

    أمّا الذين يقولون إنّ ما وقع في العراق هو احتلال وليس تحريرا، فإنّهم يستندون إلى الحجج التّالية :

    1/ إنّ الولايات المتّحدة نفسها، وكذلك الأمم المتّحدة عبّرت عن هذا التّواجد العسكريّ على أرض العراق بأنّه قوّة "احتلال".



    ولكن ما يفوت مقدّمي هذه الحجّة هو أنّ لمفهوم الاحتلال مدلولين :أمّا المدلول الأوّل فهو قانونيّ يحيل إلى الاتّفاقيّات الدّوليّة، فالاحتلال هي الصّفة التي تضفى على الجيوش الأجنبيّة التي تجتاح دولة أخرى فيتسنّى للأمم المتّحدة والمنظّمات الدّوليّة أن تراقب فعلها ومدى احترامها للاتّفاقيّات الدّوليّة التي تنصّ على حقوق معيّنة لا بدّ من مراعاتها إزاء المدنيّين، وكذلك المقاتلين. وأمّا المدلول الثّاني فهو سياسيّ، والسّؤال الذي نطرحه في هذا الصّدد هو : هل يتوافق هذا الاحتلال مع رغبات وتطلّعات الشّعب العراقيّ في إسقاط صدّام ونظام حزب البعث أم لا؟ إن كان الجواب بنعم، فهذا الاحتلال يكون تحريرا.

    2/ عدم صدور قرار دوليّ يقضي بالحرب على العراق، فقوات التّحالف تصرّفت خارج الغطاء الشّرعيّ للأمم المتّحدة، ومن ثمّة فهو احتلال بالمعنى الضّيّق للكلمة.

    ويمكن الرّدّ على هذه الحجّة بأنّ الشّرعيّة الدّوليّة لا يمكن حصرها في أنماط شكليّة لا تأخذ بعين الاعتبار الظّروف والحالات المستجدّة، التي تتشكّل على المسرح الدّوليّ، نتيجة لتغيّر الشّروط الموضوعيّة في طبيعة النّزاع، وأوضاع اللاّعبين الدّوليّين، وبروز أطراف جدد ما كانت الأنماط القديمة للعلاقات الدّوليّة تعرفها، ومن ثمّة ما كان لها أن تنظّم طريقة التّعامل معها، كبروز الإرهاب العالميّ مثلا وقدرته على إحداث شروخ خطيرة في بنية النّظام الدّوليّ القديم. وهذا ما أوجد ما يسمّى بحالة الدّفاع عن الشّرعيّ عن النّفس أمام خطر محدق داهم.

    ولكنّ أنصار مقولة الاحتلال يردّون على ذلك بأنّ هذا المبرّر نفسه الذي يتّخذ مرجعيّة الدّفاع الشّرعيّ ذريعة لهذا التّدخّل، قد سقط لعدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق بعد الاحتلال.

    غير أنّ مناصري فكرة التّحرير يقولون كذلك بأنّ شرعيّة التّدخّل ليست بالضّرورة شرعيّة منشئة لفعل استعمال القوّة، بل قد تكون شرعيّة "جابرة" تنسحب على الفعل بأثر رجعيّ، كما هو الحال في القرارات الدّوليّة ذات الصّلة بالعراق.

    هذا الجدل وتداعياته قد يقودنا في النّهاية إلى نقاش أخلاقيّ، وقد يوصلنا إلى محاولة تطبيق قواعد القانون لوطنيّ على العلاقات الدّوليّة، ولكن نستطيع أن نقول في شأن الحالة العراقيّة إنّ شرعيّة استعمال القوّة ضدّ نظام صدّام حسين يدخل في إطار نظريّة دوليّة بدأت تتشكّل، وهي نظريّة الحرب الاستباقيّة، التي يبرّرها الخوف من أن يمكّن نظام صدّام حسين الإرهابيّين من الحصول على أسلحة دمار شامل. هذا من جانب التّحالف، أمّا من جانب القوى العراقيّة المناوئة لنظام صدّام، وهي في ما نعلم الأكثريّة السّاحقة من الشّعب العراقيّ، فإنّ الحرب واستعمال القوّة يدخلان في إطار نظريّة القوّة القاهرة, ذلك أنّ الشّعب الذي يعاني على مدى ثلاثة عقود ونصف من الكوارث والفواجع لا بدّ أن يرى في احترام القانون الدّوليّ في هذه المسألة استخفافا بحقوق الإنسان.

    3/ يقول هذا الفريق إنّ ما حصل احتلال حقيقيّ لأنّ الولايات المتّحدة تريد السّيطرة على احتياطيّات النّفط في العالم.

    ويمكن الرّدّ على هذه الحجّة بطرح هذا السّؤال : متى كانت الولايات المتّحدة محرومة من نفط العراق إلاّ بإرادتها؟ فنحن لم نر منتجا للنّفط امتنع عن بيع نفطه لأمريكا، ولكنّ الذي حصل هو العكس، أي أنّ أمريكا امتنعت عن شراء نفط بعض الدّول عندما يصل الصّدام معها إلى نقطة حرجة.

    ثمّ إنّ العراق ينتج حوالي 3 مليون برميل في اليوم، ومن وجهة نظر ميزان الرّبح والخسارة، فإنّ ما أنفقته الولايات المتّحدة وما ستنفقه على هذه الحرب، وفي إعادة إعمار العراق يلزم أمريكا أن تصادر هذا النّفط وأن تأخذه بدون مقابل ولمدّة خمسين سنة على الأقلّ!

    4/يقول البعض إنّ أمريكا هي قوّة طغيان ولا يمكن أن تكون قوّة تحرير. وقد يردّ على هذا الرّأي بأنّ الوقائع التّاريخيّة تدلّ على خلاف ذلك تماما. فالولايات المتّحدة لم تكن في يوم من الأيّام قوّة استعماريّة تقليديّة، بل هي، على العكس من ذلك، استطاعت أن تحرّر العالم من هيمنة القوى الإمبرياليّة الفاشيّة والنّازيّة، وكذلك ساهمت في تقويض وتصفية الاستعمارين الإنكليزيّ والفرنسيّ بعد الحرب الكونيّة الثّانية. لا شكّ أنّها في مرحلة الحرب الباردة قد تدخّلت ضدّ إرادات الشّعوب وطموحات الأمم، إلاّ أنّها الحرب وما تمليه من إكراهات. أمّا بعد انتهاء هذه الحرب، فيمكن أن تتقاطع مصالحها القوميّة في الأمن مع مصالح بعض الشّعوب، وهذا ما حصل في العراق تحديدا.



    لن نخوض أكثر في حجج الطّرفين، ولكن من المفيد أن نجيب عن هذا السّؤال المحدّد : لماذا رحّب أكثر العراقيّين بما حدث، ولماذا يعارضه أكثر العرب؟

    وإجابة عن الطّرف الأوّل من السّؤال، فإنّ أكثر العراقيّين مرتاحون لما حدث لأنّهم وحدهم يعرفون عمق المأساة التي أوصلهم إليها نظام صدّام حسين، ولأنّهم واثقون بقدرتهم على دحر الجيوش الوافدة إذا تحوّلت إلى قوّة ونظام احتلال.

    أمّا معارضة العرب لما يحدث في العراق اليوم، فلها أسبابها المتجلّية في ما يلي :

    1/ إنّ الذّهنيّة العربيّة الإسلاميّة ما زالت حتّى في لاوعيها تؤمن بتقسيم العالم إلى دار حرب ودار أمان، لذلك فإنّ العرب لا ينظرون إلى الظّواهر السّياسيّة في مسبّباتها ونتائجها، وإنّما يختصرون كلّ ظاهرة تصادميّة في موقعين هما موقع المؤمن وموقع الكافر، على اعتبار أنّ الكافر يريد إيذاءنا ولو كان ظاهر الحال يدلّ على أنّه يريد مساعدتنا، وعلى اعتبار أنّ المسلم وإن كان جائرا يجب الخضوع إليه والوقوف معه ومبايعته.

    2/ إنّ العرب ينظرون إلى القضيّة الفلسطينيّة باعتبارها القضيّة المركزيّة، لذلك فإنّ أيّ موقف سياسيّ لا بدّ أن يأخذها في الحسبان. وبما أنّ أمريكا والغرب عامّة يقفون إلى جانب إسرائيل، فلا يمكن للعرب أن يصدّقوا بوجود دولة يكون موقفها من الفلسطينيّين سلبيّا ويكون موقفها من الشّعب العراقيّ إيجابيّا.

    وهذا يعني عدم وجود ألوان في الذّهنيّة السّياسيّة العربيّة، فهي إمّا أن ترى الأسود أو الأبيض، إمّا أن تكون معي ضدّ مصالحك ومعتقداتك إن لزم الأمر، وإمّا أن تكون ضدّي حتّى وإن كانت مصالحنا تتقاطع في بعض النّقاط.

    وهذا موقف انفعاليّ ولا شكّ، يؤدّي إلى إلغاء العقل والإضرار بمصالح الشّعوب، كما يؤدّي إلى فتح مجال واسع للهوس وإلى تضييق فسحة الموضوعيّة والواقعيّة السّياسيّة.

    3/ إنّ العرب لم يعرفوا، طيلة تاريخهم، الدّيمقراطيّة والمواطنة وحقوق الإنسان باعتبارها تمثّل منجزات الحداثة التي لم يلجوها حتّى الآن، لذلك فإنّ مفاهيمهم قديمة ومعاييرهم تنتمي إلى عصور غابرة. ولذلك أيضا فإنّهم إذا سمعوا بالانتخابات في العراق لا يكتفون بالتّشكيك في مصداقيّتها قبل أن تقع، بل يعبّرون عن عدم اكتراثهم بالعمليّة الدّيمقراطيّة برمّتها، ويعتبرون خروج الأمريكان من العراق، وإن أدّى إلى حرب أهليّة، أفضل من إرساء الدّيمقراطيّة فيها، لأنّهم يرون فيها مجرّد ثمرة من ثمار ما يعتبرونه احتلالا.

    4/إنّ العرب، وبتأثير من وسائل الإعلام و"النّخب المثقّفة"، كان لهم أمل في أن تهزم الجيوش الأجنبيّة على يد صدّام وكان أكثرهم واقعيّة يرى أنّ توازن القوى لا يتيح نصرا لنظام البعث، ولكن يأمل أن تكون بغداد على أيّة حال مقبرة لجنود التّحالف. وكانت الخيبة كبيرة عندما انهزمت جيوش صدّام التي لم تكن معدّة للقتال وإنّما كانت مجهّزة للقتل، أي قتل المواطنين فقط. وعندما رأوا بغداد تسقط دون مقاومة انتابتهم نوبة من الإحباط وأصبح كلّ أملهم اليوم في انتصارات ميليشيات حزب البعث وعصابات الزّرقاويّ على أمريكا، وهذا وهم آخر آيل للسّقوط، ولكن حتّى ذلك الحين لا بدّ أن يطلقوا لفظ الاحتلال على القوّة الأجنبيّة حتّى تكون المقاومة مشروعة، بالرّغم من أن هذه المقاومة تنال من الإنسان العراقيّ أكثر ممّا تنال من جيوش التّحالف، وبالرّغم من أنّها موضع إدانة من أكثريّة الشّعب العراقيّ نفسه.
    " انني استودع الله سبحانه وتعالى ,هذا البلد الحبيب لبنان ,وشعبه الطيب ,وأعبر من كل جوارحي,عن شكري وامتناني لكل الذين تعاونوا معي في الفترة الماضية"
    رفيق الحريري
    21 اكتوبر 2004

    تعليق


    • #3
      مشاركة: في المسألة العراقيّة (2)احتلال أم تحرير؟

      ولكن بعد هذا العرض لا بدّ من طرح سؤال مشروع : هل كلّ ما قامت به جيوش التّحالف خير؟

      لا بدّ أن نقول إنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة قد ارتكبت أخطاء جسيمة في حقّ العراق وفي حقّ نفسها كذلك، تتمثّل في :

      1/ عدم حراستها للمنشآت العراقيّة وعلى الأخصّ دوائر الدّولة والمتاحف والمكاتب، ونتيجة لذلك نهبت وخربت، وشعر بعض العراقيّين بالإهانة وبأنّ هذه القوات ما كانت معنيّة بأموالهم العامّة ولم تكن حريصة على سلامة ما يعتبرونه بحقّ جزءا من تاريخهم وتراثهم الحضاريّ.

      2/ تسريحها الجيش والبوليس والمخابرات بالجملة، وهذا خطأ ترتّب عليه دخول الإرهابيّين وتمكّنهم من إيجاد النّصير من هذه الشّرائح التي دفعت دفعا إلى أن تقف موقفا معاديا من هذه القوات التي حرمتها مصدر رزقها وضاعفت من جيوش البطالة التي تعجّ بها العراق.



      وفي النّهاية، بعد كلّ هذه المماحكات حول الاحتلال والتّحرير، هل ما حصل في العراق احتلال أم تحرير؟ جوابنا باختصار هو أنّ فكرة التّحرير التي نميل إلى الأخذ بها هي واقع حال ملموس مجسّد على الأرض، يدلّ عليه تطابق ما قامت به هذه الجيوش الأجنبيّة مع رغبات أكثر العراقيّين وآمالهم وطموحاتهم، وذلك بإسقاط نظام صدّام حسين وحزب البعث والوعد بإجراء انتخابات ديمقراطيّة. أمّا فكرة الاحتلال، فهي تعبّر عن محاولة استشفاف لنوايا دول هذه الجيوش ولما سوف تقوم به مستقبلا، أي أنّها موضوع إمكان قد يرقى إلى درجة الاحتمال. ولا يمكن التّأكّد من ذلك عمليّا إلاّ بانتخاب برلمان شرعيّ تنبثق منه حكومة شرعيّة، وهذه الحكومة عندما تطلب من هذه الجيوش الخروج من العراق وفي حالة عدم استجابتها لهذا الطّلب أو تلكّؤها في الخروج، في هذه الحالة فقط يتحوّل التّحرير إلى احتلال تجب مقاومته.

      وإذا تيقّن الشّعب العراقيّ من ذلك، فإنّ له القدرة على قتال هذه الجيوش ودحرها، ولن يكون في حاجة إلى الزّرقاويّ ولا إلى أزلام النّظام السّابق ليحقّق استقلاله وحرّيّته.
      " انني استودع الله سبحانه وتعالى ,هذا البلد الحبيب لبنان ,وشعبه الطيب ,وأعبر من كل جوارحي,عن شكري وامتناني لكل الذين تعاونوا معي في الفترة الماضية"
      رفيق الحريري
      21 اكتوبر 2004

      تعليق

      يعمل...
      X