Announcement

Collapse
No announcement yet.

في المسألة العراقيّة (3)مكامن الأخطار: العباءة والعمامة

Collapse
X
 
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • في المسألة العراقيّة (3)مكامن الأخطار: العباءة والعمامة





    أضحت الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان مطلبًا للإنسانيّة جمعاء، فمنها من أنجزها ومنها من أنجز جزءًا صغيرًا أو كبيرًا، حسب ظروف كلّ بلد ودرجة اقتراب شعبه من الحداثة أو بعده عنها. وحتّى تلك الشّعوب التي عانت من الاستبداد، قد أضحت لها فكرة جليّة عن أهدافها المستقبليّة في الدّيمقراطيّة، وحقوق الإنسان، ووضعتها على أولويّات برامجها الانعتاقيّة. إلاّ أنّ الوضع في البلاد العربيّة يبدو شاذًا في هذا المشهد الإنساني لهذه الظّاهرة الكونيّة، فلماذا؟


    يبدو للمراقب أنّ ثمّة شيئاً لدى الشّعوب العربيّة يشذّ عن سلوكيات الإنسان المعاصر، حتّى إنّ تقبّلها للاستبداد يكاد يكون عنصرًا بنيويًّا في تكوينها. فعندما تنظر إلى مجتمع العراق والأحداث التي جرت على أرضه مؤخّرًا وعلى سبيل المثال، تلاحظ أنّه مجتمع أبوي غير قادر على تحمّل المسؤوليّة. فبعيد سقوط نظام صدّام، هرع كثير من العراقيّين إلى الحوزات والحسينيات يستشيرون رجال الدّين أو إلى خيم زعماء العشائر، يرشدونهم إلى السّلوك الأمثل الواجب اتّباعه، أي أنّهم ذهبوا يبحثون عن أبٍ اجتماعي جديد قديم. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على عزوف كثير من العراقيّين عن تحمّل المسؤوليّة في العمل السّياسي والاجتماعيّ. لقد هالهم تحمّل مسؤوليّة أفعالهم الحرّة، لأنّ التّحمّل الواعي لهذه المسؤوليّة هو الركن الرّكين في اعتناق الحريّة وتحمّل تبعاتها.


    وبدون الدّخول في بحث أكاديمي لا تتّسع له حدود هذه المقالة..نستطيع وبكلّ اطمئنان أن نقرّر أنّ الشّعب العراقي مثله مثل كافة الشّعوب العربيّة، يعاني من مرض مزمن هو غياب فكرة الفرد.لأنّ فكرة الفرد هي فكرة عصريّة حقّقها الإنسان بعد صراع مرير من أجل انعتاقه من كافة المؤسّسات الدّينيّة ورجالها، ومن كافة أشكال الحكومات التي تستمدّ شرعيتها من عالم الغيب، كأن تنبني على التّفويض الإلهيّ، ومن كلّ الأفكار التي تكرّس تدجين الإنسان ودمجه في قطيع سلس الانقياد.


    هذه الأفكار وهذه النّضالات لم يعرفها الإنسان العربي ولم يخض معاركها حتّى الآن، لأنّه ما زال قابعا على هامش الحداثة. كلّ ما عرفه الإنسان العربي تلك المؤسّسات الأهليّة من عشيرة وقبيلة وطائفة، وهذه المؤسّسات الجماعيّة التّجميعيّة لا تؤمن بالفرد بل إنّ وجودها هو نفي للفرد ووجود الفرد نفي لها. ففكرة الفرد هي فكرة المجال الحيوي الذي يسمح للإنسان بالتّحكّم في عقله وجسمه كما قال فولتير: "الفرد هو الشّخص المالك لرأسه وفرجه". فعندما لا يملك الإنسان عقله فلا يمكن له أن يبدع لأنّ الإبداع حالة فرديّة بامتياز، كما أنّه لا يستطيع التّفكير خارج مسارب الدّوقما الجمعيّة، ولا يكون قادرًا على الاقتراب من المسكوت عنه والممنوع التّفكير فيه واللاّمفكر فيه، لأنّ هذه الأسيجة العقائديّة هي وحدها التي تحافظ على تماسك هذه التّجمّعات البشريّة البدائيّة، وهي نفسها التي تعيق انبثاق فكرة الفرد المالك لرأسه أي المستقل الفكر والرؤية.


    وعندما يمنع الإنسان من امتلاك فرجه، وتشاركه في ملكيّته القبيلة أو العشيرة أو الطائفة، قد يفقد حياته إذا ما حاول التمرّد على هؤلاء المغتصبين، وليس أدلّ على ذلك من العقوبات القاسية التي سنتها هذه الجماعات في تشريعاتها مثل "رجم الزّاني" كما ورد في التوراة (سفر التّثنية).


    لذلك يجب أن نتفحّص حياتنا بنوع من الدّقة حتّى يتسنّى لنا تشخيص حالتنا المعيشيّة هذه، فنحن كنّا نعيش في ظلّ سلطنات وخلافات حكمتنا على مدى التّاريخ باسم الدّين أو باسم الأمّة. والأمّة هنا ليس لها المعنى الحديث، بل لها معنى القبيلة الكبرى. وقد استمرّت فكرة الأمّة من إسلاميّة وعربيّة على نفس السّياق القبلي والعشائري متلبّسة بالدّين أو جاعلة إيّاه مرجعيّة لها. لذلك اعتبر أنّ ما كان يصلح للقرون السّابقة هو ما يصلح للعصور اللاّحقة، ولذلك وضع النقلُ العقلَ في متحف التّاريخ وإلى الأبد.


    ففكرة الأمّة القبيلة تطمس الإنسان وتغيبه، وتعتبر الفرد الخارج عن الإجماع عدوّا أساسيّا تجب تصفيته، لأنّه يمثّل اِعتداء حقيقيّا على وحدة الأمّة "القبيلة". فما كان لهذه التجمّعات البشريّة البدائيّة إلاّ أن تُؤَسَسْ اجتماعها على عبوديّة الإنسان للمجموع وضبط قطيع النّاس، وضرب بروز أيّ فكرة فرديّة وإدانتها بالخلع أو بالتّكفير أو بالتّخوين كما كانت القبائل العربيّة في الجاهليّة تخلع أحد أعضائها إذا حاول أن يخرج رأسه من سياج عبادة الأسلاف وتتبرّأ منه وتبيح دمه، وهذا ما عرف بظاهرة الخلعاء. أمّا بعد الإسلام فأصبحت هذه الظاهرة تكبح بالتكفير والاتّهام بالزّندقة.


    وفي العصر الحديث، وباستحداث الفكرة القومية اصطلاحًا مع بقاء الممارسات القبليّة فعلاً، أصبحت فكرة الفرديّة تُضرَب بتهمة الخيانة والخروج عن ثوابت الأمّة. لهذا نلاحظ أنّ الإنسان العربي لم يتذوّق طعم الحريّة الفرديّة طيلة تاريخ وجوده على الأرض، ومن ثمّ ما كان له أن يلبي موعدًا مع قدره إذا لاحت في الأفق بارقة أمل، حتّى يأخذ زمام المبادرة ويتحمّل مسؤوليّة أفعاله وتبعات خياراته، فنجده يهرب فورًا للبحث عن أب جديد يزجّه في قطيع، مستسلمًا لشعور الطمأنينة النّابع من حماية المجموع وربوبيّة الأب.


    إذًا فالإنسان العربي لا يخرج من سيطرة أب حتّى يقع في استبداد أب آخر. فظاهرة الأب المسيطر التي تقوّض أي هامش للحريّة لدى الإنسان وتحدّ من طموحاته في أن يكون فردًا، تتمحور حول فكرة طوباويّة، هي الحفاظ على تماسك الجماعة، وتبنى في الغالب على أسطورة مؤسِسَة هي عبادة الأسلاف. وتتّخذ في الغالب هذا النّوع من التّداعي.

    " انني استودع الله سبحانه وتعالى ,هذا البلد الحبيب لبنان ,وشعبه الطيب ,وأعبر من كل جوارحي,عن شكري وامتناني لكل الذين تعاونوا معي في الفترة الماضية"
    رفيق الحريري
    21 اكتوبر 2004

  • #2
    مشاركة: في المسألة العراقيّة (3)مكامن الأخطار: العباءة والعمامة


    قد يكون الأب رجل دين يقنع النّاس بأنّه أعرف بطريقة خلاصه في الدّنيا والآخرة، وقد يكون شيخ عشيرة يقوم بضبط النّاس بدعوى الحفاظ على وجودهم وحمايتهم من الآخرين تحت رعايته. وفي أحيان أخرى يأتي أحد هؤلاء الآباء، ويخضع الآخرين إلى رعايته، وكثيرًا ما يخضع أحد هؤلاء الآباء الآخرين إلى سيطرته لينفرد بالسّلطة كما هو حال الحكام العرب. وعندما يسقط هذا الأب الإله، كما حصل لنظام صدّام حسين، يترك ذلك السّقوط فراغًا كارثيًّا، فيهرع النّاس إلى الآباء الصّغار من رجال دين وشيوخ عشائر، ليحتموا بحكمتهم ويعملوا بتوجيهاتهم. فيتشرذم المجتمع من جديد وتتكاثر الآباء إلى أن يهيمن أحدهم على الآخرين، فإذا كان أبو الآباء رجل دين أقام حكمًا تيوقراطيًّا مستبدًّا، وخصّ بنفسه ترجمة إرادة اللّه على الأرض.


    أمّا إذا كان ذلك الأب عشائريًّا فإنّه يقيم دولة قبليّة ويطلق على أعضائها تسمية الشّعب أو الأمّة، وتكون هذه الدّولة غالبًا ذات طابع شوفينيّ، وتنبني على حكم ذي طبيعة استبداديّة، تتغلب فيه العشيرة الأقرب، ويتمّ فيه إخضاع بقيّة العشائر بالترغيب أو التّرهيب. وفي كلّ هذه الأحوال لا نجد الإنسان الفرد الذي هو أساس قيام المجتمع المدنيّ المبنيّ على الحريّة والتّداول السّلمي على السّلطة.


    إنّ فكرة الدّيمقراطيّة تعني أنّ الدّولة لكلّ مواطنيها وأنّها تنبني على حقّ الإنسان في أن يسلك سلوكًا أو أن يعتنق رأيًا حتّى وإن كان مخالفًا لفلسفة الأكثريّة. كما يمكنه أن يلتقي مع من يفكّر مثله ويكوّن مجموعة أخرى متمايزة عن بقيّة المجتمع. وبالحوار بين هذه التّجمّعات المختلفة ينشأ المجتمع الجديد، ويتشكّل رأي عام ويتمّ التّوصّل إلى وضع صياغة مشتركة للمجتمع. ويمكن لهذه الأحزاب أو الهيئات أن تضع جانبًا التّصوّرات القديمة وتحلّ محلّها تصوّرات أخرى، وتغيّر هياكل المجتمع وبنيته، دون إحداث زلزال مدمّر ينال من هذا المجتمع. وتكون أهمّ سمات هذا المجتمع كالتّالي:


    1- رفض فكرة الأمّة القبيلة التي تطمس الفرد وتحدّ من حريّته. فالمجتمع الجديد يبنى على أساس ذوات حرّة تتّحد فيما بينها لتكوين تصوّر عن الماضي والحاضر والمستقبل، ليست له علاقة بفكرة مسبقة يخضع إليها الفرد بدون جدل أو نقد.


    2- إن شرعيّة الحاكم وولايته في كلّ درجات هرم السّلطة لا تتأتّى من قوّة الشّوكة وإنّما تنتج عن الاختيار الرّضائيّ لغالبيّة الشّعب، وإنّ هذه الأغلبيّة قابلة للتغيير في أزمنة قصيرة نسبيًّا من خلال صناديق الاقتراع.


    3- إنّ المجتمع الجديد هو مجتمع يستطيع أن يحوّل مؤسساته الأهليّة من قبليّة وطائفيّة إلى مؤسّسات مجتمع مدني من أحزاب ونقابات وجمعيات واتّحادات وروابط يكون اللّقاء فيها على أساس فكرة، لا على أساس انتماء إثني أو ديني.


    4- إنّ مرجعيّة المجتمعات الحديثة هي مرجعيّة مدنيّة، مبنيّة على احتياجاتها وطموحاتها، ولذلك تنحسر المرجعيّات الدّينيّة، ليكون مجال عملها الضّمير والوجدان فقط.


    أي أنّ المجتمعات الحديثة لا تخلط الفيزيقي بالميتافيزيقي، كالنّص في الدّستور على أنّ الإسلام دين دولة مثلاً، أو أنّ الشّريعة مصدر التّشريع في المجتمع. ففي هذه الحالة لن يكون الدّستور هو المرجع النّهائي، وإنّما ينقلب إلى وسيط لمرجعيّة ماورائيّة أعلى، خاضعة لتأويل طائفة من النّاس تحتكر علوم تأويل عالم الغيب وتطبيقه على عالم الشّهادة.


    وإذا عدنا إلى المجتمع العراقي اليوم، رأينا أنّ الخطاب السّياسي ينحو منحى طائفيّا وعشائريّا. فهذا يقول بالبيت الشّيعي، وآخر يتكلّم عن هيئة كبار علماء المسلمين الّتي تمثّل الطّائفة السنّية، وآخر يتكلّم باسم العشائر، وهكذا...


    إنّ هذا الخطاب قد يكون ضروريًّا اليوم للأسباب الّتي أسلفنا، ولكن لا يمكن أن تسلم سفينة العراق الحديث لتيّارات وأمواج العشائريّة والطائفيّة، لأنّ النّتيجة محسومة سلفًا في هذه الحالة وهي نتيجة كارثية. إنّ العشائريّة والطائفيّة في العراق أو في أيّ بلد آخر، ما هي إلاّ تجمّعات بشريّة بدائيّة لا تستطيع إقامة مجتمع حديث، أي أنّ أفكار الديمقراطيّة والحريّة وحقوق الإنسان لا يمكن إدماجها في مؤسّسات أهليّة تنتمي إلى حقبات بدائيّة في الاجتماع الإنساني. فلا يمكن مثلا لأيّ مؤسّسة طائفيّة أيّا كانت درجة استنارتها أن تؤمن بأن القانون يجب أن يكون هو الحكم وصاحب الكلمة العليا في المجتمع، وإنّما تظلّ تستعمل الفتوى في التّحريم والتّخوين والتّجريم والإباحة، منطلقة من مرجعيّة لاهوتيّة تحتقر أيّ مرجعيّة مؤسسة على فكر إنساني. ويبقى القانون ومشروعيّته ومجال اشتغاله محدودًا ومحدّدًا بمرجعيّة قروسطيّة لا يمكن لأيّ فكرة حديثة ("بدعة") أن تعبّر عن نفسها من خلاله.


    إنّ الفتوى، مثلاً، عندما تتعدّى مجالها الأخلاقي وتدخل في مجال السّياسة والاقتصاد ومشروعيّة السّلوك المدنيّ، لا تعدّ رأيًا دينيًّا يمكن اتّباعه من قبل مَنْ يريد ذلك من جموع المؤمنين، وإنّما تصبح خصمًا للقانون والتّشريعات المدنيّة، ينافسها ويريد الحلول محلّها. لذلك، فإنّ شيخ الطّائفة عندما يصدر فتوى يسنّ تشريعًا قد يكون مخالفًا للتّشريع المدني ومتضادّا معه، وفي هذه الحالة لا يمكن التّأسيس لمجتمع مدني حقيقي، لأنّ في هذه الفتوى احتكارا لسلطة التّشريع أو منافسة لمن يخوّل إليه التّصدي لها كالبرلمان مثلاً. وهذا ما يلغي فكرة المشروعيّة المنبثقة عن إرادة الشّعب من أساسها. أمّا العشائريّة التي هي تعبير عن تجمّع إنساني بدائي كذلك، فإنّها تقوم على أواصر الدّم، في حين تقوم المجتمعات المدنيّة الحديثة وتقوم مؤسّساتها على الأفكار والرّؤى، لا على وشائج اللُّحمة.


    فلا يمكن مثلا أن نتصوّر أحزابًا عصريّة تقوم في مجتمع يدين فيه الإنسان بالولاء للعشيرة أو القبيلة، ويلوذ بها للدّفاع عن مصالحه والمطالبة بحقوقه. وإذا حدث ذلك فإنّ هذه الأحزاب لن يكون لها من الحزب غير الإسم، ويكون العرب بذلك قد اخترعوا مسخًا جديدًا يضاف إلى اختراعهم العبقري "للجمهوريّات الوراثيّة".


    ونستطيع أن نخلص في نهاية هذا العرض إلى أنّ أعداء العراق الحديث ومكمن الأخطار التي تهدّده تتمثّل في العشائريّة والطّائفيّة. فما العمل؟ هذا هو السّؤال الذي سنطرحه في المقالة القادمة
    " انني استودع الله سبحانه وتعالى ,هذا البلد الحبيب لبنان ,وشعبه الطيب ,وأعبر من كل جوارحي,عن شكري وامتناني لكل الذين تعاونوا معي في الفترة الماضية"
    رفيق الحريري
    21 اكتوبر 2004

    Comment

    Working...
    X