شهادة أرمنية على الحرب الأهلية اللبنانية
«الذبيحة» لآرام سبتجيان
بيروت: فيصل خرتش
عاصر آرام سبتجيان المأساة الفظيعة في لبنان بحكم كونه مواطنا لبنانيا، وذاق مرارتها واكتوى بنارها مثل غيره. واتخذ لروايته بطلا سماه اشود نركيسيان، الرجل الطيب، رب الاسرة الحنون الذي ابعدته الحرب الاهلية اللبنانية المسعورة قسرا وابقته بعيدا اربعين يوما في مدينة جدة السعودية، قضاها بين الامل في العودة الى الاحباء واليأس القاتل، تهدئه احداث ومواقف انسانية متباينة.

قبل ان يبدأ المؤلف الرواية يقدم صورة مواطن لبناني في مقهى عند شاطئ البحر في لارنكا، يشكو مأساته الى جليس له من قبرص. ومن خلال حديثهما يسرد كل قصته في رواية بأسلوب مؤثر مبك محزن احيانا ومضحك فكه احيانا اخرى، وفي كلتا الحالتين يفكر في ابتعاده عن اسرته واقامته الاجبارية في جدة بعدما فقد سبل العودة الى بيته في بيروت. ولا ينسى المؤلف ابان تسلسل الاحداث من ذكر النكبات التي مر بها الشعب الارمني في فترة الحرب العالمية الثانية، وقبلها الحرب العالمية الاولى، تلك التي كانت سببا في تشريد هذا الشعب المناضل المجتهد.

ننطلق من الاحداث السياسية ـ الاجتماعية التي بدأت في لبنان في 13 نيسان 1975، ودامت 18 عاما، تحت عنوان «الازمة اللبنانية» لنقارنها بما حصل في تاريخ الامم المختلفة من احداث مماثلة، من صراعات اهلية طويلة الامد تدمر البلد وتجعل العاصمة، مع اجزاء كبيرة من مدن اخرى، خرابا يبابا، وتقهر الشعب بالقتل والذبح والانحلال الاجتماعي والاقتصادي، ويفقد الامن على الانفس والممتلكات، فلا وجود للدولة مع ضرورة وجودها، مما يتسبب في هروب الناس ونزوحهم بغية الخلاص من هذا الجحيم الفظيع، وما يتبع ذلك من حالة نفسية حزينة يعيشها اللبناني خارج وطنه وفي قلبه لوعة على بلاده.

فكما ارتبطت «الازمة اللبنانية» بالحياة اليومية للشعب اللبناني، مهددة وجوده واملاكه، كذلك صارت جزءا من حياة الارمن اللبنانيين بكل شرائحهم دون استثناء، مع مزيد من القساوة والفظاظة. وقد انعكس هذا التأثير، كشهادة على الحالة النفسية والروحية في تلك الحقبة من الزمن، على المطبوعات والادب الارمني اللبناني، ومباشرة بعدها، تأثيره على الفن. فاذا كان الشعب اللبناني الاصيل يشكل لوحة فنية متكاملة، فان ارمن لبنان يشكلون جزءا لا ينفصل من هذه اللوحة. جربوا ان تغيروا ارضيتها وان تزيلوا فن ارمن لبنان وثقافتهم وانجازاتهم العلمية والاقتصادية.. وسترون كيف يمتقع لون اللوحة، لانها حرمت الريشة التي دأبت على اكمالها على مدى نصف القرن الماضي الاخير. فمن الطبيعي اذن ان تنعكس هذه الازمة على ارمن لبنان، بكل كدرها وثقلها، لأن الشعبين تعايشا، يتغذيان من نور شمس واحدة. لهذا السبب صارت ازمة لبنان، لا تخص اللبنانيين وحدهم، بل تخص الارمن ايضا. لقد تقاسم الشعبان الانهيار الإنساني والاقتصادي، فكيف يجوز للكاتب اللبناني الأرمني بالتالي أن يقف مكتوف اليدين أمام هذه المجزرة الشنيعة؟ فكيف يمكن له أن يتجاهل هذه الظاهرة اللاإنسانية في إبداعاته ومؤلفاته، وقد ارتبط مصيره بمصير مواطنه العربي، مع انه وقف موقف الحياد من الفصائل المتصارعة، بكل طوائفه وأحزابه السياسية؟. وفوق هذا، نراه، وهو يعاني من الاضطرابات اليومية التي تدخل في صميم حياته، قد مدّ جسراً روحياً بين قلب الكاتب والمواطن اللبناني المعذب، سواء كان عربياً أو أرمنياً، شمالياً أو جنوبياً، من شرقي بيروت أو غربيها، من المسيحيين أو المسلمين.. لا فرق. إن اللبناني الأرمني قبل كل شيء، هو ذلك الأرمني الذي أُجلي عن أرضه قسراً، إنه يعيش بقلق اليوم وفي ذاكرته معاناة آبائه وتشريدهم وقتلهم، وبعد أن أصبح كاتباً ومفكراً، سيربط القديم والحديث، قوميته بلبنانيته، شخصيته بالإنسانية العالمية، وفي ضياعه هذا سيبحث عن حل جديد للتعبير عن حاضره ونفسيته. ويكفي هذا شهادة على العصر.