إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

استغلال الدين لحرق الثورات د. علي محمد فخرو

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • استغلال الدين لحرق الثورات د. علي محمد فخرو

    استغلال الدين لحرق الثورات
    د. علي محمد فخرو
    2012-02-29


    لا تقتصر محاولات الحراكات المضادة لأهداف ومسارات الثورات على الجانب السياسي، إذ أن وعي الناس وحماسهم الفطري إبان بدايات الثورات يجعلهم غير قابلين للاختراق أو الإنحراف من قبل الخطاب السياسي المشكك في أو المناهض للثورات. عند ذاك يلجأ أعداء الثورة إلى أسلحة الجوانب الأخرى وعلى رأسها أسلحة الثقافة والدين. وهذا بعض ما تواجهه الثورات العربية حالياً. فأعداء الثورات أدركوا مبكراً أنهم لا يستطيعون محاربة تلك الثورات من خلال نشر خطاب سياسي يتعاطف مع الأنظمة السياسية الأمنية الفاسدة الناهبة الاستبدادية السابقة في حالة الثورات الناجحة والأنظمة الحالية بالنسبة للثورات التي لا تزال تشق طريقها. لذلك عمدوا إلى استعمال سلاح الدين، كما يفهمونه، لشق صفوف قوى الثورات وإشغالها وإنهاكها وحرفها عن أهدافها خصوصاً ذات الأولية القصوى، وهي أهداف سياسية بحتة تتعلق بالانتقال إلى أنظمة حكم ديموقراطية تحكمها مبادئ الكرامة الإنسانية والحرية والتنمية وعدالة توزيع الثروة والقانون المنبثق عن إرادة الأمة.

    الاستفادة من أجواء الحرية لعرض الدين، بانتهازية، من خلال دعاة متخلفين فكرياً وموتورين خطاباً ومتزمتين ممارسة وطائفيين اجتهاداً، ومن خلال هوس مريض بقضايا التكفير ومحاصرة المرأة المسلمة وقراءات متعصبة منغلقة لخطاب الإسلام المتسامح الوسطي العقلاني... عرض الدين بهذا الشكل البليد نجح في إدخال مؤسسات المجتمعات العربية وساكنيها في دوامة الصراعات والخلافات الفقهية والإنشغال بالهوامش. لقد تم ذلك على حساب إنضاج الفكر السياسي الثوري وبناء استراتيجيات تغييرية مستقبلية ومعالجة لمشاكل المواطنين اليومية الذين ينتظرون الكثير من إنجازات الثورات.

    وهنا يجب توجيه أصابع اللوم إلى عدة جهات. الجهة الأولى تتمثل في بعض من الدول العربية التي تتبنى فقهاً متخلفاً متزمتاً وطائفياً يبشر به وينشره دعاة شبه أميين يتصفون بالإنغلاق الفكري والتزمت العقيدي. هؤلاء الدعاة يحصلون على دعم مالي سخي وعلى منابر إعلامية، كثيرة العدد والتنوع، تمكنهم من إحتلال ساحة الدعوة الدينية لا في بلدانهم فقط وإنما في كل أقطار الوطن العربي. والنتيجة أن هؤلاء الدعاة يحدثون الهرج والمرج المضحك المبكي أينما يتواجدون.

    الجهة الثانية الملامة هي الأحزاب الإسلامية، التي وصل بعضها للحكم في بعض الأقطار العربية، والتي تنسى بأن الثورات التي جاءت بهم إلى المجالس النيابية وكراسي الحكم تنتظر منهم أولاً المساهمة في حل مشاكل الناس الدنيوية الكبرى. إن الشعوب قد ثارت وضحت من أجل الإستقلال الوطني ومواجهة الخطر الصهيوني وإحداث التنمية الإنسانية المستدامة والإنتقال إلى الديموقراطية السياسية الاقتصادية العادلة وتحسين الخدمات العامة من تعليم وصحة وسكن وعمل. إن هذه القضايا المجتمعية التي تمس الجميع هي التي فجرت الثورات وليس القضايا الفقهية الهامشية التي يشغل الدعاة الناس بها ليل نهار، والتي بالرغم من أهميتها الفقهية هي في الأساس قضايا تهم الأفراد ولا تحتل حتى أولوية دينية.
    من هنا فان الأحزاب السياسية الإسلامية مطالبة بأن ترفض استغلال تواجدها السياسي من قبل بعض الدعاة وبعض الأنظمة وذلك من أجل إدخال مجتمعاتها في مماحكات فقهية ليس الآن أوانها. فالأمة الآن معنية بتركيز كل قواها لاستعادة عافيتها الحضارية وليس بدخولها في انقسامات حول موضوع تكفير الآخرين الشائك المختلف حوله أو لباس المرأة وعملها أو قضايا الإختلاط في الجامعات ومحلات العمل وأماكن السياحة. وهي قضايا من جهة أولى ستبقى محل إجتهادات متباينة حتى قيام الساعة ومن جهة ثانية ستبقى مرتبطة بمدى التزام الفرد بدينه أو بالمدرسة الفقهية التي ينتمي إليها.

    عندما احتل العراق الكويت طرح البعض، بانتهازية سياسية، موضوع الإختيار بين الوقوف مع الجيوش 'الكافرة' الغربية وبين الوقوف مع الحكم العراقي حتى ولو كان يمارس الظلم في بلاده، على أساس أن شر الظلم أهون من شر الكفر.

    لقد نسى الناس آنذاك قول الإمام علي بن أبي طالب 'بأن الدنيا تدوم مع العدل والكفر ولا تدوم مع الظلم والإسلام'، أي نسوا بأن مأساة اجتياح الكويت كانت قضية دنيوية بحتة ولا دخل لها بقضية الإيمان أو الكفر. لكنها الانتهازية السياسية التي تستعمل وتستغل الدين.

    اليوم نحن أمام استغلال من نوع آخر للدين. إنه يستعمل من قبل بعض الدول المعادية لاية تغييرات جذرية لإرساء الديموقراطية والعدالة الاجتماعية الاقتصادية في بلاد العرب.... يستعمل لشق صفوف الشعوب وإلهائها بمعارك جانبية كما نراها بشكل واضح في حالات الإلهاء والمماحكة في مصر وتونس وليبيا واليمن على سبيل المثال. إن بعض الأنظمة وبعض الدعاة يأملون أن تنتقل تلك الخلافات بعد ذلك إلى حقول السياسة والاقتصاد والثقافة والفكر فيتوقف زخم المد الثوري في الأقطار التي ثارت وتثور أملاً منهم بمنع انتقال عدوى الفكر والفعل الثوري إلى أقطارهم. لكن هؤلاء يتجاهلون بأن الفكر الثوري هو فكر شمولي يطال كل الحقول، بما فيه حقل الدين الذي أراده الرسل والأنبياء كحقل ثورات مستدامة ربانية من أجل العدالة والحرية والمساواة والتراحم والأخوة الإنسانية وليس من أجل أقليات حكم مستبدة فاسدة.
    وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

يعمل...
X