إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

محاسبة المرجعية الدينية العليا للمسلمين في الشريعة الإسلامية وفي الدولة العثمانية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • محاسبة المرجعية الدينية العليا للمسلمين في الشريعة الإسلامية وفي الدولة العثمانية

    محاسبة المرجعية الدينية العليا للمسلمين في الشريعة الإسلامية وفي الدولة العثمانية


    القاضي الشيخ محمد نقري - المستقبل اللبنانية

    في البداية لا بد من التسليم بأنه ليس في الإسلام كهنوت ولا مرجعيات دينية ولا رؤساء طوائف، وإنهم وإن وجدوا لأسباب عملانية في الفترات المتأخرة من العصور الإسلامية فإن الشريعة الإسلامية لا تعترف لهم بحصانة تعفيهم من الإفلات من العقوبة عن الجرائم التي ارتكبوها بحق الأفراد أو بحق المجتمع. فمبدأ المساواة الذي أقرته الشريعة الإسلامية مطلق حيث لم تفرّق أحكام الشريعة مطلقاً بين الرؤساء والمرؤسين، ولا بين أصحاب الدولة وعامة الناس ولا بين الممثلين الديبلوماسيين والرعايا العاديين، ولا بين ممثلي الشعب وأفراده ولا بين الأغنياء والفقراء، فالمرجعيات الدينية لا قداسة لها في الإسلام وليس لها أي امتياز يميزها عن غيرها إن هي أخطأت وخالفت وتمادت في مخالفة الأنظمة والتشريعات. في مواقف خالدة وعديدة سطرتها لنا الأحاديث النبوية ما زال صداها ينقل الينا أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل تدخل في نطاق مسؤولية الحاكم وصاحب السلطة. أحد هذه الأحاديث ينقل إلينا حادثة غريمٍ تقاضى النبي صلى الله عليه وسلم في دين فأغلظ عليه، فهمّ به عمر بن الخطاب، فقال له الرسول: "مه يا عمر، كنت أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر". وفي موقف آخر للنبي خاطب الناس أثناء مرضه الأخير فقال: "أيها الناس من كنت جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء من قِبَلي فإنها ليست من شأني، ألا وإنّ أحبكم إليَّ من أخذ مني حقاً إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس". وفي موقف ثالث حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تطبيق مبدأ عدم التمييز بين كبار المسؤولين ومن يلونهم ولو كانوا أبناءهم بالذات، ففي يوم سرقت امرأة من أشراف قريش، فتحدث الناس أن رسول الله عزم على إيقاع العقوبة عليها، فأعظموا ذلك وكلموا فيها الرسول، فقام خطيباً فقال: (ما إكثاركم عليّ في حد من حدود الله، وقع على أمة من إماء الله؟ والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد نزلت بمثل الذي نزلت به لقطع محمد يدها).

    ولقد نهج الخلفاء بعد رسول الله هذا المنهج فكانت كلماتهم حين مبايعتهم بالخلافة، توكيداً لمعنى المساواة، ونفياً لمعنى الامتياز: يقول أول الخلفاء أبو بكر: يا أيها الناس، قد وُليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني. ثم يعلنون في آخر كلماتهم أن من حق الناس الذين اختاروهم أن يعزلوهم من مناصبهم، فيقول أبو بكر: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. ويقول الخليفة الثاني عمر بن الخطاب: "لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقاً وغرباً، فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم، فإن استقام تبعوه، وإن جَنِفَ قتلوه. فقال طلحة: وما عليك لو قلتَ وإن تعوج عزلوه، قال: لا، القتل أنكل لمن بعده". وحادثة اقتصاص القبطي من ابن والي مصر عمرو بن العاص مشهورة في هذا الموضوع، كما أن سيرة الإمام علي كرم الله وجهه تذخر بأسمى ما عرفته البشرية من محاسبة النفس والمسؤولين ولو كانوا في قمة السلطة والرئاسة.

    وأما موقف فقهاء الشريعة الإسلامية فلم ترق إليه مواقف أكثر الشرائع الحديثة تقدماً. جاء في كتاب التشريع الجنائي الإسلامي للمؤلف الكبير الشهيد عبد القادر عودة: أن الفقهاء يسوون الرؤساء بجمهور الناس حين ارتكابهم الجرائم والمخالفات، ولا يميزونهم عنهم في شيء. وهذا ما اتفق عليه كافة الفقهاء في ما يختص بالولاة والحكام والسلاطين والملوك (وهو يطبق على صاحب كل سلطة ومرجعية ولو كانت أعلى سلطة دينية). فمذهب أئمة المذاهب الفقهية الكبرى مالك والشافعي وأحمد، لا يفرق بين جريمة ارتكبها هؤلاء المسؤولون عن الجريمة التي يرتكبها الأشخاص العاديون. فيرون أن هذه المرجعية مسؤولةٌ عن كل جريمة ارتكتبها سواء تعلقت بحق الله أو بحق الفرد؛ لأن النصوص بعامة والجرائم محرمة على الكافة بما فيهم السلطان والإمام والرئيس والمرؤوس، فهي جرائم معاقب عليها لمن ارتكبها. بل ولم يكتف الفقهاء بتقرير عقوبة الرؤساء والقادة (والمسؤولين الدينيين) وغيرهم على ما يرتكبوه من جرائم، بل بحثوا في ما إذا كانوا ينعزلون بارتكابهم هذه الجرائم، فرأى بعضهم أن هؤلاء المسؤولين ينعزلون بارتكابهم المحظورات، وإقدامهم على المنكرات، تحكيماً للشهوة وانقياداً للهوى؛ لأن عملهم هذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة، ويمنع من استدامتها. (الجزء الأول من المرجع المذكور من صفحة 258 إلى صفحة 262).

    وأما موقف الدولة العثمانية فكان أكثر تشدداً بل وتنكيلاً بكل من يخرج عن حدود الشريعة وعن المبادئ الإسلامية الأساسية وبخاصة إذا كان ينتمي إلى أعلى رتبة في السلك الديني للعلماء، إلى حد أن العقوبات التي أصابت المخالفين لأوامر الدين والشرع خرجت عن حد المألوف المتعارف عليه في إيقاع العقوبة القصوى المنصوص عليها في الشريعة الإسلامية لمثل هذا النوع من الجرائم أو المخالفات.

    في كتابه تاريخ مؤسسة شيوخ الإسلام في العهد العثماني كتب أحمد صدقي شقيرات عن حادثة شهيرة هزت أرجاء الدولة العثمانية في القرن السابع عشر عرفت باسم عصيان أدرنة أو بحادثة شيخ الإسلام فيض الله أفندي.
    من باب التذكير فقط فإن منصب شيخ الإسلام كان أرفع منصب ديني عرفته الدولة العثمانية. ويعتبر من حيث الأهمية المنصب الثالث بعد الخليفة العثماني والصدر الأعظم (رئيس الوزراء) بل وإن هذين المنصبين كانا يتسابقان في الأهمية والقدر وفق أهمية الشخص الذي يعيّن بهما ووفق صداقتهما وعلاقتهما بالسلطان العثماني. ولقد كرس لقب شيخ الإسلام بعد أن اعتبر مفتي اسطنبول هو المفتي العام لكل الديار العثمانية، فمنح شيخ الإسلام منذ ذلك الحين إضافة إلى صفته مفتي الأنام، صلاحيات شاملة في الأوقاف الإسلامية والقضاء الشرعي وفي فتوى خانة أي دار الفتوى.

    هذه الحادثة الشهيرة ارتبطت إذاً باسم فيض الله أفندي الذي كان من كبار علماء الدين ونقيباً للأشراف ومعلماً للسلطانين مصطفى الثاني وأحمد الثالث وعيّن بعدها مدرساً في دار الحديث في السليمانية ومن ثم قاضي عسكر الروم ايلي فقاضياً لضاحية ايوب الى أن عيّن في 14 شباط 1688 شيخاً للإسلام. استمر فيض الله افندي في هذا المنصب سبعة عشر يوماً ثم عزل بعدها ونفي إلى أرضروم لاتهامة بأنه كان وراء ثورة قتل فيها الصدر الأعظم ساوش باشا، ثم أعيد الى هذا المنصب مرة أخرى في 25 أيار 1695 ووصل به الشأن كما تذكر المصادر إلى أن الصدر الأعظم بنفسه كان لا يفعل أي شيء من أمور الدولة إلا بمشورته.

    وأما سبب الثورة التي قامت ضده فلأنه كان شديد التحيز لإقاربه وقد وزع المراكز العليا في المشيخة بين أبنائه وأقربائه وإن لم يكونوا أكفاء، لذلك فقد سد الطريق أمام المشايخ الآخرين للوصول إلى المراكز العليا في طبقة العلماء، فمنح منصب نقيب الأشراف لابنه فتح الله أفندي، ومنحه أعلى رتبة علمية، وكأنه أعلنه ولي العهد لمنصب شيخ الإسلام، ومنح باقي أبنائه وأقاربه مناصب عليا في الجهاز الديني، الأمر الذي أدى إلى استياء العلماء ضده الى أقصى الحدود.

    وتذكر المصادر بأن الثورة اندلعت ضده من قبل العلماء وجنود فرق الإعاشة والإنكشارية والعاطلين عن العمل حتى بلغ عددهم خمسين ألف شخص تقدموا إلى مدينة أدرنة حيث عزلوا السلطان مصطفى الثاني ونصبوا شقيقه السلطان أحمد الثالث، وفور دخولهم أدرنة ألقوا القبض على شيخ الإسلام الذي أحضر من قبل المتمردين الى ثكنتهم وزج في سجن قادة الإنكشارية وعذب طوال ثلاثة أيام ثم أحضر الى سجن أدرنة، إلى أن صدرت الفتوى بإعدامه من قبل شيخ الإسلام الذي تولى من بعده المشيخة علي افندي بشمقجي زادة. وبما أنه كان ينتمي الى سلك العلماء الذين لا يجوز إعدامهم، عيّن شكلياً محافظاً لمدينة كانديه من أجل أن يفقد صفته الدينية، وفي 3 أيلول 1703 أحضر من السجن راكباً على "كديش" الى سوق البازار في أدرنه، حيث قلبه المتمردون من الحصان قائلين له "هذه هي حال شيخ الإسلام الذي يخون الدولة والدين" ثم قطعوا رأسه وعلقوه على قضيب حديدي وحملوه في الشوارع وربطوا رجليه بحبل وجرت جثته من ثكنة الإنكشارية الى الطريق العام التي تبعد ساعة ونصف وعرضت جثته للفرجة ثم رميت في نهر التونجة أو نهر ماريتسا الذي يجري في أدرنة، ولهذا السبب فإنه لا يوجد قبر لفيض الله أفندي مثل باقي شيوخ الإسلام الذين تداولوا على المشيخة في تاريخ السلطنة العثمانية. وقد قتل في هذه الحادثة إبنه فتح الله افندي ونجا باقي أبنائه (المصدر المذكور، الجزء الأول من صفحة 573 الى 581).

    تقول المصادر التاريخية بأن هذا الإجراء الصارم بحق رأس السلطة الدينية شيخ الإسلام فيض الله أفندي كان سبباً بعدم تجرؤ شيوخ الإسلام الذين تولوا هذه المناصب من بعده لتعيين أبنائهم وأقاربهم في المناصب العليا داخل المؤسسة الدينية الإسلامية.
    وأما سبب انهيار المؤسسة الدينية الإسلامية وإلغاء مشيخة الإسلام في ما بعد وانحسار القضاء الشرعي على حساب القضاء العدلي فتعود أسبابه كما يشير الحقوقي النمساوي هايدبورن في كتابه القانون العام العثماني المطبوع باللغة الفرنسية سنة 1908 (صفحة 213) إلى أن كبار المسؤولين في المؤسسة الدينية كان همهم الوحيد تسمية أبنائهم في المراكز الدينية الكبرى منذ دخولهم المدارس الدينية وحصولهم على لقب دانشماند "طالب" وهم في سن لم تنبت فيه لحاهم، مما أدى إلى كثرة الوظائف الدينية التي تسند إلى هؤلاء الصبية دون أي تقدير لمستواهم العلمي المتدني، وتأجيرها بالتالي الى أشخاص آخرون يقومون بأمورها ويتقاضون رواتب ضئيلة من أصحاب الوظائف الأصليين.

    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X