إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

الخطاب الإسلامي بين «المحرك والمتباري»

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الخطاب الإسلامي بين «المحرك والمتباري»

    الخطاب الإسلامي بين «المحرك والمتباري»

    ماجد الجعيد * - الحياة

    الأفكار والمشاريع البشرية التي لا تتضمن، بصفتها أفكاراً موجهة قوية، إلا مصالح عاجلة، فإنها وإن كانت تحمل في طياتها مضامين إسلامية صحيحة ومتفقاً عليها إلا أنها لن تفتح الطريق إلا لمواقف عاجلة وقصيرة تنتهي بانتهاء عواملها التي أسهمت في تشكلها ورواجها، وحين تغيب هذه الأفكار والمشاريع، أو تفقد فاعليتها، فإن ذلك لا يعني بالضرورة زوال الأصل الذي انطلقت منه، بل يعني ذلك أن هذا الأصل بحاجة إلى إحياء، أو ما يُعرف عند علماء الأصول بالتجديد، ولذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها»، وفي زيادة عن ابن كثير «أمر دينها».

    حين نحاول مراجعة الخطاب الإسلامي في المشهد السعودي فإنه لا يمكن قراءته بناء على مخرجاته الحالية وأنشطته وإلا سنقع في مشكلة استئصال مرحلة من مراحله ومحاكمتها من دون البحث عن مشكلات التأسيس وعوامله التي أسهمت بشكل مباشر وغير مباشر في بنيته الأصلية ومنطلقاته، ولذا نحن بحاجة دوماً إلى العودة إلى نشأة هذا الخطاب، وأعني به الخطاب الإسلامي الحركي، لمحاولة فهمه ومعالجته سعياً لتقويمه وإعادة تجديده والبناء على رصيده المعرفي والفكري الذي قدمه على مدى عقود بصفته أحد أكبر المؤثرين في الساحة السعودية.

    طبيعة الخطابات والمشاريع البشرية أنها لا تنشأ بصفة محايدة بعيداً من الواقع ومشكلاته ومؤثراته، بل إن الواقع بعوامله السيسيو - ثقافية يسهم في بناء وتشكّل أي جهد بشري، ولا يمكن أن يكون الخطاب الإسلامي إلا جهداً بشرياً في نهاية الأمر ولا يعني الإسلام نفسه، بل هو خطاب يتفاعل مع الواقع ويتأثر به لينتهي بعد أعوام إلى صورة تحتاج إلى إحياء وتصحيح لأنها غالباً ما تكون صورة متأزمة بمشكلات الأمس وعوامله.

    لا شك في أن التيارات الإسلامية في السعودية تأثرت في نشأتها بعوامل عدة أهمها النفس السلفي الذي كان المؤثر الأكبر في هذا الخطاب في ظل الحركة العلمية والشرعية في تلك المرحلة، إضافة إلى استقطاب كثير من الأفكار والخطابات الإسلامية التي ظهرت في الوطن العربي، وظل الخطاب الحركي متأثراً بتلك الخطابات الإقليمية والعربية في صراعاتها السياسية والفكرية مع التيارات اليسارية والقومية، ومن هنا بدأ هذا الخطاب التأسيس لنفسه في الداخل السعودي كمشروع إسلامي سلفي يبحث له عن واقع وقاعدة شعبية محلية، وبالفعل كان هذا الخطاب ينتشر بشكل واسع ويحاول أن يوظف الأفكار التي استقطبها من مقالات وكتابات الإسلاميين في العالم العربي في المشهد المحلي وفي الحقل السياسي، وفي أوائل القرن الهجري الحالي تحول هذا الخطاب إلى مرحلة أخرى في تأريخه وهي بناء رؤيته واجتهاداته في مقابل التيارات اليسارية والقومية، أو الليبرالية في الداخل السعودي، فصدرت عنه كتب/ أشرطة كاسيت ضخمة تحاول أن تجعل من خطابها منهجاً متمايزاً عن الآراء والاجتهادات التي يطرحها الخصوم من التيارات الأخرى، وبشكل موجز لطبيعة المقال الصحافي. ظل هذا الخطاب الإسلامي يبني رؤيته المعرفية ومواقفه الاجتماعية والسياسية مستصحباً حال التباري والمواجهة مع خصومه فكرياً، وهكذا جدول هذا التيار أولوياته بشكل عفوي نتيجة الحراك الفكري والثقافي المحتدم مع خصومه ليصدّر للمشهد الكثير من الأولويات كقضايا المرأة والحريات والآخر وبدأ يبني حولها نشاطاته المعرفية والشرعية، وهنا كانت أزمة هذا الخطاب التي تتمثل في تحوله إلى خطابٍ «متبارٍ» لا منتج ومحرك، فأسهم في توسيع دائرة الخصوم وضيّق من دائرته الخاصة، حتى ادعى الكل أنه يمثل الأمة والإسلام ويرى في اجتهاداته الحق المطلق، وفي تقديري أن ذلك يعود من ناحية فلسفية إلى أن هذا الخطاب ينطلق في مواقفه وآرائه من القضايا المختلف فيها مع خصومة أولاً ليتحدث عن رؤيته الإسلامية من هذه الزوايا الضيقة، فظهر بخطاب إسلامي متأزم مع المخالف/ والمجتمع، فمثلاً حين تحدث نازلة تتعلق بالمرأة أو الآخر المخالف فإن هذا الخطاب لا ينطلق من الإسلام بسعته كمحرك ومنتج ليتحدث عن هذه النازلة لكنه ينطلق من الماضي بمشكلاته وملابساته المتأزمه مع الخصوم للحديث عن الرأي الشرعي في هذه المسألة!

    الرؤية والفتوى الشرعية، كما قرر ذلك علماء الأصول، لا يمكن لها أن توافق مراد الشرع إلا إذا تضمنت التواصل الصحيح مع النص الشرعي، إضافة إلى القراءة الصحيحة للواقع، أو ما يطلق عليه أصولياً «تنقيح المناط وتحقيقه»، والخطاب الإسلامي المحلي يتعامل بشكل جيد وعميق مع النص الشرعي لكنه لا يتعامل مع الواقع القائم اليوم، بل مع الماضي ومشكلاته، ويدل على ذلك كثرة الاقتباسات والنقولات والبناء على أقوال السابقين أو استقطاب آرائهم وإسقاطها على واقع لا يحتملها.

    الخطاب الإسلامي حتى يعود إلى حيويته لابد له من تصحيح طرائق تفكيره واستدلاله حتى يتحول من خطاب «متبارٍ وخصم» إلى خطاب منتج ومحرك، ففي مجتمع مسلم لا تخرج أفكاره ومشكلاته عن دائرة المسائل الاجتهادية السائغ فيها الاجتهاد يجب أن يكون الخطاب الإسلامي فيه محتوياً للكل وموجهاً له لا خصماً له، فكثيراً ما نخطئ حين نجعل من اجتهاداتنا الإسلام بذاته، ونجعل من خصومنا أعداءً للإسلام والنبي «صلى الله عليه وسلم» يقول «بشروا ولا تنفروا».

    * محامٍ وكاتب سعودي.
    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
يعمل...
X